مقدمة المترجم: المادية، أو الماتريالية، التي تُعرف أحياناً اليوم أيضاً بالفيزيائية، هي رؤية كونية تعتبر الموجودات وظواهر العالم (وحتى ظاهرة الوعي والحالات القصدية) مجردة (وهذا القيد مهم) متشكلة من المادة أو الطاقة، أو قابلة للاختزال إليهما في نهاية المطاف. هذه الرؤية، التي شهدت تاريخياً تنوعاً كبيراً وانقسمت إلى تيارات عديدة، هي رؤية ذات تاريخ طويل وامتداد جغرافي واسع في تاريخ الفكر البشري: من الهند والصين القديمتين إلى اليونان القديمة (طاليس، ديمقريطس، أبيقور...) ومن بعض المسيحيين الأوائل إلى بعض المسلمين في القرنين الهجريين الأولين (وحتى ما بعدهما) والعديد من علماء وفلاسفة عصر التنوير (توماس هوبز...)، والعصر الحديث (تشومسكي، بوتنام، ...) يمكن تصنيفهم جميعاً تحت المظلة العامة للمادية، بمعناها الواسع.
في العصر الحديث على وجه الخصوص، أحدث فيورباخ وماركس منعطفاً جديداً في المادية. تُعرف الماتريالية في الفكر اليساري بوصفها كونية شاملة تحت اسم «المادية الجدلية»، وقد اهتم ماركس نفسه بـ «المادية التاريخية» أكثر من المادية الشاملة، والمادية ككونية شاملة في الفكر اليساري مدينة بالأساس لأشخاص غير ماركس، وبشكل خاص لإنجلز ولينين لاحقاً.
للمادية بالطبع معارضون جادون منذ القدم. كان أفلاطون يعتبر النفس والبدن متميزين عن بعضهما بشكل جوهري، واعتبر الأولى غير مادية والثاني مادياً، وفي الفلسفة الحديثة تُعد ثنائية ديكارت مثالاً بارزاً على مناهضة المادية. كما كانت مثالية هيغل وباركلي في الأساس مشروعاً ضد المادية. في الواقع، أطلق باركلي على فلسفته اسم «اللامادية»، في إشارة مباشرة إلى مناهضة هذه الفلسفة للمادية. في الفلسفة المعاصرة أيضاً، يستمر النزاع حول تعريف «المادة» – وهو ما يحتاجه الماديون ومنتقدوهم على حد سواء بشكل ماس. وقد اكتسى هذا النزاع لوناً آخر خاصة بعد التغيرات التي أحدثتها فيزياء الكم في التصور الشائع والقديم للمادة، حتى إنها أوصلت بعض الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن شيئاً اسمه المادة غير موجود أساساً – أي أنهم عادوا بشكل ما إلى المثالية.
في إيران المعاصرة، ارتبطت المادية عموماً بالفكر اليساري، كما ارتبط نقد المادية في إيران بنقد اليسار والدفاع عن التدين ارتباطاً وثيقاً. حوارات محمد تقي شريعتي في أربعينيات القرن الشمسي في خراسان مع أشخاص ذوي ميول يسارية (غالباً من حزب توده) حول موضوعات دينية وكونية، هي من الأمثلة المشهورة على هذا الارتباط. معظم هذه الحوارات الشفوية لم تُكتب ولم تصل إلينا؛ لكن يبدو أنه انطلاقاً من هذه الحوارات، قدم محمد تقي شريعتي لاحقاً أحاديث إذاعية ونشرها في قالب كتاب بعنوان «فائدة الدين وضرورته». كما أسس في عام 1323 شمسي «مركز نشر الحقائق الإسلامية» في مشهد، وأُعلن من بين الأهداف المهمة لتأسيسه «مكافحة الإلحاد الذي يروج له الشيوعيون». كانت هذه الجهود الفردية من قبله تتم في وقت كان يندر فيه بين المتدينين من يقوم بنقد المادية، لأن أولوية المتدينين في تلك الفترة كانت محاربة البهائية وأيضاً «التسنن»، وحتى لاحقاً كانت مواجهة آراء وأفكار ابن محمد تقي شريعتي، علي، أهم بالنسبة لهم من نقد المادية.
مع ذلك، كان مرتضى مطهري، وهو أحد أصدقاء محمد تقي شريعتي وأبناء بلدته، من بين الأشخاص الذين انضموا، بعد عقدين من الزمن (أي في أواخر ستينيات القرن الشمسي)، من بين المتدينين إلى المجموعة المحدودة من المتدينين الناقدين للمادية. وقد ألّف في هذا السياق كتاباً بعنوان «علل گرایش به ماتریالیسم» (أسباب الميل إلى المادية) وشرح في مقدمة هذا الكتاب كيف شغلت مسألة الله ذهنه منذ الطفولة، وكذلك لاحقاً في بدايات دراسته الحوزوية، إلى أن صادف في مطلع العقد الثاني من عمره كتب الماديين اليساريين في تلك الفترة: «كنت أشعر دائماً بهذا الميل لأن أتعرف عن كثب على منطق الماديين وفكرهم [...] كنت أقرأ كتب الدكتور تقي أراني كلما وجدتها بدقة [...] كنت قد قرأت بعض كتب أراني مراراً حتى انطبعت جملها في ذهني.» (علل گرایش به مادیگری، صص ۱۰-۱۱) ثم يوضح مطهري أنه كان يشارك في أوائل خمسينيات القرن الشمسي في سلسلة جلسات كان يعقدها محمد حسين الطباطبائي لنقد «الفلسفة المادية». وكانت حصيلة هذه الجلسات كتاب «أصول فلسفه و روش رئالیسم» (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي) لمحمد حسين الطباطبائي مع حواشٍ لمرتضى مطهري. ويرى مطهري أن هذا الكتاب «كان له دور حاسم في بيان تفاهة الفلسفة المادية للإيرانيين». ويشير مطهري في المقدمة التي كتبها لأصول الفلسفة والمنهج الواقعي أيضاً إلى الهدف الرئيسي للطباطبائي من تأليف هذا الكتاب: «إن المنشورات المدججة بالدعايات السياسية والحزبية للفلسفة المادية الجديدة، المادية الجدلية، جعلت سماحته [محمد حسين الطباطبائي] أكثر تصميماً من ذي قبل على أن يخطو في طريق مقصده».
لقد تم نقد المادية، قرب منتصف سبعينيات القرن الشمسي، من قبل شخص آخر من بين المتدينين كان هو نفسه ذا ميول يسارية. فقد تناول علي شريعتي في عمله المثير للجدل «انسان، اسلام و مکتبهای مغربزمین» (الإنسان، الإسلام ومدارس الغرب) نقد مادية الفكر اليساري. ومع أن شريعتي لم يرفض الماركسية بالكامل لفهم المجتمع والتاريخ الحديثين، إلا أنه وجه النقد للمادية الكونية السائدة في هذا الفكر.
في النصف الثاني من سبعينيات القرن الشمسي، قام شخص آخر من بين المتدينين، هو عبد الكريم سروش، بتأليف كتاب «تضاد دیالکتیکی» (التضاد الجدلي) لينقد الفكر اليساري وخاصة جانبه المادي. وبعد تغير السلطة في عام 57 وقبل أن تطرد آلة الإقصاء اليساريين أيضاً من التشكيلة السياسية للسلطة الجديدة، دافع سروش في التلفزيون الإيراني في مناظرات مع ممثلي الفكر اليساري (إحسان طبري وفرخ نكهدار)، إلى جانب مصباح يزدي، عن الأيديولوجيا الإسلامية في مقابل الأيديولوجيا الماركسية.
عندما انطلقت آلة الإقصاء، أُفل نقد المادية والدفاع عنها في إيران أيضاً، على الأقل في الفضاء الرسمي. ومع ذلك، ربما يكون قد مر عقد من الزمان حتى بدأ نقد المادية والدفاع عنها، هذه المرة بتمازج أقل مع السياسي، يزدهران من جديد، مع رواج الفلسفة التحليلية في إيران من جهة، وظهور تيارات اليسار الجديد من جهة أخرى. ومن الأمثلة الحديثة جداً على هذا الازدهار، نشر كتاب «نظریههای مادیانگارانهی ذهن: بررسی و نقد نظریههای فیزیکالیستی در فلسفهی ذهن» (النظريات المادية للذهن: دراسة ونقد النظريات الفيزيائية في فلسفة الذهن) تأليف علي صبوحي وأحمد رضا همتي مقدم، منشورات پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي (معهد العلوم والثقافة الإسلامية)، ۱۳۹۱. ومن جهة أخرى، كمثال على الدفاع عن المادية، يمكن الإشارة إلى نشر الترجمة الفارسية لبعض كتب سلافوي جيجك في السنوات الأخيرة. فجيجك ليس فقط مدافعاً صريحاً ومتحمساً عن المادية، بل يسعى إلى أن يُظهر أنه إذا أرادت المسيحية أن تستخدم كامل طاقتها، فعليها أن تعتنق المادية. يقول جيجك في كتابه «العروسك والكوتوله: در باب هستهی منحرف مسيحيت» (الدمية والقزم: حول النواة المنحرفة للمسيحية) (منشورات إم آي تي، 2003) في هذا الصدد: «ادعائي ليس فقط أنني مادي محض وأن النواة الهدامة للمسيحية قابلة للتحقق بمقاربة مادية أيضاً، بل إن أطروحتي أسمى من ذلك: النواة الهدامة للمسيحية قابلة للتحقق فقط بمقاربة مادية» (ص 6 من النص الأصلي).
بالنظر إلى هذه الخلفية، ربما بات بإمكاننا الآن أن ندرك بشكل أفضل أهمية كتاب «العقل والكون» لتوماس نيغل، وهو العمل الذي سيأتي نقده ومراجعته لاحقاً بقلم ألفين بلانتينغا، فيلسوف الدين والإبستمولوجي المسيحي الأمريكي وأستاذ الفلسفة في جامعة نوتردام. توماس نيغل، الفيلسوف الأمريكي الشهير، يمارس التفلسف داخل التقليد التحليلي. يشرح نيغل في مقالة قصيرة بعنوان «الفلسفة التحليلية والحياة الإنسانية» مسار تعليمه وتفكيره الفلسفي. لقد أمضى مرحلة البكالوريوس في جامعة كورنيل، حيث كان في فترة دراسته هناك تحت تأثير آراء فتغنشتاين المتأخر. وكان هناك تلميذاً لنورمان مالكولم (أحد تلامذة فتغنشتاين المقربين) وجون رولز. ويقضي درجة الماجستير في أكسفورد تحت إشراف ج. ل. أوستن، ثم يذهب إلى هارفارد لنيل الدكتوراه. ورغم أنه نشأ في تقليد الفلسفة التحليلية، إلا أن الاهتمامات التي غالباً ما يتابعها فلاسفة القارة، مثل موضوع معنى الحياة، كانت ملازمة له دائماً، وبتعبيره هو: «لقد انجذبت بطبعي وبشكل غير محسوس نحو جوانب من النزعات القارية -أي نحو طوباوية ماركس المساواتية، وإحساس الوجوديين بالعبث، وحتمية المنظور الذاتي في الفينومينولوجيا. لكنني تابعت هذه الاهتمامات ضمن إطار تحليلي». وهو صاحب رأي في فلسفة العقل، وفلسفة الأخلاق والحقوق، والفلسفة السياسية وفلسفة الدين، وكان رائداً في إحياء بعض هذه الفروع الفلسفية في التقليد التحليلي.
