اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بعد انقلاب الأحكام على الدين، تبدو إعادة قراءة نظرية العلمنة ضرورية. فبفصل المفهوم عن النظرية وعن المعاني التاريخية للعلماني، يمكن تقديم تمييزات تحليلية منقذة لفهم العالم الحديث قبل رفضها.

هل ما زال أحد يؤمن بأسطورة العلمنة؟ تُظهر النقاشات الجديدة داخل علم اجتماع الدين أن هذا سؤال مناسب ينبغي أن يُستهل به أي نقاش حول نظرية العلمنة. ورغم أن قلة من "المؤمنين القدامى" مثل برايان ويلسون (Bryan Wilson) وكارل دوبلاره (Karel Dobbelaere)، يصرون، عن حق، على أن نظرية العلمنة لا تزال تحتفظ بقيمة تفسيرية في محاولة فهم العمليات التاريخية، فإن غالبية علماء اجتماع الدين لا يعيرون هذا التصريح اهتماماً. ذلك أنهم يرفضون هذا البراديغم الآن بنفس العجلة غير النقدية التي اعتنقوه بها من قبل. يسخر بعضهم من العقلانيين الذين أطلقوا نبوءات كاذبة حول مستقبل الدين، بالطريقة نفسها التي سخر بها فلاسفة عصر التنوير الفرنسيون، من قبلهم، من الحالمين الدينيين والكهنة الظلاميين. أما الآن، وبعد أن تسلح علماء اجتماع الدين بالأدلة العلمية، فإنهم يشعرون بثقة تمكنهم من التنبؤ بمستقبل باهر للدين. إن انقلاب الحكم هذا على مستقبل الدين مذهل؛ لأنه قبل عشرين عاماً تقريباً، لم يكن أحد مستعداً عملياً للإصغاء إلى النقاشات الأولى حول نظرية العلمنة، وكذلك الأسئلة الأولى التي أثارها ديفيد مارتن (David Martin) وأندرو غريلي (Andrew Greeley) حول مفهوم العلمنة ووجود الأدلة التجريبية أو غيابها بشأنها. كيف كان بالإمكان الالتفات إلى هذه الأسئلة بينما كان حتى اللاهوتيون يعلنون موت الإله ويحتفلون بمجيء المدينة العلمانية [لا مدينة الله عند القديس أوغسطين]؟
كيف يمكن تفسير هذا الانقلاب في الحكم على نظرية العلمنة؟ كيف كان هناك كل هذا القدر من الأسطورة حول نظرية العلمنة سابقاً، وكل هذا القدر من النور الآن؟
صحيح أن الأدلة ضد نظرية العلمنة قد تراكمت منذ عام 1960 فصاعداً؛ لكن الأدلة المعارضة لهذه النظرية كانت موجودة دائماً، وكانت إما تُتجاهل أو تُعتبر غير ذات صلة بالنظرية. لماذا كان الأمر كذلك؟ الواقع نفسه لم يتغير إلى هذا الحد. إذن، فإن إدراكنا للعلمنة هو الذي تغير. نحن هنا نشهد ثورة كونية في البراديغمات العلمية. قد يعتبر البعض استخدام كلمة "علمي" في هذا السياق الخاص غير دقيق ويعترضون؛ لكننا بلا شك نشهد تغيراً جذرياً في المناخ الفكري وكذلك في سياق الرؤى الكونية التي عادة ما تسند الكثير من إجماعاتنا العلمية.
في ميدان [نقاش] العلمنة، ينبغي أن تظل لافتة التحذير هذه معلقة دوماً: "تقدم على مسؤوليتك الخاصة". وبوعي كامل بوجود هذه الأفخاخ، دعونا نتقدم بإدخال بعض التمييزات التحليلية - التي نأمل أن تثبت فائدتها. قد تقنع هذه التمييزات بعض غير المؤمنين [بنظرية العلمنة] بإلقاء نظرة أخرى على هذه النظرية، قبل أن يعلنوا رفضها. بعض جوانب هذه التمييزات ليست منقذة فحسب، بل هي ضرورية لبعض مراحل ماضينا وحاضرنا وحتى لفهم مستقبل عالمنا. دعونا نبدأ بإدخال التمييز بين مفهوم العلمنة ونظرية العلمنة؛ ثم نقدم تمييزات أخرى بين ثلاثة معانٍ مختلفة لهذه النظرية؛ ينبغي فصل هذه المعاني الثلاثة بوضوح عن بعضها البعض.
