اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحتاج الإنسان بحكم بنيته الوجودية إلى الروحانية؛ حاجةٌ تتأجج إزاء حقائق كالهشاشة والوحدة. وتشريحُ هذه الحقائق يقودنا إلى بوابة الروحانية، دون أن يدّعي ولوج أرضها.

يبدو أن بنيتنا الوجودية كبشر مصممة على نحو يجعلنا نحتاج إلى الروحانية، وقد ركزت جميع التقاليد الروحية على هذا الوجود المحتاج، وبناءً عليه خاطبتنا ومضت في طريقها. هذه الكتابة، بصرف النظر عن صدق الروحانية أو كذبها أو مدى معقوليتها، هي محاولة لإظهار حاجتنا إلى الروحانية وشرحها بإيجاز (في النهاية، يُطرح تصور للروحانية). لقد تم هذا الاستكشاف للحاجة بالرجوع إلى ست حقائق وجودية للإنسان على الأقل، بمعنى أن هذه حقائق يمكن تتبعها وتقصيها فينا جميعًا، ولا يوجد أحد يخلو منها. ومن هنا، فإن عنوان المقالة هو "حتى بوابة الروحانية"؛ فالالتفات إلى هذه الحقائق الوجودية الست يلفت انتباهنا إلى الروحانية ويشعل شعلة الحاجة في نفوسنا، مما يوصلنا إلى بوابة الروحانية. أما عبور البوابة أو عدم عبورها، ودخول أرض الروحانية أو عدم دخولها، فهو نقاش آخر لم يتم التطرق إليه في هذا المقال.
هذه الحقائق الوجودية الست تبدو غير مترابطة ظاهريًا، ولكن بقليل من التدقيق، نرى أنها من جهة تدور جميعها حول حياتي وحياتك ولدينا إدراك لها قليلًا أو كثيرًا، ومن جهة أخرى، فإن النظر إليها مجتمعة يدفعنا إلى التوجه نحو الروحانية.
للحياة كم وكيف. المقصود بكم الحياة هو أصل حياتنا؛ ففي كل لحظة، وبألف ذريعة وذريعة، قد يداهمنا الموت، وينتهي بصرنا وسمعنا ومشينا وتفكيرنا وحبنا وسائر نشاطاتنا. يمكن تصور أسباب وذرائع كثيرة قد تحدث في أي لحظة، مثل خطأ الطبيب في تشخيص المرض ووصف الدواء الخاطئ، أو حادث سيارة، أو نوبة قلبية، أو حادث في مدينة الملاهي. إذن، من شروط حياتنا أنه لا يمكن العثور على لحظة واحدة فيها يصبح فيها الموت مستحيلًا ولا يخيم ظله على حياتنا.
لكن ليس الموت وحده هو الذي يقف دائمًا في الخلفية مستهدفًا كم حياتنا، بل إن كيف حياتنا أيضًا، بطريقة أخرى، معرض دائمًا للتغير والتحول. المقصود بكيف الحياة هو الأوضاع والأحوال التي يعيشها كل واحد منا؛ ومن جملتها الخصائص الجسدية والنفسية، والظروف المهنية والاقتصادية والثقافية. لنأخذ هذه الأمثلة بعين الاعتبار: جراح يفقد، بعد سنوات من الدراسة واكتساب المهارة، القدرة على تحريك يديه إثر حادث؛ نعد أنفسنا ببذل الكثير من الوقت والطاقة، والتخلي عن كثير من الملذات، ليوم الامتحان التنافسي، لكن أثناء الامتحان، يتملكنا القلق فجأة ونفقد تركيزنا بالكامل؛ شريك مالي كنا نعول على صدقه ووفائه وإخلاصه وخيره لسنوات طوال، يخدعنا ويلوذ بالفرار؛ وبشكل عام، الفشل والإخفاق في بلوغ أهدافنا، والحزن واليأس والحسرة التي تنتابنا بين الحين والآخر، وأمور من هذا القبيل جربناها وسنجربها! إذن، الحياة في كل آن حبلى بوقوع أحداث يمكنها أن تغير كيف حياتنا ونوعيتها.
