اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدور الفهم الشائع للشباب والثقافة حول مدار الزمن الطبيعي، بينما يتطلب التفكير الأصيل تأملاً في ماهية الزمن والتمييز بين الزمن التقويمي والتاريخي. وإدراك الموقع التاريخي والفجوات الحضارية هو مفتاح فهم وضع الشاب والثقافة.

للوهلة الأولى قد يبدو أن الحديث عن هذا الموضوع ليس بالأمر الصعب، لا سيما وأنه يبدو أننا جميعًا على دراية بالمقولات الثلاث الكامنة في هذا السؤال: «الشباب، الثقافة والتفكير»، وجميعنا نعرف «من هو الشاب وما هي الشباب؟ (بالمقارنة مع مفهومي الطفل والطفولة، والشيخ والشيخوخة) وكذلك نعرف ما هي الثقافة؟ وما هو التفكير؟ لأننا جميعًا نتعامل مع هذه المقولات ونعيشها في كل لحظة». مقولة الشباب: ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى واستنادًا إلى التجربة المعيشة في الحياة اليومية هو: يولد البشر. يقضون فترة زمنية قصيرة في مراحل الرضاعة والطفولة والمراهقة، ثم يطأون مرحلة «الشباب»، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود يدخلون مرحلة منتصف العمر ثم الشيخوخة. في مثل هذا الفهم الأولي والمتداول، تُفهم الطفولة والشباب والشيخوخة على أساس «الزمن الطبيعي» أي «دوران الأرض حول الشمس» وكذلك على أساس «المسار الطبيعي والبيولوجي لحياة الجسد البشري». وعلى أساس هذا المستوى نفسه من الفهم العادي والرائج والمتداول يتحدث علماء النفس عن الطفل والمراهق والشاب وأوصاف كل منهم النفسية، ويخبروننا مثلًا بأن الشباب في سن البلوغ يكتسبون خصائص نفسية معينة بسبب التحولات البيولوجية وإفراز بعض الهرمونات، وأنهم مثلًا يواجهون أزمة سن البلوغ أو أزمة البحث عن الهوية، أو يصبحون مثلًا أكثر عصبية ويجب تفهم عدوانيتهم، أو أنهم في هذا السن يشعرون بالحاجة إلى الآخر، ويجب على الوالدين الاعتراف بشخصيتهم وفهمهم في السن والمكانة التي هم فيها. والنظر باحترام إلى احتياجاتهم ورغباتهم وأفكارهم ومشاعرهم، وما هي المهارات التي يجب أن نتعلمها وما هي العادات الخاطئة التي يجب أن نتركها من أجل إنشاء وإقامة علاقة صحيحة ومنطقية ومؤثرة، إلى غير ذلك. كذلك، على أساس هذا المستوى نفسه من الفهم العادي والرائج والمتداول يتحدث لنا علماء الاجتماع عن الفروق بين الأجيال وتمایزات الخصائص الاجتماعية بين الأجيال الجديدة والأجيال السابقة، ويركزون على الفروق التي تُرى في الأبعاد الثقافية والسلوكية والاجتماعية المختلفة بين أفراد الجيل الماضي والجيل الحالي، ويعتقدون أن كلاً من الوالدين والأبناء يحاولون جعل بعضهم البعض مشابهين لجيلهم وينسون أن من حقنا جميعًا أن نكون أبناء زماننا، ويجب أن نكون قادرين من خلال حلول اجتماعية مؤثرة على ردم هذه الفجوة والمسافات التي نشأت بين الجيلين، وألا نسمح لهذه الفجوات بأن تكون ذريعة لتزداد هذه المسافات يومًا بعد يوم.
أهمية مناقشة الزمن ولكن حتى على مستوى الفهم العادي والمتداول والرائج، عندما نفكر في مقولات مثل الشباب والشياب والشيخوخة، فإننا نواجه مقولة «الزمن»، وفي مثل هذا الفهم الأولي والمتداول، فهمنا الطفولة والشباب والشيخوخة على أساس «الزمن الطبيعي» أي «دوران الأرض حول الشمس» وكذلك على أساس «المسار الطبيعي والبيولوجي لحياة الجسد البشري».
الزمان الطبيعي أم الزمان الحقيقي والأصيل؟ ولكن ثمة سؤال جوهري هنا ربما يشكل مدخلاً مناسباً لتأملنا في علاقة الشباب بالثقافة والفكر: «هل الزمان الطبيعي هو الزمان الحقيقي، أم أن ثمة زماناً أكثر حقيقة وزماناً أصيلاً من الزمان الطبيعي، وأن الزمان العلمي والطبيعي هو زمان افتراضي وليس زماناً حقيقياً وأصيلاً؟» ما هو الزمان الحقيقي أساساً؟ أو ما هي طبيعة الزمان وحقيقته أساساً؟ نرى هنا أننا بتأمل قليل في مقولة «الشباب» وبالمقارنة مع مقولة مثل «الطفولة» أو «الشيخوخة»، إلى جانب مقولتي «الثقافة والفكر»، نكون قد واجهنا «مقولة الزمان» أيضاً. ولكن هل يمكن حقاً الحديث بسهولة عن مقولات مثل «الزمان، الثقافة والفكر»؟ ما هي حقيقة الزمان والثقافة والفكر؟ هل يمكن الحديث عن شيء خارج الزمان والثقافة والفكر؟ أليس الزمان (الماضي، الحاضر، المستقبل)، والثقافة والفكر، أموراً شاملة ومحيطة تستوعب كل شيء وتحتويه في قبضتها؟ هل يمكن حقاً الحديث عن هذه المقولات الشاملة والمحيطة بسهولة، وبكل دقة ومن جميع وجوهها؟ مثل سمكة مولانا ومثال الماء. إن مقولات مثل الزمان والثقافة والفكر تشبه مقولات مثل الحياة والوجود: أي الكلية والشمول، أي كل شيء. نحن نادراً ما نتأمل هذه الكلية. أساساً، أحد تمييزات التفكر الأصيل في مقولة الثقافة والفكر هو هذا التفكير بالتحديد في: ١. طبيعة الزمان وماهيته ٢. هذه الكلية ذاتها. عندما لا نفكر في طبيعة الزمان وماهيته، وعندما لا نضع هذه الكلية موضع تأمل، تصبح حركاتنا وسكناتنا مستقلة عن الزمان ومستقلة عن هذه الكلية، وبالتالي ننصاع لحركات وسلوكيات شديدة الشعبوية والعوامية ومضادة تماماً للزمان ومضادة للثقافة ومضادة للفكر ومضادة للإنسان ومضادة للحقيقة. (مثل داعش والأصولية/ التي توجد مؤشرات عليها، قليلاً أو كثيراً، في مجتمعنا أيضاً، ونأمل أن نتمكن من معالجتها)
تأمل في طبيعة الزمان لا يتسع المجال هنا، ولا تتوفر الظروف المناسبة في برنامج طلابي عام في كلية ما، وليس لديّ أنا مثل هذا القصد، ولا أرى في نفسي أساساً مثل هذه القدرة العلمية والفلسفية للحديث عن «طبيعة الزمان وماهيته وحقيقته». لكنني أكتفي فحسب بطرح بضع نقاط وبضعة أسئلة، بهدف إيقاظ انتباه جمهوري الشاب. أ. هل الزمان أمر طبيعي وآفاقي أم أمر وجودي وأنفسي؟ هل يُحسب الزمان بناءً على الساعة الطبيعية للشمس أم مقدار الحركة أم زمان الأحوال الإنسانية؟
المقولتان ١ و٢: الزمان الموضوعي أم الذاتي؟ الزمان الآفاقي أم الأنفسي؟ هل الزمان في الإنسان أم الإنسان في الزمان؟ زمان المخاوف والآمال، والهجر والوصال. الزمان الوجودي في الكتب المقدسة؟ ليلة القدر خير من ألف شهر/ قصة أصحاب الكهف
٣ و٤: الزمان التقويمي أم الزمان التاريخي: نتيجة هذا النقاش: الزمان والتاريخ التقويمي والكرونولوجي/ الزمان الاجتماعي والتاريخي. هل تعيش كل المجتمعات اليوم في القرن الحادي والعشرين؟ هل الزمان التقويمي لبوركينا فاسو وأفغانستان هو نفسه الزمان التاريخي للنرويج والسويد وبلجيكا؟ هل الزمان التاريخي لفتاة أمريكية وفرنسية هو نفسه زمان فرخنده محمدي الأفغانية أو ستايش الأفغانية ذات الست سنوات؟ لذا عندما نريد أن نفكر في مقولات مثل الذات، وضع الشباب، الثقافة والفكر، يجب أن نعرف «زماننا وعصرنا»، أي أن نعرف أين نقف في التاريخ؟ أين هو «موقع + زماننا»؟ الفهم العرفي يفكر بناءً على الزمان الكرونولوجي ولا يدرك الزمان التاريخي ونبض التاريخ، لكن الفرد المفكر يفكر كثيراً في الزمان الاجتماعي والتاريخي. مثال من شريعتي: «بيني وبين والدي ثلاثون عاماً من فجوة الأجيال، ولكن بيني وبين أبنائي ثلاثون ألف عام». هذا الكلام يشير إلى التحولات العميقة التي حدثت في العالم وفي مجتمعات مثل مجتمعنا خلال العقود الأخيرة.
٥. الفجوة الحضارية الثانية: إننا نشهد فجوتنا التاريخية والحضارية الثانية. كثيرون لا يدركون هذه الفجوة الثانية. تقليديونا لا يدركون، بسبب افتقادهم للفهم التاريخي، أن الزمان قد تغير. ليس لديهم إدراك لظهور العقلانية الجديدة والفكر الجديد والذاتوية الميتافيزيقية الجديدة. كثير من شبابنا ومثقفينا لم تنفتح أعينهم بعد على ظهور الفجوة الحضارية الثانية.
