اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«واقعة كربلاء كانت نتيجة لانفصال الدين عن الأخلاق»؛ الفلسفة السياسية الأموية تقوم على حفظ الحكم بأي ثمن، والنظرة العلوية ترى في الحكم أداة لتحقيق العدالة، ومنطق الإمام الحسين هو محاربة المنكر الذي يُبرَّر باسم الدين؛ محاضرة لأبي القاسم فنائي.

سلام عليكنّ أيها الأخوات والإخوة الأعزاء. في الجلسة السابقة تحدثنا عن فلسفة عاشوراء ونقدنا بعضًا من التفسيرات التي قُدّمت لهذه الحادثة. قلنا إنه لكي تحمل حادثة تاريخية درسًا ورسالة لنا، ينبغي أولاً أن نسعى إلى فهمها فهمًا صحيحًا، وليس فهم الحادثة سوى تفسيرها. ولا بد لنا من فحص مجموعة الوثائق والمستندات التاريخية المتعلقة بتلك الحادثة وتقديم تفسير لها يكون، مقارنةً بالتفسيرات البديلة والمنافسة، أكثر اتساقًا مع المستندات والشواهد وتتوفر أدلة أقوى لصالحه. وإضافة إلى الاتساق الأكبر مع الشواهد ذات الصلة، فإن التماسك الداخلي للتفسير واتساقه مع سائر معتقداتنا المقبولة يُعدّان أيضًا من معايير أفضلية تفسير على التفاسير المنافسة. التفسير الميتافيزيقي لهذه الحادثة، حتى لو كان صحيحًا، لا ينطوي على أي فائدة عملية، لأنه يعتمد على دور الله والعلل والعوامل الغيبية في وقوع الحادثة المعنية، لا على دور البشر العقلاء الأحرار المختارين. أما التفسير الذي ينطوي على فائدة عملية لنا فهو التفسير الطبيعي، الإنساني والأرضي، أي التفسير الذي يُعتمد فيه على دور البيئة بالمعنى الأعم للكلمة ودور إرادة البشر وفعلهم الإرادي والاختياري في رد فعلهم على ما يجري في بيئتهم المحيطة.
في الجلسة الماضية نقدنا وفحصنا إجمالاً خمسة تفاسير مختلفة، وسنفحص الليلة تفسيرًا آخر يبدو أفضل وأكثر قابلية للدفاع من سائر التفاسير. لكن قبل الخوض في الموضوع الرئيسي، لا بأس من الانتباه إلى نقطتين. النقطة الأولى هي أن قائمة التفاسير التي نوقشت ونُقدت هنا ليست مغلقة. فهناك تفاسير أخرى لحادثة عاشوراء متوفرة أو يمكن تقديمها، وفحصها جميعًا يتجاوز طاقة جلستنا. النقطة الثانية هي أنه كما كان الإمام الحسين يتخذ القرارات ويتصرف وفق منطق خاص، فإن يزيد وأعوانه وأنصاره كانوا أيضًا يتبعون في سلوكهم منطقًا خاصًا. وبما أن هذه الحادثة هي نتاج فعل ورد فعل المجموعتين، فإن التفسير الشامل لهذه الحادثة يتطلب أيضًا كشف المنطق الحاكم على سلوك كلا المجموعتين. ولكن بسبب ضيق الوقت، نضطر إلى تأجيل فحص المبادئ الحاكمة على سلوك يزيد وأتباعه إلى وقت آخر. وأكتفي هنا بالقدر الذي أقول فيه إن اثنين من المبادئ الحاكمة على سلوك هؤلاء، واللذين هما في الواقع من جملة مبادئ الفلسفة السياسية الأموية بل من أسس الفلسفة السياسية لكل المستبدين، أحدهما مبدأ «وجوب حفظ الحكم بأي ثمن» والآخر «نظرية النصر بالرعب».
في الفلسفة السياسية الأموية، الحكم هو الأصل ويجوز فعل أي شيء للحفاظ عليه. ووفق هذه الرؤية السياسية، يحق للحاكم، من أجل الحفاظ على حكمه، أن يدوس عند اللزوم على كل القيم الأخلاقية بما فيها مبدأ العدالة وأن ينتهك حقوق المواطنين. بينما في الفلسفة السياسية العلوية، ليس للحكم قيمة ذاتية، بل هو مجرد أداة ووسيلة لتحقيق العدالة، أي أن قيمته أداتية محضة، وإذا توقف حفظه على الظلم فلن يساوي فلسًا. يروي ابن عباس في قصة نُقلت على لسانه في نهج البلاغة قائلاً: ذهبتُ إلى خيمة الإمام علي في حرب الجمل فرأيته يصلح نعله ويرقّعه. يقول: سألني الإمام: «كم تساوي هذه النعل؟». فقلت: «لا شيء». فقال الإمام: «والله إن قيمة الحكم عليكم عندي لأقل من هذه النعل، إلا أن أقيم به حقًا أو أميت باطلاً». إقامة الحق هنا بمعنى تحقيق العدالة. إذن، في الفلسفة السياسية العلوية، القيمة الأولى والأساسية هي قيمة العدالة، ويكتسب الحكم قيمته في ظل العدالة، أي أنه يستمد قيمته من العدالة وهو بذاته عديم القيمة، ولا قيمة له إلا ما دام يمكن من خلاله تطبيق العدالة في المجتمع. بينما في الفلسفة السياسية الأموية، للحكم قيمة ذاتية وهو مطلوب بالذات، ويجب حفظه بأي ثمن.