العلمنة كمفهوم
إن التمييز بين مفهوم «العلماني» ومشتقه «العلمنة» وبين النظرية السوسيولوجية الخاصة بالعلمنة أمر مهم؛ لأن المفهوم [«العلماني»] ذاته متعدد الأبعاد لدرجة أنه قابل، وبشكل غريب، للارتداد إلى معانيه المتناقضة، وقد راكم عبر تاريخه طيفاً واسعاً من المعاني المختلفة. ربما كان من الأكثر حكمة أن نتخلى عن هذا المفهوم بالكلية؛ لكن هذا يخلق معضلات أكبر لعلم الاجتماع. إن طيف معاني مفهوم العلماني وتناقضات هذه المعاني تجعله عملياً غير فعال بالنسبة للطرائق السائدة في التحليل التجريبي-العلمي. ونتيجة لذلك، يتوجب على علم الاجتماع الوضعاني اللاتاريخي أن يرد هذا المفهوم إلى فرضيات واضحة وقابلة للاختبار حتى يسهل إثباتها من خلال البحوث الطولية (longitudinal) التي تسعى إلى إحصاء رؤوس وقلوب وعقول الناس المتدينين. لكن الحذف الكامل لمفهوم العلمنة يؤدي إلى فقر مفاهيمي أكبر؛ لأننا في هذه الحالة سنفقد الذكريات التاريخية المعقدة التي تراكمت في هذا المفهوم، وسنفتقر إلى المقولات المناسبة لرسم بياني لهذا التاريخ وفهمه. في المجتمع الأمريكي العلماني الراهن، قد يستطيع علم اجتماع دين منغلق على ذاته أن يتجاهل هذا المفهوم؛ لكن علم الاجتماع التاريخي لا يستطيع أن يفعل ذلك.
اسمحوا لي أن أذكر ثلاثة معانٍ فقط لهذا المفهوم كي أوضح الطريقة التي اختلطت بها هذه المعاني الثلاثة بالعمليات التاريخية للعلمنة. بالنظر إلى أصل الكلمة (الإتيمولوجيا) لمفهوم العلماني، نتعلم أن الكلمة القروسطية «سيكولوم» (saeculum) كانت تحمل ثلاث طبقات دلالية غير متميزة. في اللغات الرومية يوجد مقابل لكلمة سيكولوم: سيكولو (Secolo)، وسيغلو (Siglo)، وسيكل (Siécle).
لقد حافظت هذه اللغات على هذه المعاني الثلاثة. في قاموس كاسل (Cassell) الإسباني، نجد مقابل سيغلو: «قرن، عصر، عالم». لكن في «العصر» و«العالم» المعاصرين للعلماني، لم يبقَ من المعاني الثلاثة المذكورة سوى معنى «قرن» مستخدماً في الحياة اليومية؛ لأن تمييز الزمان والمكان إلى واقعين متميزين عن بعضهما، أي إلى واقع مقدس وآخر غير مقدس، أصبح بلا معنى حقاً منذ أزمنة بعيدة جداً؛ حتى في إسبانيا الكاثوليكية.
لكن فيما يتعلق بالقانون الكنسي (Canon Law) يُستفاد معنى مختلف للعلمنة؛ أي حيث يشير مصطلح العلمنة إلى ما يمكن تسميته «عملاً قانونياً»، له عواقب قانونية على الفرد. هنا تشير العلمنة إلى العملية القانونية التي بموجبها يغادر شخص متدين مكاناً محصوراً [في الدير] ويعود إلى «العالم» وإغراءاته، وبهذا يصبح شخصاً علمانياً.