٦. التأخر التاريخي: إن إحدى المشكلات الأساسية في مجتمعنا هي "التأخر التاريخي"، وعلينا أن نتغلب على هذا التأخر التاريخي. هل ينبغي لشبابنا أيضاً أن يمتلكوا فهماً لزمانهم التاريخي؟ أين يقفون في التاريخ؟ التأخر التاريخي للشباب أنفسهم: هل شبابنا معاصرون لعصرهم؟ وهل كل شاب هو بالضرورة معاصر؟ هنا أشير إلى سؤال جوهري وأساسي آخر: هل نحن معاصرون لعصرنا؟ أم متخلفون عن زماننا؟ أم ربما، مثل كبار المفكرين، سابقون لعصرنا؟
٧. "المعاصرة" بوصفها إشكالية: أود هنا أن أستبدل النقاش حول "المعاصرة"، الذي يمكن أن يكون مفهوماً فلسفياً، بمفهوم "الشباب"، وهو مفهوم بيولوجي وثبوتي. نستخدم اليوم مفهوم "المعاصرة" في سياقات عديدة، مثل "الشعر المعاصر"، و"الأدب المعاصر"، و"الكاتب أو المفكر المعاصر". لذا فإن "المعاصرة" مفهوم شائع الاستخدام ومتداول. لكن ما هو حقاً مفهوم "المعاصرة والكون معاصراً" وما هي خصائصه ومكوناته؟ يبدو أن قصة أهل الكهف تشير إلى مثل هذا الفهم التاريخي للزمانية والمعاصرة. هل "المعاصرة" مفهوم ثابت ومطلق أم مفهوم طيفي ونسبي ومتغير؟ هل، على سبيل المثال، كون المرء "شاعراً معاصراً" يعني ببساطة أن ينظم الشعر في قالب الشعر الجديد، أي بأساليب الشعر الحر (النيمائي) أو الشعر الأبيض (الشاملوئي) أو الموجة الجديدة أو ما شابه ذلك، أم أن هناك معايير ومكونات فكرية ومعنوية أخرى في هذا الشأن؟ أو ما هي مكونات "الكاتب أو المفكر أو الإنسان المعاصر"؟ هل إذا تحدث شخص ما عن مضامين جديدة ولكن في قالب شعري تقليدي (مثل رهي معيري أو شهريار، م. سايه) لا يُعد شاعراً معاصراً؟ أو إذا تحدث شخص ما عن مضامين من العالم القديم في قالب الشعر الجديد، ألا يُعد شاعراً معاصراً أو كاتباً معاصراً؟ هل يمكن القول إن كل من أمسك بالقلم، على سبيل المثال، في نصف القرن الأخير أو المائة عام الأخيرة هو شاعر أو كاتب أو مفكر معاصر؟ هل يمكن القول، على سبيل المثال، عن العديد من شخصياتنا التقليدية التي تؤلف الكتب أو تنظم الشعر هذه الأيام: إنهم كتاب أو شعراء أو مفكرون معاصرون؟ هل "المعاصرة" تعني "التزامن والتقارن في العصر"؟ حينئذٍ، هل يمكن القول مثلاً إن "كيركغور وأوغست كونت" أو شريعتي والشيخ قاسم إسلامي معاصرون لبعضهم البعض؟ هل ينبغي أيضاً أن نأخذ في الاعتبار طريقة التفكير وطريقة الرؤية ونوع اللغة والخطاب من أجل المعاصرة (على سبيل المثال في نقاش الشعر المعاصر)؟ لكن ما هو حقاً الفكر والرؤية واللغة المعاصرة وما هي مكوناتها؟ ألا يمكن، بل ألا ينبغي، التأمل في المعاصرة من الناحية الماهوية والفلسفية أيضاً؟ حقاً، من الناحية الفكرية والفلسفية، ما معنى "المعاصرة" وما هي مكوناتها الحقيقية والفلسفية والحكمية؟ هل نحن جميعاً، حقاً، معاصرون لمجرد أن وثائق هوياتنا تظهر رقماً في نصف القرن الأخير هذا؟ هل نحن جميعاً معاصرون بالقدر نفسه؟ يقول الدكتور داوري عن برتراند راسل، المفكر الإنجليزي الشهير (١٨٧٢ ـ ١٩٧٠)، إنه ولد متأخراً بقرنين، أو إنه مفكر كبير من القرن الثامن عشر. كان نيتشه وفرديد كلاهما يقولان: لقد جئت مبكراً. الآن، حتى لو لم يتفق المرء في تحديد المصداق بشأن راسل أو نيتشه أو فرديد، فإنه يمكنه أن يتفق مع أصل الكلام. تكرار السؤال السابق: التأخر التاريخي للشباب أنفسهم: هل شبابنا معاصرون لعصرهم؟ وهل كل شاب هو بالضرورة معاصر؟ هل بقيوا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ولا يعانون من تأخر تاريخي؟ كذلك، إذا اتخذنا الزمن التقويمي والكرونولوجي معياراً للمعاصرة (اقرأه الشباب)، فهل شباب اليوم أكثر شباباً، أو بالتعبير الأدق أكثر معاصرة، من شباب الأمس؟ في قالب مثال، هل يمكن القول إن شخصيات مثل السيد جعفر سبحاني (مواليد ١٣٠٨) هم أكثر معاصرة من فرديد المولود عام ١٢٨٩؟ أو أن السيد جوادي آملي والدكتور رضا داوري وشريعتي، وثلاثتهم من مواليد ١٣١٢، معاصرون لبعضهم البعض؟ هل يمكن القبول، على سبيل المثال، بأن جميع الآثار التي تُخلق في العقود الراهنة هي أكثر معاصرة من جميع الآثار التي خلقت في العقود السابقة؟ أم ينبغي إيجاد مكونات أكثر حقيقية لتحديد الزمن والتاريخ والمعاصرة؟
۸. الإنسان وتعيين زمانه، الحرية أم من باب الزمن والتعالي: هل الزمن أمر خطي؟ الزمن المجازي والآفاقي خطي (بل هو دوري: التقويم خطي: لكن ماذا عن الزمن الأنفسي؟) لا خطية الزمن التاريخي والوجودي. هل يمكن للإنسان أن يكون خارج الزمن والتاريخ؟ الإنسان والزمن (الإنسان ليس أسير الزمن التاريخي): نفي الحتمية التاريخية الإنسان وتعيين زمانه: كيركغور والمسيح: أن تكون معاصرًا للمسيح يبدو أن الزمن والتاريخ والمعاصرة مع «الثقافة والفكر»، أي المقولتين الأخريين الموجودتين في عنوان بحثنا، ترتبط ارتباطًا وثيقًا للغاية.
بيان بعض المركبات الثقافية والفلسفية لعصرنا
۹. الزمن والتاريخ والثقافة والفكر بوصفها أمورًا محيطة وغير قابلة للتعيين: كما قيل، فإن مقولات مثل الزمن والثقافة والفكر هي أمور شديدة الشمول والإحاطة (تمامًا كمقولات مثل العالم والحياة والوجود أو الكينونة) ولا يمكننا تحويلها إلى موضوع (أوبجيه) وجعلها تقف أمامنا كشيء ثابت، ولا يمكننا الحديث عن هذه المقولات بسهولة وبدقة تامة وفي جميع وجوهها. لذا فإنني مضطر هنا إلى مجرد بيان خطوط وتوجهات عامة جدًا لفهم موقعيتنا التاريخية والثقافية والفكرية في العالم الراهن:
۱۰. مبدأ التقدم أو الانحطاط (تفسير خطي للتاريخ؟): سؤال جوهري؟ الادعاء الرئيسي: نحن، سواء على المستوى العالمي أو على المستوى المحلي وفي مجتمعنا، نعيش في مسار انحطاط وموت الثقافة. لذا نحن في مسار انحطاط بمعنى مزدوج، وهذا المسار خطير جدًا على حياتنا الفردية والاجتماعية. أي يمكننا التفكير في العوامل الثقافية العالمية كما في العوامل المحلية والبومية. مختصات الأطلس الثقافي؟: بأي مقولات نفكر في موقع ووضع الثقافة في العالم الراهن؟ غايتي وهدفي: طرح عدة مقولات لنتمكن من رسم «صورة عالمية» جديدة ثقافيًا وميتافيزيقيًا تتوافق مع زماننا.
۱۱. الثقافة بوصفها أمرًا وجوديًا: تذكير: مقولة الثقافة ليست أمرًا إداريًا أو بيروقراطيًا أو تنفيذيًا أو سياسيًا أو أمنيًا.
۱۲. الفكر وكينونة/ واقعية الإنسان: الثقافة والفكر ليسا مجموعة من العادات أو المعتقدات، بل يرتبطان بأعماق وطبقات الحياة الإنسانية التحتية وبكيفية وجود وكينونة البشر، وهذا هو ما لا يُفهم للأسف في مجتمعنا: الثقافة والفكر هما حصيلة كيفية وجود وتحقق وجود الإنسان.
۱۳. الثقافة والفكر ليسا مقولة ذات-محورية (سوبژه-محور) ولا إرادة-محورية ولا بشر-محورية. (تمامًا مثل العالم نفسه والحياة نفسها) وهذا أيضًا ما لا يُفهم في مجتمعنا أو يُفهم بشكل أقل. أي كما لا يمكن القول إننا نأمر بتغيير لون عين أو قامة شخص ما، لا يمكن بالإكراه أو بالأساليب غير الثقافية المطالبة بتغيير الثقافة.
۱۴. تمييز الجبرية عن القدرية: (القدرية وليس الجبرية): معارضة الذات-محورية ليست دعوة إلى الجبرية: يوجد هنا سوء فهم: عدم إدراك أن الأمر ليس ذات-محورًا يُفسر على أنه مساواة للجبرية: مسألة القدر والحرية، فهم هذا القدر وإمكاناته ومواجهة السطحية والطوعية (فولونتاريسم) الدونكيشوتية: الخطر المزدوج الذي نواجهه: أ. السطحية وتصغير المسألة إلى تبرير الدفاع عن حرية البشر والانزلاق إلى الطوعية (داعش) ب. الجبرية والرضوخ للوضع والمسار الراهن والتضحية بكيفية الوجود البشري الأصيل (authenticity)، والاستسلام لعدم-الأصالة والسلبية: ج. إذن لا الطوعية والسطحية والدونكيشوتية ولا الجبرية والسلبية والموت، بل القدرية وفي هذه القدرية نسعى لاكتساب الاستعداد لعل طريقًا ينكشف لنا.
۱۵. ما الثقافة؟/ استعصاء تعريف الثقافة: كما قلتُ: استعصاء تعريف الثقافة، صعوبة الثقافة: ربما لم يحظَ أي مصطلح من مصطلحات العلوم الاجتماعية والإنسانية بتعريفات متعددة بقدر ما حظي به مصطلح «الثقافة». ليست مشكلتنا تعريف لفظ الثقافة أو تقديم تعريف جامع مانع لها، بل نترك ذلك لأهل اللغة وعلماء الاجتماع وواضعي المعاجم و... الأكاديميين. إننا نعتمد هنا على فهم إجمالي للثقافة. الثقافة هي مجموعة بالغة التعقيد من الوعي، والمعتقدات، والمشاعر، والفنون، والمعارف، والرموز، والقيم الإبستمولوجية والجمالية والأخلاقية، والطقوس، والخرافات، والأساطير، والعادات، والتقاليد، والآداب والرسوم، والأحكام والقوانين، وكل ما تشكّل ضمن حدود جغرافية وتاريخية وإثنية وعرقية معينة – وهي أمور شديدة السيولة وقابلة للتغير – تعلّمه البشر في المجتمع ومن المجتمع، وعاشوا فيه وبه ويموتون.