من ناحية أخرى، إذا راجعت تاريخ كربلاء ترى أن العديد من الجرائم والوحشية التي ارتُكبت هناك لم تكن ضرورية، ولا سيما الجرائم التي حدثت بعد انتهاء الواقعة واستشهاد الإمام الحسين وأنصاره، مثل ركض الخيل على أجساد الشهداء، ورفع الرؤوس على الرماح، وتطوافها في المدن، وكذلك أسر النساء والأطفال وتطوافهم في مختلف المدن. يبدو أن هذه الجرائم لا تبرير لها، إلا نظرية النصر بالرعب. أراد يزيد وجنوده من خلال ذلك بث الرعب في قلوب الآخرين، وأن يُفهموا الناس عملياً أننا عندما نفعل هذا بابن النبي وأهل بيت النبي، فغيرهم أولى بذلك. ثمة مبادئ أخرى يمكن تعدادها للفلسفة السياسية الأموية، منها مبدأ «الحق لمن غلب»، «أي أن الحق مع من يمتلك القوة الأكبر». لكن شرح هذه المبادئ وسائر المبادئ التي كانوا يتبعونها يحتاج إلى مجال آخر.
لننتقل الآن إلى المنطق الحاكم على سلوك الإمام الحسين. النظرية التي أود مشاركتها مع الأصدقاء الليلة تقول بإيجاز: «إن حادثة كربلاء كانت نتيجة لانفصال الدين عن الأخلاق». إذا خرج الدين عن إطاره الأخلاقي، وإذا انتهكت الحكومة الدينية ومن يحكمون الناس باسم الدين المبادئ والقواعد الأخلاقية وتجاهلوا القيم الأخلاقية، حينئذ يمكن القول إن منكراً قد وقع في المجتمع الديني يجب محاربته. يبدو أن هذا هو أعظم وأخطر فساد قد يصاب به مجتمع ديني. بالطبع، قد يظهر مثل هذا الفساد في المجتمعات غير الدينية أيضاً، لكن الفرق هو أن مثل هذا المنكر الأخلاقي عندما يقع في المجتمع الديني، فإنه يُرتكب باسم الدين ويُختلق له تبرير ديني. ماذا كان يقول جنود يزيد؟ كان استدلالهم أن يزيد هو خليفة رسول الله وواجب الطاعة على جميع المسلمين. ومخالفته هي مخالفة لرسول الله، ومن يخرج على خليفة رسول الله يكون قد خرج من الدين ويستحق أشد العقاب.
لكن التبرير الذي كان الإمام الحسين يقدمه لسلوكه لم يكن أنك لست خليفة رسول الله وأنا خليفة رسول الله، وأنني لو كنت مكانك لحلّ لي أن أفعل ما أشاء. في رأيي أن الذين يشيرون إلى خصال يزيد الشخصية، كلعبه بالكلاب ولعبه بالقرود، لتبرير جهاد الإمام الحسين، يظلمون الإمام الحسين. لقد عبّر الإمام الحسين في كلماته بوضوح عن أهدافه من هذه الحركة. فهو في الوصية التي كتبها قبل خروجه من المدينة وأودعها أخاه محمد بن الحنفية لتُسجّل في التاريخ، يوضّح أهدافه بجلاء. يستهلّها بالشهادة بوحدانية الله ورسالة النبي. ويُحتمل أن ذلك يعود لسببين: الأول أنه كان يتنبأ بأن تُوجّه إليه من قِبَل الجهاز الدعائي لبني أمية تهمة الخروج من الدين ومعاداة النبي. والثاني أنه كان يتنبأ بأن يرفعه بعض محبّيه الجهلاء إلى مقام الألوهية. أولئك الذين يقولون اليوم: «نحن حسينيون إلهيون وكربلاء كعبتنا». ثم يقول الإمام الحسين: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً. وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي». أي: «لم أقم بدافع الأنانية والمرح والفساد والظلم، وليس دافعي سوى الإصلاح في أمة جدي رسول الله. قصدي أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأن أسير على سنة جدي وأبي». وكما قلت في الجلسة الماضية، فإن تعبير «أمة جدي» هنا هو «وعاء» الإصلاحات، لا «موضوعها» و«محلّها». وعطف جملة «أسير بسيرة جدي وأبي» على جملة «آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر» هو عطف توضيحي وتفسيري، أي أن هذه الجملة تُظهر ما يعنيه الإمام الحسين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. السيرة تعني أسلوب الحكم، ومقصوده أن أسلوب حكم يزيد المستبد لا يمتّ بصلة إلى أسلوب حكم رسول الله وأسلوب حكم الإمام علي. لقد كانا يعاملان الناس بالعدل، أما سلوك هذا الحكم مع الناس فظالم، وهذا هو أعظم منكر، بل المنكر الوحيد الذي يجب محاربته. المنكر الذي واجهه الإمام الحسين في ذلك الزمان ووجبت مخالفته، هو الظلم السياسي والاجتماعي للحكم، لا لعب الخليفة بالكلاب والقرود. كما أن هدف الإمام لم يكن الوصول إلى السلطة. لم يكن نزاعه على السلطة. يقول الإمام في موضع آخر: «اللهم إنك تعلم أن هدفي ليس المنافسة على السلطة». كان الإمام الحسين يفكر في تغيير الأساليب والبنى، لا في تغيير الأشخاص.
«العدالة» و«الكرامة» هما من أهم وأبرز القيم الأخلاقية، وفي رأيي أن نظرة عابرة على أقوال الإمام الحسين وسلوكه تُظهر أنه منذ البداية وحتى النهاية، قرر ذلك الإمام وتصرف بناءً على هاتين القيمتين الأخلاقيتين العظيمتين. لقد اتخذ الإمام الحسين في السنة الأخيرة من حياته، أي بعد وفاة معاوية وتولي يزيد مكانه، قرارين كبيرين ومصيريين، وهذان القراران لا يمكن تبريرهما إلا بناءً على مبدأ العدالة ومبدأ الكرامة، وكلاهما من المبادئ الأخلاقية. لم تكن حركة الإمام الحسين حركة عمياء قائمة على العاطفة والمشاعر، بل كانت تتبع منطقاً عقلانياً قوياً ومدروساً ومحسوباً.
