اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقدم أبو القاسم فنائي تفسيرًا أخلاقيًا لنهضة الإمام الحسين قوامه العدالة والكرامة. تتجاوز هذه القراءة نموذج الإمام لتشمل غير الشيعة، مؤكدةً أن الغاية في سبيل الدين لا تبرر الوسيلة أبدًا.

إن التفسيرات التي قُدّمت حتى الآن لواقعة عاشوراء ونهضة الإمام الحسين، غالباً ما أشارت إلى وجه خاص من هذا الحدث المهم. أبو القاسم فنائي -الذي له مؤلفات مهمة في مجال العلاقة بين الدين والأخلاق[1]- يتناول في هذا الحوار أيضاً التفسير الأخلاقي لهذه الواقعة. تفسيرٌ، وإن لم ينفِ بالضرورة التفاسير الأخرى، إلا أنه يبدو أكثر تأسيساً وأكثر واقعية، كما أنه مهم من حيث الوظيفة واستخلاص الدروس من الإمام. يشير هذا التفسير إلى مبادئ أخلاقية، كالعدالة والكرامة والحرية، التي يمكن رؤية مراعاتها في ثنايا أحداث عاشوراء وفي سائر أيام حياة الإمام. إن عناية الإمام وأنصاره بمراعاة هذه المبادئ تؤكد أنه في طريق أداء الواجبات الدينية، لا ينبغي أبداً الظن بأن الغاية تبرر الوسيلة. علاوة على ذلك، فإن هذا التفسير لا يحصر كون الإمام قدوةً في الشيعة أو المسلمين. توصي صدانت المهتمين بالاستماع إلى هذا الحوار الجميل الذي تشكّل بجهود الكانون الثقافي الفني للإمام الحسين.
- الدكتور أبو القاسم فنائي: مجرد أننا نطلق على حركة الإمام الحسين اسم القيام، يدل على أن لدينا افتراضاً مسبقاً خاصاً. من الأفضل أن نستخدم تعبيراً أكثر حياداً، مثل النهضة، الحركة أو الانتفاضة. لوقت طويل، كان التفسير الشائع لهذه الحادثة بين عموم المفكرين الشيعة والشيعة أنفسهم، هو التفسير أو التبيين الأسطوري. كان تبييناً قائماً على أن هذه الحادثة الأليمة، قد تعلقت بها الإرادة الإلهية لكي تتحقق في ذلك الموقع التاريخي الخاص وذلك المكان الجغرافي المعين.
بعد ذلك، حاول المرحوم الدكتور شريعتي، والمرحوم آية الله صالحي نجف آبادي، ولاحقاً آية الله مطهري وآخرون تقديم تبيين أكثر أرضية لهذه الحادثة. تبيين طبيعي يمكن للآخرين أن يتخذوا منه درساً ويكون له تأثير في حياتهم. بالطبع، يدّعي البعض مثل المرحوم صالحي نجف آبادي أن تبيينهم كان شائعاً قبل رواج التبيين الأسطوري، وكان له أنصار بين المفكرين الشيعة مثل المرحوم الشيخ المفيد.
لدينا تبيينات متنوعة جداً، وهذه التبيينات المتنوعة عادةً ما تكون تبيينات أحادية العامل، وهذا في رأيي نقطة ضعف. بالطبع، تبيين المرحوم مطهري الذي يعلن فيه في الواقع عن تركيب من ثلاثة عوامل كدوافع للإمام في هذه الحركة، يمكن اعتباره تبييناً تركيبياً. تبيينات أمثال المرحوم الدكتور شريعتي والمرحوم آية الله صالحي نجف آبادي هي تبيينات أحادية العامل.
النقطة المهمة هي أنه حتى لو قدمنا تبييناً أخلاقياً لهذه الحادثة، فهذا لا يعني تجاهل الجوانب الأخرى. النقطة الأخرى هي أن الحوادث التاريخية لا تقع عادةً في الفراغ. ليس الأمر أن فرداً أو جماعة يقررون بين ليلة وضحاها القيام بعمل ما. تدريجياً تتهيأ الأرضية لوضع جديد. (دفاع، قيام، نهضة و...)
تقديم تبيين صحيح لهذه الواقعة مرهون بأن نفصل بين قراءتين للإسلام؛ القراءة العلوية والقراءة الأموية.
