اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بعد مئة عام من انطلاق التحليل النفسي، لا تزال كثير من دعاوى سيغموند فرويد صامدة؛ من دور اللاشعور إلى أهمية الرغبة الجنسية والمعنى الخفي للأفعال. استعراض لاثنتي عشرة دعوى فرويدية باتت مقبولة اليوم في علم النفس الحديث.

كان سيغموند فرويد صاحب تأثير بالغ على معرفتنا بالذهن والنفس البشرية. إنه يروي لنا حكاية لا يرغب معظمنا في سماعها: "أننا لا نعرف أنفسنا، ونجهل الكثير من رغباتنا، وفي أحيان كثيرة لا ندري لماذا نفعل ما نفعله". لقد أوصل إلينا فرويد هذه الرسالة الجلية بأن أفكارنا الواعية ليست سوى قمة جبل الجليد في نفسيتنا. لقد مر الآن مئة عام على كتابة فرويد لمقالاته المؤثرة في بدايات التحليل النفسي، وقد تم رفض بعض ادعاءات فرويد كلياً وبعضها الآخر ضمنياً. ومع ذلك، فقد كان فرويد على صواب في مسائل عديدة، وقد جعل بيانه الواضح والحاسم هذه الموضوعات تجد لها موطئ قدم في علم النفس الحديث. فيما يلي (وعلى مدى عدة مقالات) استناداً إلى مقالة بقلم بليك فليتوود[1] (منشورة في هافينغتون بوست) سأتناول 12 حالة من الموضوعات التي كان فرويد يشدد عليها بأصبع التأكيد، وهي مقبولة اليوم أيضاً. لقد اكتفى كاتب تلك المقالة بإشارات قصيرة وعابرة في كل حالة. وقد حاولت أن أعطي هذه الإشارات القصيرة تفصيلاً أكبر بحسب المناسبة. ولهذا السبب، فإن هذا النص ليس مجرد ترجمة للأثر المذكور أعلاه[2].
1_ اللاشعور: لا شيء يحدث بلا سبب.
توصل فرويد خلال أبحاثه وتجاربه السريرية إلى نتيجة مفادها أن لا شيء في النفس البشرية يحدث صدفة. بتعبير آخر، لا وجود للصدف أو المصادفات. حتى المشاعر والأفكار والنزوات والرغبات والأحداث والأفعال التي تبدو عشوائية تماماً، تحمل في طياتها معنى لا شعورياً غالباً، وتدل على أمر خارج عنها. لا شيء يأتي إلى تجربة الفرد ونفسيته من "العدم". كل من مر بتجربة زلة لسان ووقع في حيرة إزاء تتبع كلامه أو فعله، سيتعاطف إلى حد ما مع هذا الرأي القائل بأن وراء ما نقوم به من أفعال وما نتفوه به من أقوال، توجد دوماً معانٍ لا شعورية؛ معانٍ نشعر بوجودها لكن لا سبيل واضح لنا للوصول إليها. مثلاً، قد تنسى مفتاحك في بيت حبيبتك بمحض الصدفة. نعم، لا مشكلة، إنها صدفة فحسب. لكن حينما تعود إلى حبيبتك بشوق لاستعادته، يكشف المعنى اللاشعوري الكامن وراء هذا النسيان عن نفسه. كل واحد منا يحتفظ في ذاكرته بتجارب كثيرة من هذا القبيل.
لا تزال دراسة الأحلام وزلات اللسان والتداعي الحر، حتى بعد مرور كل هذه السنوات، تعتبر الطريق لسبر أغوار اللاشعور لدى الفرد؛ وهي الوسيلة التي يمكن بمساعدتها اكتشاف الرغبات المنكرة والصدمات العاطفية الشديدة والدوافع والشهوات المكبوتة لدى الفرد، ومن ثم فهم حقيقة سلوكه وكلامه.
۲_ الأمر الجنسي هو نقطة قوة وضعف كل إنسان.
