كلما أفرغ مفهوم العقل من مضمونه، ازداد سهولة تحوله إلى أداة للتلاعب الأيديولوجي ونشر أكثر الأكاذيب فجاجة.
كان ماكس هوركهايمر فيلسوفا وعالم اجتماع ألمانيا، وأحد الشخصيات المؤسسة لمدرسة فرانكفورت. وقد طور، بصفته مديرا لمعهد البحوث الاجتماعية، النظرية النقدية، وتناول بالنقد العقل الأداتي والرأسمالية والهيمنة الثقافية في أعمال مثل «أفول العقل» و«جدل التنوير».
ولد ماكس هوركهايمر في ۱۴ فبراير ۱۸۹۵ في شتوتغارت بألمانيا، في أسرة يهودية ميسورة. ترك الدراسة في سن المراهقة وعمل في مصنع النسيج الذي يملكه والده، لكنه استأنف دراسته بعد الحرب العالمية الأولى، فدرس الفلسفة وعلم النفس. وتتلمذ لهانس كورنيليوس في جامعة فرانكفورت، وكتب أطروحته للدكتوراه عن كانط، ثم نال التأهيل للأستاذية عام ۱۹۲۵ ببحث عن كتاب كانط «نقد ملكة الحكم».
أصبح عام ۱۹۳۰ أستاذا للفلسفة الاجتماعية ومديرا لمعهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت. ووضع للمعهد برنامجا متعدد التخصصات يجمع الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ وعلم النفس لدراسة آليات الهيمنة في المجتمع الحديث. ويعد مقاله «النظرية التقليدية والنظرية النقدية»، المنشور عام ۱۹۳۷، من أهم صياغاته للنظرية النقدية. وكان يرى أن النظرية لا ينبغي أن تكتفي بوصف المجتمع، بل يجب أن تكشف ارتباط المعرفة بالبنى التاريخية والاجتماعية وأن تسهم في تحرير الإنسان.
بعد وصول النازيين إلى السلطة عام ۱۹۳۳، أغلق المعهد وصودر مبناه. غادر هوركهايمر ألمانيا، وواصل نشاط المعهد أولا في جنيف، ثم في نيويورك بالتعاون مع جامعة كولومبيا. وانتقل لاحقا إلى كاليفورنيا، حيث تعاون في المنفى تعاونا وثيقا مع تيودور أدورنو.
يميز هوركهايمر في كتاب «أفول العقل» بين العقل الموضوعي والعقل الذاتي أو الأداتي. ويرى أن العقل الحديث فقد تدريجيا قدرته على الحكم في الحقيقة والعدالة والغايات الإنسانية، وتحول إلى أداة لحساب أكثر الوسائل كفاءة لبلوغ الأهداف القائمة. ويمكن لهذا النمط من العقلانية أن يخدم الهيمنة على الطبيعة والإنسان من دون مساءلة قيمة الأهداف ذاتها.
وفي كتاب «جدل التنوير»، يبين هوركهايمر وأدورنو أن التنوير قد ينقلب إلى نقيضه إذا اختزل في الحساب والسيطرة والمنفعة. ويشكل نقدهما لصناعة الثقافة وتوحيد الوعي وتحويل الثقافة إلى سلعة جزءا من هذا التحليل. وقد أعاد هوركهايمر قراءة أفكار ماركس وفرويد وهيغل وكانط ضمن نظرية تاريخية متعددة التخصصات.
عاد هوركهايمر بعد الحرب إلى فرانكفورت، وأعاد تأسيس معهد البحوث الاجتماعية، وتولى مدة رئاسة جامعة فرانكفورت. تقاعد عام ۱۹۵۸، وتوفي في نورنبرغ في ۷ يوليو ۱۹۷۳. وترك فكره أثرا دائما في الأجيال اللاحقة من النظرية النقدية، ولا سيما يورغن هابرماس، وكذلك في علم الاجتماع والفلسفة السياسية والنقد الثقافي.
لم يُنشر أيّ مقال عن هذا المفكّر بعد.