هاتان القراءتان مختلفتان من جهات متعددة. إحداها في باب السياسة والأخرى في الأخلاق السياسية. إذا أردنا أن يكون لدينا تبيين أخلاقي للواقعة، فيجب أن ندرس على أساس أي قيم أو لا قيم كانوا يتصرفون. ودوافعنا من التوجه إلى حادثة تاريخية مهمة أيضاً.
كثير ممن يتحدثون عن هذه الحادثة، يحاولون أن يضعوا الإصبع على ذلك الدافع لدى مخاطبيهم ويقولوا إن كلامي يلبي حاجتكم.
تلك القراءة الأسطورية تتوافق مع دافع كسب الثواب، وغفران الذنوب من خلال العزاء وذرف الدموع.
أما سائر التفسيرات فلا تنسجم مع ذلك الدافع. إن الدافع الذي قاد أشخاصاً كالمرحوم صالحي نجف آبادي إلى ذلك التفسير، هو امتلاك نموذج للحكومة الإسلامية. لاحقاً، كانت تلك النظرية التي تبلورت هناك، وذلك التبرير الذي تم الحصول عليه من هذا الطريق للسعي لإقامة الحكومة الإسلامية، أحد العوامل المهمة التي أدت إلى تشكّل الثورة الإسلامية.
أو في تفسير الدكتور شريعتي، حيث يؤكد على أنه إذا كنتم تعيشون في ظل حكومة جبارة ومستبدة مسلحة حتى الأسنان، ولا يمكنكم بأي شكل من الأشكال، لا بالطرق السلمية ولا بالحرب المسلحة، الإطاحة بتلك الحكومة، فإن أقل ما يمكنكم فعله هو فضح الحكومة.
ولهذا السبب، يبرز دور أسرى كربلاء بشكل كبير جداً في تفسير المرحوم شريعتي. وكأنها كانت مهمة مركبة قُسّمت إلى جزأين، جزء كان من مهمة الإمام الحسين أن يؤديه باستشهاده، والجزء الآخر كان رسالة ملقاة على عاتق الأسرى وخصوصاً السيدة زينب عليها السلام.
إذا أردنا أن نستخلص درساً من هذه الحادثة، فينبغي أن نتجه نحو تفسير يستطيع أن يشرح بشكل جيد أساس قرار الإمام وأساس قرار يزيد. أساس قرار الطرف المقابل مهم من هذه الناحية، وهي أن علينا أن نتجنب تلك السلوكيات.
ما هو دافع طرفي القضية؟
الفاعل العاقل عندما يريد القيام بعمل ما، يحتاج إلى نوعين من الدوافع: أولاً، الدافع المبرّر: وهو الذي يبرر الفعل. وثانياً، الدافع المحفّز. دافع الفاعلين الأخلاقيين لعملهم يمكن أن يكون هو نفس الدافع المبرّر.
السؤال هو: هل كان للإمام الحسين (ع) تجاه تلك الأفعال وردود الأفعال التي أظهرها، منذ بداية حركته وحتى الحرب وقراراته المهمة، هل كان لديه تبرير ودافع أخلاقي؟
افتراضي المسبق هو أن العديد من المآسي الكبرى التي وقعت في تاريخ الإسلام، بل وربما في تاريخ الأديان الأخرى، كانت بسبب انفصال الدين عن الأخلاق.
يقول الإمام علي: وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه
والله، لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته.
الأصل الأساسي والركيزة هنا، هو مبدأ العدالة. وما هو الأصل الأساسي لدى الطرف الآخر؟ الحق لمن غلب! هذان المبدآن في تقابل مع بعضهما.
الأصل الآخر هو: هل الغاية تبرر الوسيلة أم لا؟
الطرف الآخر، لأن فلسفته السياسية والأخلاقية تقوم على أصالة القوة، ويقول يجب أن نحصل على السلطة ونحافظ عليها بأي ثمن، فإن الغاية تبرر الوسيلة بالنسبة له، أما هذا الطرف فليس الأمر كذلك.
إجراء مسلم بن عقيل هو من هذا النموذج. يُعرض عليه أن ندعو ابن زياد، وأنت اختبئ وراء الستار، ثم اخرج واقتله. مسلم لا يفعل ذلك. لو كان فعل ذلك، لكان من المحتمل جداً أن يتغير مسار التاريخ.