الرغبة الجنسية هي المحرك الرئيسي وأحد أهم العناصر المشتركة في حياتنا الفردية كبشر. هذه رسالة لا يميل الكثير منا إلى سماعها. يعتقد البعض أن هذا السعي لإنكار الرغبة الجنسية هو ما صار سبباً لتفوق البشر على سائر الحيوانات ونظّم حياتهم المدنية. حينما ننظر إلى حياة العرفاء والقديسين العظام، يمكننا أن نرى بوضوح أن قسماً كبيراً من طاقتهم وقدرتهم قد انصرف أيضاً لكبح الرغبات الجنسية والتصدي لظهورها. انظروا إلى فضائح عظماء الفاتيكان، والوجوه الدينية البارزة في مختلف المذاهب، والسياسيين والممثلين. ألم يكن بالإمكان منع هذه الفضائح؟ الجواب هو لا. الرغبة الجنسية أقوى وأكثر تأثيراً مما يتصوره العقل السليم.
كان فرويد في قلب المجتمع الفيكتوري في فيينا قبل مئة عام، يفحص أدلة مباشرة وغير مباشرة يمكن تعميمها على حياة النوع البشري. إن أهمية الأمر الجنسي في مختلف أبعاد الحياة الإنسانية، وإن بدت للوهلة الأولى غريبة وحتى غير مستساغة، إلا أنها حقيقة أصبحت بعد مئة عام من فرويد أكثر وضوحاً لنا نحن البشر المعاصرين.
3_ السيجارة ليست مجرد سيجارة أبداً.
هذه الفكرة مقبولة إلى حد كبير في علم النفس اليوم، وهي أن الأشياء والأحداث لا تحمل معنى واحدًا فحسب، وأن الرغبة في شيء ما ليست مجرد نتاج لحافز واحد أو رغبة واحدة. من وجهة نظر فرويد، لا شيء بهذه البساطة والوضوح، ويمكن دائمًا إيجاد معانٍ مختلفة فيه. على سبيل المثال، ما هذا الشيء الذي في يدك؟ هل هو مصاصة؟ أم عضو ذكري أم سيجارة؟ الأمر ليس واضحًا. يبدو أنك تحمل سيجارة وتتوق إلى تدخينها. لكن هل يتلخص اشتياقك للسيجارة في مجرد رغبتك في النيكوتين؟ ألا يوجد أي معنى أو دلالة خفية في هذه التجربة؟ ربما نعم وربما لا. لا يمكن فهم هذا إلا من خلال فحص كليّة نفسك.
الشيء ليس مجرد شيء، ولم يوجده سبب واحد. هذه إحدى أهم البصائر المتبقية من فرويد، والتي تُعرف أحيانًا بتعبير "التحديد المتعدد". التحديد المتعدد يعني أنه قد تتداخل في أمر واحد رغبات ومعانٍ مختلفة، بصورة واعية أو لا واعية. مثلاً، تحب أن تساعد شخصًا معينًا، هذا جيد. لكن كل شيء لا يتلخص في هذه الرغبة الخيّرة. قد تكون لديك، إلى جانب هذه الرغبة الخيّرة، رغبة خفية في إيذائه.
نعم، قد لا يكون أي من هذا موجودًا. لا تقلق. دخّن سيجارتك. المهم الآن هو تدخينها، أيًا كان المعنى الذي قد تحمله.
٤_ التفكير، طريق للإشباع (الإرضاء).
أدرك فرويد حقيقة أن مجرد التفكير (التمني وأحلام اليقظة) ممتع في حد ذاته. يواجه المحللون النفسيون وجميع المعالجين النفسيين تقريبًا مرارًا تجربة أن خيال شيء ما يكون أكثر إشباعًا بكثير، نفسيًا وجسديًا، من الموضوع العيني والواقعي لذلك الخيال. من المحتمل أنك تتفق مع هذا الرأي القائل إن شدة أي متعة ولذة في الواقع لا ترقى إلى شدة ووضوح متعة الموضوع نفسه في الذهن. برأي فرويد، فإن وظيفة التفكير ليست دائمًا تمهيدًا لاكتساب تجربة ممتعة في الخارج. التفكير، ومن خلاله التخيل والتفكير في الأمنيات، يكون دائمًا مُرضيًا قبل (وفي أحيان كثيرة أكثر) مما يحدث في الواقع. بعبارة أخرى، التفكير (التخيّل) هو طريق للاستمتاع والإشباع.
