اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في الجلسة الثانية من ندوة السلفية، حلل الدكتور باكتجي تاريخ الخلافة مفرقاً بين عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية؛ حقبة لا يعدها محدثو أهل السنة

عُقدت الجلسة الثانية من سلسلة جلسات السلفية ودراسة تطوراتها المعاصرة (مائدة مستديرة حول السلفية) في مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
وبحسب تقرير دبا، فإن الحاضرين في هذه الندوة التي انعقدت يوم الخامس والعشرين من شهر بهمن عام 1393 هجري شمسي، هم: السادة سيد كاظم موسوي بجنوردي رئيس مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، وحجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي يونسي، والدكتور مجتهد شبستري، والدكتور أحمد باكتجي، والدكتور فتح الله مجتبائي، والدكتور داود فيرحي، والدكتور سيد جواد طباطبائي، والدكتور إسماعيل شمس، وأصغر قريشي، وعلي موجاني، والمهندس علي أكبر رنجبر كرماني، والدكتور علي بهراميان، وحسن موسوي بجنوردي، ومسعود تاره.
السيد بجنوردي: سنتناول اليوم بشكل أكبر دراسة الحركة السياسية لداعش وجوانبها السياسية، من الخلافة إلى مختلف المسائل المتعلقة بالسلفية، من البُعد النظري والتنظيري للموضوع. تفضلوا جناب الدكتور باكتجي:
الدكتور باكتجي: بسم الله الرحمن الرحيم
طُلب مني الحديث عن مسألة الخلافة. وقد كنت منشغلاً بهذا الموضوع لشهور بمناسبة تأليف مقالة الخلافة في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، لكنني سأحاول اليوم أن يكون حديثي عن مسألة الخلافة ذا طابع تحليلي أكثر، وأن أخلص إلى نتيجة حول سلوك السلفية فيما يتعلق بالخلافة.
إذا ما أجرينا مراجعة سريعة جداً للأحداث الأولى التي وقعت بشأن الخلافة في العالم الإسلامي، أعتقد أننا نستطيع التوصل إلى تحديد آفاتٍ حافظت على نفسها على مر القرون اللاحقة. تبدأ القصة في الواقع على هذا النحو: يتوفى الرسول الأكرم (ص) وينشأ نزاع حول الخلافة بعد النبي. في هذا النزاع، يصل أبو بكر إلى الخلافة ويبايعه عامة المسلمين، وعلى كل حال فالأصل هو أن النبي لم يعين خليفة. أنا أتحدث من منظور أهل السنة والجماعة – منظورهم المشهور – والذي يستمر بطبيعة الحال في نظرة السلفية أيضاً.
قيل إن اختيار أبي بكر تم باختيار أهل الحل والعقد، وصارت هذه الطريقة أساساً لاختيار الخليفة. وعندما توفي الخليفة، أوصى بأن يكون عمر بن الخطاب خليفة من بعده. قيل إن هذا عهد من الخليفة السابق، وبهذا صار عهد الخليفة السابق سنة جديدة لتعيين الخليفة. وعندما توفي الخليفة الثاني، اختار مجلس شورى ليقوم ذلك المجلس باختيار الخليفة التالي. قيل إن الشورى أيضاً إحدى طرق اختيار الخليفة التالي؛ أي وكأن كل واحدة منها تُختبر مرة واحدة فقط. وأخيراً، عندما يأتي الدور على أمير المؤمنين بصفته الخليفة الرابع، فالمشهور هو أن تُستخدم مرة أخرى طريقة أهل الحل والعقد نفسها التي تم بها اختيار أبي بكر، وفي الواقع يتم اختيار أمير المؤمنين أيضاً بطريقة أهل الحل والعقد، وبهذا يصل الخلفاء الأربعة إلى الخلافة. خلافة الإمام الحسن لا تصل إلى نهايتها وتنتقل الخلافة إلى بني أمية. لم أواجه أي معارض بين منظري أهل السنة في أن حكم بني أمية كان بالقهر والغلبة، ولا أحد لديه نقاش في هذا الشأن. الكل قبلوا بأن بني أمية لم يصلوا إلى الخلافة عبر أي من تلك الطرق الثلاث، بل استخدموا القهر والغلبة للوصول إليها.
لعل هذا هو أول شرخ فكري وأيديولوجي نواجهه في فضاء أهل السنة، بمعنى أن: أولاً، جمع الخلفاء الأربعة الأول تحت راية واحدة، مع الأخذ بالاعتبار أنهم كانت بينهم نزاعات، كان بحد ذاته عملاً صعباً وعسيراً للغاية. أي أن ابتداع منظومة باسم الخلفاء الراشدين كان بحد ذاته عملاً صعباً جداً، ويبدو أن هذا العمل قد أُنجز في القرن الثالث، وأحد أوائل من أقدموا عليه هو أحمد بن حنبل. ويُسمى اصطلاحاً بالقول بالتربيع، أي أن يأتي أناس ويقولوا إننا نعتقد بأن الخلفاء الأربعة كلهم على حق. في حين أن جماعة كانوا في الغالب عثمانيين ولا يعترفون بخلافة الإمام علي (ع)، وجماعة كانوا علويين ولا يعترفون بخلافة عثمان. لم يكن أمراً عادياً ومتعارفاً عليه أن يأتي أناس ويعترفوا بالخلفاء الأربعة جميعاً على الرغم من الخلافات القائمة، وعلى الأقل لم يكن الأمر قد خضع للتنظير. لقد قُدّم الأساس النظري لهذا الأمر ابتداءً من القرن الثالث.
