اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مراد فرهاد بور، في تفحصه للحياة الملموسة لجورج لوكاتش، أن محور فكره هو «العداء الرومانسي للرأسمالية» وكراهية الحياة البرجوازية؛ حياة يراها لوكاتش خالية من الشكل والمعنى، وهو منظور استمر حتى بعد تحوله إلى الماركسية.

جورج لوكاتش (1885-1971) فيلسوف وناقد أدبي ومؤرخ أدبي وناقد يساري مجري، يعتبر من مؤسسي الماركسية الغربية التي خلافاً لكثيرين من اليساريين الأوروبيين لم تكتفِ بالنظر النظري بل كان لها حضور مستمر وفعال في ميدان العمل، وهل يستطيع أحد أن ينكر أن الفعل في الميدان مصحوب دائماً بخطر التعرض للهجوم والنقد من كل جانب والخضوع لأحكام قاسية وبلا رحمة على القرارات والأفعال والتصرفات.
وبحسب ما نقلت وكالة إيران بلقان التحليلية الإخبارية (ايربا) عن جريدة اعتماد، فقد أصر هو بعناد على حضوره النشط، وشارك مشاركة فعالة في انتفاضة المجر سنة 1956، حتى وقع في السجن وتحمل تبعات ذلك. أكد مراد فرهادپور في جلسة "ما الفلسفة" في جامعة الشهيد بهشتي على هذا الجانب من الحياة العملية المترابطة لـ لوكاتش. وقال: "بالنظر إلى تراكم الأفكار والحجم الضخم من النظريات التي امتلأ بها العالم خاصة في أيامنا هذه، يرى لوكاتش في الواقع الجدية التي كان يسعى وراءها في التراجيديا عبر نوع من التطبيق السياسي." وفيما يلي عرض من هذا الخطاب:
إن تناول جميع جوانب الفكر عند لوكاتش غير ممكن في هذه الفرصة القصيرة. لذا سأحاول التركيز فقط على موضوع أساسي واحد من فكره. يشير إلى هذا الموضوع الأساسي في مقدمته النقدية سنة 1967 لـ "التاريخ والوعي الطبقي" تحت عنوان رومانسية مناهضة للرأسمالية. ويقوم بمهاجمة أعماله الشبابية تحت هذه المقولة أيضاً، في هذه الجملة الشهيرة التي قالها في مقابلة: "أفضل الحياة في ظل اشتراكية جديدة على الحياة في أفضل أشكال الرأسمالية." قيلت هذه الجملة في فترة الحرب الباردة وقد تبدو دعائية، لكن نقطتي هي أن لوكاتش قالها بصدق أيضاً في حياته وفعله.
الحياة الحقيقية والحياة التجريبية إذا عدنا إلى الأعمال المبكرة لـ لوكاتش، نرى أن كراهية الحياة البرجوازية وكراهية الرأسمالية في فترة كان فيها لوكاتش مفكراً كانطياً جديداً تظهر نفسها في النقاشات الأدبية. ربما أفضل تعبير عن ذلك، بعد كتاب نظرية الرواية نفسه، يكون بشكل مختصر في مقالة "ميتافيزيقا التراجيديا" حيث يطرح لوكاتش ثنائية الحياة الحقيقية والحياة التجريبية. الحياة الحقيقية هي في الواقع المحتوى الجوهري للتراجيديا، بينما يطرح الحياة التجريبية كالحياة اليومية في المجتمع البرجوازي ويسرد لها صفات هي: اللاشكلية، عدم المعنى، لا شيء يتم فيها أبداً، لا شيء جادّ فيها، توجد فيها كل الإمكانيات، في هذه الحياة بدلاً من "هذا أو ذاك" نواجه عند كيركغارد بـ "هذا وذاك"، مع خليط من المحاولات العبثية والعقيمة التي لا يفترض بها أن تصل إلى أي مكان. يضع لوكاتش هذا النوع من الحياة في تقابل جدي مع كثافة التراجيديا، حيث كما يقول بنفسه الأرواح العارية تواجه القدر العاري. ربما لكي نفحص المحتوى الظاهراتي لهذه الكراهية، يمكننا الإشارة إلى كراهية الغباء والسطحية والفساد والتدهور وعدم الانتهاء وعدم المعنى وفساد الحياة اليومية وما إلى ذلك. يشير لوكاتش إلى هذه القضية قبل هيدغر أو الوجوديين الفرنسيين بوقت طويل. من هذه الناحية ربما بخلاف كيركغارد الذي كان مهتماً به جداً، من كان قريباً منه بشكل خاص في أعماله الشبابية هو نيتشه مع نظريته عن العدمية الأوروبية. من المثير للاهتمام أن لوكاتش في أعماله الشبابية لا يشير إلى نيتشه على الإطلاق، ربما يكون السبب في ذلك قربه الفائق منه.