وبتعبير آخر، فإن كليّة حياتنا تجري على نحو لا يتحقق فيه ما نريده، ويتحقق فيه ما لا نريده: "حب الآخرين كامن في فطرة وطبيعة البشر؛ لكن أولئك الذين نحبهم بشدة يموتون. إن من فطرتنا وطبيعتنا أن نرغب في الصحة وطول العمر؛ لكننا نحن ومن نحبهم نُصاب بأمراض موهنة. وبالمثل، نرغب في العيش في مكان آمن؛ لكن سطح الكوكب الذي نعيش عليه يمكن أن يكون غالبًا عنيفًا وغير مستقر وغير آمن."[1]
عندما نأخذ بالاعتبار الأحداث والوقائع التي يمكن أن تعرّض كمية وجودة حياتنا للخطر، ندرك أن لنا وضعية متزعزعة وهشة في العالم، وأن الضعف والوهن جزء من كياننا؛ مهما بلغت صحة أجسادنا وقوتها، ومهما كانت عقولنا قوية، ونفوسنا مطمئنة وراسخة، ومهما تمتعنا بعلاقات اجتماعية وشخصية متينة، يبقى ظل الفقدان والخسارة مظلّلاً على كل جزء من حياتنا. هذه الهشاشة "تعني المعاناة والفقدان والخوف والزوال في النهاية، وهي ليست مجرد نتيجة لمشكلات نفسية أو نمائية، بل هي جزء من طبيعتنا وفطرتنا الإنسانية."[2] وكأننا، مثلما نعتبر الإحراق جزءاً من هوية النار، فإن القابلية للكسر والهشاشة هي أيضاً جزء لا يتجزأ منا ومنسوجة في نسيج حياتنا، وليست ناجمة فقط عن نقص المعرفة والوعي اللازمين، أو نقص المهارات، أو وجود مشكلات نفسية.
لنفترض أننا نقف في طابور محطة الوقود، ننتظر حلول دورنا والسيارات التي أمامنا تتحرك ببطء. وفي هذه الأثناء، فجأة، تنحرف سيارة أمامنا. كلانا لديه تجربة موضوعية متشابهة، بل وحالة نفسية متشابهة أي الغضب. ومع ذلك، فكلانا لديه تجربة ذاتية وإحساس مختلف عن غضبنا وانفعالنا[3]، أي أن الإحساس الذي أشعر به هنا تجاه الغضب يختلف عن الإحساس الذي تشعر به أنت تجاه الغضب. بعبارة أخرى، حتى عندما يكون وصفنا للغضب الذي شعرنا به في هذا الموقف متطابقاً، كأن نقول مثلاً إن ذلك السائق كان عديم المراعاة أو أن سلوكه كان مهيناً وهذا ما أغضبني، تبقى تجربتنا الذاتية وإحساسنا بعدم مراعاته وإهانته غير متطابقة، ولدينا مشاعر مختلفة تجاه كل منهما. أو يحصل أحياناً أن يكون حدث أو واقعة ما مرعبة وساحقة بالنسبة لنا، لكن شخصاً آخر يستغرب مقدار ما نشعر به من انفعال وعاطفة (لننتبه أن محط الاهتمام في هذه الأمثلة ليس مدى وجاهة المشاعر ومعقوليتها، بل فقط مشاعرنا من الناحية الكيفية).
من هنا، فإن كل واحد منا، بصفته فرداً، لديه تجربة شعورية لمحتويات وعيه خاصة به وحده، ولا يملك الآخر سبيلاً ليتمكن من فهم وإدراك تلك التجربة الشعورية ذاتها. ما بوسعنا فعله هو إظهار شعورنا الداخلي بأقوالنا وأفعالنا، وبهذه الطريقة نُطلع بعضنا بعضاً على تجاربنا، لكن كون حسي ومزاجي تجاه X هو كذا، وأي تجربة أعيشها، فهذا غير قابل للنقل إليك. هنا هو الموضع الذي يكون فيه كل منا وحيداً تماماً، أي أننا نختبر الأشياء وحدنا ونكتسب شعوراً تجاهها بمفردنا: "من علامات الوحدة العميقة للإنسان أن ما هو 'وجودي' و'فريد' بالنسبة له، يكون في عيون الآخرين 'شيئاً' إلى جانب أشياء كثيرة. تقع في الحب، تتفرغ، تفقد عزيزاً، كل واحد من هذه هو بالنسبة لك حدث وجودي فريد لا مثيل له، وفي عيون الآخرين، واقعة كنظيرها من آلاف الوقائع المماثلة. ما تختبره أنت في أعمق نواة وجودك وبشكل ذاتي، يختبره الآخرون... خارج وجودهم." [4]
إذن، أنا وأنت لا نستطيع الوصول إلى جزء من عالم بعضنا البعض، ومن هذه الناحية، لا يمكننا أن نفهم بعضنا البعض. من هذا المنطلق، كل واحد منا وحيد بعمق؛ وحيد في تجربته الشعورية، ونتيجة لذلك، الوحدة الناشئة عن عدم فهمنا الكامل من قبل بعضنا البعض.