۱۶. علامات انحطاط ثقافة ما (الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة معًا): الثقافة هي المسار المشترك لحياة الإنسان وفكره وفعله. تأمل: سؤال: هل تستطيع الثقافة التقليدية، وكذلك الحديثة، اليوم أن تحدد المسار المشترك لحياة الإنسان وفكره وفعله؟ (في الثقافة التقليدية تجلّت هذه الفجوة أكثر. الانقسام في الثقافة والمجتمع التقليدي/ إيضاحات بشأن هذه الفجوة الاجتماعية الكبرى)
۱۷. ما بعد الحداثة بوصفها انعدام ثقة (ضعف الثقافة الحديثة): ضعف الثقافة: في اعتقادي: تواجه الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة اليوم شكوكًا وريَبًا وانعدام ثقة وأزمات جدية.
۱۸. منح الثقافات للهوية وفقدان هذه الوظيفة من الثقافات: الثقافات مسارات محددة عاش البشر استنادًا إليها في أنحاء مختلفة من العالم، وصاغوا تجاربهم وعبّروا عنها بطرق شتى، وأقدموا على الفعل بشكل خلّاق. الثقافة هي التي تحدد حدود مجتمع ما ومعتقدات أهله، وتشكّل هويتهم وتبنيها. لذا يمكن تعريف الثقافة بأنها مجموعة متنوعة من الأفكار والمشاعر والنشاطات المحدِّدة لأنواع التجمعات الإنسانية. الثقافة هي ذلك الجزء من أفكار الإنسان وأنماطه السلوكية الصالح بوضوح لدى أعضاء ذلك المجتمع، والذي لا يحتاج إلى نقاش وجدل. تؤدي الثقافة إلى ظهور وحدة وانسجام اجتماعي بين أفراد مجتمع ما، وهذه الوحدة والانسجام الاشتراكي يولّدان النظام والانتظام في الحياة الاجتماعية. الثقافة بمنزلة الروح المشتركة للمجتمع. في الحقبة ما بعد الحداثية عمومًا (بسبب انعدام الثقة بالأسس النظرية للثقافات) وفي مجتمعاتنا بمعنى مضاعف، لم تعد الثقافات تمنح الهوية.
۱۹. الثقافة والوحدة: يتبع معظم أفراد مجتمع ما الأنماط الثقافية لمجتمعهم، وهم بوساطة «الثقافة المشتركة» ينسجمون مع جماعة من البشر، ويجدون معنى وغاية وحالًا وهوًى مشتركًا، وبذلك ينجون من الوحدة. يكتسب الأفراد في كل مجتمع، تحت تأثير الثقافة والعناصر المقوِّمة للثقافة (مثل العوامل الدينية والاجتماعية والآداب والرسوم المتعلقة بذلك المجتمع)، شخصية خاصة ينبغي اعتبارهم، من الناحية النفسية وطريقة السلوك المنطقي، نموذجًا جامعًا يختلف عن الشخصية السلوكية وطريقة السلوك النفسي والمنطقي للأفراد الآخرين. لذا فإن شخصية أفراد ثقافة ما تتقارب وتتميز عن شخصية أفراد المجتمعات الأخرى. (نقاش الهجرة/ التهميش) يمكن تعريف الثقافة أيضًا بأنها «العامل الذي يمنح حياة الإنسان معنى واتجاهًا». كل ثقافة تخلق نمطًا أو نموذجًا سلوكيًا جامعًا للأفراد المشمولين بها، يكون مرسِمًا ومحدِّدًا للمعاني والمُثُل والأهداف لدى الأفراد، وموجِّهًا لغرائزهم وميولهم ورغباتهم. بتعبير أبسط، كل ثقافة تفرض على الفرد أفقًا ونمطًا سلوكيًا خاصًا. على سبيل المثال، النموذج الأسمى للكائن البشري في العصور الوسطى هو «التشبه بالمسيح» و«أن يكون قديسًا»، أي نحو وجود يسعى إلى المأوى في الألوهة والأمر القدسي، في حين أن النموذج الأسمى للكائن البشري في العصر الحديث هو التشبه بنيوتن وآينشتاين و«أن يكون مهندسًا»، أي نحو حياة غايتها القصوى اكتساب القوة بهدف السيطرة على الطبيعة والانتفاع الأكبر من العالم الطبيعي.
۲۰. إحدى علامات انحطاط ثقافة ما: الشكلانية: مادة الثقافة وصورتها / ظاهر الثقافة وباطنها: إذا كانت العادات والتقاليد والسنن والشعائر والرموز والمشاعر والوعي الكامن فيها تشكل جزءاً من نظام ثقافي، فإنه في زمن ركود الثقافة أو ضعفها أو انحطاطها، لا يبقى سوى ظاهر وقشرة من هذه المراسم والعادات والشعائر والرموز، دون أن يُعاد إنتاج الوعي والمشاعر الكامنة فيها. (مثل مراسم "جهارشنبه سوري" وفقدان الروح المنتمية لعصر الديانة الزرادشتية وأهمية النار والنور في هذا الطقس، أو المراسم المتعلقة بعصور ومجتمعات وثقافات الرعي والزراعة في زمن المجتمعات الصناعية (مثل مراسم عيد "مهرغان"، وغرس الأشجار... / أو كرنفالات عيد الميلاد في الغرب) إذا قبلنا بأن للثقافة أبعاداً ظاهرة وأخرى خفية، وأن الأبعاد الظاهرة للثقافة تتجلى في العادات والتقاليد والسنن (السلوكيات المتكررة) والبنى والمؤسسات، بينما الأبعاد الخفية للثقافة هي الصور الخالصة للثقافة التي تتجلى في الأعمال الفنية والأدبية، والمشاعر والنزعات والاهتمامات والأذواق والعواطف لدى أفراد المجتمع، فإنه في زمن ضعف الثقافة وانحطاطها، تكون البنى والمؤسسات أقوى من الأبعاد الخفية للثقافة والصور الثقافية الخالصة. أي أن الأشكال تغلب المضامين وتسبقها. (لنفترض أن المساجد والكنائس تصبح أكثر فخامة وبرودة وجموداً، أو تتحول القوة الروحية إلى مؤسسة وقوة سياسية واجتماعية) وتُضحى الصور الثقافية الخالصة والخفية ضحية للمؤسسات والبنى الاجتماعية الثقافية. المخططات الخفية هي ما يراه أهل الفكر، ولكن لا يراه أهل السياسة والسلطة والدعاية، الذين لا يرون سوى الأبعاد الظاهرة. (مثال: إذاعة القرآن، مثال: بناء المساجد، مثال: منح ريع ثقافي لبعض التيارات الثقافية الخاصة/ حتى في الجامعات يوجد هذا الريع الدعائي) تشمل الثقافة مخططات ظاهرة وخفية لحياة البشر. للثقافة أبعاد ظاهرة وأخرى خفية. الأبعاد الظاهرة للثقافة تتجلى في العادات والتقاليد والسنن (السلوكيات المتكررة) والبنى والمؤسسات، أما الأبعاد الخفية للثقافة فهي الصور الخالصة للثقافة. على سبيل المثال، اللغة الفارسية أو المساجد والخانقاوات تحكي الأبعاد الظاهرة لثقافتنا، أي أن الجميع، حتى الأجانب عن هذه الثقافة والسياح، يرونها، لكن حافظ ومولانا والعرفان الإيراني والأدب الفارسي هي من الأبعاد الثقافية الخالصة التي لا تخضع للفهم والرؤية بسهولة من قبل أي شخص، إلا من نشأ في هذه الثقافة أو اتصل بها عن أنس وود. وكما أشير سابقاً، فإن هذه الأبعاد الخفية وغير المحسوسة للثقافة هي ما يراه أهل الفكر والثقافة ويشيرون إليه، أما أهل السياسة والسلطة والدعاية فهم أسرى المظاهر الخارجية والمؤسسات والبنى، أي الأبعاد الخارجية للحياة الثقافية، وهم غافلون عن الأبعاد الداخلية والخفية للثقافة. إذا اعتبرنا الفنون والعلوم والأدب والشعر والفلسفة... من العناصر المقومة للثقافة ومن مظاهرها أيضاً، فإن عدم ظهور مظاهر جديدة لتلك الثقافة (في مجال الفن والأدب والفلسفة...)، أو تباطؤ نمو هذه المظاهر، أو عدم تحقق وظهور مظاهر ثقافة ما بالشكل الذي تقتضيه تلك الثقافة ويكون متوقعاً منها.
۲۱. الكرنفالية: (إحدى سمات العصر ما بعد الحداثي)
۲۲. الدونكيشوتية: الفهم الخاطئ للمشكلات الداخلية والخارجية للمجتمع (الفجوة بين الذاتية والموضوعية/ التفكير بمفاهيم ومقولات لا تنطبق على الواقع/ التخلف التاريخي والثقافي)
۲۳. كبت الأسئلة الأساسية/ العلاقة بين الثقافة والفكر والأسئلة الأساسية: عدم طرح المشكلة والسؤال في المجتمع والثقافة/ كبت السؤال والفكر (بحث في علاقة الحضارة والثقافة والفكر والتساؤل/ الأسئلة الأساسية)
۲۴. ثورة التكنولوجيا/ وثورة التكنولوجيا وعدم القدرة على كبت الأسئلة الأساسية/ بقاء الأسئلة على مستوى وسائل الإعلام (على المستوى غير الرسمي) بسبب عدم طرح السؤال، يفقد الفكر والثقافة ديناميكيتهما، ويضعف الإيمان بالنماذج الثقافية، وبسبب عدم طرح السؤال لا يُنتج الفكر والثقافة معرفة. ونتيجة لذلك، لا يوجد جواب للمشكلات التي تنشأ في المجتمع، وأخيراً، في مجتمع لا يُطرح فيه السؤال لكي يسعى المجتمع العلمي للإجابة عنه، لا يُنتج علم، وبالتالي نواجه تراكم المشكلات والأزمات. (إشارة إلى بنية الثورات العلمية عند توماس كون. تراكم المشكلة/ ظهور الأزمة/ الانهيار والثورة) في هذا المجتمع، لا يوجد إعادة إنتاج للمعرفة والسنن.
۲۵. سنت احیا ناشده سنت نیست)/ سنت و روح فرهنگ ضعیف می شود. سنت بدون پرسش های بنیادین احیا نمی شودجامعه و فرهنگ پیشین با مناسبات جهان نو به نو آشنا نمی گردد فکر تازه و ایده نویی آفریده نمیشود. مسائل کوچک و جزئی جانشین مسائل بزرگ و بنیادین می گردند. (اندیشه ها متوجه مسائل کوچک و غیراصولی می گردد).