يسعى نيغل في كتابه الأخير «العقل والكون: لماذا التصور المادي الدارويني الجديد للطبيعة يكاد يكون خاطئاً بالتأكيد»، والذي لم يمض على نشره أكثر من بضعة أشهر، إلى أن يبيّن أنه إذا تعذر تفسير العقل والوعي بشكل مادي (وهو ما لا يمكن في نظره)، فإن لهذا الأمر حينئذٍ نتيجة مهمة لعلم الكونيات لدينا. في مثل هذه الحالة، فإن التصور الشائع القائل بأن العلوم الفيزيائية يمكنها تفسير كل شيء (بما في ذلك العقل والوعي) سيغدو خاطئاً، ومن ثم نحن بحاجة إلى تصور مختلف للعالم ينطوي فيه الوعي أيضاً. إن موقفاً كهذا لا يدفعه إلى الإيمان بما وراء الطبيعة -أي ذاك الرأي القائل بوجود أمر منفصل تماماً عن الطبيعة تكون الطبيعة تابعة له- بل إنه يميل إلى نحو من المذهب الطبيعي غير المادي، والذي يشير إليه بعنوان «الحيوية الشاملة» (البان سايكيزم)، بمعنى أن الطبيعة في نظره تمتلك جانباً ذهنياً ليس أولاً نتاجاً جانبياً للمادة، وثانياً غير قابل للاختزال إلى المادة أو الطاقة. وقد ووجه هذا الرأي بنقود كثيرة، ويُعد نقد بلانتينغا نموذجاً منها. ألفين بلانتينغا، فيلسوف الدين الأمريكي الشهير، يقبل نقود نيغل على المادية الاختزالية، لكنه يعتقد أن على نيغل، بدلاً من الحيوية الشاملة، أن يقبل الإيمان بالله، وأن هذا بديل أفضل للمادية الاختزالية.
توماس نيغل، مؤلف كتاب «العقل والكون»
إن أثر نيغل الجديد ذو أهمية من عدة وجوه. أولاً، أن هذا الكتاب يُظهر، خلافاً للفهم الشائع، أن الفلسفة التحليلية (وخصوصاً الفلسفة التحليلية المتأخرة) ليست فلسفة منقطعة عن الأسئلة الأساسية للحياة (مثل الأسئلة الكوسمولوجية) ومنشغلة فحسب بتحليل اللغة. ثانياً، أن مسعاه يُظهر أن المذهب الطبيعي ليس مطابقاً للمادية -وإن كانت الرواية الشائعة للمذهب الطبيعي تفترض المادية. ثالثاً، أن هذا الأثر، رغم كونه نقداً للمادية، إلا أنه قد تم بشكل مستقل عن (نقد أو دفاع عن) الفكر اليساري. والنقطة الأخيرة هي أن نيغل، وإن كان -بتصريحه هو- ملحداً، إلا أن أثره، في هذه المدة القصيرة من نشره، قد لقي استقبالاً من المؤمنين بالله في تقاليد دينية مختلفة. وهذا بلا شك يعود إلى حد ما إلى النقود التي وجهها نيغل للمادية، والمؤمنون بالله، في المجال النظري، كانوا دوماً ميالين إلى نقد المادية. ويُعد استقبال بلانتينغا، الفيلسوف المسيحي البروتستانتي، لهذا الكتاب، نموذجاً على هذا الأمر.
إن استقبال المؤمنين المفكرين لكتاب ملحد بارز، هو مناسبة طيبة للتذكير بأن المؤمنين المفكرين والمنفتحين على الآخر، لا ينبغي لهم فقط أن ينتبهوا إلى «انتقادات» الملحدين لموقفهم الإيماني، وأخلاقيات الاعتقاد تقتضي ذلك، بل إنهم ليسوا في غنى عن الملحدين حتى «لفهم» موقفهم الإيماني ذاته. يمكن تسمية هذا «الخدمات المتبادلة بين الإلحاد والإيمان» والأمل أن يساعد ازدهار نقد المادية والدفاع عنها في إيران المعاصرة، على مثل هذه الخدمات المتبادلة. والنقطة الأخيرة هي أن هذا العمل يُظهر أن ثمة تنوعًا لافتًا وغير قابل للاختزال بين الملحدين، ومن ثم، حتى من منظور إيماني، لا يمكن إصدار حكم واحد بشأن الملحدين.
جدير بالذكر أن هذه الترجمة والمقدمة المكتوبة عليها، كانت قد نُشرت سابقًا في مجلة «اندیشهی پویا» الشهرية في طهران. وقد حُذفت أجزاء من المقدمة من قبل محرر هذه المجلة، مراعاةً لاعتبارات الرقابة في إيران، وقد وردت تلك الأجزاء كاملةً في إعادة النشر هذه.
النص الأصلي
۱.
بناءً على إجماع شبه تام بين النخب الفكرية في الغرب، لا يوجد شخص بوصفه إلهًا أو أي كائن فوق طبيعي آخر. لقد نشأت الحياة على كوكبنا عبر عمليات طبيعية محضة – لا تتضمن سوى القوانين الطبيعية – لم تُفهم بعدُ على نحو كامل. وإذا ما نظرنا إلى حياة الكائنات الحية، فإن الانتقاء الطبيعي يمسك بزمام كل شيء ويُنتج التنوع الهائل الذي نجده في العالم الحي. البشر، مثل بقية العالم، أشياء مادية بالكامل؛ لا يمتلكون روحًا أو ذاتًا أو نفسًا غير مادية. إن ما يوجد في عالمنا أساسًا هو جسيمات أولية – تفسرها الفيزياء – إلى جانب الأشياء المكونة من هذه الجسيمات.
ذكرت أعلاه أن إجماعًا شبه تام قد تشكل، لكن ثمة بالطبع بعض الأفراد – سواء بين العلماء أو غيرهم – يعارضون هذا الإجماع. كما يوجد لاأدريون لا يتبنون رأيًا بشكل ما حول بعض الأطروحات أعلاه. وهناك تنوعات حول الموضوعات المذكورة، كما توجد منازل وسطى مختلفة. ومع ذلك، إجمالاً، فإن الموضوعات المذكورة هي رأي الأكاديميين والمثقفين في أمريكا الحالية. دعونا نُسمِّ هذه المجموعة من الآراء بالمذهب الطبيعي العلمي – ويمكن ألا نسميه كذلك، لأنه لا يوجد شيء علمي تحديدًا فيه، سوى أن أنصار المذهب الطبيعي العلمي يميلون إلى تقديم أنفسهم تحت لواء العلم، تمامًا مثل السياسيين الذين يميلون إلى تقديم أنفسهم تحت لواء علم بلادهم. لكن أيًا كان اسمه، يمكن تسميته بالأرثوذكسية الأكاديمية – أو إن لم تكن أرثوذكسية، فمن المؤكد أنها يمكن أن تُسمى رأي الأكثرية الأكاديمية.
كان الفيلسوف الأمريكي البارز، توماس نيغل، يسميه شيئًا آخر: صنم القبيلة الأكاديمية ربما، أو بقرتهم المقدسة: «لقد وجدت هذه النظرة، قبل كل شيء، غير قابلة للتصديق – إنها انتصار بطولي لنظرية إيديولوجية على الفطرة السليمة. أراهن أن هذا الإجماع العام والمقبول سيبدو مضحكًا بعد جيل أو جيلين.» نيغل ملحد؛ ومع ذلك فهو لا يقبل الإجماع المذكور، الإجماع الذي يسميه المذهب الطبيعي المادي؛ إن مثل هذا الإجماع بعيد عن الواقع. كتابه المهم الأخير هو هجوم قصير لكنه قوي على المذهب الطبيعي المادي.
لا يخشى نيغل من اتخاذه موقفًا شاذًا، ولا يبدو أنه يكترث بالانتقادات التي ستنهال عليه شاء أم أبى. «في المناخ الحالي الذي تسود فيه الطبيعية العلمية، والمعتمدة بشدة على تكهنات داروينية (تكهنات تفسر كل شيء تقريبًا وهي مدججة بالسلاح ضد الهجمات الدينية)، بدا لي من المفيد أن نتكهن بشأن البدائل الممكنة. قبل كل شيء، أريد في ضوء حقيقة أننا لا نعرف إلا القليل حقًا عن العالم، أن أوسع حدود ما يُعتبر غير قابل للتفكير». إنه يقبل النتائج السلبية التي توصلت إليها حركة التصميم الذكي (وهي حركة تتعرض لانتقادات لاذعة بغير حق)، ويدافع عنها ضد تهمة كونها غير علمية بطبيعتها. في عام ٢٠٠٩، ذهب إلى حد ترشيح كتاب ستيفن ماير «توقيع في الخلية: الحمض النووي وأدلة لصالح التصميم الذكي»، الذي كان بيانًا بارزًا للتصميم الذكي، ككتاب العام. كان من المتوقع أن يدفع نيغل ثمن هرطقاته هذه؛ فقد وُصف بالرضا عن الذات، والخطر على [نمو الأطفال الفكري]، وعديم الشرف، وذي الوجهين، والجاهل، ومفسد العقول، ومستحق اللوم، والأحمق، وغير العلمي، وبأنه أصغر من أن يكون مواطنًا شريفًا تمامًا في جمهورية أهل القلم.
