اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد أمير حسين تركاشوند، عبر دراسة تداعيات تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحكم الديني كملف الحجاب، التلقي الفقهي التقليدي لهذه الفريضة، ويطرح نظريته القرآنية بصفتها مخرجاً للمتدينين.

موضوع بحث ما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكما تعلمون، ففي هذه السنوات التسع والثلاثين التي صارت فيها السلطة بأيدينا نحن المتدينين، كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد الموضوعات البالغة الأهمية والمحورية، وقد حظي باهتمام بالغ من قبل الفقهاء القائمين على النظام وبعض المتشرعين والثوريين. ولكي يكون حديثنا ملموساً بعض الشيء، لننظر فقط إلى مصداق واحد من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألا وهو الحجاب، ولنلاحظ كم استحوذ من طاقة بلدنا وحكومتنا الدينية وإمكاناتهما. لعل أخطر موضوع في سياستنا الداخلية قد انصب على قضية الحجاب، وبُذلت جهود كثيرة لتحجيب النساء، والحفاظ على غطاء الرأس، وعدم ظهور الشعر، وعدم انكشاف الساعد والساق، وكم يُبذل في هذا الشأن من دعايات، وكم يُنفق من أموال، وكم يصدر من نواهٍ وأوامر. وفي هذا السياق، إضافة إلى الدعايات الواسعة، يأتي التنبيه والمواجهة، ودوريات الإرشاد، والاعتقال، وفتح ملفات لبنات وأبناء وطننا من النساء، والغرامة، والحرمان من التوظيف والترقية. وهل يسمح نظام الاختيار والتعيين لدينا نحن المتدينين بتوظيف من لا تلتزم بالحجاب؟ هذا الوضع قائم منذ بداية الثورة، فلا نحاول تنحيته عن أنفسنا؛ نحن المتدينين من نقوم بهذه الأمور. لقد تحولت مسألة الحجاب ووجوب التزام النساء به إلى أطول ملف في البلاد، ولا تزال الملف رقم واحد لحكومتنا. كثير من أبناء شعبنا هاجروا من البلاد بسبب مضايق الحجاب. كانت الهجرات في بداية الثورة أقل لأسباب سياسية، وأكثر بسبب المضايق والقيود المتعلقة بالحجاب التي كنا نفرضها على الناس والنساء. هذا مجرد مصداق واحد من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!. نريد الليلة، بمناسبة أربعين الإمام الحسين وصدور تلك العبارة ذات الصلة ببحثنا عنه عليه السلام: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"، أن نفتح ملف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن أشارككم، أيها الأعزاء، وجهتي نظر في هذا الشأن:
الأولى- الفهم التقليدي/الفقهي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ الذي يؤدي بالضبط إلى الضغوط والمضايق المذكورة، بل إن ما يُمارس الآن هو الصورة المخففة من الأحكام الفقهية الحادة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثانية- طرح نظرية من جانبي، أزيح الستار عنها اليوم بين جمعكم الكريم من السادة الأفاضل في مدينة شيراز، وسأبرهن على أن الأمر بالمعروف القرآني هو أسمى موضوع يفتح الطريق للمتدينين في عصر ختم النبوة.
وإليكم شرح كل منهما؛
شرح الفهم الأول- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنظور التقليدي: يمكن تتبع هذه القراءة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتب الفقه التقليدي التي ظلت تُروى طوال الألف عام الماضية دون تغيير تقريباً، وتناقلتها الأجيال حتى وصلت إلينا اليوم في محطة الحكم الديني.
في هذا المنظور، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الضامن لتنفيذ الأحكام الإسلامية. الأحكام الإسلامية أي الواجبات والمحرمات الشرعية. إذن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكي تُؤدى الواجبات الدينية كالصلاة والصوم والحجاب وأمور أخرى، ويُمنع ارتكاب المحرمات.
في الواقع، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو «مهمة الناس والحكومة في التصدي الصارم والتدريجي للأفراد غير المكترثين بالواجبات والمحرمات. ومصداق هذه الواجبات والمحرمات في كثير من الحالات، هي أمور لا يلحق عدم مراعاتها شرٌّ بأحد! فمثلاً، لو كانت هناك سرقة، فهذا يلحق الشر والضرر والأذى بالآخرين، والجميع يقبلون بوجوب التعامل مع السارق، ولكن ما الضرر الذي يلحق بالآخرين من صلاة السيد (أ) أو عدم صلاته؟ وما الشر والأذى الذي تسببه السيدة (ب) للآخرين بصيامها أو إفطارها؟ إن أكثر مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تهمنا نحن المتدينين، لا يلحق فعلها أو تركها شرّاً بأحد، لكننا اعتدنا أن ننشغل بأعمال الآخرين أكثر من انشغالنا بأنفسنا. إن هدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه النظرة هو تفعيل الأحكام الشرعية، أي وقوع الواجبات (وعدم وقوع المحرمات الشرعية) بين جميع الناس ولو باستخدام القوة. في كتب الفقه، وفي ضمن كتاب الجهاد (الذي يفسره القدماء بأنه نشر الإسلام بقوة السيف)، يُطرح موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله عدة فصول تشمل تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها. لحسن الحظ، ومع استقرار الجمهورية الإسلامية، تهيأت الأرضية لإعادة قراءة هذه الكتب الفقهية، ويمكننا تحديد الإشكاليات الموجودة فيها.
