اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ليست الفلسفة مجموعة من الأسئلة المجردة، بل هي حاضرة في نسيج حياتنا اليومية. ولأننا لا نستطيع الفرار من التفكير، ينبغي أن 'نُحسن التفكير' ونختبر معتقداتنا بمعيار البحث عن الحقيقة والتزام الدليل.

عادةً عندما نسمع أسماء العديد من التخصصات الجامعية كالكيمياء والرياضيات والطب والتاريخ وعلم النفس والإلهيات وأنواع الهندسة، تتشكل في أذهاننا صورة عن وظيفتها وفائدتها فنسأل فوراً عن وضعها الوظيفي ومدخولها. لكن غالباً عند سماع اسم الفلسفة، تستقر علامة استفهام في ذهننا تقود إلى السؤال عن وظيفتها وفائدتها! أحياناً أيضاً تكون صورتنا الذهنية عن الفلسفة أنها مجموعة من الأسئلة الكبيرة والصعبة والمجردة والبعيدة عن الحياة، وبناءً على ذلك لا يسعنا إلا أن نصدر حكماً بعبثيتها وعدم جدواها!
في هذه الكتابة أسعى إلى تتبع حضور الفلسفة، أي الأسئلة والمعتقدات الفلسفية، في نسيج حياتنا، ومن خلال ذلك أقدم الفلسفة لأولئك غير الملمين بها أو غير المهتمين. بالطبع، هذه الكتابة ليست إبداعاً وليست جذابة على الأرجح، لكنني حاولت أن تكون واضحة بحيث يتحفز القارئ لأخذ أسئلته الفلسفية في الحياة على محمل الجد وألا يعتبرها غريبة عنه. جدير بالذكر أن هذه الكتابة هي مدخل أولي وتقدم صورة إجمالية عن الفلسفة يمكنها أن تُظهر أهمية وجنس النشاط الفلسفي بنظرة عامة.
1_ بنظرة إلى كيفية قضائنا لحياتنا نكتشف أننا لا نستطيع أبداً أن نكون بمعزل عن التفكير، أي أننا في يقظتنا نكون باستمرار بصدد الموازنة والرفض والقبول وتفضيل رأي على آخر، واتخاذ القرار واختيار سلوك بناءً على أفكارنا. حضور التفكير الشامل والكلي في حياتنا يصل إلى درجة أننا حتى لو أردنا أن نتركه وألا نفكر بعد الآن، نكون قد فضلنا رأياً (عدم التفكير) على رأي آخر (التفكير)، ونتيجة لذلك، نكون قد فكرنا!
2_ بالتدقيق في تفكيرنا، والذي يعني هنا تفضيل عقيدة على عقيدة أخرى، نرى أننا نعتبر بطبيعة الحال بعض المعتقدات صحيحة وبعضها الآخر خاطئة. بعبارة أدق، كل واحد منا لديه تصورات وأفكار حول صدق وكذب معتقداته ومعتقدات الآخرين، بحيث إن آراءنا حول صواب وخطأ الأمور المختلفة هي جزء لا يتجزأ من نفس ذلك التفكير الذي رأينا أنه لا مفر ولا مهرب لنا منه.
3_ أنا وأنت توجد في كياننا قابلية نستطيع بناءً عليها أن نبتعد عن أنفسنا وننظر من علٍ إلى معتقداتنا ومشاعرنا ورغباتنا وسلوكياتنا. هذه قابلية تُدعى الوعي التأملي (Reflective Consciousness) [1]. بموجب هذه القدرة نجلس لمراقبة أفكارنا وأحوالنا وأفعالنا ونصبح قلقين على صحة وخطأ معتقداتنا وقراراتنا وسلوكياتنا، أي أنه في كل موضع من تفكيرنا في المواقف المختلفة، يكون لدينا هاجس أن يكون رأينا صادقاً وقرارنا صائباً. هذا الهاجس والقلق يظهران عادةً في أحاديثنا اليومية، حين نسأل: "لعلي أكون مخطئاً!"، "من أين لي أنك على صواب؟!"، "برأيي هو قام بعمل خاطئ"، "كيف لي أن أعرف أن هذه النظرية صحيحة وليست تلك؟!" وما شابه ذلك.