كلام زوربا في رواية زوربا اليوناني، لا يخلو من صلة بهذا النوع من الوحدة: "...زوربا... هو الشخص الوحيد الذي في حوزتي، الشخص الوحيد الذي أعرفه. البقية كلهم أشباح. أنا بعيون زوربا أرى، وبأذنيه أسمع، وبأمعائه أهضم. البقية، قلت لك، كلهم أشباح. عندما أموت أنا سيموتون كلهم..." [5]
نحن البشر كائنات لا نكتفي بإدراك الواقعيات ووصفها (مثلاً "أعاد لي جاري الأمانة")، بل نملك القدرة على إصدار أحكام قيمية حول تلك الواقعيات، أي أن نبحث عن قدرها وقيمتها (جارِي أمين، وهذه صفته التي تستحق التقدير). بعبارة أخرى، نحن على هيئة تجعلنا نفهم التمييز بين "ما هو كائن" و"ما ينبغي أن يكون"، ونُدرك المسافة بينهما. إننا، فضلاً عن إدراك الواقعيات وتقييمها، ننخرط أيضاً في موازنات قيمية بين التقييمات نفسها. بكلمة أخرى، في ميدان الأحكام القيمية نُجري مقارنات، ونضع أفضليات وتأخيرات بينها، أي أننا نتحدث عن الجيد والممتاز والفريد والمدهش والمُعجز، أو عن الجيد والأجود والأفضل والأجمل والأكثر روعة.
لكننا في هذا المسار، كلما تقدمنا، لا نصل إلى نهاية، ويبقى ملف الأحكام القيمية التي أصدرناها بين التقييمات مفتوحاً، وكأن ليس من المقرر أن نَصِف شيئاً بصفة الكمال المطلق. بالتدقيق في هذه النقطة، نكتشف أن أي شيء نعتبره كاملاً، يبقى، في مقام المقارنات القيمية، قاصراً عن الكمال، ويُعثر فيه، من جهة ما، على عيب ونقص. مثلاً، عندما نعتبر ساعة يد أو سيارة كاملة من حيث الكفاءة التي ننسبها إليها، يبقى بإمكاننا تصوّر كونها أفضل، وكأن لا سقف للتقدم في المنجزات التي نراها كل يوم بخصوص شيء واحد كساعة اليد أو السيارة. أو على سبيل المثال، المعلم الذي تدريسه رائع، يمكننا مع ذلك تصوره أكمل مما هو عليه، كما أنه هو نفسه لا يستطيع أن يعتبر قدرته ومهارته في التدريس تامة، وأن يُهمل تطويرها.
