اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُقدّم سينما مهرجان فجر السابع والثلاثين، رغم نموّه الشكلي، صورةً عن المجتمع تفيض فردانيةً أنانيةً ملوّثة، ونزوعاً إلى الماضي، وغرباً مثالياً. وتُوصف هنا المكوّنات الخمس الرئيسة لتمثّل المجتمع الإيراني في سينما عام 1397 وصفاً محضاً.

في مهرجان فجر السينمائي السابع والثلاثين (۱۳۹۷) كان عدد الأفلام التي تستحق الاهتمام من الناحية الشكلية أكبر من المهرجانات السابقة، وكان نصف الأفلام الروائية على الأقل («ماجرای نیمروز ۲: رد خون»، «شبی که ماه کامل شد»، «تختی»، «قصر شیرین»، «سرخپوست»، «متری شیشونیم»، «مسخرهباز»، «جاندار»، «بنفشهی آفریقایی»، «طلا»، «ناگهان درخت»، «درخونگاه»، «قسم»، «سال دوم دانشکدهی من»، «روزهای نارنجی» و «بیستوسه نفر»)، بغض النظر عن المحتوى، تُعتبر أفلاماً جيدة التركيب نسبياً بمعايير السينما الإيرانية، وتُظهر أن عدد السينمائيين وعناصر الفيلم المحترفين والقادرين من الشباب في إيران في تزايد. الحضور المؤثر والكبير والناجح للمخرجين الشباب الواعدين من مواليد الثمانينيات والتسعينيات (همایون غنیزاده، نیما جاوید، محمدحسین مهدویان، سعید روستایی، حسین امیری دوماری، پدرام امیری، سیاوش اسعدی و آرش لاهوتی) يشير أيضاً إلى نوع من الانسلاخ في السينما وسيطرة الجيل الجديد على السينما الإيرانية، وهو ما يبشر بفترة مختلفة وجديدة في السينما الإيرانية بموضوعات جديدة وجرأة في التجارب الجديدة واختبار الإمكانيات السينمائية. في ثلاثة أفلام سينمائية هذا العام استُخدم تعبير «ژن خوب»، لكن فيلمين ضعيفين في المهرجان («معکوسِ» پولاد کیمیایی و «سونامی» میلاد صدرعاملی) دخلا المهرجان بفضل الجينة الجيدة لأبناء الذوات في السينما. لو أصبحت آراء هيئة تحكيم المهرجان «شفافة» فسيقل احتمال دخول مثل هذه الأفلام الضعيفة إلى المهرجان. لكن تقييم الشكل والتقنية في أفلام المهرجان ليس موضوع هذه المذكرة.
إن الارتقاء المرئي لـ «التقنية» و«الصناعة» في السينما الإيرانية لم يقترن بالضرورة بمحتوى جديد، وعمق في الرؤية الاجتماعية، وثراء أكبر. كان أحد دوافعي لمشاهدة جميع الأفلام الروائية الثلاثين في مهرجان فجر (بما فيها الأفلام السيئة والضعيفة مثل «تیغ و ترمه»، «حمال طلا»، «آشفتگی»، «ایدهی اصلی»، «معکوس»، «دیدن این فیلم جرم است» و «زهر مار») هو أن أتمكن من تكوين صورة كلية عن «صورة السينما الإيرانية عن المجتمع الإيراني في عام ۹۷». بالطبع السينما ليست مجرد «مرآة المجتمع»، بل يمكنها أن تصنع الأحلام أيضاً، وأن «تتدخل» لتغيير الواقع، وتكون وسيطاً وأداة لـ «التعبير» عن عواطف وأفكار السينمائي الشخصية. ولكن بالنظر إلى هيمنة «السينما الواقعية الاجتماعية» في مهرجان هذا العام، يمكن أن نتساءل: كيف تم تمثيل المجتمع الإيراني في سينما هذا العام؟ في الإجابة عن هذا السؤال، وبنظرة كلية إلى كل فيلم من الأفلام الثلاثين، وبغض النظر عن الجوانب التقنية والشكلية للأفلام، يبدو لي أن هناك خمسة محاور ومكونات رئيسية تبرز في صورة سينما هذا العام عن المجتمع الإيراني، وسأتناولها باقتضاب شديد فيما يلي. في هذه الكتابة لا «أُصدر حكماً» حول مدى قرب هذه الصورة من الواقع ومدى إمكانية الدفاع عنها، وإنما أكتفي بـ «وصف» الصورة الغالبة للسينما الإيرانية عن المجتمع الإيراني في عام ۹۷:
۱- الفردانية الأنانية الملوثة
في أغلب أفلام هذا العام يُصوَّر الإيرانيون على أنهم «فردانيون أنانيون ملوثون»، يبحثون عن حلول «فردية» للمشكلات والقضايا «الاجتماعية»، ولديهم قبل كل شيء همُّ «الخير الخاص» والشخصي، ولا يولون اهتماماً كبيراً لـ «الأمر العام» و«الخير العام»، وليسوا «محبين للغير»، وتحت ضغط المشكلات والبنى، لا يتورعون عن خرق القانون والسلوك غير الأخلاقي والتلوث من أجل تعظيم حصتهم من الثروة والسلطة والمكانة والشهوة. في جزء من الأفلام، جميع الشخصيات الرئيسية (مثل «ایدهی اصلی») أو معظمها (مثل «آشفتگی»، «مردی بدون سایه»، «سونامی» و «زهر مار») بصدد الاحتيال على بقية شخصيات القصة، ولديهم عقدة «السيارة الفاخرة» والسفر والاستهلاك الترفي والاستعراضي بالمال القذر. حتى في الحالات القليلة التي تُصوَّر فيها شخصية رئيسية كمواطن نزيه، ملتزم بالقانون، أخلاقي، جدير بالثقة ومحب للغير، فإنها غالباً إما تقع ضحية للمجتمع (مثل «تختی» الذي يصاب بالإحباط وينتحر، وليلى حاتمي في «مردی که سایه نداشت» التي تُقتل) أو تنتهي إلى التلوث بالفساد والمال المسروق/الربوي/المختلس/المحتكر (مثل «طلا»، «روزهای نارنجی» و «درخونگاه»). الصور المحدودة للإيثار والنزاهة والتضحية بالنفس والسعي لتوسيع «الخير العام» (مثل «تختی»، «بیستوسه نفر» و «ماجرای نیمروز ۲: رد خون») تنتمي أيضاً إلى الماضي، وهي شبه غائبة في صورة السينما الإيرانية عن اليوم. التوصية الخفية للعديد من أفلام هذا العام، بتعبير إحدى شخصيات فيلم «سونامی»، كانت: «كن وغداً سعيداً، بدلاً من بطل تعيس».
۲- النزعة إلى الماضي
في مهرجان فجر لهذا العام، لم يكن هناك حتى فيلم واحد عن «المستقبل»، وكأن سينمائيينا قد عجزوا حتى عن تخيل المستقبل، والفضاءات الإيرانية البهيجة التي تُصوَّر بإطارات آسرة وعناصر محبوبة لا تقع غالباً في الحاضر أو المستقبل، بل في «الماضي». أبطال إيران في سينما هذا العام كلهم أيضاً في الماضي، لا في الحاضر ولا في المستقبل. في فيلم «الهنود الحمر» المُحكم الصنع، وبتعبير مدير تصويره، تُستخدم المرشحات الدافئة «لإعطاء صورة أفضل لماضينا المشرق(!)»، والصورة التي تُعطى لسجن في العهد البهلوي ورئيسه الملتزم بواجبه ومساعده الاجتماعي المحبوب هي أفضل بكثير من صورة السجن المظلم القاتم في حقبة الستينيات في فيلم «فجأة شجرة»، وسجن اليوم في «محطة متر شيش ونيم»، بل وحتى الصور الباردة والرمادية لطهران اليوم في السينما الواقعية الاجتماعية لهذا العام. في أفلام مثل «فجأة شجرة»، تُصنع صورة منمقة وحالمة لإيران في العصر البهلوي، وصورة سوداء لإيران ما بعد الثورة، وإذا كان هناك أمل في المستقبل، فهو نوع من الأمل الماضوي (وليس أملاً تقدمياً) لإحياء ذلك الماضي من قبل الجيل التالي وإعادة إحياء «صوره». في سينما هذا العام، غالباً ما تكون الفضاءات الأنيقة والميزانسينات الملونة والجذابة والشخصيات المحبوبة والإحالات إلى الفضاءات والعناصر «الإيجابية» و«الدافئة» و«المبهجة» في الحوارات، مرتبطة بإيران ما قبل الثورة.