4_ الآن وقد صار حالنا وكأننا مجبرون على التفكير، وتفكيرنا أيضاً هو في إطار الآراء والعقائد التي نعتبرها صحيحة، وفي نفس الوقت نطالب بصحتها وسلامتها، فإن ظروفنا تقتضي هذه الوصية بأن:
"نحن الذين نفكر على أي حال، فلماذا نفكر بشكل سيء، هيا بنا نفكر بشكل جيد."[2]
من الواضح أنه بناءً على التحليل أعلاه لوضعنا وحالنا، فإن المقصود من التفكير الجيد هو السعي نحو تفكير واعٍ وأخذ الهاجس الذي نملكه تجاه صحة معتقداتنا على محمل الجد. في المقابل، المراد من التفكير السيء هو الإهمال وعدم المواجهة الواعية لكيفية معتقداتنا وعدم الاكتراث بها. العمل بهذه الوصية يستلزم الاهتمام بعالمنا الداخلي، خصوصاً المعتقدات والآراء التي ملأت وعاء ذهننا إن صح التعبير، وهذا يحتاج إلى شيء من التأني والابتعاد عن التسرع؛ يجب أن نخفف من سرعة تبني المعتقدات واعتناق الآراء واتخاذ القرارات وأفعالنا وردود أفعالنا، وأن نضع تفكيرنا على نمط "الحركة البطيئة"[3] حتى نتمكن من التأمل في صحتها وخطئها.
إذن، اختيارنا ليس بين التفكير أو عدم التفكير، بل بين التفكير الجيد أو التفكير السيء.
5_ ليس ضربًا من ضلال السبيل إن اعتبرنا هذا "التفكير الجيد" وليد الأهمية التي نوليها للحقيقة؛ فنحن في بحث عن الحقيقة وتوّاقون إليها، وهاربون من الكذب والخطأ. هذه هي الحالة التي نسميها طلب الحقيقة؛ نريد لأفكارنا ومعتقداتنا، ولأعمالنا، ولمجمل أسلوب حياتنا وطريقتها، أن تكون متحلية بالحقيقة، وألا يؤدي بنا المسار الذي نسير فيه إلى المجهول. ولكن ما هي مقتضيات طلب الحقيقة؟ يبدو أن عشق الحقيقة والاهتمام بها والسعي في سبيلها يستلزم التحلي بخصائص إن افتقدناها، لا نستطيع أن نعتبر أنفسنا حقًا من طلاب الحقيقة:
أ) أنا راغب في انسجام معتقداتي وسلوكياتي مع الحقيقة. إذن فمن المقرر أن تكون الحقيقة صفة لمعتقداتي وسلوكياتي. من هنا،
ب) أُسلّم دائمًا باحتمال الخطأ والغلط وعدم المطابقة للحقيقة، وأعلم أن الشعور باليقين والاطمئنان لا يعني بالضرورة أن معتقداتي وأعمالي على حق. إذن،
ج) أنا من أهل البحث والحوار والتعلم والدرس، ولست لجوجًا ولا متعصبًا ولا جامد الذهن ولا من أهل الجزم والجمود. وفي الوقت نفسه،
د) من أجل رفقة الحقيقة والوفاء لها، ما دمت أعتقد صحة شيء ما، فأنا ملتزم به نظريًا وعمليًا وأتحمل مسؤوليته.
طلب الحقيقة يتجلى في المطالبة بالدليل، أي أننا نطالب بالدليل إزاء صحة آرائنا وعقائدنا وخطئها نحن والآخرين، ونلجأ إلى الاستدلال إزاء "لماذا"ات الحياة.