القرار الأول الذي اتخذه الإمام الحسين وخرج بموجبه من المدينة، هو قرار القيام ضد حكم يزيد الظالم والمستبد والسعي لتشكيل حكم عادل بمساعدة أهل الكوفة، وهذا الفعل لا يمكن تبريره إلا بناءً على مبدأ العدالة الذي هو أهم قيمة في الأخلاق الاجتماعية والسياسية. وحتى هذه اللحظة كان شعار الإمام الحسين: «كونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً». القرار الثاني الذي اتخذه الإمام الحسين، هو القرار الذي اتخذه بعد أن علم باستشهاد مسلم بن عقيل وانصراف أهل الكوفة عنه، وعمل بموجبه حتى كربلاء. عندما أجبره العدو على الاختيار بين الاستسلام والمبايعة أو القتل، فضّل الموت بعزّة على الحياة بذلّة. كان شعاره في هذه المرحلة: «هيهات منا الذلة». وهذا القرار والفعل لا يمكن تبريرهما إلا بناءً على مبدأ الكرامة الإنسانية.
يقول مبدأ العدالة: إننا جميعًا كبشر، بحكم إنسانيتنا، مكلفون أخلاقيًا بمحاربة الظلم والسعي لتحقيق العدالة. غير أن محاربة الظلم الاجتماعي الشامل والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية على المستوى الكلي له شروط ومراحل، ومراعاتها ضرورية من الناحية الأخلاقية. للظلم أيضًا أنواع وأقسام، وكلها تندرج تحت عنوان سلب الحقوق أو تضييع حقوق الآخرين والتغاضي عنها. حيثما وُجد ظلم، فلا بد أن يسبقه حق يكون الشخص أو الجماعة أو الحكومة الظالمة قد ارتكبت الظلم بالتغاضي عنه وسحقه. وعليه، إذا لم يكن هناك حق، فلن يكون هناك ظلم.[2] عندما يقول الإمام الحسين إنه يريد أن يعمل بسيرة جده وأبيه، فإنه يعني بذلك أيضًا أنه لم يثر من أجل استيفاء حقه الشخصي. هذا جزء من سيرة الإمام علي. فالإمام علي، حين قرر الناس أو مجلس الشورى السداسي الذي عيّنه عمر مبايعة عثمان، يقول: «لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري؛ والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة، التماسًا لأجر ذلك وفضله، وزهدًا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه» (نهج البلاغة، الخطبة 74).
العدالة الاجتماعية، على حد تعبير جون رولز، هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية. وفي المجتمع العادل، تتشكل المؤسسات الاجتماعية على أساس حقوق الأفراد، وتُدار على أساس هذه الحقوق، وفي تفاعل هذه المؤسسات مع الأفراد تُحترم حقوقهم ولا تُهدر. العدالة الاجتماعية لا تختزل في العدالة الاقتصادية، بل تشمل العدالة السياسية أيضًا. العدالة السياسية هي التوزيع العادل للسلطة والمسؤولية والحرية وسائر الخيرات العامة. وعليه، فإن الحرية ليست خصمًا للعدالة ولا تقف في مواجهتها، أي أن البشر ليسوا مضطرين للاختيار بين العدالة والحرية والتضحية بإحداهما من أجل الأخرى. بل إن العدالة هي المعيار الذي يجب أن يتم على أساسه توزيع الحرية وسائر الخيرات والإمكانات العامة. سلب الحريات أو التوزيع غير المتكافئ للحرية يُعتبر مصداقًا للظلم. الساحة العامة هي ملك مشاع للمواطنين، ونصيب كل فرد في هذا المجال متساوٍ مع الآخرين. إذا تصرف أحد في هذه الساحة دون حضور عموم المواطنين أو ممثليهم الحقيقيين المنتخبين ودون رضاهم، فإن تصرفه يكون غاصبًا وظالمًا، ويكون الواجب الأخلاقي لآحاد الناس هو محاربة هذا الظلم.
لكن، كما أسلفت، فإن لهذا الواجب شروطًا ومقدمات ومراحل أيضًا يجب مراعاتها. المرحلة الأولى لمحاربة الظلم الاجتماعي هي «النشاط الثقافي». في هذه المرحلة، يكون الذين يرون وجود مثل هذا الظلم في المجتمع ويلمسونه مكلفين، من خلال النشاط الثقافي، بتوعية الآخرين بوجود هذا الظلم وضرورة محاربته، وتذكير الجميع بهذا الواجب الأخلاقي. في هذه المرحلة، لا تكون الثورة والانتفاضة الفردية ضد الظلم، خصوصًا المسلحة منها، عملًا صائبًا وعقلانيًا. ولكن، وإن كان النشاط الثقافي من أجل الإصلاحات الاجتماعية واجبًا عامًا وشاملًا، فإن مسؤولية النخب والعلماء والمفكرين في هذا المجال أكبر وأثقل. الهدف من النشاط الثقافي هو أن يصبح الضمير الجمعي حساسًا تجاه الظلم، وأن تتحول العدالة إلى مطلب عام. وفي هذه المرحلة، تكون محاربة الظلم عملًا فرديًا أكثر منها عملًا جمعيًا.
النشاط الثقافي الهادف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية يشمل أيضًا التنظير حول العدالة الاجتماعية، لأنه بدون امتلاك نظرية واضحة ومنقحة حول العدالة الاجتماعية، لا يمكن تشخيص مصاديق الظلم الاجتماعي، ولا يمكن السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. النظرية هي دليل العمل، والذين يقدمون على العمل دون امتلاك نظرية مدروسة لا يصلون إلى نتيجة، إن لم نقل إن ضرر عملهم أكثر من نفعه.