سيثير كتابه الجديد اتهامات جديدة ضده: فنيغل، باستثناء الإلحاد، يرفض تقريبًا كل ادعاءات الطبيعية المادية. يرفض كتاب «العقل والكون» أولاً الادعاء بأن الحياة نشأت فقط بفعل قوانين الفيزياء والكيمياء. يشير نيغل إلى أن هذا الأمر، على الأقل بالنظر إلى الأدلة المتاحة لنا حتى الآن، غير محتمل بشدة: لم يقترح أحد عملية معقولة يمكن من خلالها أن يكون نشوء الحياة قابلًا للحدوث. وكما يصرح نيغل، «إن افتراض أن الحياة نشأت فقط بفعل قوانين الفيزياء والكيمياء هو افتراض يحكم المشروع العلمي، وليس فرضية علمية مؤكدة بشكل صحيح». الركيزة الثانية للطبيعية المادية التي يقوضها نيغل هي فكرة أنه: بمجرد أن تشكلت الحياة على كوكبنا، فإن كل التنوعات العديدة للحياة اليوم نشأت بفعل العمليات التي يشرحها لنا علم التطور: الانتقاء الطبيعي العامل على الطفرة الجينية، والانحراف الوراثي، وربما عمليات أخرى. علاوة على ذلك، هذه العمليات لا هدف لها: لا إله ولا أي كائن آخر منحها اتجاهًا أو نظامًا. يبدو أن نيغل، مقارنة بالركيزة الأولى للطبيعية المادية، أقل شكًا إلى حد ما في هذه الركيزة الثانية؛ ومع ذلك، لا يبدو مقبولًا بالنسبة له أن نقول إن الحياة الاستثنائية، التي تشمل الحياة الإنسانية أيضًا، قد نشأت بالضرورة بهذه الطريقة: «كلما تعلمنا المزيد من التفاصيل حول الأساس الكيميائي للحياة وتعقيد الشيفرات الوراثية، أصبحت الرواية التاريخية التقليدية غير قابلة للتصديق أكثر». يدعم نيغل هذا الرأي العام القائل بأن احتمال نشوء الحياة في الزمن المتاح منخفض بشدة، ويعتقد أنه لم يتم تقديم أي دليل كافٍ ووافٍ لدحض هذا الحكم.
حتى هذه اللحظة، يبدو لي أن نيغل قد أصاب الهدف. بالنظر إلى الأدلة المتاحة لنا الآن، فإن احتمال أن تكون الحياة قد نشأت بطريقة ما من خلال عمل قوانين الفيزياء والكيمياء ضئيل للغاية. وبالنظر إلى وجود الصورة البدائية للحياة، فإن احتمال أن تكون جميع الأنواع الحالية للحياة نتيجة لعملية تطورية لا هدف لها هو أيضًا ضئيل - وإن لم يكن ضئيلًا للغاية. هذان التصوران للطبيعية المادية باطلان على الأرجح.
لكن، سيقول البعض إن الأمور غير المحتملة تقع دائمًا. إن وقوع أمر غير محتمل ليس أمرًا غير محتمل على الإطلاق. تأمل هذا المثال: أنت منهمك في لعب الورق، ولنقل إن اللعبة تتكون من خمس جولات. إن احتمال أن تتوزع الأوراق بالطريقة نفسها تمامًا في كل جولة من الجولات الخمس هو احتمال ضئيل للغاية -في حدود واحد من عشرة أس ١٤٠. ومع ذلك فإن مثل هذا الأمر يقع. صحيح؛ لقد وقع هذا الأمر. إن الأمر غير المحتمل يقع بالفعل. في أي مقامرة عادلة، يكون احتمال فوز أيٍّ من التذاكر ضئيلًا؛ لكن لا شك في أن إحدى التذاكر ستربح، وبالتالي فمن الجزم أن أمرًا غير محتمل سيقع. ولكن كيف ترتبط هذه النقطة بمناقشتنا الراهنة؟ إنني أطرح ذلك الادعاء المفرط في التفاؤل بأنني سأفوز بجائزة نوبل في الكيمياء. فتنبهني أنت، بطريقة معقولة تمامًا، إلى أن مثل هذا الأمر غير محتمل بشدة. فهل يمكنني أن أدافع عن اعتقادي هذا بأن أقول إن الأمر غير المحتمل يقع مرارًا؟ بالطبع لا أستطيع: لا يمكنك أن تتمسك بشكل معقول باعتقاد يكون، استنادًا إلى كل الأدلة المتاحة لك، غير محتمل.
يمضي نيغل قائلًا: إذا كانت المذهب الطبيعي المادي صحيحًا، فإن نشوء الوعي والعقل سيكون أمرًا غير محتمل. "إن الوعي هو أبرز عقبة في طريق المذهب الطبيعي الشامل القائم على مصادر العلوم الفيزيائية وحدها." لماذا الأمر كذلك؟ يبدو أن النقطة التي يرمي إليها نيغل هي أن العلوم الفيزيائية -الفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا، وعلم الأعصاب- لا يمكنها تفسير حقيقة أننا نحن البشر، وربما بعض الحيوانات الأخرى، كائنات واعية. يمكن للعلوم الفيزيائية أن تفسر المد والجزر، أو لماذا تمتلك الطيور عظامًا مجوفة، أو لماذا السماء زرقاء؛ لكنها لا تستطيع تفسير الوعي. قد تستطيع العلوم الفيزيائية إثبات الارتباط ثنائي الاتجاه بين أنماط من الحالات الفيزيائية وأنماط من حالات الوعي؛ لكن هذا لا يفسر الوعي. إن الارتباط ثنائي الاتجاه ليس تفسيرًا لظاهرة ما. بتعبير نيغل: "إن ظهور الوعي الحيواني هو نتيجة للتطور البيولوجي بوضوح، لكن هذه الحقيقة المؤكدة تجريبيًا ليست بعد تفسيرًا لتلك الظاهرة -إنها لا تمنح فهمًا للظاهرة، أو تمكننا من إدراك لماذا جاءت النتيجة مطابقة للتوقع أو كيف نشأت."
ثم يوجه نيغل الانتباه إلى الاعتقاد والمعرفة: "المشكلة التي أريد معالجتها تتعلق بالوظائف العقلية كالفكر، والاستدلال، والتقييم، وهي حالات مقصورة على البشر، رغم أنه في بدايات تشكل هذه الوظائف، ربما يمكن إيجادها لدى بعض الأنواع الأخرى." نحن البشر، وربما بعض الحيوانات الأخرى، لسنا فقط كائنات واعية، بل نحن أيضًا كائنات معتقدة، لدينا اعتقادات كثير منها صادق بالفعل. إن أن نشعر بالألم هو شيء؛ أما أن نعتقد، مثلًا، أن الألم علامة جيدة على أن عضوًا من الجسم لا يعمل بشكل صحيح، فهو شيء آخر تمامًا. في نظر نيغل، يواجه المذهب الطبيعي المادي مشكلة كبيرة مع الوعي، لكنه يواجه مشكلة أكبر من ذلك مع المعرفة. في نظر نيغل، من غير المحتمل جدًا أن يكون الانتقاء الطبيعي الأعمى قد تمكن من "إنتاج كائنات تمتلك القدرة على اكتشاف الحقائق عن طريق العقل، لا سيما حقائق تتجاوز الظواهر بعمق." إنه ينظر بشكل خاص إلى العلم نفسه.
إن الانتقاء الطبيعي معني بالسلوك، لا بصدق الاعتقاد، إلا حينما يكون صدق الاعتقاد ذا صلة بالسلوك. لذا، دعنا نقر حاليًا بأنه ربما يمكن توقع أن ينتج الانتقاء الطبيعي كائنات ذات ملكات معرفية، حين تكتسب اعتقادًا حول البيئة الفيزيائية، يكون اعتقادها موثوقًا: مثلًا، اعتقادات حول وجود مفترسين، أو طعام، أو شريك محتمل. لكن ماذا يمكن أن يقال عن الاعتقادات التي تتجاوز بكثير الأمور ذات القيمة البقائية؟ ماذا يمكن أن يقال عن الفيزياء، أو علم الأعصاب، أو البيولوجيا الجزيئية، أو نظرية التطور؟ بافتراض صحة المذهب الطبيعي المادي، ما مدى احتمال أن تكون ملكاتنا المعرفية موثوقة في هذه المجالات أيضًا؟ إن الاحتمال ضئيل للغاية حقًا. والنتيجة هي -وهذه مفارقة مدهشة- أن على الطبيعاني المادي أن يكون شكاكًا إزاء العلم، وكل جزء من العلم يتجاوز الحياة اليومية.
هذا يبدو صحيحاً بالتأكيد، ولكن ربما يمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك. ربما لا يكون من غير المعقول في البداية أن نفكر على هذا النحو: كان بوسع الانتقاء الطبيعي الأعمى أن يُنتج كائنات بقوى معرفية تكون موثوقة في المسائل المتعلقة بالبقاء والتكاثر. ولكن ماذا عن المعتقدات الميتافيزيقية، مثل الإيمان بالله أو الجبرية أو المادية أو الإلحاد؟ مثل هذه المعتقدات لها صلة ضئيلة بالسلوكيات المتعلقة بالبقاء والتكاثر، والانتقاء الطبيعي الأعمى لا يكترث بهذه المعتقدات ولا بقيمة صدقها. وفوق كل هذا، فإن أعضاءً محددين فقط من جمعية الإنسانيين الشباب هم من تزداد فرصهم في التكاثر بقبولهم الإلحاد. إذا افترضنا الطبيعية المادية، فإن احتمال أن تكون قواي المعرفية موثوقة في مجال المعتقدات الميتافيزيقية سيكون ضئيلاً. وبالتالي، أي معتقد ميتافيزيقي أحمله: احتمال صدق ذلك المعتقد، بافتراض الطبيعية المادية، لا يمكن أن يكون أعلى بكثير من 0.5. لكن الطبيعية المادية هي بالطبع نفسها معتقد ميتافيزيقي. لذلك، على الطبيعي المادي أن يعتبر احتمال صدق الطبيعية المادية حوالي 0.5. لكن هذا يعني أنه لا يمكنه بشكل معقول أن يؤمن بمذهبه. إذا آمن به، فلا ينبغي له أن يؤمن به. بهذا المعنى، فإن الطبيعية المادية ذاتية التقويض.
٢. الحجة السلبية التي يقيمها نيغل ضد الطبيعية المادية، في نظري، قوية ومقنعة. لدي بعض الملاحظات الخاصة. يبدو أن معظم الماديين يعتقدون أن الحالات الذهنية هي معلولات للحالات الفيزيائية. ولكن برأي نيغل، لا يمكن للطبيعية المادية أن تتوقف عند هذه النقطة. لماذا لا يمكنها التوقف؟ لأن فكرة وجود رابط عِلّي بين الأمر الفيزيائي والأمر الذهني لا تقدم في الواقع تفسيراً لحدوث الأمور الذهنية في العالم الفيزيائي. هذه الفكرة لا تجعل الأمور الذهنية قابلة للفهم. إنها لا تُظهر أن وجود الأمور الذهنية، بافتراض عالمنا الفيزيائي، محتمل.