من الناحية الشرعية الكنسية، كان بوسع الكهنة أن يكونوا دينيين وعلمانيين معاً. أولئك الكهنة الذين قرروا الخروج من عالم السيكولوم وتكريس أنفسهم لحياة الكمال الأسمى، شكلوا «الكهنة الدينيين»؛ أما أولئك الكهنة الذين عاشوا في العالم، فكانوا «الكهنة العلمانيين». يسمي ماكس فيبر العلمنةَ العمليةَ التي ينتقل أو يتحول من خلالها مفهوم «الدعوة»، أي الأنشطة الدينية، إلى أنشطة علمانية. أي أنه الآن، ولأول مرة، يدل مفهوم «الدعوة» على الأنشطة العلمانية في العالم. هنا يستخدم ماكس فيبر المفهوم الكنسي لـ«الدعوة» بمنزلة قياس.
أخيرًا، يشير مفهوم العلمنة إلى العملية التاريخية الواقعية. مصطلح العلمنة كان يعني في البداية مصادرة ممتلكات الكنيسة الواسعة ونزع ملكية الأديرة والأوقاف والثروات الموقوفة للكنيسة من قبل الدولة؛ وهو ما حدث بعد الإصلاح الديني البروتستانتي وفي أعقاب استمرار الحروب الدينية. منذ ذلك الحين، أصبحت العلمنة تعني «عبور» و«انتقال» و«تحوّل» الأشخاص والأشياء والوظائف والمعاني وما إلى ذلك من موقعها التقليدي في حقل الدين إلى الحقل العلماني. لذلك، صار من الشائع أن تدلّ العلمنة على المصادرة – سواء بالقوة أو بسبب التقصير في سداد الديون – وكذلك على الاستيلاء على وظائف المؤسسات التي كانت تقليديًا بيد الكنيسة. هذا التعدد التاريخي المتبقي من مفهوم العلمنة لا يكتسب معناه إلا عندما نقبل حقيقة أنه «في يوم من الأيام»، كان جزء عظيم من الواقع في أوروبا العصور الوسطى قد تشكل فعلاً من خلال نظام تصنيف كان يقسم العالم إلى حقلين أو مجالين غير متجانسين: الحقل الديني والحقل العلماني.
الفصل بين هذين الحقلين، بهذا الشكل الخاص وتاريخيًا – الذي كان غير مألوف نسبيًا – كان أشبه بتقسيم المقدس-غير المقدس الذي لم يكن بالتأكيد بتلك اللامتجانسية المطلقة التي كان دوركايم يظنها دائمًا. لأنه بين حدود هذه الثنائية، كان هناك غموض كبير وتغيرية وتداخل وغالبًا ارتباك واضح، كانت المراتب العسكرية أحد أمثلته. ما يهم فهمه هو أن هذه الثنائية كانت مؤسسة عبر المجتمع بأسره. لذلك، كان الحقل الاجتماعي نفسه ذا بنية ثنائية.
كان هناك «سيفان»، أحدهما روحي والآخر دنيوي، وكلاهما كانا يدعيان أن لهما منبعًا كاريزماتيًا مستقلاً. نوع من السيادة المزدوجة المؤسسة التي كان ينبغي بالضرورة أن تكون منبع توتر كبير وصراع مكشوف، وفضلاً عن ذلك كان ينبغي بذل جهود لإنهاء هذه الثنائية بوضع أحد هذين الحقلين تحت الحقل الآخر.
الصراع المتكرر بين «أصحاب المناصب» كان تجليًا للتعبير عن هذا التوتر الحاضر دائمًا. ادعاءات الكنيسة الثيوقراطية والحكام الروحيين بأنهم يتفوقون على الحكام الأرضيين ولذلك يمتلكون الأفضلية القصوى والحق في الحكم على الأمور الدنيوية أيضًا، كانت تصطدم بادعاءات الملوك القيصرية-البابوية الذين كانوا يدعون أنهم بحكم الحق الإلهي [للمُلك] تجسيد للسيادة المقدسة، وكذلك بجهود الحكام الدنيويين الذين كانوا يريدون جعل الحقل الروحي جزءًا من ميراثهم وتابعًا يدفع لهم الخراج.