٥_ كل جزء من جسد الإنسان إيروتيكي.
كان فرويد يعتقد أن الإنسان كائن جنسي منذ اللحظة الأولى للحياة. كان يرى أن رضاعة الطفل من ثدي أمه صورة يمكن أن نرى في مرآتها الملذات الجنسية للإنسان البالغ بشكل بسيط وخالٍ من الزخرفة: "لا يمكن للمرء أن يرى طفلًا رضع للتو من ثدي أمه، بوجنتين متوردتين وابتسامة ساحرة، وقد استغرق في نوم عميق، دون أن يفكر في أن هذه الصورة هي النموذج النمطي للإشباع الجنسي طوال الحياة وفي مراحل العمر الأخرى".
كما كان فرويد يعلم أن اللذة والإثارة الجنسية لا تقتصران على العضو الجنسي، وأن أي عضو من أعضاء الجسد يمكنه بالقوة أن يتحول إلى موضوع جنسي أو موضع لتجربة اللذة. أما بصيرته الأكثر غموضًا في هذا المجال فكانت أن اللذة الجنسية لا تقتصر أيضًا على تجربة مقاربة رجل وامرأة. لا يزال قبول هذا الموضوع صعبًا على الكثيرين منا.
٦_ الكلام يشفي.
"عندما يتكلم المرء، يصبح أخف". سيغموند فرويد.
تُظهر الأدلة السريرية الوفيرة أن العلاج الفردي، سواء استند إلى التحليل النفسي الفرويدي أو إلى التقاليد العلاجية الأخرى القائمة على الحوار، فإن الكلام يحسن الأعراض العاطفية للمرض إلى حد كبير، ويقلل من قلق الفرد، ويخرج ذهنه من تحت ضغط الأفكار والمشاعر غير السارة. وعلى الرغم من أن العلاج الدوائي يزيل أعراض المرض إلى حد كبير، إلا أن العلاج بالكلام، بأداته القوية أي "العلاقة العلاجية"، يترك تأثيرات أعمق وأدوم على المرض وأعراضه. وسبب هذا التأثير الأدوم هو أنه في هذه العلاقة، يدخل كيان الفرد بأكمله في العلاج، وليس مجرد عرض أو عارض محدد لديه.
٧_ آليات الدفاع
لقد ترسخ تعبير آليات الدفاع في فهم السلوك البشري وأصبح مألوفاً لدرجة أن الجميع تقريباً يعتبرونه أمراً بديهياً. لكن هذا التعبير الشهير والواسع الاستخدام كان أيضاً من إبداعات فرويد النظرية (فرويد وابنته آنا). فبرأي فرويد، آليات الدفاع هي استراتيجيات النفس اللاشعورية التي تسعى من خلالها، عبر إنكار الواقع أو تحريفه، إلى حماية الفرد من الانفعالات كالقلق و/أو النبضات غير السارة.
قدم فرويد العديد من آليات الدفاع، ويُعد الكبت، والعقلنة (التبرير)، والإسقاط، والإنكار من أشهرها. فعلى سبيل المثال، الإنكار يعني الرفض الفوري لحدوث شيء ما أو كونه قيد الحدوث. قد يحدث الإنكار في خضم التجارب الفردية، كإنكار الإدمان أو إنكار تجربة مؤلمة. وقد يحدث الإنكار أيضاً على المستوى العلمي والاجتماعي والثقافي، مثل إنكار حقيقة التغيرات المناخية أو إنكار الهولوكوست.