6_ الآن، حينما نسأل عن أدلة صحة معتقداتنا أو خطئها بقصد البحث عن الحقيقة، نرى أن بمقدورنا، في التحليل النهائي، تقسيم مجموعة معتقداتنا من حيث منهج تقييمها والحكم عليها وتشخيص صدقها وكذبها إلى ثلاثة أقسام. [4]
قسم من المعتقدات يمكننا الحكم عليه بالرجوع إلى التجربة، سواء الاستبطان أو التجربة الحسية، أي أنه في النهاية، يجب تحديد صدقها وكذبها باللجوء إلى التجربة. هذه نسميها المعتقدات التجريبية.
أعتقد أنك تجاملني. (لتحديد صدق معتقدي وكذبه، يجب أن ترجع أنت إلى داخلك ليتضح واقع الأمر.)
أسفلت هذا الطريق متآكل. (لتحديد صدق معتقدي وكذبه، يجب أن أرجع إلى المشاهدة والتجربة الحسية ليتضح واقع الأمر.)
ألعاب الحرب الحاسوبية تسبب زيادة العدوانية لدى الأطفال. (لتحديد صدق معتقدي وكذبه، يجب أن أرجع إلى المشاهدة والتجربة الحسية ليتضح واقع الأمر.)
القسم الآخر من معتقداتنا، هي معتقدات يتم تحديد صدقها وكذبها بالرجوع إلى الوثائق والمستندات التاريخية، أي أنه للحكم عليها يجب العودة إلى الماضي وفحص الشواهد والقرائن التاريخية. هذه نسميها المعتقدات التاريخية.
أخذني والداي في رحلة إلى مشهد وعمري سنة واحدة. (لتحديد صدق معتقدي وكذبه، يجب أن أسأل كبار عائلتي وأرجع إلى صور تلك الفترة ومثل هذه الشواهد ليتضح واقع الأمر.)
جيب مليء بالفراغ كناية عن عدم امتلاك أي نقود. (لتحديد صدق معتقدي وكذبه، يجب أن أرجع إلى معاجم اللغة العربية لأعرف ماذا كان يقصد الناطقون بالعربية في تاريخ اللغة العربية حتى اليوم من هذا المثل.)
تأسست جمعية الخطاطين الإيرانية عام 1329. (لتحديد صدق معتقدي وكذبه، يجب أن أرجع إلى الوثائق والمستندات التاريخية ليتضح واقع الأمر.)
القسم الأخير من المعتقدات، هي تلك التي لا ينفع في تحديد صدقها وكذبها النهائي، لا الاستبطان والتجربة الحسية، ولا الرجوع إلى الوثائق والشواهد التاريخية، بل يجب الجلوس للحكم عليها بالتفكير. هذه نسميها المعتقدات العقلية.
في علاقتك بالآخرين، يجب ألا تأخذ في الاعتبار سوى مصلحتك أنت. (تحديد صدق هذا المعتقد وكذبه لا يُحسم باللجوء إلى التجربة والرجوع إلى الشواهد التاريخية.)
أعتبر الحياة ذات معنى وقيمة، لا عبثية وبلا جدوى. (لا يُحسم تحديد صدق أو كذب هذا الاعتقاد باللجوء إلى التجربة أو الرجوع إلى الشواهد التاريخية.)
المنهج العلمي هو المنهج الوحيد لاكتشاف الحقيقة. (لا يُحسم تحديد صدق أو كذب هذا الاعتقاد باللجوء إلى التجربة أو الرجوع إلى الشواهد التاريخية.)
7_ ثمة حيز في حياتنا تكون أسئلته من النوع الذي لا يُحسم بالملاحظة والتجربة والاختبار وتقليب الكتب وسؤال هذا وذاك، ونتساءل فيه عن صحة أو خطأ اعتقادات لا سبيل للإجابة عنها إلا بالتفكير. هذا هو ميدان الفلسفة، حيث الحكم النهائي لأسئلتها حول صحة الاعتقادات وخطئها هو المنهج العقلي.