بنية ثنائية مماثلة كانت تقسم أيضًا «هذا العالم» إلى حقلين منفصلين: الحقل الديني والحقل العلماني؛ اللذين كان ينبغي أن يكونا متميزين عن بعضهما وأن يُفصلا عن تقسيم آخر: «هذا العالم» و«العالم الآخر». إلى حد كبير، أصبح التقصير في فصل هذين النوعين من التمايزات منبع سوء الفهم في نقاشات العلمنة.
قد يقول قائل إنه ينبغي القول بدقة أكبر إنه لم يكن هناك «عالَمان»، بل «ثلاثة عوالم». من الناحية المكانية كان هناك «العالم الآخر» (السماء) و«هذا العالم» (الأرض). لكن «هذا العالم» نفسه كان ينقسم إلى العالم الديني [الكنيسة] والعالم العلماني. من الناحية الزمانية، نجد التقسيمات الثلاثة نفسها بين عمر الله الأبدي والعمر الزماني-التاريخي، حيث كان العمر الزماني-التاريخي نفسه ينقسم إلى الزمان المقدس-الروحي للخلاص، الذي كان تقويم الكنيسة يظهره، والعمر العلماني. من وجهة نظر كنسية، كانت هذه التقسيمات الثلاثة تُعبّر عنها في التمايز الإسخاتولوجي بين «الكنيسة غير المنظورة» (the Communio Sanctorum) و«الكنيسة المنظورة» (the Una, Sancta, Catholica, Apostolica Roman church) والمجتمعات العلمانية.
من الناحية السياسية، كانت مدينة الله المتعالية [الترانساندانتالية] (الملكوت السماوي)، وممثلتها هنا على الأرض، الكنيسة (المملكة-البابوية)، ومدينة الإنسان (الإمبراطورية الرومانية المقدسة وكل الممالك المسيحية). بلغة المقولات العلمانية الحديثة، نقول إنه كان هناك واقعان، أحدهما الواقع الطبيعي والآخر الواقع فوق الطبيعي. لكن الواقع فوق الطبيعي نفسه كان ينقسم إلى الواقع فوق الطبيعي غير التجريبي ورمزه، التمثل المقدس في الواقع التجريبي.
لذا يمكن القول إن المسيحية ما قبل الحديثة في أوروبا الغربية قد بُنيت عبر نظامين ثنائيين: من جهة، ثنائية بين «هذا العالم» و«العالم الآخر»، ومن جهة أخرى، ثنائية داخل «هذا العالم»؛ أي الثنائية بين الحيّز الديني والحيّز العلماني. غير أن الطبيعة المقدّسة للكنيسة كانت تجعلها وسيطاً بين هاتين الثنائيتين. فهي، لكونها تقع في المنتصف بين هاتين الثنائيتين، كانت تنتمي إلى كلا العالمين في آنٍ معاً. لذا كانت قادرة على التوسّط بينهما بشكلٍ يفيض قداسة. وبالطبع، كان نظام التصنيف هذا قائماً فحسب على دعاوى الكنيسة التي كانت قادرة على تصنيف الواقع وفقاً لدعاويها؛ ولكن فقط طالما كان الناس يقبلون هذه الدعاوى. في الحقيقة، إن قبول دعاوى تفوّق الحيّز الديني على الحيّز العلماني، - لأي سبب كان - كان بوسعه أن يُبقي الصراعات المتأصّلة في مثل هذا النظام الثنائي محدودة.