ولا يفوتنا أن التجربة التاريخية للبشر تُظهر أن استبدال أفراد المجتمع لا يحوّل المجتمع الظالم إلى مجتمع عادل، ولا يُحلّ العلاقات العادلة محل العلاقات الظالمة. وهذه المسألة بالذات هي إحدى الفروق المهمة بين الثورة والإصلاح. فالحركات الثورية تتجه نحو استبدال الأفراد، وعادةً ما تتوقف عند هذا الحد. يظن الثوار خطأً أن السبب الرئيسي للمشكلات الاجتماعية هم أفراد معينون، وبإزاحتهم أو زوالهم تُحل المشكلة، في حين أن المشكلات الاجتماعية لها جذور اجتماعية وثقافية، وتنبع من بنية المجتمع وثقافته وتتغذى منهما، وما لم تُصلح الثقافة والبنية الاجتماعية، فإن استبدال الأفراد لن يجدي نفعًا، وبعد مدة ستعود العلاقات السابقة نفسها تحت عناوين جديدة وبثوب جديد، والأفراد الجدد الذين يصلون إلى السلطة، شاءوا أم أبوا، لا يستطيعون إيقاف هذه العملية أو تغييرها. بل إن السلطة تجعل شخصيتهم وطبعهم وطريقة تفكيرهم وسلوكهم تتغير. وهذا ما يقوله القرآن: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ». فما لم يتغير الناس، لن تتغير العلاقات والبنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع. وتغيير الناس لا يمكن إلا من خلال العمل الثقافي ومكافحة الجهل والتفكير الخرافي. إذن، فالإصلاح الفكري والثقافي مُقدَّم على الإصلاحات السياسية والاقتصادية. فالعدالة الاجتماعية، التي هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، تختلف عن العدالة الفردية، التي هي فضيلة الأفراد؛ ولا ينبغي اعتبار هاتين العدالتين شيئًا واحدًا أو اختزال إحداهما إلى الأخرى.
بعد أن يصبح الأفراد واعين، ويستيقظ ضميرهم الجمعي ويصبح حسّاسًا، يأتي دور النضالات الاجتماعية السلمية. وللدخول في هذه المرحلة شرطان مهمان. الشرط الأول هو حضور واستعداد أفراد المجتمع بعدد كافٍ. فإذا لم يكن عدد الأفراد المستعدين للمشاركة في النضال الجماعي ضد الظلم الاجتماعي كافيًا، يُرفع تكليف النضال الاجتماعي السلمي عن عاتق قادة المجتمع الفكريين، وتقتصر مهمتهم على النشاط الثقافي فحسب. ذلك أن كل تكليف مشروط بالقدرة والاستطاعة من جهة، ومن جهة أخرى فإن النضالات الاجتماعية موجهة نحو النتيجة، والنتيجة المرجوة من هذا النضال لا تتحقق إلا إذا كان أفراد المجتمع حاضرين بالقدر اللازم للمشاركة في هذا النضال ودفع التكلفة اللازمة. أما الشرط الثاني لدخول هذه المرحلة فيتعلق بأسلوب النضال. في هذه المرحلة، يجب حصرًا استخدام السُبُل والوسائل والأساليب السلمية (= العصيان المدني)، لأنه إذا أمكن بلوغ الهدف بالطرق السلمية ودون اللجوء إلى القوة والعنف، فلن يكون اللجوء إلى القوة والعنف جائزًا أخلاقيًا. فالعنف والحرب واستعمال القوة هو دائمًا الحل الأخير، ولا ينبغي اللجوء إليه إلا حين تُغلق جميع السُبُل الأخرى. من الناحية الأخلاقية، ينقسم العنف إلى نوعين: مشروع وغير مشروع، أو جائز وغير جائز، ومن قيود العنف المشروع أخلاقيًا أن يكون الشخص الذي سيُعامل بالعنف مستحقًا لمثل هذا العنف، وألا يؤدي إعمال ذلك العنف إلى نتيجة أسوأ من الناحية الأخلاقية. إذا كان علاج مرض ما ممكنًا بالدواء، فلا عاقل يقترح الجراحة وبتر العضو. «آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ». ولا فرق في هذا بين الأمراض الفردية والأمراض الاجتماعية. فالظلم الاجتماعي مرض اجتماعي، وإذا أمكن مكافحته بالطرق السلمية، فلا ينبغي استخدام العنف والقوة. إذا استسلمت حكومة ظالمة ومستبدة بشكل سلمي أمام مطلب طالبي العدالة، فليس لهم أخلاقيًا الحق ولا يجوز لهم اللجوء إلى القوة. ولهذا السبب، حين يأمر الله نبيه موسى وأخاه هارون بالذهاب ومنازعة فرعون الذي طغى، يقول لهما: «اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ» (طه، 43-44)، أي كلّما فرعون بلين القول ولطيفه لعله يتذكر ويخشى ويكف عن الظلم والطغيان. سأتحدث لاحقًا عن تطبيق هذا المبدأ الأخلاقي المهم على نهضة الإمام الحسين، وسنرى ما لهذا المبدأ من نتيجة مهمة لواجباتنا الراهنة.
لم يكن الإمام الحسين توّاقًا إلى العنف بأي وجه من الوجوه، وكان يسعى حتى اللحظة الأخيرة لمنع وقوع الحرب. لقد فُرضت الحرب عليه. صحيح أن هضم هذا الكلام صعب على البعض، لكن هذه الحقيقة واضحة في سلوكه وكلامه لدرجة لا يمكن إنكارها.