لكن بعض الماديين يحاولون التملص من هذه المشكلة باقتراح وجود نحو من الارتباط المنطقي بين الحالات الفيزيائية والحالات الذهنية. يقولون إن حقيقة أنه عندما تحدث حالة فيزيائية معينة، تحدث أيضاً حالة ذهنية معينة، هي حقيقة ضرورية منطقياً. إذا كان هذا القول صادقاً، فعندئذٍ، بافتراض عالمنا الفيزيائي، سيكون وجود الأمور الذهنية محتملاً بالتأكيد؛ بل إن وجود الأمور الذهنية سيكون ضرورياً. يقترح نيغل نفسه أن مثل هذه الارتباطات الضرورية قائمة. ألا يكفي هذا الارتباط الضروري لجعل حدوث الأمور الذهنية في عالمنا الفيزيائي قابلاً للإدراك؟ حسب ظني، جواب نيغل على هذا السؤال سلبي. من المحتمل أن سبب جوابه السلبي هو أننا لا نستطيع إدراك هذه الارتباطات الضرورية المفترضة بالطريقة نفسها التي ندرك بها الارتباط الضروري ٣=١+٢. هذه الارتباطات الضرورية المفترضة ليست بديهية بالنسبة لنا. ولن يكون وجود الأمور الذهنية قابلاً للإدراك إلا عندما تكون هذه الارتباطات بديهية. ولكن أليس هذا المعيار صارماً بعض الشيء؟ لماذا نفكر أن الأمر الذهني لا يكون قابلاً للإدراك والفهم إلا إذا كانت هناك ارتباطات ضرورية بديهية بين الأمر الفيزيائي والأمر الذهني؟ أليس هذا إلزاماً مفرطاً؟ وإذا كانت القابلية للإدراك تستلزم نحواً من الارتباط بين الأمر الفيزيائي والأمر الذهني، فلماذا نفكر أن العالم قابل للإدراك بذلك المعنى الشديد الصرامة للكلمة؟
قد يبدو لكم الآن أن شخصًا يتعاطف مع آراء نيغل يمكن أن يتعاطف مع الإيمان بالله (أي الاعتقاد بوجود شخص مثل إله الأديان الإبراهيمية). يقول نيغل إن الطبيعية المادية لا تستطيع تقديم تفسير لهذه الأمور: نشأة الحياة أو تنوع الحياة (التنوع الذي نجده في عالم الكائنات الحية)، الوعي، المعرفة أو العقل - لكن الإيمان بالله لا يواجه مشكلة في تفسير أيٍّ من هذه الأمور. فيما يتعلق بالحياة، يمكن القول إن الله نفسه حيّ، وقد خلق، بشكل من الأشكال، الحياة البيولوجية، الحياة التي يمكن العثور عليها على الأرض (وربما في أماكن أخرى). وفيما يتعلق بتنوع الحياة، يمكن القول: إن الله هو من أوجد هذا التنوع، سواء من خلال عملية تطورية هادفة أو بأي طريقة أخرى. وفي باب الوعي، مرة أخرى، لا يواجه الإيمان بالله مشكلة: فبناءً على الموقف الإيماني، الله هو الحقيقة الأساسية وهو كائن واعٍ. وماذا يمكن أن يقال عن وجود كائنات تمتلك المعرفة والعقل، كائنات مثلنا، لديها القدرة على البحث العلمي في عالمنا؟ على أية حال، وفقًا للموقف الإيماني، خلقنا الله نحن البشر على صورته؛ وأحد جوانب كون البشر قد خُلقوا على صورة الله (وهو، بحسب الأكويني، أهم جانب فيها) هو أن البشر لديهم، إلى حد ما، القدرة على معرفة أنفسهم والعالم، وكذلك معرفة الله، والله أيضًا يمتلك المعرفة. ومن ثم، فإن الإيمان بالله يستلزم قابلية العالم للفهم بالنسبة لنا نحن البشر، وإن لم تكن هذه القابلية للفهم بالمعنى النيغلي الممجَّد تمامًا. في الواقع، نشأت العلوم التجريبية الحديثة في رحم الإيمان المسيحي، وهذا يعني أن هناك تناسبًا وتلاؤمًا بين العالم وقوانا المعرفية.
بافتراض الإيمان بالله، ليس من المدهش على الإطلاق وجود كائنات مثلنا تمتلك القدرة على البحث في الفيزياء الذرية، ونظرية النسبية، وميكانيكا الكم وما شابه ذلك. من ناحية أخرى، وكما يشير نيغل، فإن الطبيعية المادية تواجه مشكلة كبيرة في تفسير وجود مثل هذه الكائنات. لهذا السبب، ولأسباب أخرى، يرحب الإيمان بالله بالعلم أكثر مما ترحب به الطبيعية المادية. لذلك، يبدو أن الإيمان بالله هو البديل الطبيعي للطبيعية المادية التي يرفضها نيغل: للإيمان بالله مزايا بينما للطبيعية المادية عيوب، ومن ثم يُتوقع، على الأقل بناءً على هذه الأدلة، أن يتعاطف نيغل مع الإيمان بالله.
مما يدعو للأسف (على الأقل بالنسبة لي) أن نيغل يرفض الإيمان بالله: «أعترف بالافتراض غير الراسخ الذي لدي، وهو أنه يبدو لي من المستحيل اعتبار التصميم الذكي [أي الإيمان بالله] بديلاً حقيقيًا للطبيعية المادية. أفتقر إلى ’الحس الإلهي‘ الذي يمكّن، بل ويدفع، الكثير من البشر لرؤية العالم كتعبير عن قصد إلهي.» [الأقواس من النص الأصلي وليست إضافة من المترجم] لكن نيغل ليس فقط غير محايد إلى حد ما تجاه الإيمان بالله، بل إنه يفتقر إلى «الحس الإلهي». في كتابه المعنون «الكلمة الأخيرة» الذي نُشر عام 1997، يقدم سردًا صريحًا لميوله الفلسفية:
«أنا أتحدث عن شيء أعمق - الخوف من الدين. أتحدث عن تجربتي الخاصة، المتأثرة برهابي من الدين: أود لو كان الإلحاد صحيحًا، ويحزنني أن أرى بعضًا من أذكى وأكثر الناس الذين أعرفهم ثقافة متدينين. أنا لا أؤمن بالله فحسب! وبطبيعة الحال آمل أن يكون اعتقادي صحيحًا، بل آمل ألا يكون هناك إله، لا أريد أن يكون هناك إله؛ لا أريد أن يكون العالم إلهيًا. فكرة أنه قد يكون هناك كائن مثل الله تسبب لي الانزعاج والاضطراب؛ لكن هذا الانزعاج يبدو، على الأرجح، شعوريًا أكثر منه فلسفيًا أو عقلانيًا.»
إذن، هل للإيمان بالله، في نظر نيغل، إشكال فلسفي تحديدًا؟ بقدر ما أفهم، فإن أهم اعتراض جوهري يوجهه إلى الإيمان بالله هو التوسل بمفهوم الاستمرارية. فرؤية العالم الناجحة ترى العالم قابلاً للفهم؛ وقابلية الفهم، في نظر نيغل، تستلزم درجة عالية من الاستمرارية. فالعالم لا يكون قابلاً للفهم إلا إذا لم تطرأ عليه قطيعة جوهرية، ولا يكون قابلاً للفهم إلا حين لا يشتمل على أمور مختلفة اختلافًا أساسيًا. لقد اعتقد ديكارت، ذلك الثنائي الكبير، أن العالم يُظهر نوعين من الأمور المختلفة اختلافًا أساسيًا: المادة والذهن، ولا يمكن اختزال أي منهما إلى الآخر. وينكر نيغل هذه الثنائية: وسببه الوحيد هو أن ثنائية كهذه لا تستطيع توفير الاستمرارية اللازمة لقابلية فهم العالم.
ومع ذلك، هل ثمة سبب لاعتقاد أن العالم قابل للفهم حقًا بهذا المعنى القوي – هل لدينا سبب وجيه للاعتقاد بأن هناك، أساسًا، فئة واحدة فقط من الأمور، وأن كل شيء آخر هو مثال على تلك الفئة من الأمور، أو قابل للاختزال إليها؟ ثمة ثلاث ملاحظات تبدو ضرورية بشأن هذه الفكرة. أولاً، نحتاج إلى معرفة المزيد عن هذا الشرط: ماذا يعني القول بأن هناك، أساسًا، فئة واحدة فقط من الأمور؟ ليس واضحًا كيف ينبغي فهم هذا. ألا توجد أنواع مختلفة من الأمور – وبأعداد كبيرة جدًا: بيوت، وخيول، وصقور، ومناشير يدوية؟ حسنًا، ربما لا تكون هذه «مختلفة أساسًا». لكن ما معنى «أساسًا» هنا؟ هل المقصود أن العالم لا يكون قابلاً للفهم إلا إذا امتلك خاصية مهمة تشترك فيها البيوت والخيول والصقور والمناشير اليدوية جميعًا؟ أي نوع من الخاصية؟
ثانيًا، إلى أي مدى يُعد الادعاء بأن هذا النوع من الترابط ضروري حقًا لقابلية الفهم ادعاءً معقولاً؟ من الواضح أننا لا نستطيع الادعاء بأن ثنائية ديكارت غير قابلة للفهم بالمعنى الدقيق للكلمة – ففي نهاية المطاف، حتى لو رفضت الثنائية، يمكنك فهمها. (وإلا فما هي الطريقة الأخرى لرفضها؟) هل صحيح حقًا أنه لو لم يشتمل العالم على فئتين – أو أكثر من فئتين – من الأمور المختلفة أساسًا، لكان أكثر قابلية للفهم – بالمعنى المهم للكلمة، أكثر قابلية للفهم؟ لا أجد سببًا كافيًا لأعتقد ذلك.