8_ مقاومة التغيير
تُظهر عقولنا وأنماطنا السلوكية بطبيعتها نوعاً من القصور الذاتي والمقاومة إزاء التغيير. بحيث أنه عندما يُطرح موضوع تغيير ما، حتى لو كان ذلك التغيير في صالح تحسين أحوالنا، فإننا نختبره في البداية كنوع من الخطر والتهديد. وهنا أيضاً كان فرويد على حق. لقد شخص بحق الوجود الكلي والشامل لهذه المقاومة للتغيير، وسعى بمساعدة أدوات إلى جلب هذه المقاومة والعوامل المسببة لها إلى مستوى الوعي، والتعرف عليها وإيجاد حل لكبح جماح قوتها الكبيرة في مواجهة أي تغيير. تحدث مقاومة التغيير على المستوى الفردي كما على المستوى الجمعي. في أحيان كثيرة، عندما يعقد شخص العزم على التغيير، فإنه يبدأ في الوقت نفسه مقاومته للتغيير أيضاً. مثلاً، يأتي شخص إلى محلل نفسي بدافع نوع من العصاب، وهو مفعم بالحماس للتغيير والتحسن. خلاصة كلامه أنه جاء ليتغير ويختبر حالاً أفضل. ومع ذلك، فمنذ اللحظة التي تطأ فيها قدمه غرفة العلاج، يبدأ مقاومته للحفاظ على وضعه النفسي وسلوكياته القائمة. جزء من نفسه الذي يعاني يرغب في التحسن، لكن جزءاً آخر من نفسه يفضل سلوك المسارات المألوفة والمطروقة سابقاً؛ حتى لو كان سلوك تلك المسارات يجلب له معاناة مرهقة. إن إكراه النفس على تكرار الأنماط الفكرية والسلوكية السابقة (رغم عدم فعاليتها الحالية) يدل على مقاومة نفس الفرد للتغيير.
إن مقاومة النفس للتغيير، كما قلنا، هي عموماً لاشعورية، والتعرف عليها وحلها ليس بالأمر اليسير. الخطوة الأولى لإزالة مثل هذه المقاومات هي مواجهتها وتقبلها. علينا أن نتقبل أننا نحن أنفسنا، ورغم شوقنا للتغيير، نقاوم التخلي عن الوضع القائم.
9_ الماضي يؤثر في الحاضر.
الآن، في عام 2018، يبدو هذا الموضوع بديهياً لنا جميعاً تقريباً، لكن قبل أكثر من مئة عام، كان الحديث عن هذه المسألة غير مألوف إلى حد ما. في ذلك العصر، بدا موقف فرويد هذا غريباً للبعض ومثيراً للتأمل العميق للبعض الآخر. اليوم، تُستخدم الكثير من نظريات فرويد حول الطفولة والنمو وتأثير السنوات الأولى من العمر على السلوكيات والحياة في مرحلة البلوغ، إلى حد كبير جداً، في علاج المصابين بأنماط سلوكية متكررة.
لقد اختبرنا جميعًا تقريبًا هذه الأنماط السلوكية المتكررة، ونتذكر الشعور المزعج الناتج عنها. هذه الأنماط تتكرر على مدار سنوات عمرنا بطرق شتى، بمجرد تغير الموضوع والمحتوى؛ وكأن كل خيار نتخذه يقع مسبقًا تحت تأثير أمر مجهول، ويتبع مخططًا واحدًا، ويؤول إلى النتائج المخيبة ذاتها. في أدبيات التحليل النفسي، يُعرف هذا المفهوم بتعبير «الإكراه على التكرار» (repetition compulsion). كان فرويد يرى أن جزءًا مهمًا من هذه المسألة ناشئ عن تأثير الطفولة والتجارب العاطفية في السنوات الأولى للفرد، وكان يعتقد أنه يمكن، من خلال العمل عليها في جلسات العلاج، التوصل إلى استراتيجية جديدة لمواجهة هذه الأنماط المتكررة وتجاوزها. برأيه، تشكلت تلك الأنماط حين كان الطفل يمتلك أدوات تواصل محدودة، وإدراكًا ناقصًا، وأنا (ego) ضعيفة في مواجهة العالم. لكن هذه الأنماط بقيت في نفسه وتجربته، وهو الآن أيضًا يستخدمها في مواجهة العالم، ويصبح عدم فعالية هذه الأدوات التي كانت مساعدة سابقًا منشأً للكثير من معاناته في الرشد. الآن، وقد بلغ وازدادت أدواته الجسدية والنفسية والتواصلية في مواجهة العالم والبشر الآخرين، ينبغي أن يكون قادرًا على إيجاد مسار جديد في مواجهة أشواقه ورغباته وقلقه ومخاوفه. هذا أحد الأهداف التي يسعى إليها العلاج التحليلي النفسي.