أحد تلك الفصول، كما قلت، هو مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه يشرح كيف نتعامل مع من يتجاهل الواجبات أو يرتكب محرماً شرعياً؛ وقد كتبوا في هذا الشأن مراحل خمساً للتعامل معهم حتى تؤدي إلى تغيير الفرد.
مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفقه التقليدي:
المرحلة الأولى- بلسان الحال (الإنكار القلبي): يقصدون بذلك أنه إذا لم يؤدِّ شخص واجباً ما، أو ارتكب محرماً وذنباً، فعلى الآخرين أن يظهروا له انزعاجهم بطريقة ما دون أن يتلفظوا بشيء، فمثلاً إذا لم يصلِّ ابننا، فلا نرد عليه السلام، أو ندير وجهنا عنه مقاطعين، أو إذا لم تصم ابنتنا نعبس في وجهها. يجب علينا، بالمقاطعة، وهجر المعاشرة، وعدم رد السلام، والعبوس، وهز الرأس وما شابه ذلك، أن نظهر لأي شخص لا يلتزم بالواجبات وترك المحرمات الشرعية أننا منزعجون منه، حتى يصلح من نفسه ويلتزم.
المرحلة الثانية- باللسان: إذا لم تنجح المرحلة السابقة، فيجب اللجوء إلى المرحلة اللسانية. قل: يا أخي، يا زميلي، لماذا لا تصلي؟ يا أختي، يا زميلتي، لماذا لا تحسنين ربط حجابك؟ تبدأ هذه المرحلة أولاً باللسان الليّن والوعظ والإرشاد والاستدلال، وصولاً في النهاية إلى اللسان الحاد والكلام الغليظ وحتى التهديد. بل إن بعضهم يرى جواز الشتم إن كان يرتدع به.
ما ذُكر هو نوع من المرثاة، إذ يكفي أن نضع آيات القرآن الكريم النيّرة، وتوجيهات نبي الإسلام العظيم الشأن والأئمة الأطهار حول تزكية البشر وتعليمهم وتربيتهم، إلى جانب هذه الأساليب لندرك وهنها.
المرحلة الثالثة- الضرب: إذا لم يحدث التغيير عبر تنفيذ المرحلتين الأوليين، فيجب منع الفرد بالضرب حتى لا يرتكب الفعل المحرم مجدداً ولا يبقى غير مكترث بالواجبات. بعبارة أخرى، يجب التعامل معه بالقوة القاهرة، فمثلاً، إذا كان قرب غروب الشمس وأراد الخروج من المنزل دون أن يصلي، فيجب منعه من الذهاب حتى يصلي. المنع، والدفع، والحبس، والربط، والضرب هي من الأساليب المستخدمة في هذه المرحلة لإجبار الفرد على مراعاة الواجبات وترك المحرمات.
المرحلة الرابعة- التجريح.
المرحلة الخامسة- القتل.
حتى نهاية المرحلة الثالثة، لم يقع أي خلاف بين علمائنا، وبالطبع لا خلاف في أصل وجوهر المرحلتين الرابعة والخامسة أيضاً، بمعنى أنه إذا استمر الفرد في معصيته يمكن تجريحه، وإذا لم يهتدِ بعد ذلك أيضاً، تُطَهَّر الأرض من رجس وجوده ويُقتل. وعلى هذا الأساس، فإن ترخيص تنفيذ المراحل الثلاث الأولى قائم على الدوام، لكن ثمة خلاف بين الفقهاء بشأن تنفيذ المرحلتين الرابعة والخامسة: قلة قليلة تقول إن هاتين المرحلتين خاصتان بزمن حضور الإمام وبإذنه، ونسبة ضئيلة تعتقد أن ترخيص هاتين المرحلتين متاح أيضاً للآمرين والناهين، لكن أكثر الفقهاء يعتقدون أن تنفيذ المرحلتين الرابعة والخامسة مشروط بالحصول على إذن الفقيه والمجتهد.
وفي كتب الفقه ذكروا شروطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: منها مثلاً أن يكون عالماً بالمعروف والمنكر، وأن يعلم أن الأمر والنهي مؤثران (وعلى هذا الأساس، إذا كنت تعلم أن مرحلة ما، كالمرحلة اللسانية مثلاً، لا تأثير لها، ومهما قلت لا يؤثر فيه، فعليك أن تكف عن تلك المرحلة وتنتقل إلى المرحلة التالية، أي الضرب! إلا إذا كنت عاجزاً عن تنفيذ هذه المرحلة). ومن الشروط الأخرى الإصرار على ارتكاب المعصية، فإذا تاب أحد وندم، فلا ينبغي أمره ولا نهيه بعد ذلك، كما أن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب ألا يؤدي إلى مفسدة وضرر يلحق بالآمر والناهي نفسه وسائر المؤمنين.