إن العلمنة كمفهوم، تُحيل إلى عملية تاريخية واقعية يتحلّل عبرها النظام الثنائي داخل «هذا العالم» والبنى المقدّسة الوسيطة بين «هذا العالم» و«العالم الآخر»، بشكل متزايد، إلى أن يختفي كامل نظام التصنيفات القروسطي هذا تماماً، وتحلّ محلّه أنظمة جديدة لبنينة الحيّزات مكانياً. لعلّ التعبير الأيقوني لماكس فيبر حين قال: «لقد انهارت جدران الأديرة.» هو أفضل تعبير غرافيكي عن هذا الانهيار البنيوي الراديكالي؛ فالجدار الذي كان يفصل الحيّز الديني عن الحيّز العلماني في «هذا العالم» قد انهار. لكن الفصل بين «هذا العالم» و«العالم الآخر» لا يزال قائماً، على الأقل حتى الوقت الحاضر. ولكن من الآن فصاعداً، لن يكون هناك سوى «هذا العالم»، أي العالم العلماني، وعلى الدين أن يجد مكانه في هذا العالم العلماني. إذا كان الحيّز الديني في السابق هو ما بدا أنه يستوعب كامل الواقع، وكان على الحيّز العلماني أن يجد مكانه المناسب داخله، فإن الحيّز العلماني الآن هو الذي يستوعب كامل الواقع، وعلى الحيّز الديني أن يكيّف نفسه معه. ولكن، ما هو موقع الدين في هذه الأنظمة الجديدة للتصنيف والتمايز، التي نشأت داخل هذا العالم العلماني؟ - إن كان له موقع أصلاً -. هذه هي بالضبط المهمة التحليلية للبحث في نظرية العلمنة.
حتى الآن، كان تحليلنا للدين مقتصراً على البنية المكانية، أي على موقع نظام التصنيف الذي كان في خدمة خلق بنية الواقع الاجتماعي للمسيحية القروسطية. لم نتحدث شيئاً عن الأفراد الذين عاشوا في هذا الفضاء الاجتماعي، ولا عن معتقداتهم الدينية، ولا ممارساتهم الدينية، ولا تجاربهم الدينية. ربما يمكن الحديث بنوع من اليقين عن الأبعاد العامة لكون الفرد متديّناً. كانت العضوية في الكنيسة تبلغ مئة بالمئة عملياً. مع استثناءات، سُمح لبعض اليهود وبعض المسلمين بالعيش في أحيائهم الخاصة في البلدان المسيحية. كانت العضوية في الكنيسة إجبارية. لكن المعلومات المتوفّرة لدينا عن تديّن الأفراد قليلة. كان الجميع مسيحيين؛ حتى المعارضون والهراطقة - الذين كانت تُعاملون بنفس الأسلوب اللاإنساني الذي يُعامل به المعارضون في الدول الاستبدادية الحديثة -. المعارضة والهرطقة اللتان كان يُعبّر عنهما بانتظام، كانتا تُعرفان إما كإصلاح للمسيحية أو كعودة طائفية إلى النقاء الأول، وليس كرفض للمسيحية. وفيما يتعلق بما يُسمّى بالعامل الديني أو البُعد النتائجي للدين، أي المدى الذي أثّر فيه الدين على سلوك [الأفراد] في الحيّز العلماني، يمكن القول إنه بما أن الحياة في العلماني نفسه كانت تُنظّم، على الأقل رسمياً، وفقاً للمبادئ التي تقترحها المسيحية، فإن المسيحيين، بحكم التعريف، كانوا يعيشون حياة مسيحية داخل حدود الحيّز المسيحي.