۳- الغرب المُتَخَيَّل كَمِثَال
بالإضافة إلى «الماضي»، فإن معظم الفضاءات الحضرية والعامة التي صُوِّرت على أنها «مثالية» و«مرغوبة» تجري أحداثها في «الغرب»، وخصوصاً في «إسبانيا». الصورة التي تُعطى عن إسبانيا في أفلام مثل «رجل بلا ظل» هي «مثالية» لدرجة أنها تشبه إعلانات وكالات السياحة في هذا البلد. في «الفكرة الرئيسية» أيضاً، تُصوَّر إسبانيا على أنها مكان، على عكس إيران، يعاقب فيه القانون المحتال ويقبض عليه، وتكون فيه جدارة الآخرين بالثقة هي القاعدة وليست الاستثناء كما في إيران. في «ذهب»، يضطر شاب محوري في القصة إلى الفرار بـ«دولاره» و«ذهبه» إلى «الغرب» من الظروف التي صنعها له الجيل السابق في إيران. العالم المثالي لـ«شفرة وترمه» هو الغرب أيضاً. في «تسونامي»، الأبطال الرياضيون الذين يلجؤون إلى الدنمارك هم المخلصون في القصة، والرياضي الأفغاني أيضاً يضطر في النهاية للهجرة من إيران إلى الغرب. في «فجأة شجرة»، بالإضافة إلى الناس الذين يريدون الفرار عبر الحدود البرية، نجد المحقق والمأمور القضائي أيضاً في حالة فرار عبر الحدود البحرية في النهاية. في المقابل، فضاء الحياة الاجتماعية في إيران اليوم يُصوَّر عموماً بشكل أسود ومرير لدرجة أنه، وبتعبير فيلم «حمال الذهب» الضعيف (الذي آمل ألا يراه أي عامل)، حتى لو كنت مستعداً للبحث عن رزقك في «البراز» للخروج من البؤس، فلن تصل إلى نتيجة، أو إذا بقيت في إيران مثل جزء من شباب فيلم «ذهب»، فعليك أن ترضخ لأعمال تجارية أساسها «المال القذر».
۴- القصاص والثأر
هذا العام، كان عدد كبير من الأفلام (جمشيدية، محطة متر شيش ونيم، قسم، جاندار، يلدا، آشفتگي، والهنود الحمر) يدور حول القصاص والإعدام، وفي جميع أفلام المهرجان باستثناء ثلاثة، كان «العنف الجسدي» من العناصر المتكررة، وكان يُصوَّر أحياناً، مثل المشهد الأول من فيلم «رجل بلا ظل»، بشكل عارٍ أكثر من اللازم. في معظم هذه الأفلام، لا تلعب مؤسسة السجن دوراً وقائياً من الجريمة، ويُصوَّر القانون نفسه وتنفيذه على أنه معيب، والجهاز القضائي عاجز للغاية عن تحقيق العدالة. هذا القدر من القصاص والإعدام والعنف والسجن في الأفلام، وهذا العدد من الأفلام المناهضة للإعدام/القصاص، لم يسبق له مثيل في كل سنوات مهرجان فجر.
