اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُوضّح أمير صائمي، عبر التمييز بين المنظومات العاطفية والعقلانية، دور الاستدلال في التحقق من صحة المعتقدات الأخلاقية. ويُبيّن، من خلال نقده لستريت، أن الثقة بالمشاعر وحدها خطأ، وأنه ينبغي تقييم مصداقية المعتقدات التطورية بالتأمل.

توصل علماء النفس إلى أن جهازنا العقلي يتضمن على الأقل نظامين متميزين للإدراك، وقد أطلقوا عليهما اسم النظام الأول والنظام الثاني. النظام الأول هو نظام يتخذ القرارات بسرعة فائقة ويستند بقوة إلى العاطفة والمشاعر. أما النظام الثاني فهو نظام يقوم على الاستدلال والمنطق، وغالباً ما تُتخذ قراراتنا اليومية عبر النظام الأول، لأننا لا نملك الوقت الكافي للتمحيص والتدقيق في كل شيء، كما تُظهر لنا الأبحاث النفسية أن معظم الناس، في أغلب الأحيان، يستخدمون النظام الأول عند اتخاذ القرارات الأخلاقية.
وقد دفع هذا البعض إلى الاعتقاد بأن النظام الثاني لا يؤدي أي دور في منظومتنا الأخلاقية. أود اليوم أن أتحدث عن دور النظام الثاني وأهميته في المنظومة الأخلاقية، لأنه لمعرفة ما إذا كانت المبادئ الأخلاقية التي تستخدمها صحيحة أم لا، فلا بد لك، في نهاية المطاف، من استخدام النظام الثاني.
الطريق الذي سأسلكه لبسط فكرتي ينطلق من حجة شهيرة طرحتها السيدة ستريت حوالي عام ٢٠٠٥. تدّعي ستريت أن الواقعية الأخلاقية خاطئة. سأخوض في حجة ستريت، وآمل في النهاية أن نتمكن من فهم موقع هذه الحجة العَرَضية. الواقعية الأخلاقية، على الأقل بالمعنى الذي نستخدمه أنا وستريت، تعني أن تعتقد بوجود حقائق أخلاقية مستقلة عن رغباتنا ومشاعرنا ومعتقداتنا. في هذه الحالة، تكون الأخلاق مستقلة عن عواطفي ومشاعري، وما أرغب فيه ليس بالضرورة أخلاقياً.
قبل توضيح سبب هذا الادعاء، سأشير أولاً إلى نقطة. هناك مفهوم في الإنجليزية ترجمه الدكتور سروش بـ "مغالطة الدافع والمدفوع". تعني هذه المغالطة أن معرفتك لدافع شخص ما لا تعني أن كلامه خاطئ. أي أنك لا تستطيع الحكم على صدق أو كذب كلام شخص ما من خلال دافعه، ومن يحكمون بهذه الطريقة يقعون في مغالطة الدافع والمدفوع. ومع ذلك، هناك أمر صحيح، وهو أن تميز بين المعرفة والصدق والكذب. المعرفة بمعناها التقليدي هي الاعتقاد الصادق المُبرَّر. إذا أثبت لك شخص ما، في بعض الأحيان - وليس دائماً - أن جذور اعتقادك معيبة، فقد يثبت لك أنك لم تعد تملك معرفة بهذا الاعتقاد، وقد يؤدي هذا الفعل إلى تقويض معرفتنا لأنه يقوض تبريرنا.
تدّعي ستريت أن الواقعية الأخلاقية خاطئة بحجة أنك إذا كنت واقعياً، فأنت تقر أيضاً بامتلاكك معرفة بالحقائق الأخلاقية. تقول إنك إذا كنت واقعياً أخلاقياً، فلن تتمكن بعد ذلك من الحديث عن المعرفة الأخلاقية. في الواقع، الواقعية الأخلاقية تحول دون المعرفة الأخلاقية.
بينما يميل الواقعيون الأخلاقيون إلى القول إننا نمتلك معرفة أخلاقية أيضاً، إلا أن ما تسعى ستريت إلى فعله، بشكل أو بآخر، هو القول إن جذور معتقداتنا الأخلاقية جذور سيئة، ولهذا السبب، فهي تقوض من حيث المبدأ معرفتنا الأخلاقية. ومن بين ما ساهم في ذلك أن نتبنى معتقدات معينة، منها معتقدات تصب في مصلحتنا، وتزيد من لياقتنا، وتجعلنا نتكاثر بسهولة أكبر. فعلى سبيل المثال، الكائنات التي تعتقد أنه ينبغي عليها رعاية أطفالها ستكون أكثر نجاحاً في التناسل ورعاية أطفالها، ولهذا يوجد تفضيل تطوري مباشر لمثل هذه المعتقدات. ولكن من ناحية أخرى، وبحسب اعتقاد ستريت، فإن الحقائق الأخلاقية التي يدّعيها الواقعي لا تخضع للتحولات التطورية.