بطبيعة الحال، وكما هو الحال في جميع المجتمعات، كان هناك أفراد منحرفون في العالم المسيحي. في الواقع، كان الرأي الرسمي هو أن جميع الأفراد خطاة؛ خطاة تُغتفر ذنوبهم، وخطاة يرتكبون الكبائر، وآخرون يعيشون في الخطيئة باستمرار، ومن يفرطون في الإثم ويُحرمون كنسياً. من المؤكد أنه كان هناك تمييز وتوتر بين القانون الشرعي [المسيحي] والقانون الرومي والقانون العرفي أو الجرماني؛ لكن التمييز بين الخطيئة الدينية، والجرم الأخلاقي، والجناية، لم يكن واضحاً بعد من وجهة نظر القانون. على أية حال، لا نملك أي معلومات، ولا حتى معلومات قليلة موثوقة أو قابلة للتعميم، حول التوزيع الإحصائي لمختلف فئات الخطاة، أو حول مدى وشدة المعتقدات والممارسات والتجربة الدينية. حتى عندما يستطيع المؤرخون أن يحددوا بدرجة نسبية من اليقين النسبة بين عدد الكهنة وعدد المتدينين في المجتمع، فإن هذه الإحصاءات لا تقدم في حد ذاتها إلا معلومات قليلة عن مدى التدين الفعلي للمجتمع. لكننا نملك معلومات كافية عن الفساد المستشري في بلاط الباباوات، وكذلك عن الملذات الجامحة في الأديرة، وعن الكهنة الذين كانوا يتاجرون بالمناصب الكنسية. إذا كان المبشرون [المزعوم] تقواهم يعيشون هكذا، فلا نملك دليلاً لنعرف أن المسيحيين العاديين عاشوا حياة أكثر تقوى. في الحقيقة، كان البناء الرسمي المسيحي للمجتمع يضمن أن يعيش كل فرد وفق [موازين] الدين المسيحي. ولأن البناء الديني نفسه كان مسيحياً، لم يعد هناك من ضرورة لأن تكون حياة الأشخاص، أي الناس الذين يعيشون داخل هذا البناء، دينية بالضرورة.
كان هناك، داخل هذا البناء، متسع كبير لامتزاج وانفصال بين السلطات المسيحية والملحدين، وكذلك للأشكال الجماعية للتدين. تقدم الوثائق المسجلة حول الصراعات بين الأرثوذكسية والهرطقة، وكذلك التوترات بين دين رجال الكنيسة ودين العامة التي استخرجها علماء الإثنوغرافيا والمؤرخون الاجتماعيون، آفاقاً تنقيحية حول الدين في العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث. نحن نفترض أن الطبيعة المثالية النموذجية - التي عرضت حتى الآن - ربما تكون مبسطة أكثر مما ينبغي؛ ومع ذلك، فهي طبيعة منصفة، ويمكننا أن نقول بثقة إن الفرضية القائلة بأن الأوروبيين ما قبل الحداثيين كانوا أكثر تديناً من الأوروبيين الحداثيين، هي فرضية تحتاج تحديداً إلى إثبات. إن تلك الشروح من نظرية العلمنة التي تبدأ تحديداً بمثل هذه الفرضية التي لا أساس لها، وتعتبر عملية العلمنة عملية اضمحلال متزايد للمعتقدات والممارسات الدينية في العالم الحديث، تعيد في الحقيقة إنتاج أسطورة ترى التاريخ تطوراً تقدمياً للإنسانية ينتقل من الخرافة إلى العقل، ومن الاعتقاد إلى اللااعتقاد، ومن الدين إلى العلم.