حياة مجرد
لكن إذا أردنا أن نجعل الموضوع أكثر تجسيداً، أعتقد أن تجربتنا في الاقتصاد والمجتمع والسياسة خلال العقدين الماضيين تُظهر هذه العملية بشكل جيد، خاصة فيما يتعلق بثقافة الطبقة الوسطى. لذا إذا أردنا أن نوفر نموذجاً موضوعياً للكراهية التي يشعر بها لوكاتش، يمكننا أن نشير إلى هذا الوضع، الأمر الذي جعل الجميع على الصعيد العالمي طفليين من الناحية النفسية، وحوّل الحيوات إلى حيوات مراهقين (teenager) لا يفكرون سوى في شراء ألعاب جديدة، وهي نوع من المحاولة لتحقيق ما يسمى الحلم الأمريكي، سواء في داخل أمريكا أو في أماكن أخرى. هذه الكراهية للحياة البرجوازية هي ما يبقى مع لوكاتش ونراها في فترات مختلفة من حياته. على سبيل المثال، ليس فقط في كتبه "الروح والأشكال" و"نظرية الرواية" في فترة عمله الفكري الأولى، بل بعد أن أصبح ماركسياً في 1918 أيضاً، وهذه التجربة في أن يصبح ماركسياً هي بمعنى ما قابلة للمقارنة مع تجربة القديس بولس على أبواب دمشق، أي أن لوكاتش تحول في أسبوع واحد من ناقد للبلشفية إلى ماركسي. لكن حتى في هذه الفترة نرى أنه عندما كان، جنباً إلى جنب مع كارل كورش والجناح الأيسر من الماركسيين الإيطاليين، يمثل نوعاً من الماركسية المتطرفة، تظهر هذه النقد للحياة البرجوازية بوضوح تام، ويطرح ظاهرة الشيوعية والنضال الشيوعي بأمثلة أدبية وتراجيدية، والحال أن قضيته الأساسية هي التراجيديا الأخلاقية وليس النضال الشيوعي. إنه يقول بنفسه إني أواجه هذه المفارقة: لتدمير الشر يجب أن يصبحوا هم أنفسهم شراً، وعليهم ليس فقط أن يتخلوا عن حياتهم بل أن يتخلوا أيضاً عن خلاصهم. هذا المحور الأساسي، أي المعارضة الرومانسية للرأسمالية (romantic anti-capitalism) في التاريخ والوعي الطبقي، يمكن رصده أيضاً كطبقة تحتية من المثالية الفشتية، أي الحماس الرومانسي والكراهية التي يظهر فيها الاشمئزاز من الفضاء الذي لا هو بارد ولا حار ولا فاتر ومعتدل. لذا في الحقيقة هذه الكراهية عند لوكاتش، رغم كل التحولات وفي بعض الحالات تنازلاته، عميقة جداً بحيث أنه رغم كل الانتقادات التي وجهها للتيار الستاليني، في النهاية يتنازل مراراً وتكراراً ويستسلم للحالة الستالينية، لأنه من جهة كان يعتقد أنه خارج الحزب سيجد مصيراً مثل كارل كورش، ومن جهة أخرى فإن الكراهية من الحياة البرجوازية هي المبدأ المحدد تماماً لفكره.