10_ النقل (Transference)
أحد أمثلة تأثير الماضي على الحاضر هو مفهوم النقل. لهذا المفهوم اليوم استخدام واسع في علم النفس والعلاج النفسي. يشير النقل إلى المشاعر والرغبات والآمال والتخيلات والمخاوف التي كانت لدينا في العلاقات المهمة خلال الطفولة، والتي تؤثر لا شعوريًا على علاقاتنا الراهنة. في الحقيقة، النقل هو تسرّب وامتداد لتجربة علاقات الطفولة إلى مرحلة الرشد.
كلنا نتواصل مع العالم من خلال مقدمي الرعاية والمواضيع الأولية، ونتعرف على أنفسنا وعلى البشر الآخرين، ونختبر المقولات المختلفة المتعلقة بالعلاقة، كالأنوثة والذكورة والحب والصداقة وما إلى ذلك. ينطوي مفهوم النقل على معنى أن ما اختبرناه في الطفولة مع المواضيع المهمة في حياتنا يصبح نموذجًا لعلاقاتنا اللاحقة. بحيث نسعى في الرشد بطرق شتى إلى إيجاد صورة تلك المواضيع في علاقاتنا الشخصية أو إعادة إنتاجها. ونتيجة لذلك، سيكون الآخر اليوم نوعًا من الموضوع النقلي، وتُسقط عليه صورة المواضيع الأولى. ولهذا السبب نختبر في العلاقة معه مشاعر سبق أن اختبرناها مع تلك المواضيع الأولية.
يضع النقل أمامنا إمكانيات ويقيدنا في آنٍ معًا. أحيانًا نكون واقعين في أسر هذه العواطف والمشاعر النقلية لدرجة أننا لا نستطيع رؤية الآخر الذي أمامنا أو اختباره كما هو. في هذه الحالة، لا نكون أمام رجل حقيقي أو امرأة حقيقية، بل أمام مخطط لرجل أو امرأة. ومع ذلك، فمن خلال هذه الصور والمشاعر النقلية ذاتها يمكننا أن نشعر بالألفة والأمان في علاقاتنا.
بشكل عام، هناك مقاربتان لمفهوم النقل. المقاربة الأولى هي التي تحدثنا عنها في هذه الكتابة. في هذه المقاربة، كل علاقات الرشد ذات طابع نقلي. أما في المقاربة الثانية (وهي أكثر حصرية بعض الشيء) فيُعتبر النقل سمة للعلاقة بين المسترشِد والمعالج في العلاج التحليلي النفسي. في هذه العلاقة العلاجية، ولأن المعالج يسعى قدر الإمكان إلى ألا يُدخل واقعه الشخصي إلى غرفة العلاج، ويحافظ على سمته الحيادي والمرآتي، فإن ما يُبنى في تواصله مع المسترشِد سيكون صورة نقلية بالكامل. بهذا المعنى، يُعد تحليل النقل أحد أهم أدوات العلاج التحليلي النفسي.
11_ إمكانية النمو
يتغير الإنسان على الدوام طوال عمره، والحياة الناجحة هي نتاج القدرة على التكيف مع الظروف والتعامل مع التغيرات التي تطرأ على كل منا. كل مرحلة جديدة من العمر تواجهنا بتحديات ومسائل جديدة، وتعرضنا لإعادة تقييم أهدافنا وقيمنا الشخصية. إذا استطعنا حل هذه التجارب الخارجية أو الداخلية وتسويتها، يمكننا أن نخطو خطوة إلى الأمام.