في العالم الحديث وفي الثقافة السياسية الحديثة يُطلق على هذا النوع من النضال اسم «العصيان المدني». العصيان المدني يعني إبداء الاعتراض على قانون ظالم أو سلوك ظالم للحكومة دون اللجوء إلى العنف. العصيان المدني هو في الحقيقة أحد حقوق الإنسان. وما قام به الإمام الحسين حتى اللحظة التي أدرك فيها أن أهل الكوفة قد نكثوا عهدهم ولم يعودوا مستعدين لدعمه، كان في حقيقته نوعاً من العصيان المدني. الاستدلال والتبرير الذي كان لدى الإمام الحسين لهذا العمل هو أن أهل الكوفة قد دعوني للقدوم إليهم، ولأقوم بمساعدتهم على إصلاح البنية السياسية للمجتمع الإسلامي، وهذا حقي وحقهم في أن نفعل ذلك.
لكن إذا قاومت الحكومة الظالمة المطلب المشروع للشعب، ورفضت أن تكف عن ظلمها دون اللجوء إلى القوة، وأن تصلح القوانين والعلاقات والمناسبات الظالمة، ففي هذه الحالة يحق للشعب أن يلجأ إلى القوة والعنف في إطار العدالة لتحقيق العدالة، وهذه هي المرحلة الثالثة من النضال ضد الظلم والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. لكن لهذه المرحلة أيضاً شروطها، ومن شروطها أن يكون عدد كافٍ من الناس مستعدين للتعاون والتضحية ودفع التكاليف اللازمة في هذا المجال، وفي حال عدم وجود أفراد بالقدر الكافي، يُرفع تكليف الجهاد والنضال المسلح عن عاتق قادة النضالات الاجتماعية.
ولهذا السبب، فإن الإمام الحسين بعد أن علم باستشهاد مسلم بن عقيل وانصراف أهل الكوفة عنه، غيّر استدلاله وتبريره، وفي مناسبات عديدة، سواء في خطاباته العامة أو في مفاوضاته الخاصة مع جنود يزيد الذين كان غالبيتهم من أهل الكوفة، كان يقول لهم: يا أهل الكوفة، أنتم دعوتموني للقدوم إلى الكوفة. والآن وقد سحبتم دعوتكم، فاتركوني وشأني، وعودوا إلى حياتكم، وأنا أيضاً أعود إلى المدينة، أو أذهب إلى زاوية من الأرض وأواصل حياتي (كان ابن عباس قد اقترح على الإمام أن يذهب إلى اليمن). لكن أتباع يزيد كانوا يقولون: لن نتركك وشأنك، فإما أن تبايع يزيد وإما أن تُقتل. وكما قلت، فإن القرار الذي يتخذه الإمام الحسين في هذا الوقت، والذي يقاوم بموجبه حتى آخر قطرة من دمه ويُستشهد في النهاية، يمكن تبريره استناداً إلى المبدأ الأخلاقي للكرامة الإنسانية والوجوب الأخلاقي للحفاظ على هذه الكرامة.
بحسب اعتقاد بعض فلاسفة الأخلاق، فإن الكرامة الإنسانية هي أساس الأخلاق. وبعبارة بسيطة جداً، يقول مبدأ الكرامة الإنسانية: الإنسان ليس شيئاً، ولا ينبغي أن يُعامل كشيء. إذا عامل شخصٌ ما البشرَ الآخرين كشيء، أي استخدمهم كأداة لمصلحة غاية ما، فقد داس كرامتهم الإنسانية، أياً كانت تلك الغاية. وعليه، فإن التزوير في الانتخابات وتجاهل أصوات المواطنين، بالإضافة إلى ما فيه من عيوب أخلاقية أخرى، هو أيضاً انتهاك لكرامتهم الإنسانية. وكذلك إذا عامل شخصٌ ما نفسه كشيء، فقد تجاهل كرامته الإنسانية وانتهكها. لذلك، يقول مبدأ الكرامة الإنسانية إن الإنسان يمتلك قيمة ذاتية غير أداتية، ويطلب من جميع البشر أن ينظروا إلى أنفسهم وإلى الآخرين كهدف وغاية، لا كوسيلة وأداة لهدف وغاية أخرى. الأخلاق تطلب منا أن نحترم الكرامة الإنسانية، وألا ننتهك كرامة الآخرين الإنسانية، وألا نسمح للآخرين بانتهاك كرامتنا الإنسانية وتجاهلها.
الكرامة الإنسانية هي منبع حقوق الإنسان، ومنبع واجبات الإنسان أيضاً، وهي أساس الفردية والاستقلال والاستقلال الذاتي والمسؤولية الأخلاقية. جميع الحقوق التي يمتلكها البشر، وجميع الواجبات التي يتحملها البشر تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين، تنبع من كرامتهم الإنسانية. الكرامة الإنسانية هي المنزلة الأخلاقية الخاصة للإنسان، والفصل المميز للإنسان عن الحيوانات والجمادات. يحق لنا أن نعامل الحيوانات والجمادات كأشياء، أي أن نمتلكها ونتاجر بها ونستغلها لمصلحة أهدافنا. لكننا أخلاقياً غير مخولين بأن نعامل أنفسنا والبشر الآخرين بهذه الطريقة.
لقد حظي مبدأ الكرامة الإنسانية بتأكيد بالغ في الأخلاق الإسلامية أيضاً. فقد أُوصينا في القرآن وفي الروايات على حد سواء ألا نبيع أنفسنا بأقل من الجنة، والجنة ليست سوى الفضائل الأخلاقية التي ننمّيها في دواخلنا، والشخصية التي هي مجموع هذه الفضائل. نحن نملك جنة باطنية وجنة ظاهرية، والجنة الظاهرية هي في الحقيقة مظهر الجنة الباطنية وتجلّيها. وقد ورد في رواياتنا: «إن الله تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كل شيء إلا إذلال نفسه»[3] وكذلك: «أعقل الناس أبعدهم عن كل دنية».[4] يقول مبدأ الكرامة إن قيمة الإنسان أسمى من الدنيا وما فيها، ولذا فإن من يحترم كرامته الإنسانية ويدرك قدرها وقيمتها لن يقايض نفسه أو يتاجر بها بشيء من حطام الدنيا. فالشخص الذي يمكن شراؤه بالمال أو المنصب أو الجاه أو غيرها، والشخص الذي يصمت أمام الظلم ويذعن للذل والهوان بسبب الخوف أو الطمع، لا يعرف قدره وقيمته ويبيع نفسه رخيصة. وكذلك الشخص الذي تتغير شخصيته تحت تأثير السلطة أو الثروة، يكون في الحقيقة قد باع كرامته الإنسانية بثمن بخس.