۲۶. فقه الاصغر و فقه الاکبر: تأملاتی بر وجوهی از فرهنگ در دوران مدرن در مقیاس جهانی
۲۷. مرگ فرهنگ: اصالت یافتن خود زندگی در معنای غریزی و مصرف و در حاشیه قرار گرفتن وجوه متعالی زندگی
۲۸. پوپولیسم/ عدم اصالت/ نابخردی: شاید بتوان این وجه از فرهنگ در جهان کنونی را با تعبیر سیاسی، جامعهشناختی و ایدئولوژیک و آشنا و مأنوس پوپولیسم بیان کرد.
لیکن در بحث من پوپولیسم را نباید در معنایی سیاسی و اجتماعی بلکه در مفهومی تاریخی و تمدنی باید فهمید. هگل در قرن نوزده اعلام کرد: «توده ها می آیند».کی یرکه گور از آن به عدم اصالت تعبیر کرد. حتی اگوست کنت پوزیتیوست و دلشیفته دوران مدرن چنین اعلام می دارد: «عصر ما، که عصر خرابی و اضمحلال است، اگر قدرت معنوی نیافریند، دنیا را به ویرانی می کشاند.» نیچه از آن به به سیطره برده ها بر آزادگان تعبیر کرد. نیچه در پس این رشد علمی و تکنیک روح تربیت ناشدة انسان غربی را دید. خوزه اورتگا گاست (۱۸۸۳- ۱۹۵۵) از آن به طغیان توده ها تعبیر می کند و هایدگر از آن به سیطره داسمن تعبیر کرد. هایدگر از خطری زیانبارتر از انفجار سلاحهای هستهای سخن گفت.مکتب فرانکفورتیها تحت تأثیر هایدگر و نیز مارکس جوان از شی وارگی انسان و زندگی و کالایی شدن زندگی سخن گفتند. بودریار از موج سوم نیهیلیسم سخن می گوید. نویسندگان و رمان نویسهایی چون خانم آلیس مانرو (که فیلسوف نیست) از بی کیفیت شدن زندگی و سبک شدن زندگی سخن می گوید.
مدرنیته و پوپولیسم با این توضیح که پوپولیسم را نباید وصف برخی از جریانات سیاسی و اجتماعی یا وصف فرهنگی برخی از جوامع بلکه آن را باید یکی از اوصاف دورة جدید و مقارن با ظهور مدرنیته برشمرد. پوپولیسم که در فارسی معادل واژههای «عوام گرایی» و «مردم باوری» استعمال شده است.پوپولیسم در برابر الیتیسم: تلاش من بر این است که به کمک برخی از متفکران، مشخصاً فیلسوفان، لایة عمیقتر مسأله را فراتر از این ثنویت مفهومی پوپولیسم و الیتیسم واکاوی کنم.در سطح بحث متافیزیکی مرز میان پوپولیسم و غیرپوپولیسم فرو می ریزد. و نباید مرزها فرو ریزد. (تأمل: مرزها سیاسی، ایدئولوژیک هستند و در سطح دیگری از بحث، تفاوت بنیادینی میان آنها وجود ندارد.
پوپولیسم در سطح متافیزیکی: پیشرفت فناوری با گسترش فرهنگ و معنویت همراه نیست.انبوه مردم را می بینیم که صاحب افزار و اسبابیاند که مدنیت بشری آنها را ساخته. (اما آنها نمی دانند که چه تلاش هایی برای نیل به آنها صورت گرفته، و توده ها ابزارها و دستاوردهای تمدنی را بهره برداری می کنند بی آنکه احساس نیاز به کسب قابلیت هایی برای این بهره برداری کنند یا احساس تعهد به حفظ دستاوردهای بشری داشته باشند: آنها فقط مصرف کننده اند.
اورتگا گاست و «پدیدة ازدحام جمعیت» ارتگا وقتی از پدیدة «ازدحام جمعیت» سخن می گوید اظهار می دارد مفهوم «جمعیت» مفهومی کمّی و بصری است. اما ارتگا از مفهوم جمعیت خواهان است به مفهوم «توده اجتماعی» برسد که مقوله ای فرهنگی و به اعتقاد من شاید نیز مفهومی متافیزیکی باشد.// اصل یکدشت شدن و هم سطح شدن انسانها و از بین رفتن فردیتها و اصالتهاارتگا میگوید: دیگر قهرمان وجود ندارد؛ همه بازیگران دستهجمعیاند.توده یعنی مجموع تربیت ناشدهها/ سیطره تام و تمام توده ها: «توده» آدم متوسط است. آدم در حالتی که بر دیگران هیچ گونه امتیازی نداشته باشد، بلکه یک تیپ عمومی ا یی، که دائماً تکرار شود.در روزگار ما توافق آرزوها، افکار و اشکال زندگی در نزد افرادی است که متعلق به این جمعیت وتوده-های اجتماعی اند.اما در طبقة الیت یا نخبگان توافق واقعی اعضا در یک آرزو، یک ایده یا ایده آلی است که در را به روی تعداد زیاد دیگری، یعنی توده ها، میبندد. تشکیل طبقه الیت همیشه لازم است که هر فرد الیت، به علل خصوصی و نسبتاً شخصی، خود را از جمعیت جدا کند.
مَن هو الجمهور/ ما هو الجمهور؟ التوسّط: «الجمهور» هو كلّ مَن لا يمنح نفسه قيمةً خاصّةً – في الخير أو في الشرّ – دون أسبابٍ معيّنة، بل يعتبر نفسه إنساناً متوسّطاً فحسب، ويكون سعيداً في هذا القالب، ولا يشعر بالاشمئزاز إنْ أدرك أنّه مثل الجميع. لنتصوّر إنساناً بسيطاً يسأل نفسه: هل أمتاز على الآخرين بخصائصَ مميّزة؟ هل لديّ موهبةٌ في شيءٍ ما؟ هل أنا أبرز من غيري في مجالٍ ما؟ ويعترف في جوابه بأنّه ليس «استثنائيّاً» في أيّ ميدان. هذا الإنسان يشعر بأنّه قليل الموهبة، إنسانٌ عاديّ، إنسانٌ يوميّ ومتوسّط، لكنّه لا يعدّ نفسه من «الجمهور». من وجهة نظر أورتيغا، يمكن تقسيم البشريّة إلى فئتين – وهذا التقسيم ينطوي على نقطةٍ مهمّة – فئةٌ تتوقّع من نفسها الكثير وتحمّل نفسها أعباء الواجبات والمشكلات؛ وفئةٌ أخرى لا تطلب من نفسها شيئاً وتكتفي، من لحظةٍ إلى أخرى، بأن تبقى على ما كانت عليه، دون جهدٍ يدفعها إلى الأمام متجاوزةً ذاتها – كالمرشدات البحريّة المعلّقة، التي تتقاذفها الرياح يمنةً ويسرة. هيمنة الجماهير والناس العاديّين هي إحدى علامات عصرنا. الأحداث السياسيّة في السنوات الأخيرة ليست سوى هيمنة جماهير الناس. الجمهور يدمّر كلّ ما هو مختلف عن سائر الأشياء، كلّ ما هو أسمى من سائر الأشياء، كلّ مَن له تفرّد، كلّ مَن له موهبة شخصيّة، كلّ مَن هو منتخَب. كلّ مَن ليس كالآخرين، كلّ مَن لا يفكّر كما يفكّر الآخرون، يصبح معرّضاً لخطر الإقصاء. إنّ تحوّل الثقافة إلى ثقافة جماهيريّة والشعبويّة هذا، هو أمرٌ جديد لا نظير له في تاريخ حضارتنا، ولم يُرَ مثله حتّى الآن. عصر الجماهير هو عصر الفظاظات. في عصر الجماهير، نعيش تحت سيطرة الجماهير العنيفة. «أسلوب الجماهير» قد انتصر في جميع طبقات الحياة، أورتيغا: إنّني أرفض أيّ تفسير لعصرنا الحاضر يجد اتّجاهاً ومعنىً غير هيمنة الجماهير، بالطريقة التي ينظر بها إلى هذه الهيمنة دون قلقٍ ورجفة اشمئزاز. خطر الطغيان الأخلاقيّ للجماهير يهدّدنا، خطرٌ جامح، مستبدّ وعصيّ على القيادة، خطرٌ ذو وجهين كمثل كلّ مصير، إلى أين يجرّنا؟ هل هو سيّئ من حيث المبدأ أم جيّد؟ لقد تبدّل مكان العمق والسعة: السعة موجودة لكن العمق مفقود: (مثل الجامعات والتعليم والتربية الحديثة) لقد ضاع الوقت، وصار الزمان سطحاً واحداً: الزمان المطلق، الزمان الكرونولوجيّ مسطّح بالكامل. التسارع المذهل للحياة: سرعة الحركة التي نعيش فيها اليوم، نشاط العمل والطاقة التي ندخل بها في كلّ شيء، أمرٌ مرعب للناس ذوي الطبيعة القديمة والعتيقة. بدلاً من ذلك، نحن نعيش في زمانٍ يحسّ بقوىً هائلة في ذاته، ولا يعرف كيف يستخدمها. إنسان اليوم مسيطر على العالم، لكنّه ليس مسيطراً على نفسه؛ لقد ضاع في فيوضاته ووفراته. الجيل الحاليّ، بوسائل أكثر، وعلوم أوسع، وتقنيّة أكمل، هو أكثر تعاسةً وشقاءً من جميع الأجيال الماضية، وهو معرّض لعواصف العالم. هذا التناقض العجيب بين «الإحساس بالقوّة» و«انعدام الثقة بالنفس» يظهر بوضوح في روح المعاصرين. عصرنا لا نظير له من حيث «مخزون الإمكانيّات». لكنّه لا يستطيع أن يحدّد «اتّجاه» حياته انطلاقاً من الماضي. في العالم الراهن، يعيش الناس يوميّتهم من يومٍ إلى آخر. المستقبل ليس مرسوماً أمامهم، دون أن تكون لهم خطّة حياة. لا يعرف إلى أين يذهب، وإذا دقّقنا النظر، فإنّه لا يتحرّك من مكانه أصلاً؛ ليس له طريقٌ كان قد عيّنه سلفاً، ليس له جادّة يعبرها. لا ينبغي له أن ينطق باسم المستقبل، بل عليه أن يحصر نفسه في الحاضر. إنسان الجمهور هو إنسانٌ بلا هدف، تتقاذفه الرياح يمنةً ويسرة. لهذا السبب، ليس بنّاءً أبداً، وإنْ كانت إمكانيّاته وقواه كثيرة. وهذا النمط من البشر هو مَن يمسك بيده مصير زماننا.