ثالثًا، لنفترض أننا قبلنا بأن العالم لا يكون قابلاً للفهم حقًا إلا حين يُظهر هذا النوع من الترابط الأحادي: لماذا ينبغي لنا أن نعتقد أن العالم قد أظهر مثل هذا الترابط؟ يمكن للمرء أن يأمل في أن يُظهر العالم مثل هذا الترابط، لكن هل هناك سبب لاعتقاد أن العالم سيتعاون معنا؟ لنفترض أن قابلية الفهم تستلزم هذا النوع من الترابط: لماذا ينبغي لنا أن نعتقد أن عالمنا قابل للفهم بهذا المعنى؟ هل من المعقول أن نقول للمؤمن بالله: «حسنًا، إذا كان الإيمان بالله صحيحًا، فستكون هناك فئتان من الأمور مختلفتان أساسًا: الله من جهة، ومخلوقاته التي خلقها من جهة أخرى. لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا حقًا: لأنه لو كان الأمر كذلك، لما أظهر العالم الترابط اللازم لقابلية الفهم»؟ أليس المؤمن بالله على حق تمامًا في صرف النظر عن هذا النوع من قابلية الفهم؟
٣. نصل أخيرًا إلى أطروحة نيغل الإيجابية. لقد بيّن أن الطبيعية المادية باطلة، لكن ما هو البديل الذي يقترحه؟ إنه متردد بعض الشيء في هذه النقطة. ففي نظره (بافتراض أن الإيمان بالله غير مقبول) قد يستغرق العثور على بديل مُرضٍ للطبيعية المادية عدة قرون؛ وهو يكتفي بتقديم مخطط أولي مقترح. يطرح مخططه بروح متواضعة قائلاً: «أنا على يقين من أن محاولتي لاستكشاف البدائل تفتقر إلى الإبداع إلى حد كبير. إن فهم العالم بوصفه مكانًا مستعدًا لإنماء الحياة والذهن ربما يتطلب انزياحًا أكثر جذرية بكثير من قوالب التفسير الطبيعية، القوالب التي لست قادرًا الآن على استيعابها.»
يتألف طرح نيغل الأولي من عنصرين رئيسيين. العنصر الأول هو عمومية النفسية، أو فكرة أن العقل، أو عقلاً أولياً، أو شيئاً شبيهاً بذلك، موجود في الطبقة التحتية لكل شيء. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن العقل لم ينشأ قط في العالم: بل كان حاضراً منذ البداية، حتى أبسط جسيمات العالم تُظهر نحواً من العقلية. وفكرة عمومية النفسية ليست بالطبع أن كل جسيم أولي قادر على إجراء حسابات رياضية، أو أن كل جسيم يمتلك وعياً ذاتياً؛ بل إن كل جسيم يتمتع بنحو من الذهنية. يقدم نيغل طرحه بهذه الصيغة ليتجنب ما يجده من افتقاد للقابلية للفهم في الثنائية الديكارتية. وبالطبع قد يتساءل المرء: ما هي الميزة الكبرى في أن ننكر، استناداً إلى رؤية الترابط، فئتين من الأمور مختلفتين جوهرياً لصالح نوعين من الخصائص مختلفين جوهرياً؟ ونيغل نفسه يدرك أن رؤيته لا تزال تواجه مشكلة مع نشوء العقول البشرية، العقول القادرة بقدر معتبر على فهم العالم. يمكننا (على أية حال إلى حد معتبر) أن ندرك كيف يمكن لأشياء مادية أكثر تعقيداً أن تنشأ من أشياء مادية أبسط: الأشياء الفيزيائية العادية تتكون من جزيئات، والجزيئات تتكون من ذرات، والذرات تتكون من إلكترونات وكواركات (في مرحلة الكواركات تكون الأشياء أقل وضوحاً في المجمل). لكن ليست لدينا أية فكرة عن كيف يمكن لكائن ذي عقل بشري أن يتركب أو يُبنى من كائنات أصغر تمتلك نحواً من العقلية. كيف تراكبت العقول البدائية مع العقل الأقل بدائية؟
العنصر الثاني من طرح نيغل الأولي هو ما يمكننا أن نطلق عليه اسم الغائية الطبيعية. فكرته تبدو شيئاً شبيهاً بهذا: في كل مرحلة من تطور عالمنا (تطور ربما يمكننا أن نعتبر بدايته بالانفجار العظيم) توجد إمكانات متعددة ومختلفة بشأن ما سيحدث. بعض هذه الإمكانات تمثل خطوة في اتجاه نشوء كائنات بعقول شبيهة بعقولنا. ووفقاً لغائية نيغل الطبيعية، فإن للكون نحواً من الانحياز الذاتي نحو الإمكانات التي تنتهي إلى العقول. لا يشرح نيغل مقترحاته ويبسطها. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُنتقد على هذا: فهو على الأرجح محق في اعتقاده أن هذه المقترحات تتطلب فكراً وزماناً طويلين لكي تتحول إلى بديل قابل للبقاء حقاً، لكل من الطبيعية المادية والإلهية معاً.
قلت سابقاً إن نيغل يُعجب بالجانب السلبي من التصميم الذكي لكنه متشكك بشأن جانبه الإيجابي؛ وأنا أجد نفسي في موقف مشابه إزاء كتاب نيغل «العقل والكون». إنني معجب بهجومه الهائل على الطبيعية المادية؛ ومتشكك بشأن عمومية النفسية وغائيته الطبيعية. من وجهة نظر نيغل، لو كانت الطبيعية المادية صحيحة، لما نشأ العقل في العالم – لكن كيف يساعد هذا [معقولية] افتراض أن الجسيمات الأساسية تمتلك عقلاً بمعنى ما؟ كيف تجعل عمومية النفسية هذا الأمر قابلاً للفهم، وهو أنه كان ينبغي أن توجد كائنات تمتلك القدرة على البحث في الفيزياء والفلسفة؟ وكذلك القدرة على الشعر والفن والموسيقى؟
بخصوص غائية نيغل الطبيعية يمكن القول: هل من المفهوم حقاً أن نفترض أن الكون، بذاته، دون حضور الإله، له وظيفة يمكن تسميتها على نحو مفهوم هكذا: كون «مُصوَّب» نحو حالات أمور معينة؟ المشكلة ليست فقط أن نظرية كهذه تبدو خيالية؛ بل إنها ليست حتى قابلة للفهم بوضوح. إن التفسير الغائي لحالة أمور ما، يشير إلى كائن قد صوَّب نحو تلك الحالة، ويتصرف على نحو يحققها. لكن الكون الخالي من الإله، لم يصوِّب نحو حالة أمور أو أي شيء آخر. والآن، ماذا يمكن أن يُقال عن هذه الغائية الطبيعية المزعومة؟
يبدو أن الإيمان بالله أكثر نجاحاً في التوفيق بين الحياة والعقل. فبحسب الإيمان بالله، يحتل العقل مكانة أساسية في العالم: فالله نفسه هو الشخص الأسمى والعقل الأسمى؛ لقد كان موجوداً دائماً، وهو واجب الوجود. كان بإمكان الله أن يشاء وجود كائنات – يمكن لله أن يقيم معها صداقة. ومن هنا، يمكنه أن يخلق بشراً متناهين مخلوقين على صورة الله: كائنات قادرة على الحب وقادرة على معرفة أشياء عن نفسها، وعن العالم، والعلم، والأدب، والشعر، والموسيقى، والفن وما إلى ذلك. بافتراض الإيمان بالله، تصبح هذه الأمور واضحة وجلية الفهم. وكما يشير نيغل، لا يمكن قول شيء مماثل عن الطبيعانية المادية. ولكن هل حال كل من حيوية المادة والغائية الطبيعية أفضل؟ لا يبدو أن إنكار نيغل للإيمان بالله له جذور فلسفية. حدسي هو أن عدم الرضا عن الإيمان بالله ظاهرة واسعة الانتشار نسبياً. فالإيمان بالله يحد بشدة من استقلالية البشر. فبحسب الإيمان بالله، نحن البشر، في أفضل الأحوال، شركاء جزئيون في عالم العقل. لسنا مستقلين أو قائمين بذواتنا؛ نحن معتمدون كلياً على الله في وجودنا وحتى في أنفاسنا. بل يمكن قول أكثر من ذلك: يرى بعض الأفراد في الإيمان بالله نوعاً من الاقتحام الذي لا يطاق لحيزهم الخاص: فالله عليم بكل أفكاري، بل إنه يعلم فكري قبل أن أفكر فيه.
ربما يمكن العثور على دلائل على عدم الرضا هذا حتى في الإنجيل نفسه:
ليست كلمة على لساني، إلا وأنت يا رب عرفتها كلها...
أين أذهب من روحك؟
ومن وجهك أين أهرب؟
إن صعدت إلى السماوات فأنت هناك،
وإن فرشت في الهاوية فها أنت هناك. [المزامير]
إن عدم الرضا عن الإيمان بالله، مفهوم إلى حد ما حتى بالنسبة للمؤمن. ومع ذلك، لو أن نيغل عمل بتوصيفاته ومتطلباته لفلسفة جيدة، ولو أنه تبع حججه أينما قادته، ولو أنه تجاهل عدم رضاه العاطفي عن الإيمان بالله، لكان قد انتهى به المطاف إلى الإيمان بالله. ولكن أينما انتهى به المطاف، فقد أسدى خدمة جليلة مسبقاً للتقييم النقدي والهدام لأكثر العقائد الدوغمائية شيوعاً وقمعاً في زماننا.
Mind and Cosmos: Why the Materialist Neo-Darwinian Conception of Nature is Almost Certainly False
By Thomas Nagel
I.
وفقًا لإجماع شبه راسخ بين النخبة المثقفة في الغرب، لا يوجد شخص كالله أو أي كائن خارق آخر. نشأت الحياة على كوكبنا عبر عمليات طبيعية بالكامل غير مفهومة جيدًا، لا تتضمن سوى عمل القوانين الطبيعية. وبمجرد ظهور الحياة، تولى الانتقاء الطبيعي زمام الأمور، وأنتج كل ذلك التنوع الهائل الذي نجده في العالم الحي. البشر، شأنهم شأن بقية العالم، كائنات مادية محضة؛ ليس لديهم روح أو أنا أو ذات من أي نوع غير مادي. في العمق، ما يوجد في عالمنا هو الجسيمات الأولية الموصوفة في الفيزياء، إلى جانب الأشياء المكونة من هذه الجسيمات.
أقول إن هذا إجماع شبه راسخ، لكن بالطبع هناك بعض الناس، علماء وغيرهم، ممن يختلفون معه. هناك أيضًا اللاأدريون، الذين لا يحملون رأيًا في أي من الأطروحات أعلاه بطريقة أو بأخرى. وهناك تنويعات على الموضوعات المذكورة، وكذلك حلول وسط من نوع أو آخر. ومع ذلك، فهذه إلى حد كبير هي آراء الأكاديميين والمثقفين في أمريكا الآن. لنسمِّ هذه المنظومة من الآراء الطبيعية العلمية - أو لا نسمها كذلك، إذ لا شيء علميًا فيها بشكل خاص، باستثناء أن من يناصرونها يميلون إلى التلفع بالعلم كما يتلفع السياسي بالعلم. لكن بأي اسم، يمكننا أن نسميها أرثوذكسية الأكاديميا - أو إن لم تكن الأرثوذكسية، فهي بالتأكيد رأي الأغلبية.