الاعتقادات التي ينبغي أن نفحص صدقها وكذبها بالمنهج العقلي، عادة ما تكون غير مفحوصة، وقد اعتبرناها مسلّمات ومفروغًا منها، وأحيانًا نكون غافلين عنها، ومن هذه الجهة، هي بمثابة افتراضاتنا المسبقة.
الاعتقاد في الظاهر مجرد اعتقاد، لكنه في الواقع يستند إلى اعتقادات أخرى كثيرة ويخفي في طياته عدة اعتقادات. لتحديد صحة أو خطأ الاعتقاد (أ)، يصل بنا الطريق طبيعيًا إلى الاعتقادات (ب) و(ج) و... الكامنة في الطبقات التحتية للاعتقاد (أ)؛ هنا تكون صحة الاعتقاد (أ) مشروطة بصحة الاعتقادات (ب) و(ج) و... بحيث إنه ما لم نحدد موقفنا من تلك الاعتقادات التحتية، يستحيل تشخيص صحة أو خطأ الاعتقاد الفوقي (الاعتقاد أ).
لنفترض أنك تعتقد أن بابك مستشار مالي لشركات كبرى. صدق هذا الاعتقاد رهن بصدق اعتقاد آخر مفاده أن بابك قادر على إجراء عمليات حسابية بسيطة، أي إذا كان هذا الاعتقاد الأخير خاطئًا، فلا يمكن لاعتقادك الأول والأساسي أن يكون صادقًا. بالطبع هذا مثال بسيط، ويمكننا أن نسمي الاعتقادات التي تقع، بالنسبة لكل اعتقاد، في طبقات تحتى أكثر ويجب أن نكتشفها بالتأمل والتقصي، افتراضات مسبقة (Presupposition)؛ الافتراضات المسبقة من جنس الاعتقاد، وقد تستند هي نفسها، بصفتها اعتقادًا رئيسيًا، إلى افتراضات مسبقة أخرى.
هذا النوع من الاعتقادات (الافتراضات المسبقة) الحاضرة في أساس وأصل مجموعة آرائنا وفي الطبقات التحتية لبناء فكرنا، والتي تتوقف عليها صحة كثير من آرائنا، يمكننا أن نسميها الاعتقادات الأساسية (Basic beliefs)؛ إنها أساسية وجذرية لدرجة أنها توجه نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين وإلى الحياة والعالم، ولها دور مؤثر وحاسم في طريقة تعاملنا مع الآخرين ونوع ردود أفعالنا تجاه الأحداث والوقائع اليومية. تسعى الفلسفة، بطرحها أسئلة في حيز الاعتقادات الأساسية، إلى تقديم استجابة تليق بهاجس بحثنا عن الحقيقة. على سبيل المثال، هذا الرأي القائل بأن "إيذاء الأطفال عمل خاطئ"، يستند إلى افتراضات مسبقة لا يمكننا، دون فحصها، أن نحصل على صورة واضحة وقابلة للدفاع عنها؛ ينبغي أن نطرح أسئلة حول: ما معنى صحة سلوك ما؟ ما الذي يجعل سلوكًا ما صحيحًا؟ ولماذا ينبغي أن نكون أخلاقيين أساسًا؟ من هنا، ثمة اعتقادات أكثر أساسية خلف رأيي، ما لم أزن صدقها وكذبها، لا أستطيع أن أطمئن بشكل معقول إلى صدقه. إن اتخاذ أي موقف بشأن صحة الأعمال وخطئها له دور أساسي في أسلوب حياتنا.
من نماذج الاعتقادات الأساسية يمكن الإشارة إلى اعتقادات حول القيم، ومعنى الحياة، والواجبات والمحظورات الأخلاقية، والله، وحدود قدرتنا على معرفة الأشياء.