يقول مبدأ الكرامة إن حياة الإنسان تكون ذات قيمة وأهمية ما دامت مقترنة بالكرامة، ولا يحق للإنسان أن يتجاهل كرامته أو يسمح للآخرين بتجاهلها مقابل البقاء على قيد الحياة. بعبارة أخرى، إذا أُجبرنا على الاختيار بين «حياة مع الذل» و«موت مع العزة»، فإن مبدأ الكرامة يقتضي أن نختار الثاني، وهذا هو الموقف الذي واجهه الإمام الحسين في كربلاء وقام فيه باختيار عظيم. لو لم يطلب الأمويون البيعة من الإمام الحسين، لما كانت كرامته الإنسانية قد مُست، ولما كان ملزماً أخلاقياً بتفضيل الموت على الحياة. ولكنهم حين وضعوه أمام مفترق طريقين: الموت أو البيعة، اختار الموت بمحض إرادته ليحافظ على كرامته الإنسانية ولا يرضخ للذل. ما قام به الإمام هنا لم يكن ثورة ونضالاً، بل كان دفاعاً، دفاعاً عن الكرامة الإنسانية. وهذا حق لكل إنسان أن يدافع عن كرامته الإنسانية وألا يرضخ للذل. هنا لم يعد الحديث عن التمرد والثورة مطروحاً، لأن الإمام لم يكن ملزماً أخلاقياً بالثورة بسبب نكوص أهل الكوفة. لو تركه الأمويون وشأنه ولم يطلبوا منه البيعة، لذهب الإمام إلى زاوية من الأرض واستمر في حياته واكتفى بالنشاط الثقافي وتوعية الناس. لأنه في هذه الحالة كانت كرامته مصونة، ولم تكن عليه في شأن العدالة الاجتماعية مهمة تتجاوز النشاط الثقافي.
أي أنه في هذه الحالة لم يكن القتال والدفاع مبررين أخلاقياً. لم يكن القتال مبرراً، لأن الحرب ليست «هدفاً»، بل «وسيلة»، وهذه الوسيلة تكون ذات قيمة ما دام بالإمكان بلوغ هدف مشروع بها، والذي يتمثل هنا في تحقيق العدالة الاجتماعية وإقامة حكومة عادلة. وكما قلت، وبالنظر إلى نكوص أهل الكوفة، لم يكن تحقيق مثل هذا الهدف ممكناً. أما الدفاع فلم يكن مبرراً، لأن الشيء الوحيد الذي كان يمكن الدفاع عنه بالموت في ذلك الموقف الخاص هو الكرامة الإنسانية، وهذه الكرامة لم تكن لتتعرض للخطر وتحتاج إلى الدفاع إلا إذا أرغم الأمويون الإمام بالقوة على البيعة. كما أن الشهادة في مدرسة الإسلام ليست هدفاً، بل وسيلة، لأن النفس الإنسانية عزيزة جداً، ولا يحق له أن يضحي بها إلا إذا كان هناك شيء أكثر قيمة في خطر، يستوجب الحفاظ عليه التضحية بالنفس. وعليه، لا تجوز التضحية بالنفس أخلاقياً في حالتين: الأولى، التضحية بالنفس لأشياء تقل قيمتها الأخلاقية عن وجود الإنسان. والأخرى، التضحية بالنفس لأشياء تفوق قيمتها الأخلاقية وجود الإنسان، ولكن يمكن الحفاظ على تلك الأشياء الأكثر قيمة بطرق أخرى وبتكاليف أقل وبالتضحية بأشياء أقل قيمة.
وهكذا، فإن أهم درسين أخلاقيين يمكن تعلمهما من مدرسة الإمام الحسين هما أمران: الأول هو مكافحة الظلم والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، والثاني هو صون الكرامة الإنسانية واحترامها. فقبل سماع نبأ استشهاد مسلم بن عقيل وانصراف أهل الكوفة، كانت الوظيفة الأخلاقية للإمام الحسين تتمثل في النضال العملي ضد النظام الأموي الظالم والمستبد. ولكن بعد ذلك، وبسبب تغير الوضع، تبدلت الوظيفة الأخلاقية للإمام، وحلّت على عاتقه وظيفة جديدة تمثلت في صون كرامته الإنسانية. وعليه، فإن حركة الإمام الحسين من بدايتها إلى نهايتها قائمة على الحساب والتدبير، ولها ما يبررها عقلانياً، وتتبع منطقاً أخلاقياً متألقاً. سلوك ذلك الإمام منضبط تماماً وفق المعايير الأخلاقية. ولهذا السبب تحديداً يمكنه أن يكون قدوة وأسوة لنا. يقول الإمام الحسين: «ولكم فيَّ أسوة»، أي أنا قدوتكم وأسوتكم، ومقصود الإمام هو أنكم تستطيعون أن تتعلموا مني درس معرفة الواجب والمسؤولية، ودرس العيش أخلاقياً والموت أخلاقياً. ويقول أيضاً: «كونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً»، أي كونوا أعداء للظالم وأعواناً للمظلوم. يشير الإمام في هذا القول إلى واجبنا في مكافحة الظلم والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. أما في كربلاء فشعاره هو: «هيهات منا الذلة»، أي أن الخواري والذل بعيد عنا أو ليبتعد عنا. يذكرنا الإمام في هذا القول بواجبنا في صون الكرامة الإنسانية وعدم الرضوخ للذل. هاتان الوظيفتان الأخلاقيتان عامتان تماماً، أي تشملان جميع البشر. وبالتالي، لم تكن حركة الإمام الحسين قائمة على أمر خصوصي لا يمكن تعميمه على الآخرين. كما أنها لم تكن قائمة على تبرير فقهي وديني باطني لا يشمل في أقصى حدوده سوى الشيعة والمسلمين.