هذا التقرير الأسطوري عن عملية العلمنة، يحتاج في الحقيقة إلى «إزالة القداسة». لكن هذا القول لا يعني أيضاً أن علينا أن نطرح نظرية العلمنة جانباً بالكامل؛ لأن ما يحتاج علم اجتماع الدين إلى فعله، هو أن يقدم بدلاً من التقرير الأسطوري عن عملية العلمنة في العالم، تحليلات سوسيولوجية مقارنة لها، وأن يسأل: هل حدثت هذه العمليات؟ وإن كانت قد حدثت، ففي أي زمن كان ذلك؟
نظرية العلمنة
بمجرد أن استقرت العلمنة في مباحث العلوم الاجتماعية، وخاصة في علم الاجتماع، حيث وجدت موطنها أخيراً، فإن أي نقاش حولها، وبخاصة أي محاولة لتتبع جينيالوجياها وتاريخها، يجب أن يبدأ على نحو تناقضي حاد. ربما تكون نظرية العلمنة هي النظرية الوحيدة التي استطاعت أن تبلغ داخل العلوم الاجتماعية مقاماً حقيقياً كنموذج إرشادي. باستثناء ألكسيس دو توكفيل، وفيلفريدو باريتو، وويليام جيمس، فقد حظيت أطروحة العلمنة بالقبول بطرق شتى من جميع الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع: من كارل ماركس إلى جون ستيوارت مل، ومن أوغست كونت إلى هربرت سبنسر، ومن إي. بي. تايلور إلى جيمس فريزر، ومن فرديناند تونيز (Ferdinand Toennies) إلى غيورغ زيمل (Georg Simmel)، ومن إميل دوركايم إلى ماكس فيبر، ومن فيلهلم فونت (Wilhelm Wund) إلى سيغموند فرويد، ومن ليستر وارد (Lester Ward) إلى ويليام ج. سمنر (William G. Sumner)، ومن روبرت بارك (Robert Park) إلى جورج إتش. ميد (George H.Mead).
في الحقيقة، لم يكن الإجماع حول نظرية العلمنة بحاجة حتى إلى اختبارها؛ لأن الجميع كانوا يعتبرونها أمرًا مسلمًا به. هذا الوضع يعني أنه على الرغم من أن هذه النظرية، أو بالأحرى هذه الأطروحة، غالبًا ما كانت بمثابة الأساس غير المعلن للعديد من نظريات مؤسسي علم الاجتماع، إلا أنها لم تُختبر بدقة قط، ولم تُصغ حتى بشكل صريح. ينبغي البحث عن أسس الصياغة المنهجية لنظرية العلمنة في أعمال إميل دوركايم وماكس فيبر. هذان الاثنان، بتحررهما من النقدين الوضعوي والتنويري للدين - رغم أن دوركايم ظل وضعويًا معترفًا به، وكان فيبر يعتبر نفسه دائمًا من ربيبي إزالة السحر التنويرية - إلا أنهما كانا يعتبران نفسيهما ملزمين بتقديم أسس الدراسة العلمية الاجتماعية للدين دون وهم وبأقصى قدر من الاستنارة العلمية. قدم علم اجتماع دوركايم، بفصله مسألة حقيقة الدين عن مسألة بنيته الرمزية ووظائفه الاجتماعية، أساسًا للتحليل البنيوي الوظيفي في الأنثروبولوجيا وعلم اجتماع الدين. أما فيبر، من جانبه، فبتركه إغراء اختزال الدين إلى طبيعته وتركيزه على مهمة دراسة المعاني المتنوعة للدين وكذلك الشروط الاجتماعية التاريخية وآثاره، فقد أرسى الأسس السوسيولوجية المقارنة التاريخية والظاهراتية للدين. بخصوص دوركايم وكذلك ماكس فيبر، يمكن القول إن علم اجتماع الدين يقع في مركز أعمالهما السوسيولوجية. ورغم أن نظرية التمايز في أعمال هذين المفكرين مختلفة، إلا أنها تشكل نواة نظرياتهما السوسيولوجية، كما أن أطروحة العلمنة هي نواة نظريتيهما حول التمايز. وبعبارة دقيقة، فإن نظرية العلمنة ليست سوى نظرية فرعية من النظريات العامة للتمايزات من النوع التطوري، التي قدمها دوركايم؛ أما فيبر، فمن خلال التمايز، وبشكل أكثر من نوعه التاريخي، فقد طور نظرية التحديث الغربية. في الحقيقة، إن نظرية العلمنة متشابكة ماهويًا مع نظريات العالم الحديث ومع الفهم الذاتي للحداثة، لدرجة أنه لا يمكن لأحد أن يرفض نظرية العلمنة ببساطة دون أن يضع نسيج العلوم الاجتماعية بأكمله، بما في ذلك جزء كبير من فهمها الذاتي، موضع تساؤل.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