8_ اعتقاداتنا الأساسية جزء لا يتجزأ من حياتنا ومحددة لمنظورنا الكلي إليها، بحيث إننا بها وفيها نفكر، ونتخذ القرارات، ونبدي ردود الفعل، ونقوم بالأفعال. لذلك، كلما توجهنا صوب اعتقاداتنا الأساسية لنؤدي حق الحقيقة بالتعقل والتفكير في صحتها وخطئها، نكون قد قمنا بنشاط فلسفي وصرنا ضيوفًا على الفلسفة. من هذا المنظور، ليس من الخطأ أن نقول:
"جميع الرجال والنساء فلاسفة، وإن كان بعضهم أكثر من الآخرين... [إنهم] حتى لو لم ينتبهوا إلى أن لديهم مسائل فلسفية، فإن لديهم على أي حال أحكامًا مسبقة فلسفية. وهذه الأحكام المسبقة غالبًا ما تكون نظريات يسلمون بها دون وعي... إنها أحكام مسبقة بمعنى أنها تُتخذ دون فحص وتقييم نقدي، رغم أنها قد تكون ذات أهمية كبيرة في سلوكيات الناس العملية وفي حياتهم بأكملها." [5]
9_ من الجيد أن نخطو خطوة إلى الأمام ونرى كيف يتم النشاط الفكري والفلسفي الباحث عن الحقيقة، وما المقصود بفحص الأحكام المسبقة الفلسفية؟ بنظرة عامة، وبصرف النظر عن تفاصيل الأمر، يمكننا تحديد خريطة الطريق التي يسير عليها النشاط الفكري الفلسفي (الذي يحمل اسم التفلسف على جبينه) والتعبير عنها في خمسة أنشطة فكرية رئيسية.
1) في البداية نكتشف افتراضاتنا المسبقة ونستخرجها لنرى ماذا نعتقد وكيف نفكر بشأن المسائل الأساسية والمهمة في الحياة. بهذه الطريقة، تتكشف لنا معتقداتنا الأساسية التي ربما كانت حتى الآن لا واعية أو واعية لكن غير مفحوصة، لكي توضع في معرض الفحص والاختبار.
2) بما أننا ننوي القيام بنشاط فكري، يجب أن نرى ما هي أصول التفكير وقواعده كي لا نسير في طريق الخطأ. أن نسأل أنفسنا كيف نستنتج من وضع المقدمات والشواهد التي بحوزتنا جنبًا إلى جنب، وكيف يكون الاستدلال وما هي الخصائص التي تجعل الاستدلال صحيحًا. (المنطق)
3) الآن يجب أن نرى ما هي المكونات البانية لتلك المعتقدات الأساسية، ومن أي مفاهيم مفتاحية تتشكل، وما هو معناها ومفهومها. الكثير من معتقداتنا مشحونة بمفاهيم نستخدمها على نطاق واسع لكننا لم ندقق فيها، مثل الحقيقة، والمعرفة، والله، والجبر، والاختيار، والقيمة، والخير، والشر، والحب، والإيمان، والعلم، والجمال، والعقلانية.
4) ثم يجب أن نشرع في اكتشاف واستخراج الافتراضات المسبقة واللوازم المنطقية لتلك المعتقدات الأساسية نفسها، أي أن نرى أولاً أن صدق الاعتقاد الأساسي (أ) مبني على صدق أي معتقدات أخرى، وثانيًا أن صدق الاعتقاد الأساسي (أ) يستلزم صدق أي معتقدات أخرى. على سبيل المثال، تأمل هذا الاعتقاد: "الشيء الوحيد الذي يجعل الحياة ذات معنى هو اللذة، أي اللذات الحسية والجسدية". صدق هذا الاعتقاد وصحته مبنيان على صدق اعتقاد آخر هو أن "أمورًا مثل البحث عن الحقيقة، والحب، وتفتح المواهب، والفضيلة الأخلاقية ليس لها دور في إضفاء المعنى على الحياة" (افتراض مسبق). كذلك، الاعتقاد بأن "الشيء الوحيد الذي يجعل الحياة ذات معنى هو اللذة، أي اللذات الحسية والجسدية"، يستلزم هذا الاعتقاد، أي يقتضي هذا الاعتقاد بأن "من لا يريد أو لا يستطيع أن يجعل حياته مفعمة باللذات الحسية والجسدية، يفتقر إلى حياة ذات معنى" (لازم).