وبناءً على ما تقدم، نخلص إلى أن المسعى الذي يقوم به بعض المتولين للشأن الفقهي وبعض الأفراد المتعصبين لمكافحة ما يسمونه بالمنكرات، إنما ينبع تماماً من النصوص الفقهية، ولهذا السبب لا يُتَّخذ أي إجراء بحق الآمرين والناهين الذين يتسببون في جرائم وجروح في أنحاء البلاد، لأنه يدّعي أنه نفذ الحكم الفقهي. لماذا نوجه انتقادات في غير محلها إلى المحاكم؟ المحكمة لا تملك صلاحية التعامل معهم لأن المتهمين تصرفوا وفقاً للفقه، لذا ينبغي التوجه إلى أصل المشكلة، أي التوجه إلى التبيين الخاطئ لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النصوص الفقهية التقليدية، والنظر إلى المسألة بشكل جذري في الأوساط العلمية والبحثية، وإنقاذ الناس من التقاتل فيما بينهم.
ولكي يكون حديثي موثقاً، سأقرأ الجزء ذا الصلة من كتاب «الجامع العباسي» للشيخ البهائي، والذي كُتب أيضاً باللغة الفارسية.
نص كتاب «الجامع العباسي» الفقهي:
مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي جزء من كتاب الجهاد! نفس الجهاد الذي يعني نشر الإسلام بالسيف في جميع الأراضي. نص الكتاب:
«في بيان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اعلم أن الأمر بفعل الخير الواجب كالصلاة الواجبة، واجب [أي إذا كان شخص مثلاً لا يصلي، يجب أن نأمره بأن يصلي]، وبفعل الخير المسنون [أي المستحب] كالصلاة المسنونة، سنة، والنهي عن فعل المنكر أي القبيح كالزنا واجب، والنهي عن فعل المكروه سنة، وفي كليهما ثواب كثير [أي إذا لم تغطِّ سيدة في المكتب رأسها جيداً، فثواب!! عظيم أن تقول لها غطِّي رأسك، وإن لم تقل فقد أثمت، لأن الواجب وفقاً لهذه الرؤية هو الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات الشرعية] ووجوب الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن المنكر إجماعي، وليس لأحد من المجتهدين في وجوب هذين خلاف [أي اختلاف] [أي كما قلت، هذا رأي عموم الفقهاء] ولكن الخلاف في أن وجوب هذا هل هو بحسب العرف أم بحسب الشرع؛ الأقوى هو القول الثاني، وكذلك بين المجتهدين خلاف في أنه هل هو واجب كفائي إذا قام به جمع سقط عن الآخرين، أم واجب على الجميع، ذهب بعضهم إلى الأول وبعضهم إلى الثاني؛ بمعنى أنه متى ما أمر الشخص بالمعروف ونهى عن المنكر ولم يقبل ذلك الشخص، وجب على الآخرين أيضاً القيام به، حتى يقبل. الأقوى هو القول الثاني [أي إذا ذهبتم إلى معسكر وكان هناك شخص لا يصلي، فقلت له صلِّ فلم يصلِّ ولم يمتثل، ففي هذه الحالة لا يسقط عن الآخر، ويجب على الشخص الثاني أن يقول، وكذلك الثالث والرابع يجب أن يقولوا حتى يُضطر إلى الصلاة] ولا يجب إلا باجتماع خمسة شروط. الأول: أن يكون الآمر بفعل الخير والناهي عن فعل الشر عاقلاً بالغاً. الثاني: أن يعلم أن فعل الخير خير وفعل الشر شر حتى يأمن من الغلط. الثالث: أن يعلم أنه إذا أمر أو نهى أثَّر في ذلك الشخص، فإن لم يؤثر لم يجب. الرابع: أن يكون ذلك الشخص الذي يريد ترغيبه في فعل الخير أو نهيه عن فعل الشر عازماً على فعل الخير وترك فعل الشر [أي أن يكون مصراً على المعصية وغير نادم] فإن كان قد تاب لم يجب أمره أو نهيه. الخامس: ألا يستلزم الأمر بفعل الخير والنهي عن فعل الشر ضرراً عليه أو مفسدة له أو ضرراً للمسلمين، فإن استلزم ضرراً أو مفسدة لم يجب [أي إذا كان شخص لا يصلي، أو امرأة لا تغطي رأسها، وتريد أن تضربه، فإن شعرت أن هذا الفعل منك يؤدي إلى المقابلة بالمثل، فلا تفعل] وبعد تحقق هذه الشروط، متى علم الشخص أنه بمجرد إظهار الانزعاج يترك، وجب عليه إظهاره، وكذلك إن علم أنه لا يرتفع بإظهار الكراهية بل يرتفع بالابتعاد عنه، وجب عليه الابتعاد عنه، وإن علم أنه لا يرتفع بهذه حتى يصرح باللسان، وجب عليه التصريح باللسان، بأن يعظه وينصحه بلين، فإن لم يرتفع باللين تكلم بكلام خشن حتى يترك، وإن علم أنه لا يرتفع بذلك، وجب عليه ضربه، وإن علم أنه لا يرتفع بالضرب واحتاج إلى أن يجرح عضواً منه أو يقتله، فهل يجوز بغير إذن الإمام أم لا؟ السيد المرتضى رحمه الله على أنه يجوز بغير إذن الإمام، والأصح أنه محتاج إلى إذن الإمام ... جامع عباسي ص 162».