بعض الخصائص الأخرى الأكثر أهمّيّة لعالمنا الراهن:
۲۹. ظهور العالم ما بعد الحداثيّ و«انشقاقنا الحضاريّ الثاني»: إنّ العالم الحديث أيضاً أخذ يتحوّل تدريجيّاً إلى جزءٍ من العالم القديم، ويحلّ محلّه عالمٌ يمكن تسميته بـ«العالم النيتشويّ/ أو العالم ما بعد الحداثيّ».
۳۰. العالم النيتشوي: تحت تأثير تعاليم نيتشه، فإن العالم الغربي، كما قبل بأن «الله قد مات»، توصل بالقياس نفسه إلى نتيجة مفادها أن «الحقيقة قد ماتت». اليوم، يمكننا، على غرار تشارلز تايلور، أن ندعي بأن الفلسفة الأوروبية المعاصرة ليست سوى وجه من وجوه النيتشوية الجديدة. في العصر الراهن، يُعد نيتشه أكثر فلاسفة الغرب نفوذاً. نيتشه هو المفكر الذي شخص أزمة الحداثة بشكل صحيح، وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من كل جهوده التي بلغت حد الجنون، تسبب عن غير قصد في توسيع نطاق الذاتوية الميتافيزيقية، وبالتالي في تفاقم الأزمة ذاتها التي كان يرغب في تجاوزها. والآن، كيف يبدو العالم النيتشوي/ عالم ما بعد الحداثة؟ المقصود بالعالم النيتشوي هو العالم الذي وصفه نيتشه، وفي الوقت الذي كان يسعى فيه إلى نقد بعض جوانبه، أصبح هو نفسه أحد مقومات هذا العالم. أبرز سمات العالم الذي يجعله مكشوفاً وعارياً أمامنا هي: موت الإله، موت الحقيقة، وموت الأخلاق. وعلى الصعيد النظري أيضاً، فإن جميع المفكرين الذين يعتبرون أنفسهم ما بعد حداثيين أو يُطلق عليهم هذا الوصف، قد جعلوا اليوم، بطريقة ما، أفكار نيتشه المضمون المحوري لتفكيرهم. في الواقع، لقد شكل دريدا، وبودريار، وليوتار، وفوكو، ودولوز مقارباتهم وفقاً لمناهج نيتشوية، مثل نقده لمفهوم الحقيقة والشك في جميع المقولات الميتافيزيقية، والتأكيد على إرادة القوة بدلاً من إرادة الحقيقة، وانهيار الحدود بين الحقيقة والمجاز... إلخ. إذا نظرنا إلى الحداثة، من الناحية الفلسفية والنظرية، على أنها مجموع العقلانية الحديثة، أي العقلانية التي ظهرت مع غاليليو وديكارت ونيوتن، وكذلك الرؤى التي طرحها مفكرو عصر حركة التنوير وشخصيات مثل لايبنتس، وهيوم، وكانط، ولوك، وهوبز، وروسو، ومونتسكيو، وديدرو... إلخ، أي الاعتماد على العقل البشري المستقل والقائم على ذاته، والإيمان بهذا العقل في فهم العالم، والتأكيد على العلم التجريبي-الرياضي الجديد واعتبار نتائج وإنجازات العقلانية والعلم الحديث موضوعية، وتطبيق هذه النتائج في سبيل تأمين رفاه وراحة الإنسان؛ في المقابل، ينبغي اعتبار فكر ما بعد الحداثة نتاج نوع من فقدان الإيمان بهذه العقلانية الحديثة ذاتها وببشارات العلم الجديد، ونفي إمكانية تحقيق المُثُل الكبرى لعصر التنوير. في فكر ما بعد الحداثة، يقترن فقدان الإيمان هذا بأسس وقيم العصر الحديث بنوع من النفور من العقل، والنزعة الذهنية، والتشاؤم تجاه أي أنظمة نظرية، وبشكل أساسي إنكار الموضوعية ونفي أي أساس موضوعي للمعرفة والفعل الإنساني. إذا كان الفكر العلمي وحده يُعتبر ذا مشروعية في العصر الحديث، فإن فكر ما بعد الحداثة، تبعاً لنيتشه، يعتبر العقلانية الجديدة والعلم الحديث أيضاً نتاجاً لإرادة القوة وسعياً للهيمنة على الطبيعة، وبالتالي نوعاً من الأسطرة والخرافة، وينخرط أساساً في إنكار أي سردية كبرى وأي أساس للحقيقة. إن فكر ما بعد الحداثة، من خلال المناهج النيتشوية، هو الذي يخضع قيم عصر التنوير ومضامينه ومعاييره الثقافية-العلمية للنقد، ويتجاوزها من حيث الاعتبار. والسؤال الآن هو: ما هي المؤشرات النظرية والميتافيزيقية التي تقوّم العالم النيتشوي؟
۳۱. جهان بي متافيزيك (حاکمیت نظام های تئولوژیک در سنت و حاکمیت عقلانیت علمی و تکنولوژی در دوران مدرن: فروپاشی هر دو) با هیوم مقوله علیت متزلزل شد. كانت با فلسفة نقادي و استعلايي خويش، به پرسش از امكان ذاتي معرفت متافيزيكي پرداخت. فلسفة كانت طرح يك نظام متافيزيكي در كنار ساير نظام هاي متافيزيكي نبود. فلسفة وي متافيزيكِ متافيزيك بود، يعني طرح اين پرسش بنيادين: آيا اساساً نيل به معرفت متافيزيكي، به منزلة يك علم، امكان پذير است؟ با طرح اين پرسش، و پديداري تلقي شدن معرفت، بنيان هاي تفكر متافيزيكي شروع به لرزيدن گرفت. پاسخ كانت به اين پرسش در چارچوب نقد عقل محض منفي بود. اما اين لرزه صرفاً به متافيزيك و تفكر متافيزيكي محدود نگشت و دامان تئولوژي و تفكر تئولوژيك را نيز فرا گرفت. عليرغم همة كوششهاي عظيم كانت در نقد عقل عملي به منظور استوار كردن تئولوژي بر مفروضات و مبادي پيشين اخلاق، نه بنيانهاي متافيزيك و نه مباني تئولوژي هیچکدام هرگز استحكام پيشين و از دست رفتة خود را بازنيافتند. با كانت و انقلاب كپرنيكي وی، مقولات متافيزيكي ارزش و اعتبار خويش را در كشف حقايق جهان از دست داده، این مقولات بنياد عينيت را در اختيار ما قرار نميدهند. مقولات متافيزيكي، ديگر نه مقولات اونتولوژيك و حكايتگر ساختارهاي جهان و بيانگر نحوة هستي موجودات، بلكه صرفاً مفاهيمي ذهني، يعني حاصل فعاليت هاي منطقي ذهن بشر هستند كه به او در قوامبخشي و انتظامبخشي به جهان و ابژهها ياري ميرسانند. با بياعتبار شدن مقولات متافيزيكي، عليرغم همة تلاش هاي كانت به منظور اعتباربخشی به آنها در بحث استنتاج استعلايي، خود به خود تمام بنيانها و براهين كلام نظري نيز، كه مبتني بر عينيت و اعتبار مقولات متافيزيكي است، فرو ميريزد. به اين ترتيب، با كانت متافيزيك و تئولوژي، در جبهه اي واحد قرار مي گيرند، چرا كه هر دو به يك اندازه در معرض تهديد و بي اعتباري واقع مي شوند.به نظر نيچه هستي معمايي است سخت دشوار. لذا، نمي توان دلگرمي هاي ناشي از افلاطون گرايي (متافيزيك) و مسيحيت (تئولوژي) را براي حل اين معما به كار گرفت، چرا كه اين دو رهيافت، آدمي را دچار لغزشي جبرانناپذير خواهند كرد. از نظر نيچه، احساس امنيتي كه از فلسفة افلاطون و تعاليم مسيح به دست ميآيد، به هيچروي قابل اعتماد نيست زيرا كه بر پنداري موهوم، يعني انكار اين جهان و خيره شدن به جهاني ديگر، عالَم مُثل يا عالَم ملكوت، استوار گرديده است. بنابراين، در روزگار ما كه معيارها، اصول و موازين متافيزيكي، همگي به تبعيت از نيچه مورد ترديد قرار گرفته و تكيهگاههاي ديرين سنت نيز از ميان رفته است، احساس ميشود كه همة پايگاههاي استوار متافيزيك و تئولوژي هر دو فرو ريخته و تكيهگاه قابل اعتمادي براي ما باقي نمانده است. بدين ترتيب، جهان ما بيمتافيزيك شده است. مرادم از بيمتافيزيك شدن جهان اين است كه در دوران ما ، همة نظامهاي انديشگي، اعم از نظامهاي تئولوژيك و اونتولوژيك بياعتبار گشته، صرفاً به منزلة يك افسانه و يك نحوه صورتبخشي به واقعيت سيال و فهم-ناپذير جهان تلقي ميگردند.
۳۲. فقدان امنيت اونتولوژيك با فروپاشي نظامهاي انديشگي، بشر عالَم و سامان خويش را از كف داده، بيمأوا گرديده است. در روزگاري كه همة نظامهاي تئولوژيك و متافيزيكي مورد ترديد قرار گرفته، تكيهگاههاي ديرينِ هم سنت و هم مدرنيته از ميان رفته است، و احساس مي-شود كه همة پايگاههاي استوار پيشين فرو ريخته و ديگر براي بشر تكيهگاه قابل اعتمادي باقي نمانده است، احساس امنيت اونتولوژيك نيز از كف ميرود. فقدان امنيت وجودشناختي، نتيجة طبيعي جهانِ بيمتافيزيكشده است. بشر دوران ما، بر خلاف انسان دورانهاي گذشته، امنيت وجودشناختی خويش را از دست داده است.
۳۴. "مرگ خدا" در كتاب حكمت شادان، نيچه تصوير شعرگونه اي را براي ما ترسيم مي كند: "ديوانهاي با چراغ در روز روشن و در ملأ عام به دنبال خدا در كوي و برزن سرگردان است و مدام فرياد مي-زند: «خدا را مي جويم! خدا را مي جويم!» فرياد او خندة مردم را به دنبال دارد. اما وقتي همه جمع مي شوند ديوانه مي گويد: «اينك به شما ميگويم خدا كجا رفته است. من و شما، يعني ما، او را كشتيم. ما قاتل خدا هستيم» (پارة ۱۲۵) و ديوانه باز تأكيد ميكند: "ما او را كشتيم. دشنة ما خون مقدسترين و مقدرترين چيزي را كه در دنيا تا امروز وجود داشته، ريخته است".اين سخن نيچه بدان معناست كه مفهوم مسيحي (عبري) خدا قدرت پيشين خود را في فرهنگ غرب و بايد افزود به تبع غرب در اكثر جوامع امروزي از كف داده است.