قد يسميها الفيلسوف البارز توماس نيغل شيئًا آخر: صنم من أصنام القبيلة الأكاديمية، ربما، أو بقرة مقدسة: "أجد هذه النظرة غير قابلة للتصديق مسبقًا - انتصار بطولي للنظرية الإيديولوجية على الحس السليم. ... سأكون مستعدًا للمراهنة على أن الإجماع الحالي الصائب فكريًا سيبدو مثيرًا للضحك خلال جيل أو جيلين." نيغل ملحد؛ ومع ذلك، فهو لا يقبل الإجماع أعلاه، الذي يسميه الطبيعية المادية؛ بعيدًا عن ذلك. كتابه الجديد المهم هو هجوم موجز لكنه قوي على الطبيعية المادية.
لا يخشى ناغل اتخاذ مواقف غير شعبية، ولا يبدو أنه يأبه بالشتائم التي ترافق ذلك. يكتب: "في المناخ الحالي للمذهب الطبيعي العلمي المهيمن، الذي يعتمد بشدة على تفسيرات داروينية تخمينية لكل شيء تقريبًا، والمسلح حتى الأسنان ضد الهجمات القادمة من الدين، رأيت أنه من المفيد التكهن ببدائل محتملة. وفوق كل شيء، أود توسيع حدود ما لا يُعتبر غير قابل للتفكير، في ضوء ضآلة ما نفهمه حقًا عن العالم." لقد أيد ناغل الاستنتاجات السلبية لحركة التصميم الذكي التي تعرضت لكثير من التجريح، ودافع عنها ضد تهمة أنها غير علمية بطبيعتها. وفي عام 2009، ذهب إلى حد التوصية بكتاب ستيفن ماير توقيع في الخلية: الحمض النووي وأدلة التصميم الذكي، وهو بيان رئيسي للتصميم الذكي، كأحد كتب العام. مقابل هذه الهرطقة، دفع ناغل الثمن المتوقع؛ قيل إنه متعجرف، وخطير على الأطفال، ووصمة عار، ومنافق، وجاهل، وملوث للعقول، ومستنكر، وغبي، وغير علمي، وبشكل عام مواطن أقل من كامل الاستقامة في جمهورية الآداب.
من المرجح أن يثير كتابه الجديد شجبًا مماثلاً: فباستثناء الإلحاد، يرفض ناغل تقريبًا كل حجة من حجج المذهب الطبيعي المادي. يرفض كتاب العقل والكون، أولاً، الادعاء بأن الحياة نشأت فقط بفعل قوانين الفيزياء والكيمياء. وكما يشير ناغل، فإن هذا غير محتمل إلى أقصى حد، على الأقل بالنظر إلى الأدلة الحالية: لم يقترح أحد أي عملية معقولة بشكل مقبول يمكن أن يحدث هذا من خلالها. وكما يعلق ناغل: "إنه افتراض يحكم المشروع العلمي وليس فرضية علمية مؤكدة جيدًا."
الركيزة الثانية من ركائز المذهب الطبيعي المادي التي يرفضها ناغل هي فكرة أنه، بمجرد نشوء الحياة على كوكبنا، فإن كل التنوع الهائل للحياة المعاصرة قد نشأ عبر العمليات التي يخبرنا عنها علم التطور: الانتقاء الطبيعي العامل على الطفرات الجينية، وكذلك الانجراف الجيني، وربما عمليات أخرى أيضًا. هذه العمليات، علاوة على ذلك، غير موجهة: لا الله ولا أي كائن آخر قام بتوجيهها أو تنظيمها. يبدو ناغل أقل تشككًا قليلاً في هذه الركيزة مقارنة بالأولى؛ لكنه لا يزال يعتقد أنه من غير المعقول أن يكون التنوع المذهل للحياة، بما في ذلك نحن البشر، قد نشأ بهذه الطريقة: "كلما تعلمنا المزيد من التفاصيل حول الأساس الكيميائي للحياة وتعقيد الشيفرة الوراثية، أصبحت الرواية التاريخية القياسية غير قابلة للتصديق." يدعم ناغل وجهة النظر المنطقية القائلة بأن احتمال حدوث هذا في الوقت المتاح منخفض للغاية، ويعتقد أنه لم يتم تقديم أي شيء يشبه الدليل الكافي لدحض هذا الحكم.
حتى الآن، يبدو لي أن ناغل مصيب تمامًا. إن احتمال، فيما يتعلق بأدلتنا الحالية، أن تكون الحياة قد نشأت بطريقة ما من غير حياة فقط بفعل قوانين الفيزياء والكيمياء هو احتمال ضئيل للغاية. وبالنظر إلى وجود شكل حياة بدائي، فإن احتمال أن يكون كل التنوع الحالي للحياة قد نشأ عن طريق التطور غير الموجه، رغم أنه ربما ليس بنفس القدر من الضآلة، إلا أنه مع ذلك متناهٍ في الصغر. هذان التصوران للمذهب الطبيعي المادي من المرجح جدًا أن يكونا خاطئين.
لكن، قد يقول قائل، إن غير المحتمل يحدث طوال الوقت. ليس من غير المحتمل على الإطلاق أن يحدث شيء غير محتمل. تأمل مثالاً. أنت تلعب جولة من البريدج تشمل، لنقل، خمس توزيعات. إن احتمال سقوط الأوراق تماماً كما سقطت في تلك التوزيعات الخمس ضئيل للغاية — شيء مثل واحد من عشرة مرفوعاً للقوة 140. ومع ذلك، لقد حدث ذلك. صحيح. لقد حدث. غير المحتمل يحدث بالفعل. في أي يانصيب نزيه، من غير المرجح أن تفوز كل بطاقة؛ لكن من المؤكد أن إحداها ستفوز، وبالتالي فمن المؤكد أن شيئاً غير محتمل سيحدث. لكن كيف يكون هذا ذا صلة في السياق الحالي؟ في نوبة من التفاؤل الجامح، أزعم أنني سأفوز بجائزة نوبل في الكيمياء. أنت تشير، بمنطق سليم، إلى أن هذا غير مرجح للغاية، بالنظر إلى أنني لم أدرس الكيمياء قط ولا أعرف شيئاً عن الموضوع. هل يمكنني الدفاع عن اعتقادي بالإشارة إلى أن غير المحتمل يحدث بانتظام؟ بالطبع لا: لا يمكنك أن تحمل بشكل معقول اعتقاداً غير محتمل بالنسبة لجميع أدلتك.
يُواصل ناغل: إنه يعتقد أنه من غير المحتمل بشكل خاص أن ينشأ الوعي والعقل إذا كانت الطبيعية المادية صحيحة. "الوعي هو أبرز عقبة أمام طبيعية شاملة تعتمد فقط على موارد العلم الفيزيائي." لماذا؟ يبدو أن وجهة نظر ناغل هي أن العلوم الفيزيائية — الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا، علم الأعصاب — لا تستطيع تفسير أو تعليل حقيقة أننا، نحن البشر، وربما بعض الحيوانات الأخرى، واعون. يمكن للعلم الفيزيائي أن يفسر المد والجزر، ولماذا تمتلك الطيور عظاماً مجوفة، ولماذا السماء زرقاء؛ لكنه لا يستطيع تفسير الوعي. يمكن للعلم الفيزيائي ربما أن يُظهر ارتباطات بين حالات فيزيائية من نوع أو آخر وحالات وعي من نوع أو آخر؛ لكن هذا بالطبع ليس تفسيراً للوعي. الارتباط ليس تفسيراً. وكما يصوغ ناغل الأمر، "إن ظهور الوعي الحيواني هو بوضوح نتيجة للتطور البيولوجي، لكن هذه الحقيقة التجريبية المدعومة جيداً ليست تفسيراً بعد — إنها لا تقدم فهماً، أو تمكننا من رؤية لماذا كان ينبغي توقع النتيجة أو كيف نشأت."
ثم يحول ناغل انتباهه إلى الاعتقاد والإدراك: "المشكلة التي أريد تناولها الآن تتعلق بالوظائف العقلية مثل التفكير، والاستدلال، والتقييم التي تقتصر على البشر، رغم أن بداياتها قد توجد في أنواع قليلة أخرى." نحن البشر وربما بعض الحيوانات الأخرى لسنا مجرد كائنات واعية، بل نحمل أيضاً اعتقادات، كثير منها صحيح في الواقع. إنه شيء أن تشعر بالألم؛ وشيء آخر تماماً أن تعتقد، على سبيل المثال، أن الألم يمكن أن يكون إشارة مفيدة على خلل وظيفي. وفقاً لناغل، تواجه الطبيعية المادية صعوبة كبيرة مع الوعي، لكنها تواجه صعوبة أكبر مع الإدراك. إنه يعتقد أنه من غير المحتمل بشكل هائل أن يكون الانتقاء الطبيعي غير الموجه قد "ولّد كائنات لديها القدرة على اكتشاف الحقيقة عن واقع يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من المظاهر الأولية، وذلك عن طريق العقل." إنه يفكر بشكل خاص في العلم نفسه.
الانتخاب الطبيعي يهتم بالسلوك، لا بحقيقة الاعتقاد، إلا بقدر ما يرتبط هذا الأخير بالسلوك. لذا، سلّم مؤقتًا بأنه ربما يُتوقع من الانتخاب الطبيعي أن يُنتج كائناتٍ ذات ملكاتٍ معرفيةٍ موثوقةٍ عندما يتعلق الأمر بالاعتقادات حول البيئة المادية: اعتقادات، على سبيل المثال، حول وجود المفترسين، أو الطعام، أو الشركاء المحتملين. لكن ماذا عن الاعتقادات التي تتجاوز بكثير أي شيء ذي قيمة للبقاء؟ ماذا عن الفيزياء، أو علم الأعصاب، أو البيولوجيا الجزيئية، أو نظرية التطور؟ ما هو الاحتمال، في ضوء الطبيعانية المادية، أن تكون ملكاتنا المعرفية موثوقةً في مثل هذه المجالات؟ إنه ضئيل جدًا بالفعل. ويترتب على ذلك – في مفارقةٍ رائعة – أن على الطبيعاني المادي أن يكون شكوكيًا إزاء العلم، أو على الأقل إزاء تلك الأجزاء منه البعيدة كل البعد عن الحياة اليومية.