بتعبير آخر، بقليل من التدقيق في أمور حياتنا، ندرك أن كل شيء فيه محدودية ونقص ذاتي، أي أن شيئاً واحداً لا يمكنه أن يكون كل شيء، وأن يرضينا ويُشبعنا، نحن الذين نُدرك الكمال، بحيث لا نعود نرغب في كونه أفضل وأكمل؛ فامتلاك ثروة طائلة جداً، أو الاطمئنان إلى عون حنون وصميمي، لا يمكنه أن يرضينا تماماً بمعنى ألا نرغب في شيء آخر وألا نسعى وراء أي شيء آخر ليجعل حياتنا أثرى وأغنى، أو حتى، بمعناها المتعارف والعادي، لتسويتها، مثلاً ألا نعود نكترث لصحتنا أو لسقاية أزهار أصصنا. لهذا السبب، يبدو أن حياتنا نفسها تحمل في طياتها محدوديات تجعل إرواء ظمأ الكمال مستحيلاً، وتصاحبنا بنوع من القلق. بتعبير الشاعر الشعري: "أي جسر في أي بقعة من العالم انكسر حتى لا يصل أحد إلى بيته؟!" [6]
إن وضعنا الوجودي في العالم هو أن "لا وجود، ولا زمان، ولا مكان يُروي الظمأ النهائي [للكمال]. لأن جميع الموجودات مصابة بداء واحد، هو داء الوجود... كيف يمكن، بتكبير الأشياء أو تطويلها، أو تعريضها أو تخثينها، أو بجعلها كذا أو كيت، أن نبلغ قصدنا وغرضنا؟ لأن هذه الأمور ستظل [في أسر] كذا أو كيت. وهذا الكينونة كذا أو كيت هو داء الأشياء... كل ما هو موجود أو يمكن أن يوجد، مبتلى بآفة أن يكون هذا أو ذاك."[7]
مجموع المسائل التي نعرفها أو نريد أن نعرفها، من التعرّف على وجه صديقنا والعثور على عنوان الفندق إلى علاج الأمراض والإجابة عن سؤال قيمة الحياة ومعناها، تتمّ بفضل قوانا الإدراكية، أي الأدوات والقوى المتاحة لنا لمعرفة الأشياء وزيادة علمنا ومعرفتنا بها. ودون الخوض في نقاش حول ماهية المعرفة وقوانا الإدراكية والمعرفية، يمكننا أن نسمّي هذه الأدوات والقوى بالعقل الذي يمنحنا القدرة على الفهم والتجربة والاستدلال والتفكير. لكن هذا الرصيد العظيم والثمين الذي نسمّيه عقلاً والذي تتمّ به جميع معارفنا، كبيرها وصغيرها، في حياتنا، يجعلنا على تماسّ دائم بأرض الجهل والغباوة. فكلّما تقدّمنا وازدادت معرفتنا في مختلف المجالات زيادةً مذهلة، تزداد، وبشكل مدهش، حصيلة ما لا نعرفه؛ قد نرى أنفسنا، بالمقارنة مع أسلافنا، أكثر اطلاعاً وأكثر علماً، لكن بالمقارنة مع المستقبل الذي يبدأ من لحظة المعرفة، تأتي إلينا المجهولات والأسئلة بلا إجابة لتهنئتنا لحظةً بلحظة. يكفي أن نلقي نظرةً خاطفة على حقل معارف كالطب والهندسة والعلوم الأساسية وعلم النفس والفلسفة وغيرها، حتى يتّضح لنا ويتجلّى، مع تقديرنا لإنجازاتنا العلمية والفكرية التي حلّت عُقداً من حياتنا، اتّساع أرض المجهولات ونموّها المتزايد يوماً بعد يوم. عندما ننظر إلى شؤوننا (نحن البشر) من منظور أعلى، لعلّ البحث والتساؤل والجواب الدائمين حول الأسئلة الأساسية كقيمة الحياة ومعناها والمسائل المرتبطة بها، هو أكثر ما يتجلّى لنا، ويظهر عطشنا وقلقنا في هذا الشأن.
يحدث لنا أحياناً أن نرغب في شيء ونسعى للحصول عليه ونبلغه أخيراً، ولكننا نقول بلسان الحال والمقال: ليتنا لم نكن نرغب في هذا الشيء ولم نحصل عليه. مثلاً، كنّا منزعجين من وزننا الزائد ولدينا رغبة شديدة في إنقاصه، وبعد شهور نجحنا في الوصول إلى ذلك الوزن المرغوب والقوام المناسب الذي كنّا نحلم به، ولكن بعد بلوغ مقصدنا وجدنا أن أمراضاً قد ألمّت بنا جعلتنا نندم بشدّة على إنقاص الوزن.