۳۵. موت الحقيقة موت الإله يعني أيضاً "موت الحقيقة"، ذلك أن البشر في فترات طويلة من حياتهم آمنوا بأن "الإله هو الحقيقة". فمنذ سقراط وحتى الآن، حسب نيتشه، لم يهتم مفكرو الغرب وفلاسفته إلا بالمقاربة الأبولونية والكشف النظري للحقيقة والتركيز الخاص على النظرية والمبادئ الكلية والنظرية، وسعوا دوماً إلى استخلاص الحقيقة من صلب الأصول والأسس النظرية. على أية حال، في نهاية تقليد الفكر الميتافيزيقي، يعلن نيتشه صراحة في غسق الأصنام أن "الحقيقة ليست سوى وهم نسينا طبيعته الوهمية بمرور الزمن". وفي إرادة القوة، يكرر: "الحقيقة نوع من الخطأ لا يمكن العيش بدونه"؛ "لا توجد حقيقة. ما يوجد هو التأويل والتفسير". ووفقاً لتصور نيتشه، كما يصرح في ما وراء الخير والشر، فإن "العالم الذي أمامنا ليس أكثر من أسطورة". وهكذا، يُنكر وجود الحقيقة في عالم نيتشه. فالحقيقة عنده ليست سوى منظومة سيالة وديناميكية من الاستعارة والمجاز والإيهام وقياس النفس، وبشكل عام تنطوي الحقيقة على أوهام نسينا طبيعتها الوهمية بمرور الزمن. فالحقيقة، بنظر نيتشه، "ليست أكثر من وهم بذاته". عدم الإيمان بالحقيقة هو تعبير آخر عن موت الحقيقة.
۳۶. الفهم البراغماتي للحقيقة: يعتقد نيتشه أن "الحقيقة ليست سوى ما ييسر الحياة". وفي عصرنا هذا، يكرر ريتشارد رورتي مقاربة نيتشه ويعلن أن على الفكر أن يترك إطار المبادئ الفلسفية العتيقة، كمطابقة الذهن والموضوع وتوافق القضية مع القضايا المقبولة سابقاً، وبدلاً من البحث في ماهية الحقيقة الانكشافية، عليه أن يولي جوهر الحقيقة الإبداعي أو الإنتاجي اهتمامه.
۳۷. موت الحقيقة والحرية: (كابوس الليبرالية المرعب) ترى الرؤى ما بعد الحداثية، ولا سيما أفكار فوكو، أن مفهوم الحقيقة عائق أمام الفهم العميق للوجود والحياة، وتعتبر تجاوز مفهوم الحقيقة، أي موت الحقيقة، ممهداً لانعتاق الإنسان وحريته الكاملة والحقة. يعتقد فوكو أنه يكفي أن ننزع السلطة من مفهوم الحقيقة حتى تتحقق الحرية الكاملة، لأنه إذا قبلنا بأن لا حقيقة، فسيصبح كل شيء مباحاً. وبهذا تبلغ الحرية أقصى حدودها الممكنة. لكن السؤال هو: هل تتحقق الحرية فعلاً في عالم كهذا ماتت فيه الحقيقة؟ لا يمكن للحرية أن تتحقق إلا في نسبتها إلى الحقيقة. غير أن هذا الرأي، بنظر نيتشه، هو نتيجة للإيمان الأفلاطوني والمثال الزاهد المسيحي. ويعتبره مفكرو ما بعد الحداثة فكراً ينتمي إلى العالم القديم.
۳۸. أنسنة الحقيقة Humanization of Truth المقصود بأنسنة الحقيقة هو فهم الحقيقة بوصفها فعلاً وإنتاجاً بشريين وربطها كلياً بالنشاط الإنساني.
۳۹. موت الإله، نفي العالم فوق المحسوس، موت الأبدية، موت المعنى: لكن مع إنكار العالم فوق المحسوس، تجلت العدمية الميتافيزيقية بشدة وحدة أكبر. فالحياة في هذا العالم، بإنكار الأمر فوق المحسوس، واجهت فقدان مفهوم الغاية، وهذا ما دفعها نحو العدمية. بإنكار الأبدية والعالم فوق المحسوس، لم تعد هناك قيمة نتحمل الحياة من أجلها. لم يستطع البشر حتى الآن أن يكونوا هم أنفسهم غاية العالم.
۴۰. موت الإله = انعدام أساس العالم في العصر الراهن، واقتفاءً بنيتشه والمفكرين ما بعد البنيويين، صار التفكيك وتقويض الأسس من سمات زماننا. ووفقاً لتفسير مفكرين ما بعد حداثيين وما بعد بنيويين مثل دريدا، إذا ما اعتبرنا العالم، تبعاً لنيتشه، سيرورةً سيالةً ومضطربةً وغير مستقرة، فإنه في هذه الحال لا يوجد شيء يتيح، من حيث الدوام والثبات، إمكان تشكل اعتقادات حقيقية. وبتعبير أبسط، عالمنا عالم بلا أساس ولا بنيان. ومن وجهة نظر هذه الفئة من المفكرين، لم يعد البحث عن العمق، والغور، والمبدأ، والأصل، والتعين، واليقين سعياً عبثياً وعقيماً. في العصر الحاضر، وبسبب انعدام أساس العالم وبنيانه هذا، نعيش في ضرب من الاضطراب والفوضى وفي عالم مشوش، ولسنا قادرين البتة على أن نجد في سيل الصيرورة هذا نقطة ارتكاز ومستقراً آمناً. وكأننا مضطرون إما أن نبني مأوانا الأنطولوجي على الرمال المتحركة، لأنه لا يوجد أي أساس متين في صحراء هذا العالم، أو أن نتقبل الفوضى والتشرد، وبالتالي انعدام الأمن الأنطولوجي، بوصفه قدراً للبشر. إنكار المبدأ والغاية: في مقابل الإيمان باللوغوس والاعتقاد بحاكمية العقل في العالم والإيمان بوجود مبدأ وغاية وتصميم إلهي مسبق لهذا العالم، تُظهر النظرة التاريخية والجينيالوجية أن التاريخ لا يملك مبدأً وأساساً أنطولوجياً ولا غايةً ومقصداً أنطولوجياً. العالم يفتقر إلى أي أساس موضوعي يمكن الاعتداد به. في العالم النيتشوي، العالَم صيرورة مطلقة ومتكثرّة وتفتقر إلى أي أمر أو حقيقة جامعة موحِّدة. في زماننا، انغمس العالم في هاوية من التكثر، ولا يحكم العالم أي مبنى أو أصل جامع موحِّد.
۴۱. العالم بمنزلة أسطورة حوّل موت الإله، وجود الحقيقة الفلسفية المطلقة، مع التأويلات ما بعد الحداثية، إلى مسألة أزموية. ومع انعدام أساس العالم وبنيانه، يدخل التقابل بين الحقيقة والخطأ في حالة تعليق، ويصير السعي لإيجاد الحقيقة، بالضرورة، بلا معنى. عندما لا توجد حقيقة في هذا العالَم، وكل ما هنالك ليس سوى تأويل وتفسير للأحداث والتجارب استناداً إلى منظورات هي نفسها نتاج إرادة القوة لدى الإنسان، فإنه لا يوجد، بالتالي، تفسير صحيح للأمور والأحداث. وبعبارة بسيطة، من وجهة نظره، فإن اكتشاف معنى النص، شأنه شأن الحقيقة، غير قابل للتحقق. يعبّر دريدا صراحةً عن أننا لم نعد قادرين على أن نسأل ما هو الصحيح وما هو الخاطئ. وإذا كانت هناك حقيقة ما، فإن البحث عنها في عالمنا عديم الفائدة. كيف يمكن الاختيار بين تأويلات متنوعة بل ومتعارضة أحياناً؟ ولهذا السبب، نحن أمام عدد لا يحصى من التأويلات حول كل موضوع يواجهنا.
۴۲. إنتاج الحقيقة نتيجة كل هذه المقاربات هي إنكار الماهية الانكشافية للحقيقة والإيمان بطابعها الإنتاجي. على امتداد تاريخ الميتافيزيقا، كانت الحقيقة دوماً ذات ماهية انكشافية، بمعنى أن الحقيقة كانت موجودةً بشكل مستقل عنا، وأن جوهر وطبيعة التفكير والمعرفة يتمثلان في السعي لانكشافها وإزاحة الستار عنها. لكن مع نيتشه، تُنكر الحقيقة في طبيعتها الانكشافية، وتكتسب طابعاً إنتاجياً، بمعنى أن ما يُعتبر حقيقةً هو نتاج إرادة القوة لدينا. الحقيقة هي شيء ننتجه نحن، ونعتمده بوصفه حقيقة.
۴۳. اللغة والحقيقة: الحقيقة ليست نتاج نوع من اللعب اللغوي.
۴۴. موت الأخلاق: انعدام أساس الأخلاق حادثة مهولة وقعت حصراً في تاريخ الغرب الحديث. انعدام أساس الأخلاق هو أحد أهم نتائج وتداعيات العالم النيتشوي. ومع انحلال كل التاريخ والحضارات القومية والمحلية في الحضارة الغربية الحديثة، شمل انعدام الأساس هذا كل المجتمعات، بما فيها مجتمعنا، بنسب متفاوتة. لطالما كان الإيمان بالله والمعتقدات الثيولوجية ضامنةً للحياة الأخلاقية للبشر. لكن مع تزعزع الإيمان المسيحي والمعتقدات الثيولوجية وفقدان قوة مفهوم الإله المسيحي على نفوس البشر، وهو ما يعبّر عنه نيتشه بموت الإله، انهار آخر معاقل أسس الحياة الأخلاقية. موت الإله يستلزم موت الحقيقة وموت المطلق، ومع موت المطلق ونسبية الحقيقة وأنسنتها، لن تعود القيم تملك أي مبنى وأساس، وستصير القيم أيضاً أموراً نسبية واتفاقية. موت الإله يعني موت المطلق، وموت المطلق يستلزم موت الأخلاق.
۴۵. اختلال العلاقة بين الحقيقة والفضيلة والسعادة: في الأزمنة السالفة وفي المنظومات الأخلاقية للسابقين، كانت هناك دوماً علاقة وثيقة بين الحقيقة والفضيلة والسعادة.
٤٦. موت الإنسان: في عالم كهذا، خالٍ في ذاته من أي معنى، يصبح وجود البشر ذاته لغزًا وفاقدًا للمعنى والغاية، ولن يجعل أي معنى أو قيمة حياتنا ذات معنى وهدف.