يبدو هذا صحيحًا بالتأكيد، وربما يمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك. ربما ليس من غير المعقول مبدئيًا الاعتقاد بأن الانتخاب الطبيعي غير الموجّه كان بإمكانه إنتاج كائناتٍ ذات ملكاتٍ معرفيةٍ موثوقةٍ في الأمور ذات الصلة بالبقاء والتكاثر. لكن ماذا عن الاعتقادات الميتافيزيقية، مثل الإيمان بالإله، أو الحتمية، أو المادية، أو الإلحاد؟ مثل هذه الاعتقادات لها تأثير ضئيل على السلوك المتعلق بالبقاء والتكاثر، والانتخاب الطبيعي غير الموجّه لا يكترث بها البتة أو بقيمتها الصدقية. ففي نهاية المطاف، ليس سوى العضو العرضي في جمعية الشبان الإنسانيين من تتعزز فرصه الإنجابية بقبوله الإلحاد. في ضوء الطبيعانية المادية، فإن احتمال أن تكون ملكاتي المعرفية موثوقةً فيما يتعلق بالاعتقادات الميتافيزيقية سيكون منخفضًا. لذا، خذ أي اعتقاد ميتافيزيقي لدي: احتمال أن يكون صحيحًا، في ضوء الطبيعانية المادية، لا يمكن أن يكون أعلى بكثير من 0.5. لكن الطبيعانية المادية هي بالطبع بحد ذاتها اعتقاد ميتافيزيقي. لذا، على الطبيعاني المادي أن يعتقد أن احتمال الطبيعانية المادية هو حوالي 0.5. لكن هذا يعني أنها لا تستطيع أن تؤمن بشكل معقول بمذهبها الخاص. إذا آمنت به، فلا ينبغي لها أن تؤمن به. بهذه الطريقة تكون الطبيعانية المادية مهزومةً ذاتيًا.
II.
الحالة السلبية التي يبنيها ناغل ضد الطبيعانية المادية تبدو لي قوية ومقنعة. لكن لدي بعض التحفظات العرضية. يعتقد معظم الماديين، على ما يبدو، أن الحالات الذهنية تسببها حالات فيزيائية. لكن وفقًا لناغل، لا يستطيع الطبيعاني المادي التوقف عند هذا الحد. لم لا؟ لأن فكرة وجود مثل هذا الارتباط السببي بين الفيزيائي والذهني لا تشرح حقًا حدوث الذهني في عالم فيزيائي. إنها لا تجعل الذهني قابلًا للفهم. إنها لا تُظهر أن وجود الذهني محتمل، بالنظر إلى عالمنا الفيزيائي.
غير أن بعض الماديين يسعون إلى التهرب من هذه الصعوبة باقتراح وجود نوعٍ من الارتباط المنطقي بين الحالات الفيزيائية والحالات الذهنية. إنها حقيقة ضرورية منطقيًا، كما يقولون، أنه عندما تحدث حالة فيزيائية معينة، تحدث أيضًا حالة ذهنية معينة. إذا كان هذا صحيحًا، فإن وجود الذهني يكون محتملًا بالتأكيد، بالنظر إلى عالمنا الفيزيائي؛ بل إن وجوده ضروري. يقترح ناغل نفسه وجود مثل هذه الارتباطات الضرورية. إذن، ألن يكون ذلك كافيًا لجعل حدوث الذهني في عالمنا الفيزيائي قابلًا للفهم؟
أظن أن إجابته ستكون بالنفي. ولعل السبب هو أننا لا نستطيع ببساطة أن نرى هذه الضرورات المزعومة، بالطريقة التي نستطيع بها أن نرى ببساطة أن 2+1=3. فهذه الروابط الضرورية المفترضة ليست بديهية بالنسبة لنا. ولن يكون وجود الذهني معقولاً إلا إذا كانت تلك الروابط بديهية. لكن أليس هذا متطرفاً بعض الشيء؟ لماذا نظن أن الذهني معقول ومفهوم فقط إذا كانت هناك روابط ضرورية بديهية بين الفيزيائي والذهني؟ ألا يتطلب ذلك الكثير؟ وإذا كانت المعقولية تتطلب ذلك النوع من الربط بين الفيزيائي والذهني، فلماذا نظن أن العالم معقول بهذا المعنى البالغ القوة؟
قد تظن الآن أن شخصاً يحمل آراء نايغل سيكون متعاطفاً مع الإيمان بالله، أي الاعتقاد بوجود شخص هو إله الأديان الإبراهيمية. تقول المذهب الطبيعي المادي، بحسب نايغل، لا يستطيع تفسير ظهور الحياة، أو التنوع الذي نجده في العالم الحي، أو الوعي، أو الإدراك، أو العقل — لكن الإيمان بالله لا يعاني من أي مشكلة في تفسير أي من هذه الأمور. أما فيما يتعلق بالحياة، فالله نفسه حيّ، وقد خلق، بطريقة أو بأخرى، الحياة البيولوجية الموجودة على الأرض (وربما في أماكن أخرى أيضاً). وأما فيما يتعلق بتنوع الحياة: فالله هو الذي أحدث ذلك، سواء من خلال عملية تطورية موجّهة أو بطريقة أخرى. وأما فيما يتعلق بالوعي، فمرة أخرى لا مشكلة لدى الإيمان بالله: فبحسب الإيمان بالله، الحقيقة الأساسية والجوهرية هي الله، وهو واعٍ. وماذا عن وجود مخلوقات تمتلك الإدراك والعقل، مخلوقات، مثلنا، قادرة على البحث العلمي في عالمنا؟ حسناً، بحسب الإيمان بالله، خلقنا الله نحن البشر على صورته؛ وجزء من كوننا على صورة الله (رأى الأكويني أنه الجزء الأهم) هو أن نكون قادرين على معرفة شيء عن أنفسنا وعالمنا وعن الله نفسه، تماماً كما يفعل الله. ومن ثم فإن الإيمان بالله يقتضي أن العالم معقول لنا بالفعل، حتى لو لم يكن معقولاً تماماً بالمعنى الممجّد الذي قصده نايغل. والواقع أن العلم التجريبي الحديث قد ترعرع في أحشاء الإيمان المسيحي بالله، الذي يقتضي وجود تطابق أو تناسب معين بين العالم وقوانا الإدراكية.
في ضوء الإيمان بالله، ليس ثمة ما يثير الدهشة على الإطلاق في أن توجد مخلوقات مثلنا قادرة على الفيزياء الذرية، والنظرية النسبية، وميكانيكا الكم، وما شابه ذلك. أما المذهب الطبيعي المادي، من الناحية الأخرى، وكما يشير نايغل، فيعاني من صعوبة كبيرة في تفسير وجود مثل هذه المخلوقات. لهذا السبب ولأسباب أخرى، فإن الإيمان بالله أكثر ترحيباً بالعلم بكثير من المذهب الطبيعي المادي. وهكذا يبدو الإيمان بالله بديلاً طبيعياً للمذهب الطبيعي المادي الذي يرفضه نايغل: فهو يمتلك فضائل حيث يمتلك الأخير رذائل، ولذا قد نتوقع من نايغل، على هذه الأسس على الأقل، أن يكون متعاطفاً مع الإيمان بالله.
من المحزن (بالنسبة لي على الأقل) أن نايغل يرفض الإيمان بالله. "أعترف بأن لدي افتراضاً غير مؤسس خاصاً بي، إذ لا أجد من الممكن اعتبار بديل التصميم [أي الإيمان بالله] خياراً حقيقياً. فأنا أفتقر إلى الحس الإلهي الذي يمكّن — بل ويجبر — الكثيرين على رؤية العالم كتعبير عن قصد إلهي." لكن الأمر لا يقتصر على أن نايغل محايد نوعاً ما تجاه الإيمان بالله لكنه يفتقر إلى ذلك الحس الإلهي. ففي كتابه الكلمة الأخيرة، الذي صدر عام 1997، قدم وصفاً صريحاً لميوله الفلسفية:
I am talking about something much deeper—namely, the fear of religion itself. I speak from experience, being strongly subject to this fear myself: I want atheism to be true and am made uneasy by the fact that some of the most intelligent and well-informed people I know are religious believers.... It isn’t just that I don’t believe in God and, naturally, hope that I’m right in my belief. It’s that I hope there is no God! I don’t want there to be a God; I don’t want the universe to be like that.
لدينا هنا انزعاج وضيق من فكرة أنه قد يكون هناك كائن مثل الله؛ لكن هذا الانزعاج يبدو عاطفيًا أكثر منه فلسفيًا أو عقلانيًا.
إذن، هل هناك مشكلة فلسفية بحتة مع الإيمان بالله، وفقًا لناغل؟ بقدر ما أستطيع أن أرى، فإن الاعتراض الموضوعي الرئيسي الذي يقدمه هو الاحتكام إلى فكرة الوحدة تلك. إن النظرة العالمية الناجحة سترى العالم قابلاً للفهم؛ والفهم، كما يتصوره ناغل، ينطوي على درجة عالية من الوحدة. العالم لا يكون قابلاً للفهم إلا إذا لم تكن هناك انقطاعات أساسية فيه، إلا إذا لم يحتوِ على أنواع مختلفة اختلافًا جوهريًا من الأشياء. ديكارت، ذلك الثنائي العظيم، اعتقد أن العالم يُظهر نوعين مختلفين تمامًا من الأشياء: المادة والعقل، ولا يمكن اختزال أي منهما إلى الآخر. يرفض ناغل هذه الثنائية: وسببه هو ببساطة أن مثل هذه الثنائية تفشل في تأمين الوحدة الضرورية لكون العالم قابلاً للفهم.
لكن هل هناك أي سبب للاعتقاد بأن العالم قابل للفهم حقًا بهذا المعنى القوي جدًا - أي سبب وجيه للاعتقاد بأن هناك نوعًا واحدًا أساسيًا من الأشياء، بحيث يكون كل شيء مثالاً على ذلك النوع، أو قابلاً للاختزال إلى أشياء تنتمي إليه؟ هنا تبدو ثلاثة اعتبارات ضرورية. أولاً، نحتاج إلى معرفة المزيد عن هذا المطلب: ما معنى القول إن هناك نوعًا واحدًا فقط من الأشياء بشكل أساسي؟ ليس واضحًا كيف ينبغي فهم هذا. ألا توجد أنواع مختلفة كثيرة من الأشياء: منازل، وخيول، وصقور، ومناشير يدوية؟ حسنًا، ربما لا تكون مختلفة بشكل أساسي. لكن ماذا تعني "بشكل أساسي" هنا؟ هل الفكرة هي أن العالم لا يكون قابلاً للفهم إلا إذا كانت هناك خاصية مهمة تشترك فيها المنازل والخيول والصقور والمناشير اليدوية جميعًا؟ أي نوع من الخاصية؟
ثانيًا، ما مدى معقولية الادعاء بأن هذا النوع من الوحدة مطلوب حقًا للفهم؟ من الواضح أننا لا نستطيع الادعاء بأن ثنائية ديكارت غير قابلة للفهم حرفيًا - ففي النهاية، حتى لو رفضتها، يمكنك فهمها. (وإلا كيف يمكنك رفضها؟) هل صحيح حقًا أن العالم يكون أكثر قابلية للفهم، بمعنى مهم من معاني "قابل للفهم"، إذا لم يحتوِ على نوعين أو أكثر من أنواع الأشياء المختلفة اختلافًا جوهريًا؟ لا أرى سببًا يذكر للاعتقاد بذلك.