هذه الفكرة ليست من إبداعات فرويد، لكنها من التعاليم التي كان فيها على صواب. ورغم وجود جوانب قوية من الحتمية النفسية في أعمال فرويد، إلا أنه يتقبل إمكانية النمو والتغيير، ويعتقد أن البشر يمكنهم، عبر تغيير روايتهم للأحداث الماضية، أن يتحرروا من الإكراه الناجم عنها. إن الالتفات إلى هذه الفكرة بالغ الأهمية. فعندما يتحدث فرويد عن تأثير الماضي في الحاضر، وعن تأثير اللاوعي في الوعي، فإنه يمنح أنصار الحتمية النفسية إمكانية القول بأن ما يحدث في حياتنا نحن البشر خارج عن إرادتنا، ولا مفر من الحال الجيدة أو السيئة. لكن هذه النظرة إلى التحليل النفسي الفرويدي ليست كاملة. فرغم أن فرويد يزودنا بأدوات كثيرة للنظر إلى حياة الإنسان نظرة حتمية، إلا أنه يقر أيضاً بإمكانية الحرية والنمو. إن قبول إمكانية النمو في هذا الإطار، يقترن بقبول المسؤولية عن الأفكار والعواطف الواعية، وكذلك التأثيرات اللاواعية. بعبارة أخرى، نحن البشر، من وجهة نظر فرويد، نتاج إلى حد كبير لأمور لم تكن ولن تكون تحت سيطرتنا، لكننا في الوقت نفسه نملك إمكانية تغييرها والتحرر من الإكراه على التكرار. إنه يرى النمو في صلب تغييرات ممكنة تتحدانا وتتحدى صورتنا عن الحياة في كل لحظة.
12_ الواقع النفسي في مقابل الواقع الموضوعي
لم يكن التأكيد على عدم وصولنا إلى الواقع الموضوعي اكتشافاً فرويدياً. فقد تحدث قبله فلاسفة كثيرون عن هذه الحقيقة المتعلقة بالمعرفة الإنسانية. كان كانط يعتبر معرفتنا نحن البشر «معرفة بالظواهر»، والظواهر من وجهة نظره نتاج مواجهة مقولات الذهن للمعطى التجريبي. إن ذهننا يبني صورة النومين (الشيء في الخارج) عبر مقولاته (الزمان، المكان، العلية، النسبة... إلخ)، وكل ما نختبره ليس سوى ما يظهر لنا من خلال هذا الطريق. ومنذ كانط وحتى يومنا هذا، استرعى العديد من الفينومينولوجيين في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة انتباهنا إلى هذه الحقيقة. ومع ذلك، فإن إسهام فرويد في هذا السياق كان التأكيد على نوع خاص من مواجهتنا غير المباشرة للحقيقة الموضوعية. لقد تحدث عن الواقع النفسي في مقابل الواقع الموضوعي. الواقع النفسي من وجهة نظر فرويد هو نتاج تقاطع الأمر الموضوعي الخارجي مع العالم النفسي لكل واحد منا. في منظومته الفكرية، كل واحد منا يمتلك نظارة مصنوعة من الاحتياجات، والافتراضات المسبقة، والتوقعات، والتجارب السابقة، والمخاوف، والآمال، والعصابيات... إلخ، وبهذه النظارة نختبر أنفسنا والعالم الخارج عنا. ونتيجة لذلك، فإن ما نختبره ليس الواقع الموضوعي، بل واقعنا النفسي الخاص؛ عالم لا يخلو من شبه بالعالم الموضوعي، لكنه قد يحمل أحياناً اختلافات كثيرة جداً عنه. وفي العلاقات الإنسانية أيضاً، هذا العالم النفسي هو ما يُستحضر. نحن نسمع كلام بعضنا البعض من خلال عالمنا النفسي الخاص وعبر قناة العالم النفسي للآخر. في هذه العوالم، تتناسب المعاني والحساسيات مع حالة الفرد النفسية وتستمد منها أكثر مما تتناسب مع الأمر الخارجي. فعلى سبيل المثال، قد يكون أمر واحد عديم الأهمية في عالمي النفسي، وبالغ الأهمية في عالمك النفسي. وقد يكون شيء ما منبعاً لمشاعر غير سارة في عالمي النفسي، ويظهر الشيء نفسه وبالكيفيات ذاتها في تجربتك كأمر ذي معنى ومانح للمعنى. وقد يكون أمر واحد قد طغى على كل شيء في عالمي النفسي، ويكون الأمر نفسه قد نُسي تماماً في تجربتك كأمر عديم الأهمية بالمرة. في هذا الإطار، كان الالتفات إلى العالم النفسي واختلافه عن العالم الموضوعي، خصوصاً في ضوء اللاوعي والمقولات التحليلية النفسية الأخرى، بصيرة وضع فرويد إصبعه عليها بالتأكيد. هذه نقطة أصبحت اليوم أكثر قبولاً ورواجاً مما كانت عليه في زمن فرويد.