إذا أردنا أن نمتلك تفسيراً أخلاقياً لحركة الإمام الحسين يمكننا استخدامه في حياتنا، فيجب أن ننتبه إلى مبدأ أخلاقي بارز:
1- مبدأ العدالة: الإمام في وصيته لمحمد بن الحنفية، قبل خروجه من المدينة، يقول إني أخرج من المدينة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي نهاية تلك الجملة يقول: وَ أَسیرُ بِسیرَةِ جَدِّی وَ أَبی عَلىِّ بْنِ أِبی طالِب؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب (عليه السلام).
أي أسلوب الزعامة وطريقة إدارة المجتمع. إن طريقة إدارة المجتمع تلك في ذلك الزمان لدى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والإمام علي كانت الطريقة العادلة.
فيما يتعلق بالأمر بالمعروف، خلافاً لذلك التفسير الذي يتبناه البعض لهذه الحادثة بأن يزيد كان مقامراً ومولعاً بالكلاب، وأن مقصود الإمام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تلك المفاسد التي كانت قد ظهرت في المجتمع، وأنه أراد الاستيلاء على الحكم ومن خلال الحكم يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، كلا! ليس هذا هو الأمر. لأن أكبر منكر وقع هناك هو تحويل الخلافة إلى سلطنة.
إن الاعتقاد بأصالة القوة، كان هو أكبر منكر وقع. وكان إصلاح سائر المنكرات رهيناً بإصلاح هذا المنكر.
المقصود بالعدالة، هو المعنى العام للكلمة. وهو يشمل العدالة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.
إذا أردتم القضاء على منكر مهم وإرساء العدالة الاجتماعية، فلا يمكنكم ذلك بمفردكم. لا بد أن يكون الناس معكم. فإن لم ينصروا الناس، فإن هذا الواجب يسقط عن عاتق الإمام الحسين.
حين يرى الإمام أن الكوفيين قد تغير رأيهم ولم يعودوا مستعدين للنصرة، فإن هذا الواجب يسقط عن عاتقه. ويقترح عليهم: إما أن تتركوني لأذهب إلى بقعة نائية، أو أعود إلى المدينة.
2- مبدأ الكرامة الإنسانية. يخلص الإمام إلى أن الدفاع والاستشهاد والموت بعز خير من الحياة بذل.
ماذا كان اقتراح يزيد؟ كان معنى البيعة في ذلك الزمان أنك إذا بايعت أبقيتك حياً. أي أنك تشتري حياتك بهذه الطريقة. أي أنك تساوم؛ تبايعني فأمنحك حق الحياة. بينما كان الإمام الحسين يعتقد في الواقع أنه كلا، حق الحياة قد منحني إياه الله، ولا معنى لأن تمنحني أنت حق الحياة هذا، وإن أنا بايعتك فهذا لا ينسجم مع كرامتي الإنسانية.
إنه في تضاد.
3- مبدأ الحرية والإباء. إن كثيراً مما قام به الإمام، ومن ذلك قبول توبة الحر، وسقاية جيش العدو، ورفع البيعة عن أصحابه... إلخ، يعود إلى مبدأ الإباء والحرية.
بهذه المبادئ الثلاثة يمكن تفسير هذه النهضة. والنتيجة هي أن الإمام الحسين ليس قدوة للشيعة فحسب، وليس قدوة للمسلمين فحسب، بل يمكن أن يكون قدوة للبشرية جمعاء. فبوسع جميع البشر أن يقبلوا هذه المبادئ الثلاثة كمبادئ أخلاقية أساسية، وأن يعيشوا على أساسها.
لقد دفع الإمام الحسين ثمناً باهظاً جداً لإحياء هذه المبادئ وتخليدها.