وثالثًا، لنفترض أننا سلّمنا بأن العالم لا يكون قابلاً للفهم حقًا إلا إذا أظهر هذا النوع من الوحدة الأحادية: لماذا ينبغي لنا أن نعتقد أن العالم يُظهر حقًا مثل هذه الوحدة؟ قد نأمل أن يُظهر العالم مثل هذه الوحدة، لكن هل هناك أي سبب للاعتقاد بأن العالم سيتعاون مع هذا الأمل؟ لنفترض أن الفهم يتطلب ذلك النوع من الوحدة: لماذا ينبغي لنا أن نعتقد أن عالمنا قابل للفهم بهذا المعنى؟ هل من المعقول أن نقول للمؤمن بالله: "حسنًا، إذا كان الإيمان بالله صحيحًا، فسيكون هناك نوعان مختلفان تمامًا من الأشياء: الله من جهة، والمخلوقات التي خلقها من جهة أخرى. لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا حقًا: لأنه لو كان كذلك، لما أظهر العالم نوع الوحدة المطلوب للفهم"؟ ألن يكون المؤمن بالله راضيًا كل الرضا، وبحق، عن التخلي عن هذا النوع من الفهم؟
III.
أنتقلُ أخيرًا إلى أطروحة نايجل الإيجابية. إنه يُظهر أن المذهب الطبيعي المادي زائف، ولكن ما الذي يقترحه ليحل محله؟ إنه هنا متحفظ بعض الشيء. فهو يعتقد أن الأمر قد يستغرق قرونًا لتطوير بديل مُرضٍ للمذهب الطبيعي المادي (على اعتبار أن الإيمان بالله ليس مقبولاً)؛ وهو يكتفي باقتراح مخطط إيحائي. وهو يفعل ذلك بروح من التواضع: «أنا على يقين من أن محاولتي الخاصة لاستكشاف البدائل تفتقر إلى الخيال إلى حد بعيد. إن فهم الكون باعتباره ميالاً بشكل أساسي إلى توليد الحياة والعقل سيتطلب على الأرجح خروجًا أكثر جذرية بكثير عن الأشكال المألوفة للتفسير الطبيعي مما أنا قادر على تصوره في الوقت الحالي.»
هناك عنصران رئيسيان في مخطط نايجل. هناك عمومية النفس، أو فكرة أن هناك عقلاً، أو عقلاً أوليًا، أو شيئًا شبيهًا بالعقل، على طول الخط. في هذا الرأي، لا ينبثق العقل أبدًا في الكون: إنه حاضر منذ البداية، بمعنى أن حتى أكثر الجسيمات الأولية تُظهر نوعًا من العقلية. الفكرة ليست، بالطبع، أن الجسيمات الأولية قادرة على إجراء حسابات رياضية، أو أنها واعية بذاتها؛ لكنها تتمتع بنوع من الذهنية. بهذه الطريقة يقترح نايجل تجنب الافتقار إلى المعقولية الذي يجده في الثنائية.
بالطبع قد يتساءل المرء عن حجم المكسب، من وجهة نظر الوحدة، في رفض نوعين مختلفين اختلافًا جوهريًا من الأشياء لصالح نوعين مختلفين اختلافًا جوهريًا من الخصائص. وكما يقر نايجل، لا تزال هناك مشكلة بالنسبة له حول وجود عقول مثل عقولنا، عقول قادرة على فهم قدر لا بأس به عن الكون. يمكننا أن نرى (إلى حد ما، على أي حال) كيف يمكن بناء أشياء مادية أكثر تعقيدًا من أشياء أبسط: الأشياء الفيزيائية العادية تتكون من جزيئات، والتي تتكون من ذرات، والتي تتكون من إلكترونات وكواركات (عند هذه النقطة تصبح الأمور أقل من واضحة تمامًا). لكن ليست لدينا أدنى فكرة عن كيف يمكن لكائن له عقل مثل عقلنا أن يتكون من أو يُبنى من كيانات أصغر لديها نوع من العقلية. كيف تتحد تلك العقول الأولية لتشكل عقلاً أقل أولية؟
العنصر الثاني من مخطط نايجل هو ما يمكننا تسميته الغائية الطبيعية. فكرته تبدو شيئًا من هذا القبيل. في كل مرحلة من تطور كوننا (ربما يمكننا التفكير في ذلك التطور على أنه بدأ بالانفجار العظيم)، هناك عدة احتمالات مختلفة لما سيحدث بعد ذلك. بعض هذه الاحتمالات هي خطوات على الطريق نحو وجود مخلوقات بعقول مثل عقولنا؛ والبعض الآخر ليس كذلك. وفقًا لغائية نايجل الطبيعية، هناك نوع من التحيز الجوهري في الكون تجاه تلك الاحتمالات التي تؤدي إلى العقول. أو ربما كان هناك تحيز جوهري في الكون تجاه أنواع الشروط الأولية التي من شأنها أن تؤدي إلى وجود عقول مثل عقولنا. لا يسهب نايجل في شرح أو تطوير هذه الاقتراحات. ومع ذلك، لا ينبغي انتقاده على هذا: فهو على الأرجح محق في اعتقاده بأن الأمر سيتطلب الكثير من التفكير ووقتًا طويلاً لتطوير هذه الاقتراحات إلى بديل قابل للحياة حقًا لكل من المذهب الطبيعي المادي والإيمان بالله.
قُلتُ أعلاه إن نايجل يثني على الجانب السلبي من التصميم الذكي لكنه متشكك في الجزء الإيجابي؛ وأجد نفسي في موقف مشابه إلى حد كبير فيما يتعلق بـ العقل والكون. أنا أثني على هجومه الهائل على المذهب الطبيعي المادي؛ وأنا متشكك بشأن عمومية النفس والغائية الطبيعية. كما يرى نايجل، لا يمكن للعقل أن ينشأ في عالمنا إذا كان المذهب الطبيعي المادي صحيحًا — ولكن كيف يساعد افتراض أن الجسيمات الأولية لديها عقول بشكل ما؟ كيف يجعل ذلك من المعقول أن يكون هناك مخلوقات قادرة على الفيزياء والفلسفة؟ وعلى الشعر والفن والموسيقى؟
أما بخصوص الغائية الطبيعية: فهل من المعقول حقًا أن نفترض أن العالم في ذاته، دون حضور الله، ينبغي أن يفعل شيئًا يمكننا أن نطلق عليه بشكل معقول "السعي نحو" بعض الحالات دون غيرها — أي أن يكون هدفه تحقيق بعض الحالات بدلًا من أخرى؟ المشكلة هنا ليست فقط أن هذا يبدو خياليًا؛ بل إنه لا يتضح معناه أصلًا. إن التفسير الغائي لحالة ما سيُحيل إلى كائن يسعى إلى هذه الحالة ويتصرف بطريقة تؤدي إلى تحقيقها. لكن عالمًا بلا الله لا يسعى إلى حالات أو إلى أي شيء آخر. فكيف إذن يمكننا التفكير في هذه الغائية الطبيعية المزعومة؟
عندما يتعلق الأمر باستيعاب الحياة والعقل، تبدو الربوبية أفضل أداءً. وفقًا للربوبية، العقل أساسي في الكون: فالله نفسه هو الشخص الأول والعقل الأول؛ وقد كان موجودًا دائمًا، بل إنه موجود بالضرورة. كان بإمكان الله أن يرغب في وجود مخلوقات يمكنه أن يكون في شركة معها. ومن ثم كان بإمكانه أن يخلق أشخاصًا متناهين على صورته: مخلوقات قادرة على الحب، وعلى معرفة شيء عن أنفسهم وعالمهم، وعلى العلم والأدب والشعر والموسيقى والفن وكل ما سوى ذلك. في ضوء الربوبية، هذا منطقي بشكل ممتاز. وكما يشير نيغل، لا يمكن قول الشيء نفسه عن الطبيعية المادية. لكن هل تؤدي عمومية النفس والغائية الطبيعية أداءً أفضل بكثير؟
لا يبدو رفض نيغل للربوبية فلسفيًا في جوهره. حدسي أن هذا النفور من الربوبية شائع على نطاق واسع. فالربوبية تحد بشدة من الاستقلال الذاتي البشري. وفقًا للربوبية، نحن البشر في أفضل الأحوال شركاء صغار جدًا في عالم العقل. لسنا مستقلين ذاتيًا، لسنا قانونًا لأنفسنا؛ نحن معتمدون كليًا على الله في وجودنا وحتى في أنفاسنا التالية. بل وأكثر من ذلك، سيجد البعض في الربوبية نوعًا من انتهاك الخصوصية الذي لا يُحتمل: فالله يعرف كل فكرة تخطر ببالي، بل ويعرف ما سأفكر فيه قبل أن أفكر فيه. ربما يمكن العثور على تلميحات لهذا الانزعاج حتى في الكتاب المقدس نفسه:
قبل أن تخرج كلمة من لساني، ها أنت يا رب تعرفها كلها....
أين أذهب من روحك؟
ومن وجهك أين أهرب؟
إن صعدت إلى السماوات فأنت هناك،
وإن فرشت في الهاوية فها أنت.
هذا الانزعاج من الربوبية مفهوم إلى حد ما، حتى بالنسبة للمؤمن. ومع ذلك، لو اتبع نيغل وصفاته المنهجية ومتطلباته للفلسفة السليمة، لو اتبع حججه أينما قادته، لو تجاهل نفوره العاطفي من الإيمان بالله، لكان (أو هكذا أعتقد) سينتهي به المطاف ربوبيًا. لكن أينما انتهى به المطاف، فقد أدى بالفعل خدمة مهمة بفحصه النقدي اللاذع لبعض أكثر العقائد شيوعًا وقمعًا في عصرنا.
ألفين بلانتينغا هو أستاذ فلسفة فخري في جامعة نوتردام، وأحدث مؤلفاته أين يكمن الصراع حقًا: العلم والدين والطبيعانية (مطبعة جامعة أكسفورد). ظهر هذا المقال في عدد 6 ديسمبر 2012 من المجلة تحت عنوان "هرطقة علمانية".
.
.
لماذا تُخطئ المادية الداروينية؟
المؤلف: ألفين بلانتينغا (أستاذ الفلسفة في جامعة نوتردام، أمريكا)
ترجمة وتقديم: ياسر ميردامادي
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.