كان هذا تعريفاً إجمالياً بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المتون التقليدية، ونحن اليوم بصدد دفع تكاليف هذا التفسير للمسألة لأنهم يعملون به ولو بشكل مخفف.
شرح التصور الثاني- آيات الأمر بالمعروف! تتضمن إبلاغ مصدر ديني جديد هو العقل:
والآن في الجزء الثاني، أشارككم تبييناً جديداً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعونة آيات القرآن النيرة. وهذه بالطبع نظرية توصل إليها صديقكم المملوء تقصيراً بمعلوماته القليلة، ولعل الأساتذة الكرام يفحصونها فيكتشفون أن بها نواقص أو أنها خاطئة من الأساس، لكن سعيي كان أن تتمتع بدقة أولية، وإن كنت لا أخفي أنها بحاجة إلى مزيد من العمل.
في القرآن، ورد تركيب الأمر أو النهي مضافاً إلى المعروف أو المنكر حوالي اثنتي عشرة مرة، وورد ثلاث مرات أخرى ارتباطها ببحثي اليوم أقل.
آيتان من هذه الآيات الاثنتي عشرة تعودان إلى العهد المكي؛ أول آية نزلت [استناداً إلى استخراج كتاب «سير تحول القرآن» للمهندس بازركان] تتعلق بشخص النبي الكريم نفسه، وهي الآية 199 من سورة الأعراف: «خُذِ العَفوَ وَأْمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ». والآية الأخرى التي نزلت في مكة هي الآية السابعة عشرة من سورة لقمان، وهي من وصايا لقمان لابنه: «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُر بِالمَعرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ».
أما الآيات العشر فتعود إلى العهد المدني. ثلاث من هذه الآيات العشر وردت في سورة آل عمران، وهي الآيات 104 و110 و114؛ وثلاث آيات في سورة التوبة، وهي 67 و71 و112؛ وواحدة في الأعراف 157 (إضافة إلى تلك التي نزلت في مكة)، وواحدة في المائدة 79، وواحدة في النساء 114، وآية في الحج 41.
آل عمران 104: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ».
الآية 110: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»، ثم يتابع قائلاً إنه لو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم: «وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ».
سورة الحج 41: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ». ثمة ملاحظة لافتة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي اقترانها بذكر الصلاة والزكاة.
الاعتماد على الأحكام العقلية، تُحفة القرآن في زمن الخاتمية:
عندما ننظر إلى الآيات، نشعر أنها تحمل رسالة جديدة، رسالة مختلفة؛ وكأنها تتميز بفارق ذي دلالة عن سائر آيات القرآن. أود الآن أن أقيم صلة بين هذه الآيات، أي آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وموضوع خاتمية النبي الكريم. ونظراً لأهمية هذا الأمر وحساسية المسألة، ينبغي التقدم خطوة بخطوة، وفي هذا السياق سنبدأ بدراسة المصطلحات، فنعرّف كلمات المعروف والمنكر والأمر والنهي.
معاني الكلمات واستعمالاتها:
لنبدأ أولاً بالمعروف، فالمعروف والعُرف واحد لا فرق بينهما. يقول كتاب مفردات الراغب: «المعروف اسمٌ لكلِّ فعلٍ يُعرَفُ بالعقلِ أو الشرعِ حُسنُهُ، والمُنكَر ما يُنكَر بهما»؛ أي أن المعروف اسم لكل فعل يُعرف حسنه وجماله بالعقل أو بالشرع. إذن فقد قال أبرز معجميِّي القرآن إن المعروف فعلٌ يدرك العقل حسنه أو يدركه الشرع. والآن لنستعرض التفاسير، وقد اخترت أبرزها وهما مجمع البيان والكشاف؛ فهذان المفسران كانا مفسرَين وأديبَين ويعرفان المفردات جيداً. يقول الطبرسي صاحب مجمع البيان في شرح الآية 104 من سورة آل عمران: «المعروف ما يُعرَفُ حُسنُه عقلاً أو شرعاً والمُنكر ما يُنكرهُ العقلُ أو الشرع»: كل ما يؤيد العقل أو الشرع حسنه يصبح معروفاً. وفي تفسير الآية 157 من سورة الأعراف يقول: «والمَعروف الحقُّ والمُنكَر الباطلُ لأنَّ الحقَّ معروفُ الصحةِ في العقول والباطل منكرُ الصحةِ في العقول»: المعروف والمنكر هما الحق والباطل، لأن الحق صحته معروفة لدى العقول. وكما لوحظ هنا، لم يعد يُذكر الشرع، بل صار معيار التشخيص هو العقل. وفي الآية 17 من سورة لقمان يقول: «فإنَّ المَعروف ما يَدعو إليهِ العقلُ والشرعُ والمُنكر ما يزجر عنه العقلُ والشرع»: المعروف ما يدعو إليه العقل والشرع، والمنكر ما يبعدان عنه. شيئاً فشيئاً سنكتشف سر ارتباط الأمر بالمعروف بالخاتمية. وفي تفسير الآية 199 