5) بعد ذلك يجب أن نفحص صحة وسقم معتقداتنا الأساسية، ونسعى إلى بناء وصياغة نظريات عن الحياة وجوانبها المختلفة. نريد أن نعرف أي موقف نتخذه حيال مسائلنا الأساسية. على سبيل المثال، أن ننظر في منظورنا للوجود (فرع الميتافيزيقا أو الأنطولوجيا في الفلسفة) ونسأل مسائل مثل: هل حقيقة الوجود مادية أم غير مادية؟ هل الإنسان محدود بالجسد أم يتمتع بساحات غير الجسد؟ أن نتأمل في قدرة الإنسان على المعرفة وحدودها (فرع الإبستمولوجيا في الفلسفة) ونسأل مسائل مثل: ما هي المعرفة ومتى يمكننا أن نتحدث عن معرفة شيء ما؟ هل الإنسان قادر على معرفة كل الأمور؟ من أي طرق تحصل المعرفة؟ أن نفكر في كيفية العيش، وفي أي قيم نتبع، وأي ينبغيات ولا ينبغيات نتبناها في سلوكياتنا، وبشكل عام، في قيمة الحياة ومعناها (فرع الأكسيولوجيا في الفلسفة).
10_ إذن الفلسفة مأدبة دائمة بأسئلة أبدية، لأن طبيعتنا نحن البشر (تذكروا قابلية الوعي التأملي) تجعلنا نسأل عن صدق معتقداتنا وصحة مسار حياتنا، وهذا التساؤل والبحث عن الحقيقة يقودنا شئنا أم أبينا إلى مدينة تجلس فيها أسئلة الفلسفة الأساسية بانتظارنا. لذلك،
"سواء أحببنا ذلك أم كرهناه، لا يمكننا الهروب من الفلسفة؛ فأي طريق نسلكه في المعرفة، تتربص بنا الفلسفة بأسئلتها."[6]
.
.
[1] “Reflective Consciousness” in APA Dictionary of Psychology (Second edition), Gary R. VandenBos (Editor), 2015
[2] قرأت هذه العبارة منذ سنوات في مكان ما، لكنني بعد بحث طويل لم أتمكن من العثور على مصدرها.
[3] تعبير لجون كامبل (John Campbell) حيث يقول: "الفلسفة هي التفكير بالحركة البطيئة". راجع:
Lacewing, Michael, Philosophy For As and A Level (Epistemology and Moral Philosophy), Routledge, 2017, p 6
[4] تعلمت أصل هذا التقسيم من الأستاذ مصطفى ملكيان. للمثال، راجع: ملكيان، مصطفى، طريق إلى التحرر، الطبعة الثالثة، نشر نگاه معاصر، 1387، ص 88. لمزيد من التوضيح وبشيء من الاختلاف، راجع: هاسبرز، جون، مدخل إلى التحليل الفلسفي، ترجمة موسى أكرمي، الطبعة الثانية، انتشارات طرح نو، 1387، ص 31-32
[5] بونتمبو، تشارلز ج.، أودل، س. جاك، بومة مينرفا (الفلسفة برواية الفلاسفة)، ترجمة مسعود عليا، الطبعة الثانية، نشر ققنوس، 1393، ص 70 و79
[6] ستيس، والتر ترنس، مختارات من مقالات ستيس، ترجمة عبد الحسين آذرنغ، الطبعة الثانية، نشر هرمس، 1380، ص 67
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
دستمریزاد. واقعا عالی و بسیار مفید بود.
عالی بود بسیار دقیق وجامع، فلسفه را تعریف کردید. سپاس فراوان