مدرنینه الزاما و به طور مطلق وحی را انکار نمی کند اما قطعا با دین شناسی سنتی و الهیات سنتی بر آمده از ادیان سنتی در باب" وحی " ،" خدا " و سایر مفاهیم در تضاد و تعارض بوده و آنها را با دستاوردهای جدید فکری و علمی و فلسفی خود به چالش می کشد و نادرستی و اشکالات متعددی که بر آن مترتب است را آشکار و در نتیجه در مواردی نفی و در مواردی اصلاح می کند . الهیات جدید در غرب و در مذهب پروتستانتیسم و کلام جدید و دین شناسی جدیدی که شکل گرفته و بعضا در تضاد و تعارض با باورهای سنتی دینی و الهیات قدیمی می باشد ؛ حاصل دوران مدرن و اشکالات متعددی که دین شناسی سنتی داشته مثل مقوله ی شر و نقدهای ویران گر مدرنیته به ادیان سنتی و الهیات قدیم آنها بوده است . نقد های شکاکانه ی الحادی هیوم و پس از آن کانت که بحث نومن و فنومن را مطرح کرد مفهوم وحی و تحقق آن را به چالش و نفی کرد . متقابل این نقدهای ویرانگر بود که در الهیات غرب در پروتستانتیسم که خودش مولود مدرنیته بود الهیات جدیدی با تجدیدنظر و اصلاحات باورها و الهیات سنتی قدیم مسیحیت برای معقول کردن باورهای دینی از جمله همین وحی پدید آمد . یکی از اینها مقوله ی " تجربه دینی " بود که وحی و مکاشفه و شهود یا همان revelation به ذیل آن رفت و مورد تحلیل قرار گرفت. در جهان اسلام یکی از مهم ترین و اولین متفکران مسلمانی که به تجدید نظر در مفهوم و تلقی وحی بر مبنای همین الهیات جدید و مدرن پرداخت اقبال لاهوری بود . اقبال ماهیت وحی را نوعی " تجربه ی دینی " می داند و پیامبر را کسی می داند که به خودآگاهی های باطنی رسیده و گفته هایش حاصل تعمق او در و از باطن درونی خویشتن است . اقبال کانت را بزرگ ترین هدیه ی خداوند به آلمان می داند چرا که محدودیت های عقل انسان را آشکار ساخت و نشان داد که عقل از اثبات جنبه ی جزمی و اعتقادی دین ناتوان است . اقبال در این نکته با کانت هم رای می شود که دین و مابعد الطبیعه عقلا ( عقل استدلالی ) امکان ندارد ، اما قائل می شود که مابعدالطبیعه به طور شهودی امکان دارد پس در اینجا مسیر خود را از کانت جدا می سازد . پس مدرنیته الزاما دین و برخی مقولات برآمده از دین مثل وحی را نفی و انکار نمی کند بلکه آن چه بیشتر توسط مدرنیته نفی و نقد و تخریب و اصلاح می شود دین شناسی سنتی و الهیات سنتی برآمده از معرفت شناسی سنتی و قدیمی و بعضا منسوخ و غیر قابل دفاع و غیر موجه ادیان سنتی و سابق است که نه فقط بعضا با پیشرفت ها و کشفیات علم تجربی جدید و دستاوردهای آن که با دین شناسی جدید ، معرفت شناسی جدید ، فلسفه و کلام جدید هم به چالش کشیده شده و نقد می شود تا انکار اصل و اساس خود دین و اصل وحی لذا دین مدرن یا بهتر است گفته شود مدرن شدن دین و الهیات آن نه فقط متناقض نیست که یک واقعیت است که موجود شده و الهیات و کلام جدید گواه این واقعیت موجود است .
مدرنیته یک perspective مرکب است. بخشی از این concept مرکب الحادی و انکار دین در تعریف شرقی، عربی، یهودی و غیره است. بخشی از این مفهوم کفر و انکار revelation است. دین مدرن مفهومی متناقض است. بخشی از مدرنیته دین ستیزی در مفهوم وحی است.