من سورة الأعراف يقول: «وأمُر بالعُرف أي بالمعروف، وهو كلُّ ما حَسُنَ في العقلِ فعلُهُ أو في الشرع»: كل ما يحسن فعله في نظر العقل! أو الشرع، يصبح معروفاً؛ لاحظوا أنه في المتابعة يطرح فقط مسألة العقل والعقلاء ولا يذكر شيئاً عن الشرع: «ولم يكن منكراً ولا قبيحاً عند العقلاء»: وألا يكون منكراً وقبيحاً عند العقلاء!. وفي شرح الآية 12 من سورة الممتحنة يقول: «وَالمَعروف نقيضُ المُنكَر وهو كلُّ ما دلَّ العقلُ والسمعُ على وُجوبِهِ أو ندبه»: المعروف نقيض المنكر، وهو كل ما دل العقل والسمع/الوحي على وجوبه أو استحبابه. ربما يثور سؤال: لماذا نستخرج العقل من باطن المعروف هكذا، أليس من الأفضل أن يُذكر العقل مباشرة؟ يتابع في بيان وجه تسمية المعروف! وارتباطه اللغوي بالعقل: «وسُمّي معروفاً لأنَّ العقلَ يعترفُ به من جهة عظم حسنهِ ووجوبه»: سُمي المعروف معروفاً! لأن العقل يعترف! بحسنه ووجوبه، فيصبح معروفاً. المعروف وليد اعتراف العقل بحسن ذلك الفعل والعمل. لقد شرح ذلك بوضوح وشفافية.. ويقول الزمخشري في الكشاف: «كلُّ ما سكنت إليهِ النفسُ وأحبتهُ لحسنهِ عقلاً أو شرعاً من قولٍ أو عملٍ فهو معروفٌ، وما أنكرته ونفرت منه لقبحهِ فهو منكر.
وأما الأمر: إحدى العقد في تفسير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي لماذا وجود "الأمر" (إصدار الأوامر والتعليمات) في الموضوع المطروح. وفي مقام بيان سبب هذا الاختيار من قِبل القرآن، ينبغي العلم بأن الضغط والتركيز في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينصبّان على المعروف والمنكر، أي أن النقاش يدور حول التعريف بالمعروف والمنكر ولفت الانتباه إليهما، لا على الأمر والنهي!؛ لأن الناس في ذلك العصر (على عكس اليوم حيث تتنوع بينهم أساليب التعبير وعرض السبل والإرشاد، أما هم) فقد كانت حياتهم الفردية والاجتماعية تمضي بالأمر والنهي، ومن هنا يقول: لتتجه أوامركم ونواهيكم هذه التي تصدرونها لبعضكم بعضاً من الآن فصاعداً نحو المعروف والمنكر، أي نحو الأعمال العقلائية والمستحسنة لدى العقل، أي ليكن اتجاه سهم الأمر والنهي من الالتفات إلى الخصائص الجاهلية والرسوم الجاهلية والعصبيات الجاهلية والحروب القبلية المتوالية ونزعات التفوق العرقي والتمييزات الجائرة (بين الرجل والمرأة، والحر والعبد) والتضحيات، نحو الالتفات إلى الأمور العقلائية والإنسانية والاجتناب عن الأمور الجاهلة والمنافية للعقل. لا أعتقد أنه مع هذا التفسير، تبقى ثمة عقدة في مواجهة الأمر بالمعروف ويواجه أحد إشكالاً معه، لأنه يعني تحول الأمر نحو ما يستحسنه العقل والنهي عما يستقبحه العقل. آنذاك لم تكن لديهم مشكلة أساساً مع أدبيات الأمر والنهي، واليوم أيضاً لو قلنا إن الأوامر والنواهي ينبغي أن تدور على مدار العقلانية وتشخيص عقلاء القوم، فلن تبرز مشكلة أيضاً. ونتيجة لذلك، فالأمر، سواء بمعنى الإمارة وإدارة القبيلة والمجتمع أم بمعنى التعليمات والأوامر، ينبغي أن يتجلى في الالتفات إلى الأمور العقلية المعروفة (والشرعية التي كان يقول بها النبي)، وفي الواقع ينبغي للأمر أن يتحول من الاهتمامات القومية والقبلية والرسوم والتقاليد القبيحة وغير العقلانية وغير المنبثقة عن التشخيصات الصائبة، إلى الاهتمامات القرآنية والعقلية.
وفقاً لآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان الناس حتى عصر الخاتمية يتلقون أمرهم ونهيهم الديني من السماء، أما الآن في عصر الخاتمية حيث أُهديت الأمة هدية جديدة، فيقول: لا تبقوا على الدوام في انتظار السماء والوحي لتتلقوا الأوامر والنواهي وأحكام الحياة من الأعلى بواسطة الأنبياء!؛ من الآن فصاعداً ينبغي لكم أن تديروا حياتكم بالرجوع إلى أحكام العقل، وأن تشرّعوا شريعة أرضية. أي أن مصدر الشرعية حتى زمن ختم النبوة بالنسبة للمتدينين كان الوحي فحسب، ومن هذا التاريخ فصاعداً، وفقاً لآيات الأمر بالمعروف، أُبلغت ضرورة الالتفات إلى مصدر العقل، أي أنه يريد أن يقول: كفى انتظاراً لتبليغ الأوامر والنواهي وأحكام الحياة من قِبل النبي والشريعة السماوية، واجعلوا من الآن فصاعداً ما شخّصتموه أنتم بأنه لائق ومستحسن وصائب هو عينه معيار الحياة. من الآن فصاعداً قوموا أنتم بالتشريع، ولتكن أوامركم ونواهيكم الإدارية والاجتماعية بناءً على تشخيصكم أنتم.