لذا ينبغي أن تكون هناك معجزة تجعلنا محظوظين إلى حد أن تكون معتقداتنا الأخلاقية، المتأثرة بالقوى التطورية، متطابقة مع حقائق أخلاقية مستقلة عن تلك القوى. على سبيل المثال، تصور أن إعصاراً اقتلعك من مكانك، فلا بد من معجزة كي يوصلك هذا الإعصار في النهاية إلى وجهتك المنشودة بالضبط. وعلى هذا المنوال، إذا كانت معتقداتنا الأخلاقية قد تشكلت تحت تأثير القوى التطورية بينما الحقائق الأخلاقية لم تتشكل كذلك، فلا يستطيع الواقعي أن يفسر لماذا يوجد تطابق بين المعتقدات الأخلاقية والحقائق الأخلاقية، وبالتالي لا يستطيع الواقعي تعليل معرفتنا الأخلاقية. لكن ليست كل معتقداتنا الأخلاقية تزيد من احتمالية التكاثر. فمثلاً، المعتقدات الأخلاقية القائمة على المساواة أو معتقداتنا الأخلاقية الداعية إلى الشفقة على الضعفاء أو البعيدين ليس لها أفضلية تطورية، وقد نشأت على الرغم من القوى التطورية التي تدفع إلى تشكيل معتقدات مضادة لها. وكأن الاستدلال قوة مؤثرة أخرى في تشكيل المعتقدات الأخلاقية. إذن، لا تنحصر معتقداتنا الأخلاقية في تلك المعتقدات التي توجد لها أفضلية تطورية. بعبارة أخرى، علاقة معتقداتنا الأخلاقية بالتطور ليست كمثال الإعصار حيث لا نملك حياله أية فاعلية.
يمكن للاستدلال أن يؤدي دوراً مهماً في تصحيح معتقداتنا الأخلاقية وتوجيهها. فالاستدلال قادر على تقييم مصداقية المعتقدات الأخلاقية المتأثرة بالتطور. ومن هنا، فإن استدلال ستريت لإثبات استحالة المعرفة الأخلاقية لا يصل إلى نتيجة في النهاية. خلافاً لادعاء ستريت، يستطيع الواقعي أن يبين أن الاستدلال، عبر المعارف الأخلاقية التي لم تكن تحت التأثير المباشر للقوى التطورية، يمكنه تقييم وفحص مصداقية المعتقدات الأخلاقية الواقعة تحت التأثير المباشر للتطور، وبالتالي فإن التطابق بين معتقداتنا الأخلاقية وحقائقنا الأخلاقية قد لا يكون نتاجاً محضاً للصدفة أو المعجزة. ومع ذلك، فإن فشل استدلال ستريت يحمل لنا درساً. إذ نتعلم من التأمل في هذا الاستدلال أننا حين نعلم أن بعض مشاعرنا الأخلاقية، كالشعور بالتقزز، كانت تحت تأثير القوى التطورية، فعلينا حينئذ أن ننظر بعين الريبة إلى المعتقدات التي تنشأ من مثل هذه المشاعر.
صحيح أن كثيراً من معتقداتنا الأخلاقية تتشكل بسرعة بواسطة النظام الأول. لكن علينا أن نتريث إزاء بعضها. ينبغي أن نثق فقط بتلك المعتقدات التي يشكلها النظام الأول والتي سبق للنظام الثاني أن أكد مصداقيتها. الثقة الكاملة بالنظام الأول خطأ. عندما نعلم أننا، مثلاً، شكلنا معتقداتنا الأخلاقية تحت تأثير التقزز، وأن الإحساس بالتقزز له تفسير تطوري مباشر، فيجب أن ننظر بعين الريبة إلى المعتقدات التي شكلها هذا الإحساس. علينا، باستخدام النظام الثاني، أو بعبارة أخرى بالتأمل والاستدلال، أن نتمكن من تقييم مصداقية المعتقدات الأخلاقية المتشكلة بناءً على مشاعر كالتقزز.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.