عندما نقول إن الإمام الحسين قدوة لنا، فليس معنى ذلك أن الأدوات والمقدمات والأساليب التي استخدمها الإمام لاتباع هذه المبادئ في ذلك الزمان، ينبغي لنا أن نستخدمها نحن أيضاً بالضبط. قد نضطر، إذا أردنا تحقيق المثل الأعلى للعدالة الاجتماعية، إلى سلوك طريق آخر. وهنا ينبغي أن نرى: لو كان الإمام الحسين (ع) في موقعنا، ومع ما هو متاح له الآن من إمكانات، كيف كان سيستخدم هذه الإمكانات؟
فنائي: لدي محاضرة مفصلة بهذا الشأن نُشرت لاحقاً في صورة مقالة، وأنصح المشاهدين الأعزاء بقراءة هذه المقالة حتماً. عنوانها: الأمر الديني والأمر ما وراء الديني في حادثة كربلاء.[2]
هذه العبارة، هي عبارة عميقة جداً ويمكن استخلاص نقاط كثيرة منها. يريد الإمام أن يقول إن عملكم هذا خاطئ لسببين؛ أحدهما ديني والآخر فوق ديني. السبب الديني يكون فاعلاً عندما تخافون من سوء العاقبة والمعاد. فإن لم يكن لكم دين فبطبيعة الحال لن يكون هذا الدافع فاعلاً فيكم. لكن قد يكون المرء بلا دين، ومع ذلك يمتلك إنسانية. فإن لم يكن لكم دين فعلى الأقل ينبغي للهوية الإنسانية أن تردعكم. فتلك الحرية هي ما تقتضيه الهوية الإنسانية.
- فنائي: لا يمكننا أن ننسب النظرية بأكملها التي شرحها كانط وبسطها لاحقاً. هذا خطأ مفارقة تاريخية. لكن إذا أردنا شرح تلك العبارة اليوم، فإن أحد أفضل شروحها هو في إطار نظرية كانط الأخلاقية نفسها.
مبدأ القابلية للتعميم عند كانط، هو لجميع البشر. هو لجميع الكائنات العاقلة. والآن ينبغي أن نرى إن كان امتناع الإمام الحسين (ع) عن المبايعة في ذلك الموقف يعني أن جميع البشر عندما يجدون أنفسهم في ذلك الموقف ينبغي ألا يبايعوا، أم أن شخصاً مثل الإمام الحسين بخصائصه المميزة هو الذي ينبغي ألا يقدم على هذا العمل؟
إذا قلنا بالأول، فمعناه أن إمامة الإمام وتلك الشخصية المميزة التي كان عليها وذلك الاعتراف الذي كان الناس يكنونه له، إذا أردنا أن نقول إن أحداً إذا وجد نفسه في ذلك الموقف ينبغي ألا يبايع شخصاً مثل يزيد، فهذا نوع من القابلية للتعميم. لكنها ليست قابلية للتعميم على جميع البشر من حيث هم بشر.
بمعنى ما، تشمل جميع البشر بشرط أن أي إنسان إذا وجد نفسه في ذلك الموقف الذي تكون مبايعته فيه نوعاً من إضفاء الشرعية على قراءة خاطئة للدين خارج الإطار الأخلاقي، فنعم.
- فنائي: لدينا أخلاق ولدينا نظرية أخلاقية. الأخلاق هي تلك الاعتبارات والأسباب الأخلاقية. النظريات الأخلاقية أو المذاهب الأخلاقية هي نتاج تأمل تلك الاعتبارات الأخلاقية من منظور الفلاسفة. يحاول فلاسفة الأخلاق أن يجعلوا مجموعة الاعتبارات الأخلاقية منهجية. لدينا هنا ثلاث مقاربات عامة يمكننا أن ندرج تحتها هذه النظريات الأخلاقية المتنوعة.
ما حدث على مر تاريخ النظريات الأخلاقية وتاريخ فلسفة الأخلاق هو أن أنصار كل واحدة من هذه المقاربات حاولوا نقد المقاربة المقابلة. هذا أدى إلى أن نجد قراءات موسعة ومعقدة جداً لوجهات النظر أو النظريات أو المقاربات الثلاث هذه.
برأيي يمكننا تفسير سلوك الإمام على أساس المقاربات الثلاث جميعها. لكن بقراءة خاصة.
إذا أخذتم النفعية بعين الاعتبار هنا، فالمنافع التي تؤخذ في الحسبان هي تلك التكاليف التي دفعها الإمام وتلك المنافع التي كان يتوخاها وسعى للوصول إليها بتلك الحركة بحيث يمكنها تغطية تلك التكاليف. إذا حصرنا زاوية رؤيتنا بالمنافع الدنيوية فلا يمكن شرح ذلك. هناك قراءة دينية وروحانية أخروية للنفعية. في هذه القراءة؛ الكرامة الإنسانية، العدالة، الحرية، إذا كانت هذه ضمن بنود حسابنا، فبهذه القراءة للنفعية يمكن شرح ذلك، وكذلك بقراءة فضيلتية وبأخلاق الواجب.