يخبرنا العقل والتجربة أن كوننا نرغب في شيء ونميل إليه ونحسبه خيراً، لا يدلّ وحده على أنه خير حقاً وجدير بأن يُرغب فيه. هذه إحدى المناطق المهمّة من جهلنا وغباوتنا التي لدينا دافع قوي لتحويلها إلى علم ومعرفة، أي أن نميّز الرغبات الصحيحة من الخاطئة أو خياراتنا الحقيقية من الكاذبة. لذا، لا بدّ لنا في حياتنا من أن نفرّق بين الخيرات الواقعية (الأشياء التي هي خير حقاً حتى لو لم نعلم) والخيرات الظاهرية (الأشياء التي تبدو خيراً ظاهرياً ويحكم عليها تقديرنا بأنها خير، لكنها ليست كذلك في الواقع)، وأن نعلم أن رغباتنا وخياراتنا قد تتعلّق بالخيرات الظاهرية. الرغبة والخيار الصحيح والواقعي والأصيل هو ما نسمّيه حاجة. فلنميّز إذن بين الخيار والحاجة؛ فالحاجة دائماً في محلها ومناسبة وصحيحة ومعقولة، والخيار يكون كذلك تارةً ولا يكون تارةً أخرى.[8] ونتيجةً لذلك، فإن العيش وفقاً لخياراتنا ورغباتنا وما يروق لنا لا يؤدّي بالضرورة إلى الحياة الطيبة والسعادة والفلاح. لا شكّ أن تشخيص ما إذا كانت خياراتنا مطابقةً لحاجاتنا أم لا، وما إذا كانت أمانينا قائمةً على الخيرات الواقعية أم الظاهرية، هو خطوة أساسية في هذا المسار.
من جهة، يتمتّع كلّ واحد منا بخصائص جسمية وسمات ذهنية ونفسية خاصة، ولدينا أيضاً علاقاتنا الخاصة بنا مع الأفراد والأشياء، ونعيش في ظروف خارجية ومادية محدّدة. ومن جهة أخرى، يمكننا أيضاً أن نتصوّر أوضاعاً وأحوالاً غير أوضاعنا وأحوالنا الراهنة وأفضل منها (سواء أكانت قابلة للتحقّق عملياً أم لا). بعبارة أخرى، "ما نحن عليه" هو جانب من القضية، و"ما يمكننا أن نكونه" هو الجانب الآخر. إن قدرتنا على التفكير في هذه القضية هي ما يولّد فينا شوقاً ورغبةً في التغيير.
"أجد نفسي في كل لحظة من حياتي، بصفتي إنسانًا، موضوعًا مسبقًا في «موقفٍ» مُعطى، موقفٍ ليس من صنعي أنا. فالحقبة التاريخية التي أسكنها، ولغتي الأم، وجنسيتي، وطبقتي الاجتماعية، وميولي الجنسية، وقدراتي وعجزي البيولوجي (مثلاً، أنني أستطيع ركض مئة متر في ثلاثين ثانية بدلاً من عشر ثوانٍ)، كلها وقائع عني مُنحت لي باستقلال تام عن أي رغبة أو اختيار من جانبي."[9] حتى اختياراتي وأفعالي الماضية ترتبط بما أنا عليه، أي "بمجمل الوقائع عني التي تعتمد على ماضوي، سواء تضمن هذا الماضي اختيارات ذاتي الماضية، أم تضمن عوامل خارجة عن سيطرتي بالكامل."[10] في المقابل، ما يمكنني أن أكونه يرتبط بما لست عليه، لأنه "ما دام المرء حيًا وواعيًا، فإنه يستطيع دائمًا أن يدرك أنه يمكن أن يكون شيئًا غير ما هو عليه، ويمكنه أن يرغب في أن يكون غير ذلك... لذا فإن القوة الذهنية للنفي تشمل كلاً من حرية العقل (لتخيل إمكانيات جديدة) وحرية الفعل (للسعي لتحقيقها)."[11]
دعونا نسترجع معًا الطريق الذي سلكناه.
حياتنا متشابكة مع الضعف وعدم الاستقرار والتزعزع، ووحدتنا الوجودية في الشعور الذي نكنّه لأحداث حياتنا، قد عمّقت وأغورت هذه الهشاشة.
يبدو أننا لا نستطيع حل هذه الأمور وتجاوزها بالتوسل والتمسك بأشياء نعتبرها خيّرة وقيمة، وكأن لا قطعة من كعكة العالم مشبعة ولذيذة بالكامل لتلبي احتياجاتنا فنطمئن بها وتصدنا عن التوجه إلى القطع الأخرى.