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ردّتا فعل متزامنتان: الأولى، ردّة فعل تجاه المصدر السماوي للتشريع، وكما قلت فإن المراد هو أنكم لستم مضطرين لأخذ الأمر والنهي حتماً من الوحي والمصدر السماوي، بل يمكنكم، بل ينبغي لكم، أن تأخذوه من مصدر أرضي، أي بتشخيص عقولكم. والأخرى، ردّة فعل تجاه قبائح المجتمع المتشبع بالجاهلية، وتقول: من الآن فصاعداً ليكن أمركم ونهيكم للأشياء اللائقة والمستحسنة، لا للأشياء القبيحة والحَمقاء الجاهلية.
النقطة الأخيرة التي ينبغي أن أقولها في توضيح "الأمر" هي أن الأمر في اللغة العربية له معنيان: أحدهما بمعنى إصدار الأوامر والتعليمات، والآخر بمعنى الإمارة وممارسة الحكم. أشعر بأن كليهما كامن في داخل آيات الأمر بالمعروف، لأنه في ذلك الزمان كان الأمر والنهي بمعنى التعليمات والأوامر من سنخ واحد مع الأوامر الحكومية والإمارة، بل كانا شيئاً واحداً، لأنه نظراً لانعدام الحكومة والدولة ووجود القبائل ونظام الأكبر والأصغر في ذلك الزمان، فإن الآمر والناهي كانا واحداً في كلتا الحالتين (سواء في العلاقات الفردية أم في الحكم القومي القبلي)، ولهذا السبب فإن كلمة الأمر في اللغة العربية تعني كلاً من التعليمات والأوامر، وتعني أيضاً الإمارة والحكم.
لذلك، وبناءً على ما قيل في تعريف "المعروف" وتبيين "الأمر"، نستنتج أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي الأفعل ولا تفعل، والتعليمات، والأوامر، وكذلك الإمارة والسياسة والحكم، ينبغي أن تُنظّم بناءً على القيم والأحكام العقلية والمنطقية وتشخيصات الإنسان نفسه.
دراسة الآيات- آيات الأمر بالمعروف، مع بدء ختم النبوة، تسعى إلى تقديم مصدر ديني جديد ألا وهو العقول البشرية:
والآن، وبالنظر إلى المعاني اللغوية المذكورة والتعريفات التي قُدّمت، نتوجّه إلى الآيات. في هذه الآيات، يبدو أن القرآن يسعى إلى تقديم مصدر جديد للتشريع والقانون، وكأنه مع بداية ختم النبوة، يسعى إلى تقديم مصدر بديل في ظل غياب الوحي. وكأن ثمة علاقة بين الخاتمية وهذا المصدر، أي العقل البشري. بالأمس كنّا نخاطبكم بمصباح من الخارج ونضع الطريق أمام أقدامكم، أما من الآن فصاعدًا ينبغي أن تبلغوا هذا الأمر المهم بإلهام من المصباح الداخلي. يقول الإمام موسى الكاظم لهشام: يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول. لله حجتان وطريقان للتواصل مع الناس: حجة ظاهرة وحجة باطنة/داخلية؛ الحجة الظاهرة هي الأنبياء والرسل والأئمة، والحجة الباطنة والداخلية هي العقل البشري.
والآن، لنرَ بالإضافة إلى التعريفات والتبيينات اللغوية التي أوردناها لمفردات آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما هي الأدلة والإشارات الأخرى التي تؤيد العلاقة بين الخاتمية وتقديم العقل كمصدر إلهي جديد للتشريع، في هذه الآيات:
*مقدمةً، نعلم أنه بظهور النبي الكريم أُغلق دفتر النبوة، ومن الطبيعي أن يُتوقع أن يكون في هذا الدين الخاتم قد طُرح مشروع جديد.
*جميع هذه الآيات تتعلق بأمة محمد فما بعد. وكأن البشر حتى ذلك الحين لم تكن لديهم الأهلية، أو كانوا ينتظرون السماء فحسب.