الإمام الحسين مدرسة أخلاقية يستطيع جميع البشر فيها أن يتعلموا دروس الشجاعة، والحرية، ومكافحة الظلم، وعدم الرضوخ للقوة والذل. لكن مع الأسف، نحن الشيعة بدلاً من أن نتعلم من هذه المدرسة، نكتفي بإقامة العزاء له فحسب. العزاء المجرد والبعيد عن البصيرة لا ينفعنا كثيراً ولا ينفع ذلك الإمام. لم يستشهد الإمام الحسين لنقيم له العزاء،[5] بل استشهد ليقول لنا كيف نحيا وكيف نموت، وعلى أساس أي قيم ومبادئ نتخذ قراراتنا وكيف نتصرف. لكننا نحيا ونموت وكأن الإمام الحسين ليس قدوتنا، أي أن حياتنا وموتنا ينتظمان وفقاً لنماذج أخرى، لأننا نرضخ للذل ونسكت أمام الظلم. ومن المؤسف الاعتراف بأن حالنا أسوأ من هذا، فنحن نعاني من نوع من النفاق الأخلاقي. الشخص الذي يسكت عن الظلم ثلاثمئة وخمسة وخمسين يوماً في السنة، ويفضل الحياة مع الذل والخواري على الموت مع العزة والكرامة، هو أشبه بأتباع يزيد منه بأتباع الإمام الحسين، حتى لو أقام العزاء وذرف الدموع على الإمام الحسين عشرة أيام كل عام. حب الإمام الحسين إن لم يقترن بمعرفة صحيحة لذلك الإمام، وبمعرفة المنطق الذي اتبعه واتباعه عملياً، فلن يداوي منا داءً كثيراً.
كما تعلمون، عندما أُخذ أسرى كربلاء إلى دار الخلافة في الكوفة ثم إلى بلاط يزيد، أخذ ابن زياد ويزيد في تحقيرهم وتأنيبهم، وأشاروا إلى البلايا والمصائب التي أنزلوها هم بأنفسهم بهم ونسبوها إلى الله. فأجابتهم السيدة زينب: ما رأيتُ في أمر الله إلا جمالاً. لكننا نركز بشدة على قصة مقتل الإمام وأصحابه الأوفياء وسائر الفظائع والجرائم المؤلمة التي وقعت في كربلاء، لدرجة أننا لا نولي اهتماماً كبيراً للإمام نفسه، ولجمال وقيمة وأهمية ما قام به، والدروس التي يمكن تعلمها منه، ونحن غافلون عن ذلك. في غالبية عزاءاتنا، يوضع الإمام الحسين وسيرته وسلوكه على الهامش، وتوضع الجرائم التي ارتكبها اليزيديون في المتن. المشاهد دموية ومفجعة للغاية، والعبء العاطفي والشعوري للحادثة ثقيل وكثيف جداً لدرجة أنه سلبنا إمكانية التحليل العقلاني وإمكانية الاستفادة التعليمية والتربوية من هذه الحادثة. يجب أن نأتي بالإمام الحسين إلى المتن، ونرى أيضاً الجماليات المتألقة والفريدة للسلوك الأخلاقي للإمام في هذه الواقعة المرة والدامية.[6]
والآن لنرَ ما هو درس ورسالة الإمام الحسين الأخلاقية لزماننا هذا؛ أي لو كان ذلك الإمام يعيش في هذا العصر وفي العالم الذي نعيش فيه نحن، ماذا كان سيفعل.
كان هدف الإمام الحسين هو مكافحة المنكرات الأخلاقية، وظلم الحكومة للناس هو أعظم منكر أخلاقي. وكما أشير، فإن الظلم لا يكون له معنى إلا حيث يوجد حق. ولكن كما رأينا، فإن مكافحة الظلم الاجتماعي أو النهي عن المنكر لها مراحل وشروط، وقد تتغير طريقتها بحسب الموقف. إذا لم يكن الناس مستعدين للتعاون والتضحية، فإن المكافحة تقتصر على النشاط الثقافي والدعوي، وفي أقصى حد على العصيان المدني. وإذا كان إصلاح المفاسد ممكناً بالطرق السلمية، فلا يجوز استخدام القوة والعنف. وإذا كان بالإمكان الجمع بين الكرامة الإنسانية والبقاء على قيد الحياة، فلا يجوز قتل النفس. الشهادة غير الانتحار. الشهادة هي تفضيل حر وواعٍ للموت على الحياة، وتكون ذات قيمة حيث تكون هناك قيمة أهم من الحياة معرضة للخطر، ويكون الموت هو السبيل الوحيد للحفاظ على تلك القيمة. تلك القيمة، كما قلت، هي الكرامة الإنسانية.
يقول المرحوم العلامة الطباطبائي في أحد كتبه: توجد في نهج البلاغة مقاطع ظل الفلاسفة المسلمون عاجزين عن إدراك وفهم معانيها لألف سنة، وذلك لأن الأسس الفلسفية اللازمة لشرح وتفسير تلك الأقوال لم تكن في متناولهم. وبعد ألف سنة ظهر صدر المتألهين وأسس مبادئ جديدة في الفلسفة، وحينئذ صار معنى كلام الإمام علي في التوحيد واضحاً وقابلاً للفهم.