الفندق الفاخر على حافة الهاوية إذا عدنا إلى الوراء ووضعنا هذه الكراهية في سياقها التاريخي، نرى أن الكراهية من الرأسمالية ليست حصرية على لوكاتش، وخاصة في الثقافة الألمانية للأسباب ذاتها التي أشار إليها منذ زمن طويل مفكرون مثل هيغل وماركس، أي الازدواجية الناقصة الموجودة التي تقدمت كثيراً في الاقتصاد والصناعة لكنها لا تزال تعيش في الثقافة والسياسة في عصر ما قبل الرأسمالية، شهدنا هذا الفضاء من المعارضة الرومانسية للرأسمالية. هذه المسألة لها جذور عميقة جداً بحيث نرى آثارها سنوات عديدة لاحقاً عند مفكرين مثل أدورنو وهوركهايمر في نقدهم للحياة الأمريكية، أي أنه على الرغم من أن أدورنو خاصة لم يكن الإقطاعية والأرستقراطية جذابة له، وهو نفسه لم يكن من الأشخاص الذين انجذبوا كثيراً للأساطير، فعلى سبيل المثال كتب أدورنو مقالة مثيرة عن تفكيك الأسطورة في العشرينيات، مع ذلك نرى آثار هذا النوع من المعارضة الرومانسية للرأسمالية في أعماله أيضاً. ولهذا السبب يسمح أدورنو للوكاتش أن يستخدم وصفه الشهير عن مدرسة فرانكفورت وأدورنو وهوركهايمر، أي أن يقول إن مدرسة فرانكفورت هي فندق فاخر على حافة الهاوية (Grand hotel by the abyss)، أي أناس يعيشون في فندق فاخر ينظرون إلى الهاوية النيهيلية للرأسمالية والانحطاط وتدمير المجتمع. يمكن استخلاص جوانب مختلفة من هذا النظر إلى الهاوية التي هي من المفاهيم الأساسية عند نيتشه. لكن منذ عهد هيغليي العالم، غالباً ما نواجه عملية تنتهي بها الحماسة الرومانسية ضد الواقع القائم في نوع من التوفيق الثقافي في شكل عودة الكنيسة، خاصة الكنيسة الكاثوليكية، وشاهدنا نوعاً من الالتجاء إلى المجتمع التقليدي والديني المسيحي. حتى نرى أمثلة معاكسة لهذا مثل ماكس شيلر. حتى لو انتبهتم، نقطة انطلاقه مجدداً تستند إلى فهم ثقافي للتاريخ وظاهريات الثقافة، تسلسل هرمي من القيم الثقافية تقع القيم الأرستقراطية في أعلاها وقيم البرجوازية وقيم البقاء وتواصل الحياة وحتى التطور والتقدم في أسفلها. أو هايدغر الشاب الذي نقطة انطلاقه دينية وكان يدرس في البداية كعالم لاهوت. لكن كليهما يسير مسارات متشابهة إلى حد ما ومختلفة إلى حد آخر. شيلر الذي ينقلب تماماً على التسلسل الهرمي للقيم ويتجه نحو نوع من حيوية الحياة (vitalism) ويضع القيم الحيوية التي كان يسخر منها سابقاً في المقدمة، هايدغر من الواضح أنه يتجه نحو الفاشية. بطبيعة الحال مع ملاحظة أنه بعد سنة واحدة من إدراكه أن الثورة المناهضة للبرجوازية التي كان ينتظرها لا تأتي من حكومة هتلر، ينسحب بمعنى ما من الحزب لكنه يحتفظ بالنواة الأساسية للفاشية باعتبارها حركة من داخل الوسط البرجوازي والرومانسية المناهضة للرأسمالية.
بالتالي شاهدنا أمثلة مختلفة من هذه الحركة في الفضاء الألماني.
لكن بالنسبة للوكاتش نفسه، فيما يتعلق بمسألة الرومانسية المناهضة للرأسمالية وكراهيته للحياة البرجوازية، يركز تأكيدي على نقطتين. ربما نجد أفضل تعبير عن ذلك في أعماله المبكرة التي تستمر. النقطة الأخرى هي أن هذه المسألة لم تكن بالنسبة للوكاتش مسألة نظرية بحتة. نحن في هذه الحركات ذهاباً وإياباً وخلف هذه اللفتة المناهضة للرأسمالية لراحة الضمير وشكل من أشكال الالتجاء إلى أنواع من العرفان شهدنا أمثلة كثيرة منها في التاريخ خلال الخمسين أو الستين سنة الأخيرة، وأهمها الأحمد، يمكننا أن نكتشف بوضوح نوعاً من الرياء البرجوازي. هذا الهجوم على الحياة التجريبية التي لا معنى لها على المستوى اليومي مصحوباً باستخدام مواهبها هو في الواقع نوع من اللفتة الرومانسية المناهضة للرأسمالية. يمكن أن نكتشف هذا بوضوح حتى عند هايدغر الذي بقي في النهاية، رغم كل الضجيج، وأصبح بعد مدة في ألمانيا الغربية الفيلسوف الأعظم.
لكن في لوكاتش يبدو بوضوح حضور هذا الحماس الرومانسي في حياته العملية. أي أن القضية بالنسبة إليه لا تنتهي عند النظرية وحسب. ليس فقط لأن لوكاتش اختار معسكر الشرق، وذهب إلى الاتحاد السوفييتي بعد الحرب وعاش هناك، وبشكل عام تبدأ فترته اليسارية المتطرفة في الأساس بناءً على وفائه للثورة البلشفية وانحيازه إلى اللينينية بعد تلك الفترة، وظل بلشفياً أرثوذكسياً حتى نهاية حياته، وهذا أيضاً قابل للنقاش، لكن ما أراه النقطة الأساسية هو أن البعض مثل ميشيل لوي يقولون إن لوكاتش في آخر حياته عاد في منعطف نظري إلى لوكاتش الشاب وحاول إنقاذ فترته الستالينية.