۵- المزيد من الحريات الاجتماعية
لم تكن الحريات السياسية موضوعاً محورياً في أي من أفلام مهرجان هذا العام، ولكن في معظم الأفلام تم تصوير مكونات من الحريات الاجتماعية، وفضاء وعلاقات اجتماعية وجنسية أكثر حرية، وكانت هناك اختلافات في هذا المجال مقارنة بمهرجانات السنوات الماضية. الصورة المتعاطفة والإيجابية لعلاقات الصداقة العادية بين الشاب والفتاة (مثلاً في «طلا»، «سونامي»، «سال دوم دانشکدهی من» و«ناگهان درخت»)، الصورة الإيجابية للاحتفاظ بطفل لم يكن ثمرة زواج («طلا»)، الصورة المتعاطفة لمثلثات الحب (مثلاً في «بنفشهی آفریقایی»، «سال دوم دانشکدهی من» و«تیغ و ترمه»)، صوت الغناء المنفرد للنساء (مثلاً في «سال دوم دانشکدهی من»)، تدخين النساء، تعاطي الحشيش والمخدرات الأخرى بشكل ترفيهي، الكلام والإشارات التصويرية الإيروتيكية (مثلاً في «زهر مار»)، الرقص في الحفلات المختلطة (مثلاً في «تختی» و«مردی بدون سایه»)، المشروبات الكحولية والحانة والسُكر (مثلاً في «ایدهی اصلی»، «آشفتگی»، «زهر مار» و«تختی») والنساء بدون حجاب خارج إيران أو بقبعة شعر مستعار في إيران (في معظم الأفلام) كانت من العناصر المتكررة للحياة الاجتماعية في سينما هذا العام. العلاقات والفضاءات التي لا تُعرض في الإذاعة والتلفزيون الإيراني، شغلت في سينما هذا العام، مقارنة بالسنوات السابقة، جزءاً أكبر من الأفلام، وهو ناتج إلى حد ما عن الوجه الانعكاسي للسينما وكونها انعكاساً للتحولات الاجتماعية في إيران.
انسلاخ سينما إيران
تبني سينما هذا العام صورة عن إيران غالبية مواطنيها فردانيون أنانيون يتلوثون بالفساد والمال القذر وخَرق القانون والخيانة والعنف من أجل العيش، لديهم صورة مريرة وسوداء عن الحاضر، أبطالهم يقعون ضحايا للمجتمع، لديهم صورة مثالية عن الماضي قبل الثورة وعن الغرب، متعطشون لمزيد من الحريات الاجتماعية، يختارون تدريجياً نمط حياة أكثر حرية، ليس لديهم مستقبل وأفق مشرق، لا يثقون وإن فعلوا ندموا، أسرى الأضرار الاجتماعية المتراكمة بما فيها الإدمان، عائلاتهم غالباً معيبة ولا تمتلك علاقات صحية ومخلصة ومتنامية. في هذه السينما لا يزال المستقبل، الأفق المشرق، الطمأنينة، الإيثار، الاهتمام بـ«الخير العام»، الصحة الأخلاقية والاقتصادية، الأمل، الحلم، الجمال، النقد السياسي العميق والعمل السياسي الفاتح للثغرات، الأمن النفسي، الحب الحسن العاقبة، الانتماء الوطني والجماعي، البطل الحسن العاقبة، الرأفة، العلاقة الصحية والعائلة الدافئة، الثقة، القدوة، الإنجاز الفردي والجمعي والوطني، المشاركة السياسية والمدنية، المرأة المستقلة الموفقة (التي لا تكون امرأة فتاكة ولا ضعيفة أو ضحية ووحيدة)، الطبيعة، المعنى، المثل الأعلى، البهجة، الفرح والصورة المتوازنة والواقعية عن المجتمع الإيراني نادرة. سينما إيران في العام الأربعين للثورة، من الناحية الفورمية والمخرجين المؤثرين، تمر بمرحلة انسلاخ، لكن هل ستطرح تصميماً جديداً في غنى المحتوى ونوع وعمق نظرتها إلى حاضر وماضي ومستقبل المجتمع الإيراني وتجنب تكرار المضامين؟ لا أعلم.
.
.
.
.
العلوم السياسية
علم الاجتماع
الدين
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.