٤٧. العدمية إن نتيجة كل ما قيل ليست سوى الظهور الكامل للعدمية. كان نيتشه قد تنبأ في كتابه «إرادة القوة» بأن ظهور العدمية سيشكل تاريخ المئتي عام القادمة للغرب. لقد تحقق هذا التنبؤ، مع فارق أن العدمية لم تشمل عالم الغرب فحسب، بل العالم بأسره. لقد هيأت العدمية الظروف التي فقدت فيها كل القيم العليا للفكر، أي المعرفة والحقيقة والفضيلة، اعتبارها. ما أعنيه بالعدمية هو إنكار وجود حقيقة متعالية تكون بمثابة أساس العالم، وموحدة للكثرة، وبؤرة مانحة للمعنى للعالم والإنسان والحياة، ومحددة لمحتوى ومضمون المعرفة وصحة أو خطأ إدراك وفعل الإنسان. ليس لموت الإله وموت الحقيقة من معنى سوى هيمنة العدمية. تواجه الحياة في العالم النيتشوي، مع إنكار الأمر فوق المحسوس، فقدان مفهوم الغاية، وهذا الأمر ذاته يدفعها نحو العدمية الكاملة. في عالم كهذا، لا يتمتع العالم، ولا المعرفة، ولا الحقيقة، ولا الأخلاق، ولا القيم، ولا الإنسان نفسه بأي وصف قدسي أو متعالٍ. العدمية في أيامنا هذه هي أهم عنصر مقوم للعصر الحالي ومحدد للعالم ولنمط حياتنا في جميع المجالات. لقد استوطنت العدمية وجودنا أيضًا. من لم يجرب العدمية في وجوده في عصرنا هذا، لم يلج بعد ساحة فكرية جادة وعميقة. لقد أدت العدمية إلى ظهور إنسان يعبر عنه نيتشه بـ«الإنسان الأخير».
٤٨. الإنسان الأخير «الإنسان الأخير» أو «الإنسان الصغير» في أدبيات نيتشه هو تعبير استعاري عن إنسان العصر الحديث. من وجهة نظر نيتشه، لا يؤمن إنسان العصر الحديث بالتجربة والمخاطرة بالنفس، لأنه أساسًا لا يؤمن بأي شيء. لا أثر للشغف والهوى والانشغال في إنسان العصر الحديث. في نظره، كل رؤية وبصيرة فاقدة للاعتبار. إنه يرى جميع البشر متشابهين، ويدعي أن أي شخص يفكر بغير ذلك يجب حتمًا أن يوجه إلى المصحة النفسية. يسعى الإنسان الأخير فقط للوصول إلى الرفاه المادي. إنه لا يخاطر بنفسه مطلقًا لأجل الأعمال الخطيرة، وينفر من القيم والمعايير الجديدة. إنه يرى أخلاق القطيع متوافقة مع وجوده. إنه يصغر ويحقر كل شيء. ينبغي اعتبار نمط حياة الإنسان الحديث الشكل المتفاقم لإنسان القطيع في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. إنسان أيامنا هذا هو أيضًا الإنسان الأخير النيتشوي ذاته. هذا الإنسان يقول نعم لكل ظاهرة مهولة. إنه فاقد للعزيمة، وأكثر قابلية للفعل وسلبية. في نمط الحياة السلبي، تحل القوى المنفعلة محل القوى الفاعلة، وبشكل عام يحل السلب محل الإثبات، والنفي والإنكار محل الإيجاب. الاكتئاب الاجتماعي، والتشاؤم الشامل... هي من علامات العدمية. الضمير المريض وأخلاق العبودية من الأعراض البارزة والواضحة للروح المنفعلة والقابلة للفعل. في إنسان منفعل وقابل للفعل كهذا، يحل حس الحقد والانتقام والنفور محل العشق والصداقة والمودة. في إنسان كهذا، لا يُرى التضامن الاجتماعي، ولا الشعور بالانتماء إلى حقيقة أو إرث متعالٍ، ولا حتى حب أرض الآباء والأجداد.
٤٩. الفردانية: الفردانية وتذرر البشر: إن غلبة الفردانية المتطرفة، التي هي إحدى السمات الرئيسية لعصرنا، تعني موت الحب، وبتعبير سارتر، «كون الآخرين جحيمًا». : الفردانية وإضعاف التضامن الاجتماعي
٥١. نهاية السياسة
۵۲. نهاية عصر الدولة-الأمة: "نهاية السياسة"، في نظر أتباع هذه الفكرة، تعني في الواقع نهاية "عصر الدولة-الأمة". فمن وجهة نظر هذه الفئة من علماء العلوم السياسية، فإن عصر الدولة-الأمة في الغرب، الذي تشكل مع الثورة الفرنسية الكبرى ونشوء مفهوم الدولة الحديثة، يمضي نحو نهايته. وباختصار، يمكن اعتبار بروز الرأسمالية العالمية وتشكل الشركات العابرة للحدود، وتكوّن الشبكة العالمية وانهيار الحدود، والتغير الجذري في معنى ومفهوم الفضاء والمكان بفعل التحولات الهائلة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة، واتساع نطاق الهجرات، وإمكانية التمتع بجنسيات متعددة في آنٍ واحد، وتضاؤل التعلق بالجنسية، وهروب رؤوس الأموال من البلاد إلى أي مكان يتمتع بقدر أكبر من الأمن والربح، وهجرة الأدمغة إلى أي مكان تُدفع فيه أجور أعلى، والشعور بالتشاؤم تجاه الكوادر الحكومية في التخصيص العادل للموارد، وبالتالي الشعور بعدم الرضا والاغتراب لدى المواطنين تجاه الحكومات، كلها علامات على بدء مسيرة نهاية عصر الدولة-الأمة، وهي مسيرة تُرى أيضاً بحركة أبطأ في المجتمعات غير الأوروبية وغير الأمريكية.
۵۳. تزعزع الأسس الجغرافية والإقليمية للسياسة: في عصرنا، تمضي الدولة-الأمة نحو التحول إلى مفهوم قانوني، ذلك أن الأرض والتراب بوصفهما أساس الحياة الاجتماعية قد تزعزعا، وأصبح كسب المزايا والخدمات العامة الأكثر أساساً للحياة الفردية والاجتماعية. لم يعد أحد يقول "مصباحي يضيء في هذا البيت"، "جذوري في هذه الأرض". لقد نشأت الدولة-الأمة في عصر كانت العلاقات الاجتماعية فيه قائمة على الارتباط المباشر بالأرض. لكن في عصرنا، حيث الأنشطة الإنسانية ليست محدودة بفضاء جغرافي معين، وتنتقل بحرية من أرض إلى أخرى، وفي عصر تحطم فيه حركة البشر وأنشطتهم المعيشية والاقتصادية التقسيمات الجغرافية، يتغير كل شيء. في عصرنا، لم تعد الأقاليم الجغرافية معياراً حاسماً.
۵۴. موت الإرث: كذلك، بصرف النظر عن الأرض، في العصر المعاصر، ونظراً لتحول العالم إلى اللاميتافيزيقا، لم يبقَ أي إرث من الماضي لإنسان العصر الحالي، لأنه لا يوجد أي إرث من الماضي لا يمكن مساءلته والتشكيك فيه. عندما تضيع الذاكرة التاريخية أو تضعف، تصبح إمكانية التواصل مع الآخر صعبة أو مستحيلة بالقدر نفسه.
۵۵. موت اليوتوبيا: كان هناك زمن كانت فيه كلمات مثل الديمقراطية، والحرية، وحق التصويت، والانتخابات الحرة، والليبرالية والحقوق الفردية، أو الاشتراكية، والعدالة، وأصالة حقوق المجتمع، وإنقاذ المحرومين، والاستقلال عن نير الإمبريالية... إلخ، بوصفها المُثُل العليا الكبرى لإنسان القرن التاسع عشر والرباع الثلاثة الأولى من القرن العشرين، تبعث الدفء في قلوب المثقفين، ومن ثم في قلوب كثير من الجماهير. لكنها في عصرنا لم تعد مُثُلاً عليا، بل تحولت إلى مجرد إجراءات بيروقراطية، تنفيذية، شكلية وخاوية من المضمون. ليس في الغرب فحسب، بل حتى في المجتمعات غير الغربية، ماتت المثالية واليوتوبيا. لقد أصبحت القومية، والنزعة الاستقلالية، والنضال ضد الإمبريالية مفاهيمَ عتيقة، فقدت قوتها المشرعِنة. لقد هيمنت الظواهر الاقتصادية والسعي لمكافحة الأزمات الاقتصادية على كل شيء. في مثل هذه الظروف، تعمل فقط الأجهزة البيروقراطية العملاقة وفق أنماطها الموروثة والتقليدية في خضم إعصار من اليومية والبراغماتية، دون أي أفق للمستقبل.
۵۶. اتساع الزمن الحاضر (اليومية)
۵۷. غياب القوى المحرِّرة بسبب هيمنة التكنولوجيا، وارتباط التكنولوجيا بالرأسمالية وسيادة الاقتصاد الناتج عن نظام الإنتاج من أجل الاستهلاك والاستهلاك من أجل الإنتاج المستمر، ونتيجة لذلك وقوع إنسان العصر الجديد في دوامة اليومية من أجل تلبية الحاجات المفروضة من جانب التكنولوجيا والرأسمالية، وبالتالي تشيؤ الإنسان وغرقُه في الأشياء وعدم مواجهته لذاته وعدم اكتشافه لقواه الداخلية، لا تُرى أية قوة محرِّرة في عصرنا.
۵۸. تحول قوى النفي إلى قوى إثبات
٥٩. نهاية عصر الثورات
عصرنا هو عصر انتهت فيه حقبة الثورات الاجتماعية الكبرى. إن مفهوم "الثورة الاجتماعية" هو مفهوم ينتمي إلى الحقبة الحديثة، وكان نتاجاً لذاتٍ راغبةٍ في تحقيق وعيها ومخططاتها وإرادتها الإنسانية. لكن مع اضمحلال الوجه الإنساني للإنسان في الفترة الراهنة، أصبح مفهوم الثورة الاجتماعية مفهوماً ينتمي إلى قاموس العصر القديم. الثورة ظاهرة إنسانية ونتاج للفعل والحراك الإنساني. لكن بموت الإنسان، فقد مفهوم الثورة الاجتماعية حضوره الحيَّ في فكر الإنسان المعاصر وشعوره. لم تعد هناك إرادة للاحتجاج على اللامساواة الاجتماعية وفضحها. الثورة الاجتماعية تعني بلوغ نتائج اجتماعية وتاريخية كبرى. ولبلوغ نتائج كبرى وقيادة سياسية واجتماعية كبرى، ثمة حاجة إلى قوة عظمى وفكرة ومثال أعلى عظيم. لكن في العصر الجديد لا وجود لمثل هذه الفكرة والمثال الأعلى المهيب.