برأيي، إن هذا الادعاء نفسه ينطبق على نهضة الإمام الحسين. إن منطق وفلسفة قيام الإمام الحسين تصبح أكثر قابلية للفهم والتبرير بناءً على التطورات التي حصلت في فلسفة الأخلاق منذ كانط فصاعداً. إن المعايير التي اتبعها الإمام الحسين واتخذ قراراته وتصرف بناءً عليها هي معايير أخلاقية عالمية وفوق دينية، وليست معايير فقهية وداخل دينية. من وجهة نظر الإمام علي، ومن وجهة نظر الإمام الحسين الذي يتبع الإمام علي، فإن الحكومة ليست هدفاً، بل وسيلة. الهدف هو العدالة، ومعيار شرعية الحكومة هو عدالة أسلوب الحكم، لا إسلاميته. من هذا المنطلق، تنقسم الحكومات إلى فئتين: عادلة وظالمة، لا إلى فئتين: إسلامية وغير إسلامية. العدل مقولة فوق دينية، ولكي يكون الدين مبرراً، يجب أن ينسجم مع هذا المعيار. لا توجد عدالة إسلامية وغير إسلامية، ولكن يمكن تفسير الإسلام بطريقتين: تفسير عادل (= إسلام علوي) وتفسير ظالم (= إسلام أموي).
لم ينهض الإمام الحسين لتشكيل حكومة إسلامية واستيفاء حقه الشخصي، بل كان هدفه تشكيل حكومة فوق دينية وأخلاقية (= عادلة)، وليس مجرد تغيير الأشخاص. الحديث هو عن إحياء «أسلوب الحكم» للنبي وعلي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس واجباً فقهياً وداخل ديني، بل هو واجب أخلاقي وفوق ديني. الفروع الفقهية، التي هي محل خلاف، لا يمكن أن تكون معياراً للمعروف والمنكر.
إن التبيين الصحيح لواقعة عاشوراء يقول لنا: إن حركة الإمام الحسين برمتها قابلة للتبرير بناءً على مبدأين أخلاقيين أساسيين. أحدهما مبدأ العدالة الاجتماعية، والآخر مبدأ الكرامة الإنسانية. لكل فرد من البشر حقوق أخلاقية، ومراعاة هذه الحقوق من قبل المؤسسات الاجتماعية، وعلى رأسها مؤسسة الدولة والحكومة، تسمى عدالة اجتماعية. إذا انتهكت حكومة ما حقوق البشر، فإن الواجب الأخلاقي يقع على الجميع لمكافحة هذا المنكر، ولكن هذه المكافحة لها مراحل ودرجات. من ناحية أخرى، يحق لكل فرد من البشر أن يعيش بعزة وكرامة، والحياة بعزة وكرامة هي نمط من الحياة يتمتع فيه الأفراد بالاستقلال والاستقلالية والحرية والمسؤولية، ولا يُفرض عليهم شيء من الخارج. وإذا لم يكن استمرار حياة فرد ما، في حالة معينة وتحت ظروف خاصة، مقترناً بالعزة والكرامة، فإن الموت في تلك الظروف يُفضل على البقاء حياً من المنظور الأخلاقي. هذان المبدآن هما نفس التبريرات التي اعتمد عليها الإمام الحسين في أقواله وشعاراته.
هذان المبدآن من المبادئ الأخلاقية الخالدة، وإن كانت طريقة المكافحة وسلاح مكافحة الظلم السياسي وأنواع الظلم الأخرى خاضعة للزمان والمكان، وقد تتغير مصاديق هذين المبدأين من فترة إلى أخرى. في العصر الحديث وفي المجتمعات الحديثة، تقع مهمة اكتشاف المظالم السياسية ومنعها بشكل رئيسي على عاتق وسائل الإعلام والأحزاب، أو بمعنى أدق على عاتق «المجتمع المدني». ويتم النهي عن المنكر من خلال الرقابة العامة على الحكومة. لذلك، فإن الذين يتشدقون بالعدالة لن يكونوا صادقين في ادعائهم إلا إذا سعوا في بسط الحرية والديمقراطية وتشكيل المجتمع المدني.
.
.
[1]. تحرير وتنقيح محاضرة أُلقيت في كانون توحيد بلندن بتاريخ 8/8/2008
[2]. ما أعنيه بالحق هنا هو الحق في مقابل التكليف، لا الحق في مقابل الباطل. وكما تعلمون فإن لكلمة "حق" معانٍ متعددة، ولكن اثنين من هذه المعاني، وهما الأهم والأكثر شيوعاً من بين سائر معاني هذه الكلمة، هما (1) الحق في مقابل التكليف و(2) الحق في مقابل الباطل. الحق في مقابل الباطل مفهوم فلسفي ومنطقي. أما الحق في مقابل التكليف فهو مفهوم أخلاقي وقانوني.
[3]. الكافي، ج 5، ص 63، حديث 3.
[4]. غرر الحكم، ص 52، حديث 388.
[5]. وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (3:169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (3:170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (3:171).
[6] مولانا هو أحد الذين انتبهوا إلى الأبعاد الجميلة لهذه القصة.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام جورج فلوید یک شخص معروف نبود اما کشته شدنش تاثیر زیادی روی افکار عمومی داشت.لذا در جامعه فعلی و دنیای ارتباطات شبکه ای گسترده برای تاثیر گذاری لزوما با نفوذ بودن و معروف بودن احتیاج ندارد و امر به معروف ونهی از منکر افراد عادی نیز اثر خود را دارد. مثلا در دوران کرونا اگر حتی یک زباله گرد ماسک بزند و به جمع آوری زباله بپردازد تاثیر مثبت ماسک زدن را منتقل میکند چون در فضای مجازی دیده میشود.بنابراین در زمانه فعلی معروف بودن و شاخص بودن یا سلبریتی بودن شرط لازم برای عصیان مدنی نیست.کاری که جورج فلوید ناشناخته کرد.البته این به معنای نفی تاثیر کاریزماتیک بودن نیست.