*وتأييدًا لكونه جديدًا ومختصًا بمرحلة ختم النبوة، يمكن الإشارة إلى الآية 79 من سورة المائدة التي تنتقد غياب النهي عن المنكر بين الأقوام السابقة، وتعتبرهم ملعونين على لسان داود وعيسى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ؛ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
*ومرة أخرى، تأييدًا لحداثة هذا المصدر وعدم استخدامه بين الأنبياء السابقين، يمكن الإشارة إلى لقمان الحكيم!!. كان لقمان حكيمًا وخردمندًا، وليس من المعلوم إن كان نبيًا، وإن كان نبيًا فإن وجه حكمته هو الأبرز، ولهذا اشتهر بلقمان الحكيم. هو نفسه كان حكيمًا وخردمندًا، واعتمادًا على هذه الصفات، يوصي ابنه أيضًا بأن يصلح المجتمع من خلال تعزيز العقلانية ونمو الإنسان نفسه، أي الأمر بالمعروف: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
*في الآية 110 من سورة آل عمران، ذُكر اختصاص هذا الموضوع بأمة النبي بشكل شبه صريح؛ تقول هذه الآية: كونوا خير أمة (أو أمة خيرة) أُخرجت للناس؛ والتي سوف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
*إن فلاح المؤمنين بالدين الخاتم رُهِن بتعيين واختيار جماعة متخصصة للدعوة إلى الخير ولحكومة المعروف!: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
*المنافقون الذين يعملون بخلاف باطنهم وخلاف نداء ضميرهم الداخلي الطاهر، يطبقون المعروف والمنكر بالعكس! يأمرون بالمنكر وضد القيم، وينهون عن المعروف والقيم والأحكام العقلية، ولأنهم يفعلون ذلك ينسون الله فينساهم الله. الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (التوبة 67).
*إن فعل المعروف والتحذير من المنكر في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يُعلّق على نزول آيات أخرى لتعيين مصاديق المعروف والمنكر!! لأن العقل نفسه والإنسان نفسه هو الذي سيُشخّصها، وهذا بحد ذاته يعبر جيدًا عن استقلال المعروف وتشخيصات العقل عن الوحي والتشريع السماوي.
*في أول آية نزلت بشأن الأمر بالمعروف في السنة العاشرة للبعثة، كُلِّف رسول الله شخصياً بأن يكون في حياته مأموراً بالعُرف وبالتدابير العقلائية؛ لأن دينه الذي سيؤسس لاعتبار حكم العقل في تمييز خير الحياة المؤمنة وشرها، وسيؤسس لشريعة عقلانية، لا بد أن يتصف هو به أولاً: خُذ العفو وأمُر بالعُرف و أعرض عن الجاهلين (الأعراف 199).
*إن ما يميز أتباع الدين الخاتم عن أتباع الأنبياء السابقين هو انتظامهم تحت راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
*وكما أوضحت في شرح المفردات، ينطوي لفظ «المعروف» على ضرورة الرجوع إلى الذات، والاعتبار الشرعي لتشخيص العقل، ومن ثم نشوء شريعة أرضية بمعونة الرسول الباطن.
مصدرية العقل وتشخيص الإنسان:
الدين والشريعة بمعنى القانون. هذا الدين، حتى حياة النبي الأكرم وظهور الإسلام، كان يُشرَّع ويُوضع من السماء بمعونة الوحي، ومنذ ذلك الحين فصاعداً، حيث تعلقت إرادة الله بإغلاق نافذة الوحي التشريعي وأُغلق دفتر النبوة، جرى التقدير على أن يخرج البشر، خليفة الحق تعالى هذا، نفسه من الماء، أي بالرجوع إلى الاستعدادات الكامنة الكثيرة المودعة في باطنه، يشرع في إنتاج قوانين معقولة متناسبة مع الزمان والمكان والظروف، إلى جانب ثوابت دين الإسلام والشرائع السابقة. ويمكن توجيه وتفسير الآيات المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي من مختصات الدين الخاتم، في هذا السياق ذاته. إذن فالمعروف في الجانب الاجتماعي يعني ما يصوّبه عقلاء الناس المنتخبون ويؤدي إلى طمأنينتهم. المعروف يعني القوانين والأحكام والمقررات التي يكتبها الإنسان. المعروف يعني تشخيصات الإنسان من أجل حياة أفضل. وعليه فإن أرضنة الشريعة هي مشيئة الله ومطابقة للآيات القرآنية. هذه الشريعة والدين المعروف والعرفي يتطابقان تماماً مع الدين القيّم والثابت الذي أُبلغ في آية الفطرة: فأقِم وجهک للدین حنفیا فطرة الله التی فطر الناس علیها لا تبدیل لخلق الله ذلک الدین القیّم (سورة الروم آية 30) وفيه يُعرِّف منبع الدين الثابت الذي لا يتغير ولا يبلى بأنه باطني.
كان الوحي منبعاً خاصاً بزمن الأنبياء، والعقل منبع زمن ما بعد الخاتمية. الوحي والعقل يُعدّان منبعين فوارين للتشريع، وبتعبير آخر فإن مصادر الوصول إلى حكم الله ومشيئته اثنان: الوحي والعقل. الأول كان أكثر فاعلية في زمن الأنبياء، والثاني في زمن الخاتمية فصاعداً.