٦٠. اعتبار "النزاع" بمثابة "شذوذ": هيمنة النظام
الوضع أكثر إثارة للأسف من هذا. ليس فقط أن الثورة الاجتماعية والتفكير في ظاهرة الثورة يبدوان في عصرنا مثالاً أعلى بعيد المنال، بل إن أي نزاع ونقد اجتماعي يخل قليلاً بالنظام القائم، ويستلزم دفع تكلفة ولو يسيرة، يُعتبر نوعاً من الشذوذ الاجتماعي. المأساة هنا أن النزاع لا يتم قمعه فقط من قبل السلطة السياسية، بل قبل ذلك من قبل المواطنين الآخرين، عبر اعتباره شذوذاً.
٦١. موت الأصالات/ التماثل والتشابه أصلٌ وقاعدة.
في عالمنا، أصبح التماثل والتشابه بمثابة أصلٍ وقاعدة. كل أصالة، وكل كونٍ ذاتياً ومختلفاً، يُعتبر خرقاً للمعايير. اليوم، المجتمعات الجديدة ليست بحاجة، كما في العصر اليوناني، إلى فيلسوف ملك أفلاطوني، ولا هي بحاجة، كما في الأمم-الدول الحديثة، إلى مثقفي عصر التنوير. مجتمعات اليوم بحاجة إلى أفراد متشابهين ومنسجمين مع المعايير، أي منسجمين مع المسار الكلي للنظام الاجتماعي. على كل فرد أن يسعى قبل كل شيء إلى أن يجعل نفسه متشابهاً ومنسجماً مع الآخرين. في عصرنا، تحولت القدرة على التكيف إلى أصل، وتحول كون المرء استثناءً إلى قيمة مضادة. في المجتمعات الجديدة، لا يجد الاستثناء مجالاً للظهور ولا مجالاً للنمو.
٦٢. تزايد جبرية النظام
٦٣. هيمنة أخلاق العبيد
مع موت أماني الفرد وقيمه ومثله العليا، تحت ضغط هيمنة التكنولوجيا والقوى الاقتصادية، طغى الشعور بالأسر في قبضة المصير، وقبول نوع من السلبية والعبودية، أي التشكل التدريجي لهذا الاعتقاد بأن تغيير الوضع والمصير مستحيل أساساً ومن حيث المبدأ.
٦٤. تشكّل الشعور بالاغتراب عن الذات
إن تزايد الحاجة إلى الاستهلاك وعدم التوازن بين الإمكانات المتاحة وإشباع هذه الحاجات، وهيمنة الفردانية وتذرّر الأفراد وبالتالي انعدام الولاء للوحدة الوطنية والقومية والاجتماعية وكذلك عدم الالتزام بالمصالح الوطنية، وتزعزع الأسس الجغرافية للحياة الاجتماعية وعدم انتماء الفرد إلى أرض الآباء والأجداد، وموت الميراث والتقليد التاريخي، وما ينتج عن ذلك من شعور بانفصام الفرد عن الجماعة، وتجربة فقدان الإحساس بالهوية، وانعدام الثقة بالآخرين، وانعدام الثقة بالدولة في التوزيع العادل للإمكانات، واعتبار الفرد للمجتمع ومدراء المجتمع مسؤولين عن إخفاقاته، ومن ثمّ القطيعة العميقة بين الفرد والمجتمع السياسي والنظر إلى البنية السياسية بوصفها مجرد أداة لتحقيق الأهداف الشخصية لا بوصفها بنيةً تُقوّم الحياة الاجتماعية، وتشكّل الشعور بالتمييز، وغلبة التشاؤم... كل ذلك أدى إلى تشكّل الشعور بالاغتراب عن الذات لدى الفرد في المجتمع، وبالتالي إلى لا مبالاته إزاء الأمر السياسي والمصير المشترك لأفراد المجتمع.
على الرغم من كل التقدمات التكنولوجية التي كان ينبغي لها ظاهرياً أن تجعل الحياة أيسر وأسهل، فإن ضغوط البنى الاقتصادية والمعيشية تضغط على إنسان عصرنا إلى حدّ يجعلنا جميعاً نشعر بأننا، وبطريقة أشد قوة بكثير، أشد قوة بكثير من العصور السابقة، أسرى معيشتنا وحياتنا اليومية. في أيامنا هذه، لا يستطيع البشر المضيَّ في مخططاتهم. إن روح وعقل الإنسان المعاصر منهمكان في الحياة اليومية والنظام الاستهلاكي الذي تفرضه الأسواق العالمية ومسيرة نمو التكنولوجيا على الفرد والمجتمع. إن النزاع على اكتساب الإمكانات الوظيفية، والإمكانات التعليمية، وفرص الحياة، وحتى تكوين الأسرة وإشباع الغرائز الجنسية... قد وضع الفرد في دوامة اليومي إلى حدّ ألهاه بالكلية عن ذاته وعن حضور نفسه في هذا العالم، وعن التفكير في نسبته مع العالم.
على الرغم من أنه كان يُتوقع أن يحرر نمو التكنولوجيا والإنتاج الوفير في العصر الحديث البشر بالكلية من الفقر والمسكنة، وأن يحمل حرية الروح والفكر وتنمية المواهب المتعالية للبشر الحديث، إلا أن هيمنة ديانة الاستهلاك وفرض الرغبات واستهلاك المنتجات الجديدة من قبل مسيرة التكنولوجيا، قد أخلّ بتناغم التوقعات والإمكانات على نحو غير معقول. لقد أدى انتشار التصنيع الجامح إلى ظهور نوع من اللامعيارية الاجتماعية. لقد حوّلت عملية الإنتاج العالم إلى سوق عظيمة. لقد هيمن الاقتصاد على جميع المؤسسات الاجتماعية، وأضعف جميع المعايير الناظمة للسلوكيات، بما في ذلك سلطة الدين وسائر التقاليد الاجتماعية. لقد جلبت قوة الاقتصاد والمال، بإضعافها للدين وإزالتها للآليات التقليدية لتبرير مكانة الفرد في النظام الاجتماعي، انخفاضاً في الرضا الاجتماعي. مع الاختلال والاضطراب في حاجات الأفراد ورغباتهم الاجتماعية، أصبحت أحلام الفرد ومثله العليا بلا قيمة، وسخر المجتمع من هذه القيم والمثل، وأوحى للفرد بأنه لا يمكن النجاح في الحياة إلا بمراعاة القواعد اللا إنسانية واللا أخلاقية للعبة السوق، أي بموت القيم والمثل.
٦٥. المال بوصفه مقولة ميتافيزيقية: في مثل هذه الظروف، اكتسب المال معنى ومفهوماً ميتافيزيقياً. لم يعد المال في العصر الجديد أداة للتبادلات الاقتصادية وتجسيداً للعمل والجهد الإنساني، بل صار العلامة الوحيدة ذات المعنى والمحددة للمصير لدى البشر اليوم. المال هو العلامة الوحيدة التي تجعل ترجمة العلامات الأخرى إلى بعضها البعض أمراً ممكناً. المال هو بديل عن جميع هوياتنا المفقودة. المال هو المؤسسة الكونية الوحيدة التي تبقّت لبشر عصرنا. لقد أصبحت مسألة اللامعيارية في عصرنا مسألة مزمنة، وقد حرر التحرك نحو التقدم الاقتصادي علاقات البشر من رقابة النظام الأخلاقي للمجتمع التقليدي، وكذلك من قيد قيم عصر التنوير. لم تعد هناك قوة أخلاقية كافية لمراقبة مجال التجارة والصناعة وكذلك السياسة. ينبغي النظر إلى فقدان الأخلاق بوصفه فقداناً للإنسانية.
بيان بعض التوجيهات: ما الذي يستطيع شبابنا فعله؟
إدراك أهمية مقولة الثقافة: / عدم إدراك مقولة الثقافة * «الكولتور» واجب حيوي وليس بأي حال من الأحوال أمراً تزيينياً وفرعياً ومسلياً. * الصدع الحضاري الثاني: الزلزال الثاني وانهيار جميع الأسس الثقافية (جميعها بفعل عوامل عالمية وبفعل عوامل محلية وإقليمية أيضاً) * انهيار جميع مؤسسات الهوية الثقافية في العالم ما بعد الحداثي/ مجتمع خاوٍ من جميع المصادر الثقافية الأصيلة: رجال الدين، الجامعة والمدرسة: سنشهد ظهور تنامي الجريمة، التمردات الاجتماعية و... التوحش. * انهيار القيم والعدمية * فقدان القيم لميتافيزيقاها * إدراك العدمية بوصفها أعظم حدث في أيامنا هذه (ما يغفل عنه كل من السلطة السياسية ورجال الدين ومثقفونا) * إنقاذ الثقافة من التسييس والأيديولوجيا والشعبوية (ثقافة شعبوية/ دين شعبوي، دفاع شعبوي عن الغرب) * علاقة الثقافة بالتفكير * علاقة الثقافة بالتساؤل * مفارقة الثقافة * الثقافة والقيمون غير الأكفاء عليها: * عدم إدراك روح الثقافة بوصفها نمطاً من تحقق الإنسان، بمنزلة أمر وجودي؟ * تفسير مادي للثقافة؟ * إدارة الظهر للتقليد والميراث التاريخي والثقافي (التغرب)، الاعتماد على التقليد والثقافة المُحياة؟ أم إعادة بناء وإحياء الميراث في ضوء التفكير * فهم الميراث الثقافي في أفق الماضي أم في أفق المستقبل؟ * تمييز الإمكانات المختلفة الكامنة في الميراث الثقافي: نقد راديكالي وفي الآن نفسه دفاع عن روح التقليد وحقيقته * إدراك الذات بمنزلة تقليد تاريخي (تفكير هندي ـ إيراني ـ إسلامي) * الروح الحقيقية للتقليد: الانفتاح على حقيقة متعالية، لاتعين هذه الحقيقة، عشق هذه الحقيقة والسكنى في هذه الحقيقة (الشرق وإمكانية الدين) * طرح المسألة الأساسية: الإمكان الذاتي لهذه الثقافة؟ * السكنى في التفكير/ أهمية التفكير الحكمي والفلسفي الأصيل للثقافة ولكينونتنا الإنسانية: الشاب اليوم تحطمت كثير من أصنامه. غسق الأصنام: نتيجتان: العدمية أو ظهور إيمان جديد خطران: العدمية أو ظهور إمكان جديد: التقليد التاريخي الماضي بلغ نهايته. أيامنا هذه ستُطلق آخر سهام التفكير المنحط التقليدي من الجعبة ولن تقيم هذه السهام نسبة مع زماننا وعصرنا. * الذاتوية: إمكانية القطيعة أو عدم إمكانيتها؟ * التقليد التاريخي والروحي هو أحد أعظم التقاليد التاريخية الشرقية الذي يوفر إمكانية القطيعة مع الذاتوية.
* نص محاضرة الدكتور بيجن عبد الكريم في ندوة «الشاب، الثقافة والتفكير» في جامعة أصفهان المصدر: مهر
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفن
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.