بصرف النظر عن الإمام وأخيه، وهما الشخصيتان المحوريتان في هذه الحادثة، ثمة حالات أخرى من المعضلات والقرارات المصيرية لدى طرفي الواقعة. فمثلاً، لدينا من جهة الحرّ وزهير، ومن الجهة الأخرى عمر بن سعد. برأيكم، ما هي الرسائل والدروس التي تحملها قصة عاشوراء لنا في مواجهة المعضلات والقرارات الكبرى واختيار الطريق الصحيح؟
- فنائي: يمكن تقسيم جميع قراراتنا في الحياة إلى نوعين؛ في بعض هذه القرارات، تكون الأخلاق غير مشروطة، وتكون صامتة.
أما النوع الثاني فهو المواضع التي نسميها بالمعضلة الأخلاقية. إذا أردنا أن نسلك المسار الذي تمليه علينا الأخلاق، فعلينا أن ندفع الثمن. هذا الثمن هو الذي يُظهر إلى أي مدى بلغ البشر الكمال في حقل الأخلاق. فكلما كان الإنسان مستعداً لدفع ثمن أكبر في سبيل اتباع القيم الأخلاقية التي يؤمن بها، دلّ ذلك على أنه أكثر كمالاً من الناحية الأخلاقية. إن تلك المعضلات التي حدثت في كربلاء كانت جميعها من هذا القبيل؛ حيث كان عليهم إن قاموا بذاك الفعل أن يدفعوا ثمناً باهظاً، وإن لم يفعلوه فلن يدفعوا ذلك الثمن الباهظ.
لكل إنسان ثمن؛ أي أن المهم هو أن نسلّم بأن كل عمل نقوم به، هو من وجهة نظرٍ ما، عبارة عن مقايضة، فنحن نبيع أنفسنا، وعلينا أن نرى بأي ثمن نبيع أنفسنا وكرامتنا.
من أهم النقاط أن ندرك، أولاً، أننا في كل موقف من هذه المواقف نكون فيه، علينا أن ندفع ثمناً لأجل السلوك الأخلاقي.
بأي ثمن وبأي وسائل يمكن للآخرين أن يجبرونا على ارتكاب ذلك الفعل غير الأخلاقي؟ إنه في الواقع ميزان لنزن به ثقلنا الأخلاقي.
لو كنا هناك، ماذا كنا سنفعل؟
لو عرضت علينا السلطة حكم الري، ماذا كنا سنفعل؟
إنه عرض مغري! نحن هنا نجلس مرتاحي البال ونقول: لا.
- فنائي: في الواقع، هل لدينا دليل أخلاقي على إقامة العزاء أم لا؟ نعم، يمكننا القول إن إقامة العزاء، في ظل ظروف معينة، عمل حسن من الناحية الأخلاقية، بل وقد يكون عملاً واجباً أيضاً.
أمر مهم جدًا هنا هو أن ننتبه لمن نعزي وماذا نتوقع من هذا العزاء؟ بالتأكيد، إذا كان هذا العزاء للإمام الحسين يؤدي إلى حدوث تحول في شخصيتنا ونصبح إنسانًا أفضل، بحيث عندما نخرج من مجلس العزاء يشعر الآخرون بأننا قد تغيرنا، نقل كذبًا، ونقل احتيالًا على الناس، ونقل ظلمًا، فإذا تحقق ذلك، يصبح هذا بذاته مدرسة للتربية الأخلاقية. في الواقع، أعتقد أن الهدف الأساسي من ذلك العزاء كان هذا بالضبط. أما ما حدث عبر التاريخ، حيث أُعطي ضوء أخضر لبعض الناس ليقوموا بأعمال مخالفة للأخلاق طوال العام ثم يقولوا: حسنًا، سنذهب إلى هناك ونذرف دمعة، أو ننذر نذرًا، أو نلطم الصدور فتُغفر ذنوبنا، فهذا تحريف وقع في هذه القضية. تأكيد الروايات على العزاء سببه أن يأتي الناس إلى هذه المجالس ويجالسوا الإمام الحسين، وبأثر مجالسة الإمام الحسين ومعرفته والارتباط به، الارتباط العاطفي بالإمام الحسين الحقيقي، تفيض فضائل تلك الشخصية فيهم ويتحولوا إلى بشر أفضل، بشر أفضل من الناحية الأخلاقية.
