المؤسسات هي قواعد اللعبة في المجتمع، أو بعبارة أدق، هي القيود التي صنعها البشر لتشكيل تفاعلهم.
دوغلاس نورث اقتصادي ومؤرخ اقتصادي أمريكي، أصبح أحد مؤسسي الاقتصاد المؤسسي الجديد بفضل أبحاثه حول دور المؤسسات في التنمية الاقتصادية. نال عام 1993 جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية مناصفةً مع روبرت فوغل. وبيّنت أعماله أن القواعد الرسمية وغير الرسمية للمجتمع، لا العوامل التقنية والسوقية وحدها، هي التي ترسم مسار النمو الاقتصادي أو الركود.
وُلد دوغلاس سيسيل نورث (Douglass Cecil North) في 5 يناير 1920 في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، وتوفي في 23 نوفمبر 2015 في بنزونيا بولاية ميشيغان. درس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ونال شهادات في العلوم السياسية والفلسفة والاقتصاد، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة نفسها عام 1952. وخدم في الحرب العالمية الثانية في الأسطول التجاري الأمريكي. ثم درّس سنوات طويلة في جامعة واشنطن في سياتل، وفي مرحلة ما في جامعة رايس. وانتقل بعد ذلك إلى جامعة واشنطن في سانت لويس، وظل مرتبطًا بها حتى نهاية حياته.
بدأ نورث عمله بدراسة التاريخ الاقتصادي الأمريكي، وكان من رواد «التاريخ الاقتصادي الجديد» أو «الكليومتريا» الذي طبّق المناهج الكمّية والنظرية الاقتصادية في البحث التاريخي. ويُعد كتابه «النمو الاقتصادي للولايات المتحدة من 1790 إلى 1860» من الأعمال المهمة في هذه المرحلة. ثم أدرك تدريجيًا أن النظرية النيوكلاسيكية وحدها لا تستطيع تفسير سبب نمو بعض المجتمعات على امتداد فترات طويلة وبقاء مجتمعات أخرى في حالة ركود.
وكان جوابه التركيز على «المؤسسات». فقد عرّف نورث المؤسسات بأنها «قواعد اللعبة» في المجتمع، أي القيود التي صنعها الإنسان لتشكيل التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذه القواعد رسمية، كالقوانين وحقوق الملكية، وغير رسمية، كالأعراف والمعايير، وتشمل كذلك آليات إنفاذها. وفي رأيه تحدد المؤسسات الأداء الاقتصادي عبر تشكيل تكاليف المعاملات والحوافز. وقد عرض كتاب «البنية والتغير في التاريخ الاقتصادي» (1981)، وبخاصة «المؤسسات والتغير المؤسسي والأداء الاقتصادي» (1990)، الإطار الرئيس لهذه المقاربة. كما ألّف مع روبرت توماس كتاب «صعود العالم الغربي» (1973)، وعدّ فيه ظهور حقوق ملكية فعالة عاملًا مهمًا في نمو أوروبا الغربية.
وفي مقاله المشهور «الدساتير والالتزام» مع باري وينغاست، درس نورث تطور المؤسسات المالية والسياسية في إنجلترا بعد الثورة المجيدة، وبيّن كيف أن تقييد سلطة الحاكم يرفع مصداقية التزامات الدولة. وفي سنوات لاحقة ميّز مع جون والِس ووينغاست، في كتاب «العنف والنظم الاجتماعية» (2009)، بين «نظم الوصول المحدود» و«نظم الوصول المفتوح». وفي أعماله المتأخرة اهتم كذلك بدور المعتقدات والإدراك والعمليات المعرفية في تكوين المؤسسات، كما في «فهم عملية التغير الاقتصادي» (2005). وتكمن أهمية عمله في أنه عدّ التنمية ثمرة البنى المؤسسية والسياسية، لا مجرد تراكم رأس المال أو التقنية.
لم يُنشر أيّ مقال عن هذا المفكّر بعد.