إن تأملاتنا وتجاربنا وفهمنا وتشخيصاتنا، تنطوي على محدودية وقيود، ويبدو أنه ليس مقررًا لنا أن نحصل على الإجابة النهائية لكل أسئلتنا وأن نجد السكينة والطمأنينة على شاطئ بحر الأسئلة، خصوصًا فيما يتعلق بأكثر مسائل الحياة جوهرية.
خلال حياتنا وفي خضم الاختيارات والأحكام واتخاذ القرارات، اصطدمنا مرارًا بأن كل الخيّرات ليست خيّرة، وكل رغباتنا ليست في محلها، وعلينا أن نفصل الخيّرات الظاهرية عن الحقيقية، والرغبات عن الاحتياجات؛ إن حملنا لا يبلغ مقصده بمجرد تحقيق الأماني والتمنيات التي نحبها، وأن الانطلاق ببساطة وبصدق وراء نغم رغباتنا ومطالبنا من الحياة ليس كل ما ينبغي أن يكون. لعل مصالحنا ومنافعنا الحقيقية شيء آخر.
لكن كل واحد منا يرغب في تجاوز الوضع الراهن وتحسين حالنا، وبالتفكير في وضع أفضل ومختلف عن الوضع الموجود، نقول لأنفسنا: "لأقومن بعمل ينقضي معه الغم"؛ الشوق والشغف الذي يشد أنظارنا إلى ما وراء ذاتنا الراهنة.
حان الوقت الآن للتفكير في نسبة هذه الوقائع إلى الروحانية. لكن قبل ذلك، ينبغي أن تكون لدينا فكرة عن الروحانية؛ فكرة يمكن اعتبارها الوجه المشترك لأنواع الروحانيات. هذه الفكرة، بالرجوع إلى أدبيات النقاش الجاري في هذا المجال، يمكن تقريرها على النحو التالي.
وفقًا لأدبيات النقاش الجاري حول الروحانية،[12] يُقصد بالروحانية ساحة غير مادية ومتعالية عن الذات (Beyond self)، استُخدمت للإشارة إليها كلمات مختلفة مثل القوة العليا (Higher power)، الحقيقة المطلقة (Ultimate reality)، الأمر المتعالي (Transcendent)، الأمر القدسي (Holy)، الله (God). إن النواة المشتركة لأنواع الروحانيات هي أن عالم الوجود أوسع وأرحب مما يبدو. ولهذا السبب، فإن الإنسان الروحي "يؤمن بشيء «أكثر» - أي أن ما «يُرى» ليس كل ما هو موجود."[13]
تتجلى الروحانية، في ضوء هذا المركز، في مختلف جوانب حياة الفرد، فينظم جميع مجالات حياته الداخلية والخارجية انطلاقاً من تصوره وتجربته لـ«الأمر المتعالي». ومن هنا، فإن الروحانية هي «المشاعر والمعتقدات والقيم والتجارب والسلوكيات المرتبطة بالبحث عن المعنى والغرض والعلاقات المُرضية في سياق ما يعتبره الشخص غائياً ومقدساً أو قيمة أساسية للحياة.»[14]
من الجدير بالانتباه أن قوة الأدلة والشواهد التي تبرر أسس الروحانية وتجعل قبولها مبرراً ومعقولاً هي مقام آخر. إن التوجه نحو الروحانية وقبولها مسألة تختلف عن البحث الحالي، ولا يمكن الانتقال مباشرة إليها انطلاقاً من مضمون ومحتوى هذه الكتابة.
إن الحقائق الوجودية آنفة الذكر، والتي ربما كان جانب التذكير بها أرجح من جانب الإخبار، تكشف عن ثغرة عميقة وجوهرية في بنيتنا الوجودية؛ وجود هش وحياة قابلة للكسر، وحدة عميقة في تجربتنا وشعورنا بالأشياء، قابليتنا على إجراء مقارنات قيمية وتصور كمال الأشياء، والقلق الناجم عن عدم كفاية الأشياء لسكوننا، نلتقي بأسئلتنا، ولا سيما أكثرها جوهرية، بمعرفة وإدراك محدودين ومقيدين، ولا يهدينا ظاهر الأمور دائماً إلى واقعها، وليس هناك ضمان بأن أقوى رغباتنا وأشدها تتجه دوماً نحو الخير، وأخيراً، نحن قادرون على إدراك وضع مثالي هو الآن غير موجود، ولا يمكننا أن نكون متحررين ومرتاحين من تصور ذلك الوضع المثالي والسعي لإيجاده.