للعزاء قيمة أداتية. إذا أردنا أن نقول من الناحية الأخلاقية إن هذا العمل عمل جيد، فيجب أن نرى هذه الأداة لأي شيء هي؟ ذلك الهدف هو الذي يمنح هذه الوسيلة قيمتها. إذا كان الهدف جيدًا، تصبح ذات قيمة، أما إذا كان الهدف أشياء أخرى، فقد يكون يزيد نفسه مستعدًا للمشاركة في هذه المجالس!
كان الدكتور شريعتي يقول: لقد حولوا الدم إلى أفيون! إذا تحولت مجالس عزاء الإمام الحسين، بدلًا من أن توقظ البشر والضمائر الغافية وتثير الحساسية الأخلاقية للناس تجاه الظلم والجور والإنصاف، إلى مادة مخدرة، واعتقد الناس أن واجبهم الوحيد هو أن يأتوا إلى هناك ليلطموا صدورهم ويذرفوا الدموع، ثم حين يخرجون يكون سلوكهم في الخارج سلوك شخص لا علاقة له بالإمام الحسين، إذا نظرنا من الخارج، نرى أن هذا السلوك يتوافق مع نفس المبادئ التي كان يتبعها يزيد وجنوده. المهم هو إحياء ذكرى الإمام الحسين. بسبب الظروف السياسية وأن الحكام الجائرين لم يكونوا ليسمحوا مطلقًا بإقامة مجلس تأبين عادي لإحياء ذكرى الإمام والتعريف بشخصيته، إلا على شكل عزاء.
يقولون: حسنًا، هؤلاء معزون، لا يفعلون شيئًا، إنه مجرد عزاء، وليس لديهم حساسية سياسية كبيرة تجاه العزاء. لهذا السبب، تم التأكيد عبر التاريخ على العزاء وثواب العزاء، لكنه في نظري ليس موضوعيًا. المهم هو إقامة ارتباط وجودي مع الإمام الحسين. وهذا الارتباط الوجودي له جانبان: ارتباط عاطفي وارتباط معرفي وتجريبي. أي أننا حين نشارك في عزاء الإمام، يجب أن نحاول أن نكون وكأننا في ذلك المشهد. أي أن يكون ذلك تدريبًا لنا، بحيث عندما نقع في ذلك الموقف أو موقف مشابه، يصبح سلوكنا شبيهًا بذلك السلوك ورد الفعل الذي أبداه الإمام الحسين في ذلك الموقف.
- فنائي: في العزاء، يجب علينا بالتأكيد مراعاة مجموعة من المبادئ الأخلاقية. يمكن ذكر عدة نقاط هنا كمقترحات نتأمل فيها أكثر.
يجب أن ننظر إلى العزاء كوسيلة وأداة، وأن نتحلى دائمًا بهذه الحساسية: أولًا، هل توصلنا هذه الأداة والوسيلة إلى الهدف أم لا؟ وثانيًا، هل هي أفضل أداة ووسيلة ممكنة ومتاحة للوصول إلى ذلك الهدف أم لا؟ كثير من العبادات المهمة كالصلاة والحج والصوم هي أدوات هادفة. (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ)
إذا حدث تحول في شخصيتي، يمكننا أن ننظر إلى هذا العزاء كما ننظر إلى سائر العبادات.
الكثير من هذه المراثي الخالية من المضمون، وهيئة لطم الصدور، وشكل المضمون، والأشعار، وأسلوب الأداء، لا تليق بمقام الإمام الحسين، ولا تُحدث أدنى تأثير إيجابي من الناحية المعنوية والأخلاقية في المخاطبين والمستمعين. لقد تحولت إلى أداة للتسلية والتفريغ الانفعالي. هذا ليس ما كان يقصده الأئمة.
.
.
[1] الدين في ميزان الأخلاق: العلاقة بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية، أبو القاسم فنائي، طهران: منشورات صراط، 1384
أخلاقيات علم الدين: بحث في الأسس المعرفية والأخلاقية للفقه، أبو القاسم فنائي، طهران: نگاه معاصر، 1389
أخلاقيات التدين، قيد التأليف
[2] أبو القاسم فنائي: الأمر الديني والأمر ما وراء الديني في رسالة عاشوراء: صدانت
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
باسلام وعرض ادب خدمت استاد فنائی وتهیه کنندگان بسیار عالی ودقیق بیان شدبسیار استفاده نمودیم. ان شاءالله به این سخنان بادقت عمل کنیم.تا جامعه دچار این همه گرفتاری ومشکلات نشود