المشاركة في الثورة المجرية ملاحظة أخرى مثيرة للاهتمام يشار إليها نادراً في الكتب، وهي أن لوكاتش لم يشارك فقط في ثورة مجريا سنة ١٩١٩ وثورة ألمانيا سنة ١٩٢٠ واضطر إلى الفرار بعد فشل الثورة، بل الأهم من ذلك أنه كان حاضراً في انتفاضة مجريا سنة ١٩٥٦، وهي انتفاضة تعتبر ربما بعد إضرابات العمال في برلين الشرقية سنة ١٩٥٣ أهم انتفاضة شعبية ضد الستالينية والنظام القمعي المسيطر الذي استقر في الاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية. أي أنه بعد تثبيت هذا النظام القمعي شهدنا انتفاضة جوهرية. ثورة ١٩٥٦ تشابه كثيراً ثورة تشيكوسلوفاكيا سنة ١٩٦٨ ولا تشبه على الإطلاق الثورات الحريرية الأمريكية الصنع. في الواقع، حدثت في فترة توصلت فيها كتلتا القوة إلى تفاهم ولم تتدخلا في شؤون بعضهما. لذلك تشهدون دعم ستالين للحكومات اليمينية التي تدعمها أمريكا بما فيها نظام الشاه. إلا في بعض الأماكن مثل حرب كوريا التي كانت نوعاً من الصراع بالوكالة بين هاتين القوتين، لكن في المناطق الأساسية كانت هاتا الكتلتان قد تعاملتا مع بعضهما في معاهدة طهران ويالتا وكان هناك نوع من الاستقرار السياسي قائم على هذا الأساس. لهذا السبب بالتحديد تنشأ ثورة مجريا بالكامل من الداخل، بل لا يمكن حتى مقارنتها بثورة بولندا لأنه لا يقف خلفها إصبع الكنيسة الكاثوليكية ولا إذاعة أمريكا الحرة. في عصر تشكل التكنولوجيا الرقمية لم تكن هناك ثورات حريرية وكنا نواجه حركة عمالية جوهرية تقودها قادة الحزب الشيوعي المجري، وتحدث القضية تماماً من الأعلى ومن الأسفل داخل التجربة الناشئة عن الثورة البلشفية. مع كل ذلك، رغم كل الصراخ والحديث عن التطور والتقدم والرفاه المادي وما إلى ذلك الذي يمكن رؤيته في المجموعتين، والذي في رأيي لم يكن لهما أي علاقة بالمساواة والحرية وكلاهما قائم على الخوف والسيطرة، لكن إذا أردنا أن نضع معايير القيم البرجوازية على المحك، يمكننا بسهولة جداً أن نبين أنه مثلاً في سنة ١٩٧٠ كانت حالة الناس في تشيكوسلوفاكيا فيما يتعلق بالسكن والملابس والصحة والعمل والتأمين ليست سيئة، وكانوا يسافرون إلى بلغاريا مرة واحدة في السنة! صحيح أنهم لم يذهبوا إلى نيويورك لكن كل قضية السياحة البرجوازية هي هذا بالفعل. لكن من نواح كثيرة كانت حالة الناس في تشيكوسلوفاكيا أفضل بكثير من حالة الناس في إسبانيا والبرتغال، وحتى إذا أردنا تسليط الضوء على الجانب المادي للقضية، يجب أن نتخلى عن هذه الدعايات المبسطة.
النقطة المهمة هي أن لوكاتش شارك بكل كيانه في ثورة مجريا سنة ١٩٥٦ ولم يتردد للحظة واحدة وكان عليه أن يدفع ثمن ذلك، لأن هذه الثورة أيضاً مثل كثير من الثورات الأخرى قد تم قمعها بالقوة والدبابات الروسية، واعتقل لوكاتش أيضاً وقضى حوالي سنة في السجن وكان احتمال إعدامه قائماً، وأعدموا كثيرين آخرين، أناساً كانوا في الوزارة التي كان لوكاتش فيها وزير التعليم. وبعد ذلك مرّ بفترة طويلة من الحبس المنزلي واستغرق الأمر 10 سنوات حتى سُمح له بالعودة إلى الحالة الطبيعية وأن يدرّس وأن يعود عضواً في الحزب من جديد. وبالتالي نرى أنه حتى لو أردنا النظر إليه من منظور رومانسي، حدث قفزة واختيار وتضحية بين الخيارات في سنة ١٩٥٦ أيضاً، ولا يقتصر الأمر كما يقول لوي على نهاية حياته، وليس محض نظري.