عندما نستحضر أمام أعيننا مجموع هذه الأمور التي تشير إلى وضعنا الوجودي الزلق والمتزلزل، ونعترف بها ونشعر بحضورها في فضاء حياتنا، ينشأ فينا عطش للبحث عن ينبوع نرتوي منه، ونجد عزماً لتجاوز ضعفنا وهشاشتنا الوجودية، وهذا يهيئنا ويجعلنا مستعدين لأن نوجه وجوهنا نحو واقع أسمى وأعظم وأكبر منا. إن الروحانية، بحديثها عن مملكة أكبر وأفق أوسع يُفترض أننا بالتوجه إليها والاتصال بها نجد تحولاً داخلياً ونظرة جديدة لموقعنا الوجودي، تشير إلى طريق نحو ذلك الينبوع.
بطبيعة الحال، لا تؤدي الروحانية إلى زوال حقائقنا الوجودية، ولكنها بمنحها المعنى للحياة وفي ضوء بصيرة جديدة، «تعدنا للتركيز على شيء بسيط للغاية وغامض في الوقت نفسه: حضورنا هنا، في هذه اللحظة... إدراك أن الحياة منحة وهبة لا يمكننا فهمها بالكامل أبداً... إن منافع الحياة الروحية... هي خيرات مرتبطة جوهرياً بقيمة الحياة الروحية: العناية بالنفس، وطمأنينة الذهن، وترك الانقياد الزائف للأنانية والمصالح المادية، والوعي الأدق بسر الحياة، والإقرار بعظمة الحياة ونعمها... مثل هذا التحول يقربنا من فهم كيف نعيش في عالم يجب علينا، عاجلاً أم آجلاً، أن نترك كل شيء فيه – شبابنا، صحتنا، الكثير ممن نحبهم، وأخيراً، حتى حياتنا... عندما يبلغ ضعفنا ذروته، ندرك ما هي الأشياء المهمة حقاً.» [15]
لذا، فإن معرفة الذات التي تنتج عن الالتفات إلى ست حقائق وجودية على الأقل، تُعرّفنا بوجود محتاج ومفتقر، ضعيف وهش من جهات مختلفة. لعل الجهد والسعي اللذين بذلهما ولا يزال يبذلهما العلماء والمفكرون في فهم طبيعة الإنسان ومعنى حياته ينبعان من هنا، أي من فهم ضعف وهشاشة الوجود الإنساني، وفي الوقت نفسه، قابليته على تجاوز وضعه الراهن. على أية حال، يبدو أن مثل هذا الجهد الاستبطاني الذي نبذله لمعرفة أنفسنا، يمنعنا من اللامبالاة تجاه تعاليم التقاليد الروحية ويدعونا إلى أن نأتي بوابة الروحانية ونصغي إلى كلامها.
.
.