أدلة تجديد الشريعة من قبل الإنسان نفسه (أدلة حجية العقل):
والآن أسوق تأييدات على كون العقل وتشخيصات الإنسان مصدراً. لماذا ينبغي ألا نخاف من أن الإنسان نفسه يمكنه أن يؤسس شريعة أرضية؟
أولاً- لأن الإنسان خليفة الله: إنی جاعل فی الأرض خلیفة. ثمة حديث عن النبي (ص) يمكن اعتباره في هذا السياق ذاته: من أمر بالمعروف و نهی عن المنکر فهو خلیفة الله فی أرضه و خلیفة رسوله و خلیفة کتابه (تفسير الكشاف وتفسير مجمع البيان آية 104 آل عمران). هذا هو الدليل الأول على تجديد الشريعة، أن الإنسان خليفة الله ولا ينبغي الاستهانة بهذا القول.
ثانياً- أنه نُفخ في الإنسان من الروح الإلهي: وَ نَفخت فیهَ مِن روحی. لا بد أن يظهر أثر هذه النفخة في موضع ما. إذا كنا واجدين للروح الإلهي، فيمكننا إذن أن نستفيد منه لوضع القوانين والتشريع.
ثالثاً- لزوم الاتصاف بالصفات والأفعال الإلهية. إذا كان الله يبلغ الدين والشريعة والقانون، فالإنسان أيضاً من باب وجوب اتصافه بصفاته وأفعاله سيكون واجداً لهذه القابلية.
رابعاً- نحن نملك نبياً باطناً. نحن البشر خُلقنا على نحو يوجد في باطننا رسول باطن، ومن خلاله يمكن الوصول إلى مشيئة الله.
خامساً- ختم النبوة وبدء الحقبة التي لا نبي فيها ظاهرياً.
سادساً- إذا لم يكن لدينا مصدر ثانٍ لتجديد الشريعة يُدعى العقل وتشخيص الإنسان نفسه، فإن وضعنا سيصبح أسوأ مما كان عليه قبل ختم النبوة؛ لماذا؟ لأنه في عهد الأنبياء السابقين كان يظهر نبي، ويمر زمن طويل، ثم يُحرَّف دينه، كما كانت تظهر قضايا جديدة في المجتمع، وكان الأتباع لا يزالون يعملون بناءً على أمور محرفة أو قديمة وبالية، ثم يظهر نبي جديد، فيُصلح التحريفات وتنزل آيات تتناسب مع الوضع الجديد. أما إذا لم يكن هناك مصدر آخر، فسيكون وضعنا أسوأ مما كان عليه آنذاك.
سابعاً- لقد تم قبول كون العقل مصدراً في الفقه أيضاً، لكنه للأسف لم يُفعَّل بعد. يضرب المرحوم مطهري مثالاً عن إدمان الأفيون، وأنه لا يوجد شيء بخصوص حكمه في الأدلة النقلية، ثم يقول: ولكن بالدلائل الحسية التجريبية ثبتت أضرار إدمان الأفيون ومفاسده، فنحن هنا بعقلنا وعلمنا توصلنا إلى ملاك، أي مفسدة لازمة الاجتناب في مجال الأفيون، وبحكم أننا نعلم أن ما يضر بالبشر وتكون فيه مفسدة فهو حرام شرعاً، نحكم بأن إدمان الأفيون حرام (آشنایی با علوم اسلامی، أصول الفقه ص 40).
ثامناً- قاعدة الملازمة: كُلَّمَا حَكَمَ بِهِ العَقْلُ حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ.
تاسعاً- الأحكام الإمضائية: الأحكام الإمضائية هي القوانين والأحكام الفقهية التي كانت موجودة في عصر الجاهلية، ومع ظهور الإسلام، ولأنها كانت جيدة، قال الإسلام باستمرارها. ومع هذا الوصف، هل الناس في العصر الحاضر أقل شأناً من أهل الجاهلية حتى تُمضى قوانينهم العقلائية ولا تُمضى قوانيننا العقلائية ولا تُعتبر شرعية؟.
عاشراً- آية الفطرة.
حادي عشر- الموضوعات بلا تكليف والمستجدة: إن قسماً كبيراً من حياة البشر يفتقر إلى عنوان في الموضوعات الفقهية، فمثلاً اليوم، للتأمينات المتعلقة بالسيارات ومنها تأمين الطرف الثالث دور مهم جداً في الحياة، مع أنه لم يُذكر عنها شيء في الشريعة السماوية، أو قانون التقاعد الذي تطمئن إليه الأغلبية الساحقة من الناس، مع أنه لا يوجد أي حديث عنه في الشريعة السماوية، أو إدمان المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وحكمها، والتي كما نُقل عن مطهري لا يوجد شيء عنها في المصادر النقلية. بل هناك بعض الأمور التي تغير حكمها بالنسبة للفقه الرسمي، مثل تشريح الجثة الذي يعتمد عليه علم الطب إلى حد كبير. أو بيع وشراء الدم الذي هو حرام، لكن لدينا الآن منظمة نقل الدم. في الواقع، نحن اليوم نعيش عملياً بناءً على الشريعة الأرضية وتجديد الشريعة.
ثاني عشر- تبليغ آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! وضرورة الإقبال على اعترافات العقل وأحكامه؛ وهو ما شرحناه اليوم.
أعتذر عن إضاعة وقت الأصدقاء أكثر من الوقت المقرر، وآمل أن أكون قد تمكنت من مشاركة ما كان في ذهني مع الأصدقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.