يبدو لي أن هذا الجانب العملي من حياة لوكاتش مهم جداً، أي بسط الرومانسية المناهضة للرأسمالية وفصل لوكاتش ليس فقط عن أدورنو ومدرسة فرانكفورت بل أيضاً قبل ذلك بكثير عن رموز الشعبوية اليمينية مثل هايدجر أو حتى بمعنى معين شيلر.
أمل الخلاص النقطة الختامية أن كراهية لوكاتش واستمراره والانتقال إلى الماركسية يمكن أن ترى في الانتقال من الثقافة والنظرية إلى الثورة، وبالتالي فإن لوكاتش نقل هذه الكراهية كما رأينا إلى حياته وعمله وفعله؛ أمر نادر جداً وقليل في هذه الأيام. لكن في الوقت نفسه، عندما ننتبه أيضاً إلى محتوى هذا الاختيار، حتى لا يمكن أبداً أن نأخذ طرفي هذا الاختيار بشكل شديد الرسمية معاً، أي إذا كان الحديث عن عزم راسخ، فإن هايدغر على خلاف لوكاتش الذي ينتقد هذه اللعبة الرومانطيقية، يتحدث كثيراً جداً عن هذا الموضوع، هايدغر يتحدث باستمرار عن الاختيار مقترناً بالعزم الراسخ. لكن النقاش الحالي هو ما إذا كان يمكن توحيد هذين في إطار مفهوم أرندتي للتوتاليتاريانية والقول إن كليهما ينفران من الفردانية البرجوازية وحقوق الإنسان وحقوق النساء والحداثة، وكلاهما ذكوري السلطة وأبوي، وكلاهما ينضم إلى الحركات الجماهيرية. في الوقت الحالي لا أريد أن أفعل هذا لأنني أعتقد أنه في السنوات الأولى من الثورة الأكتوبرية كانت النساء أكثر حرية بكثير من النساء اللاتي يعشن اليوم في الدنمارك. لهذا السبب أعتقد أنه إذا استخدمت مقارنة جيجيك القائلة بأنه حتى في روسيا كانت التطهيرات تجري على أساس المحاكمة والاعترافات وما يسمى الحصول على موقف العقلانية والعدالة. هذه نقطة أساسية. أي أن المحققين والمدعين العامين في روسيا الشيوعية كانوا يصرون على الحصول على اعترافات بالتأكيد وإقامة محاكمة شكلية. لكن إذا قارنا هذا بالتصور القائل بأن النازيين في ألمانيا كانوا يريدون محاكمة اليهود أو الغجر أو الشيوعيين أو معارضيهم، فإن سخف فكرة المحاكمة في ألمانيا عام 1936 يوضح هذا الفرق بشكل جيد. فرق أختتم شرحه الأعمق بالإشارة إلى جملة من ألبرتو توسكانو. كتب مقالة عن السياسة بطريقة تراجيدية ويقول إن مفهوم التراجيديا الذي كان في الأصل نقطة انطلاق نقاشنا ربطوه بتجربة روسيا بعد الثورة الشيوعية، لكنهم يطرحون هذه التراجيديا بطريقة لا نواجه فيها سوى حد ومقدار المعاناة والألم الذي نجم عن ذلك، بل لا نواجه العقلانية المختبئة في حد ذاتها في هذا الطموح التاريخي. نحن نواجه عمق الكارثة، لا آمله بالخلاص؛ أمل قد يكون لوكاتش نفسه أيضاً، لو أنه قرأ كافكا أكثر بدلاً من توماس مان، كان يستطيع أن ينقذ بتلك الجملة المشهورة عنصر التراجيديا من فكره، حيث يقول كافكا إن هناك أملاً لكن ليس لنا، ويظهر أنه حتى بعد التجارب المحددة وإخفاقاتها وحتى بعد الفشل الكامل للمشروع برمته كما قد يكون فيبر قد تنبأ به وقد يحدث تماماً، لا يزال من حق أي إنسان عاقل وكلي التفكير آخر أن يفضل هذا المشروع الخلاصي على المستنقع الذي يحكم اليوم العالم بأسره.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با وجود همه ی احترامی که برای آقای فرهادپور قائلم باید بگویم یکی از بی سر و ته ترین سخنرانی هایی بود که تا حالا شنیده بودم. واقعا چقدر از این سخنرانی درباره ی موضوع آن بود؟