[1] Blake Fleetwood
[2] نُشر هذا النص سابقاً على شكل 12 منشوراً منفصلاً في قناة ناكوك على التلغرام.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١١ تعليق
با سلام و سپاس فراوان از نویسنده محترم و دست اندرکاران این سایت عالی و مفید ، گزارشی بسیار عالی ، مختصرومفید و کافی برای درک یک دیدگاه کلی از نظریات فروید بود ، من رشته ام روانشناسی نیست ، اما بنظرم با توجه به زمان زندگی فروید ، یافته های او چه رد شده باشند و چه تایید ، زلزله مفیدی را در دنیای روانشناسی و روانکاوی ایجاد کرد و دانشمندان این رشته را مواجه با چالشهای نتیجه بخش نمود و بنظر من نظریات ایشان را انسان خیلی نزدیک به واقعیات و تجارب زندگی شخصی و اجتماعی خود می بیند واگر نظریات ایشان بطور کامل هم در هر موردی صدق نکند ، لیکن موارد صدق بسیاری می توان بر نظریات ایشان یافت ، بویژه تاکید او بر اهمیت میل جنسی در رفتار انسانها ، امری غیر قابل انکار و از شدت وضوح در مواردی بی نیاز از اثبات علمی است. ۵ آبان ۴۰۲
انکار فروید در مورد اقتباس از مفاهیم دینی و توصیف نفس در ادبیات دینی نیز از مکانیسم های دفاعی این روانشناس بود. ایشان ادعا داشت که روانشناسی را علمی کرده در حالی که اساساً از مولفه های ادبیات دینی بهره برد.کلیت روانشناسی فروید خود مصداق Freudian Slipبود که محتویات ناخودآگاه او را که پر از سکشوالیته بود آشکار ساخت.
شیر خوردن فعلی برای تغذیه نیست بلکه برای ارضاء جنسی کودک تازه بدنیا آمده است!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
این که میل جنسی محرک اصلی ما انسان هاست از مطالبی است که فروید در مورد آن بر حق بوده؟!
از این ۱۲ مورد ذکر شده حداقل ۸ موردش کاملا رد شده و یا ادعای فروید بقدری کلی بوده که اساسا رد یا تاییدش منطقا ممکن نیست. خوب بود نویسنده یا مترجم حداقل از ۱-۲ مرجع از منابع معتبر روانشناسی دنیا برای اثبات این ادعاها استفاده می کرد.
دوست گرامی فکر نمی کنی گزارش خودتم خیلی کلی است؟ کاش بیشتر توضیح میدادید. من در روانشناسی تخصصی ندارم و بسیار مشتاق گزارش های دقیق علمی هستم.
نظریه های روانشناسی ای که با چیستی، چرایی و چگونگی ذهن و اراده ی انسان سر و کار دارند، اکثرا نظریاتی "علمی فلسفی" هستند، در نتیجه به کار بردن جملاتی از قبیل "کاملا رد شده" در موردشان - حداقل تا زمانی که علم تجربی بتواند داده های خدشه ناپذیر و روشنی در این موارد به دست آورد - کاملا بی معناست..
مورد نخست به هیچ وجه قابل رد یا قابل اثبات نیست. حتی نمی شود با شواهد تقویتش کرد!
بسیار مفید و عالی بود.سپاس
لطفاً در این باره بیشتر بنویسید.
خیلی استفاده بردیم. بسیار تشکر. خسته نباشید