[1] Cottingham, john(2003), On the Meaning of Life, Cambridge, p56
[2 Cottingham, john(2005), The Spiritual Dimension: Religion, Philosophy and Human Value, Cambridge, p146
[3] لمحتوى وعينا جانبٌ معرفي وجانبٌ كيفي. لشرح هذا التمييز، راجع: سيرل، جون، مدخل قصير إلى الذهن، ترجمة محمد يوسفي، نشر ني، 1392، الفصلان الثالث والخامس
[4] صديق قطبي في موقع عقل آبي
[5] كازنتزاكيس، نيكوس، زوربا اليوناني، ترجمة محمد قاضي، الطبعة الثالثة، منشورات خوارزمي، 1389، ص 89
[6] غروس عبدالملكيان
[7] ستيس، والتر ترنس، الزمان والخلود (بحث في فلسفة الدين)، ترجمة أحمد رضا جليلي، منشورات جامعة الأديان والمذاهب، 1388، ص 23-24
[8] لمزيد من التوضيح حول هذا، انظر: أدلر، مورتيمر. جي، الأفكار الكبرى (بحث في ست أفكار أساسية في تاريخ الفكر)، ترجمة همايون كاكاسلطاني، منشورات غام نو، 1397، الفصل الحادي عشر
[9] يونغ، جوليان، معنى الحياة والفلسفة القارية، ترجمة بهنام خدابانة، منشورات حكمت، 1396، ص301
[10]يونغ، جوليان، معنى الحياة والفلسفة القارية، ترجمة بهنام خدابانة، منشورات حكمت، 1396، ص301
[11]ستيفنسون، ليزلي و...، اثنتا عشرة نظرية حول الطبيعة البشرية، ترجمة ميثم محمد أميني، نشر نو، الطبعة الثانية 1396، ص414
[12]لمراجعة الأدبيات الجارية حول هذا الموضوع، انظر:
-McCarroll, Pam…, Assessing plurality in spirituality definitions in Meier, Augustine…(Ed), Spirituality health: Multidisciplinary explorations, Wilfrid Laurier university press, 2005, p43-48
-McIntosh, Mark A, spirituality in McFarland…(Ed), The Cambridge dictionary of Christian theology, Cambridge university press, 2011
-MUELLER S. PAUL and…, Religious involvement, spirituality, and medicine: Implications for clinical practice, Mayo Clin Proc, December 2001, Vol 76, pp 1225-1235
عباسي، محمود وآخرون، التعريف المفهومي والتفعيل العملي للصحة الروحية: دراسة منهجية، فصلية الأخلاق الطبية، السنة السادسة، العدد العشرون، صيف 1391، ص 11-37
[13] Elkins, David. N (1988) …, Toward a humanistic-phenomenological spirituality: definition, description, and measurement, journal of humanistic psychology, 28: p10
[14] Canda, Edward.R, “Spiritual Well-Being” in The Encyclopedia of Positive Psychology, Shane J. Lopez(Ed), Wiley-Blackwell, 2009
[15] Cottingham, john(2003), On the Meaning of Life, Cambridge, p83, 95, 76
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
درنتیجه: انسان موجودی آسیب پذیر و در سرسویدای خودش تنهاست,همچنین انسان موجودی حریص به وجود خودش و عالم به جهل خودش است.همین انسان با نور معنویت,آسیب پذیریش را می پذیرد و بر تنهایی خود غلبه می کند. همه اینها با اتصال به یک امرمتعالی (خدا)امکان پذیر است. درنتیجه می پذیرد که مالک اوست و حتی امکان شدن و صیرورت را خود او پدید می آورد,نه خودش به تنهایی. انسان می خواهد که بشود,اما راه شدن را او به انسان نشان می دهد. او می خنداند(هو اضحک) او می گریاند(هو ابکی) همه اوست. هُو..
سه و شش یکی نیستند؟
3/(عطش کامل خواهی)تمایز میان "آنچه هست"و"آنچه باید باشد". 6/(امکان شُدن)یک طرف"آنچه هستیم"و"آنچه می توانیم باشیم". به نظرمن بین (3 و6 )می توان اینگونه رابطه برقرار کرد. ما آنچه می بینیم "هست"یاآنچه "هست" را می بینیم ؟ امرمتعالی (خدا)آنچه را می بیند"هست"ولی ماانسانها آنچه "هست"را می بینیم. اینجا چگونگی رابطه بین (بایدها و هست ها )مطرح می شود.از طریق "امکان شُدن" می توان این رابطه را برقرار کرد. هر انسانی می داند که" هست" ولی نمی پرسد که چه "باید" باشد. تمام زندگی انسان در فاصله تولد تا مرگ,, جدال بین "هست و باید"است. انسان هم "هست"و هم برای بودن نیاز به "باید"دارد. مانند رابطه جنین و مادر,,جنین وجود دارد و هست و برای بودن به مادر نیاز دارد.تا به کودک تبدیل شود و متولد شود,یعنی کودک بشود. جنین باید هم "بایدهای" خودش را رعایت کند و هم "بایدهای "مادرش را. در نتیجه چنانچه "بایدهای" جنین در راستای" بایدهای "مادر قرار نگیرد ,ممکن است جنین یا مادر و یا هر دو بمیرند. تولد جنین همان شُدن است ,,یعنی کودک..