كانت المشكلة الأكثر جدية هي مشكلة بني أمية. فأشخاص مثل أحمد بن حنبل يطرحون نظرية التربيع بشأن الخلفاء الأربعة الأوائل ويعترفون بهم جميعاً كخلفاء راشدين؛ لكنهم لم يكونوا قادرين على تفسير ماهية خلافة بني أمية. ثمة رواية اشتهرت بين المحدثين في أواخر القرن الثاني، ولا يهمني البتة إن كانت أصلية أم موضوعة، المهم أنها انتشرت على نطاق واسع جداً بين المحدثين منذ أواخر القرن الثاني، ومضمون هذه الرواية بالغ الأهمية حيث تقول: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة» ويقول نص آخر منها: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يكون الملك» أي أنها في الواقع تريد أن تقول إن الخلافة كانت ثلاثين سنة فقط، من السنة الحادية عشرة للهجرة حين توفي النبي إلى السنة الحادية والأربعين للهجرة حين انتقلت الخلافة إلى بني أمية. وبناءً على ذلك، فإن الرواة الذين كانوا ينقلون هذه الأحاديث - وهم بالمناسبة جمهور الرواة المشهورين من أهل السنة، وقد ورد هذا الحديث حتى في كتب الصحاح عند أهل السنة - يعتقدون أن خلافة بني أمية ليست «خلافة النبوة». إنها في الواقع خلافة لا نعرف مضافها إليه، ولا نعرف خليفة من هم، لكنهم ليسوا خليفة النبي، ومن حيث الحكومة التي يمارسونها، فإن حكمهم ملك، وهذا هو اعتقاد المحدثين. وإذا كان اعتقاد المحدثين بشأن حكم بني أمية على هذا النحو، فمن الطبيعي جداً أن يستمر الأمر بعد ذلك، وكذلك الحال بالنسبة لحكم بني العباس وآل عثمان، وهذا يعني في الواقع أن لدينا فترة الخلفاء الراشدين التي انتهت بها فترة خلافة النبوة. إذن يمكن أن تكون لدينا قراءتان سنيتان للخلافة: قراءة مزيفة تضفي القداسة على خلافة النبوة وتقصرها على الخلفاء الأربعة الأوائل، وقراءة عامة تضفي الشرعية على جميع هؤلاء وتعتبرهم جميعاً خلفاء. المثير للاهتمام هنا أن بعض المحللين يقدمون تصوراً معاكساً لما نراه أحياناً في الكتب، حيث تتجه الهجمات دوماً نحو المحدثين، ويُنظر إليهم دائماً على أنهم الأكثر تعاوناً مع البلاط، بينما المتكلمون هم الأقل تعاوناً مع البلاط؛ لكننا هنا نلاحظ العكس تقريباً. فأمثال أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية وآخرون ممن كانت لديهم حتى نزعات معتزلية وأفكار كلامية، سعوا إلى تطوير مفهوم الخلافة بطريقة ما وإضفاء شرعية على هذه الخلافات، أما المحدثون الذين واصلوا في الواقع أفكار المحدثين المتقدمين فلم يصروا على ذلك. نلاحظ أن أحمد بن حنبل لا يقبل إلا خلافة الخلفاء الراشدين كخلافة مقدسة، وعندما يتحدث عن خلفاء بني أمية وبني العباس فإنه يطرح مسألة الطاعة فحسب، ونحن نعلم أن طاعة «كل أمير براً أو فاجراً» في فكر أهل السنة لها معنى آخر غير أسس الخلافة. لقد استمر هذا المسار طوال القرون الوسطى، بينما سعى مفكرون مثل الماوردي وحتى الغزالي وآخرون في فترة بني العباس إلى سد هذه الثغرات وتعميم القداسة على خلافة بني العباس، ونحن نلاحظ ذلك بوضوح في كتبهم. أما في فضاء أهل الحديث، أي أولئك الذين اتبعوا أفكار أهل الحديث، فلا نزال نلاحظ استمرار ذلك الفكر القائل بالتربيع والامتناع عن تعميم قداسة مفهوم الخلافة. ومن المواضع التي يمكننا فيها رؤية بروز هذه المسألة بوضوح هي أفكار ابن تيمية. فابن تيمية، كمفكر، يقع بطبيعة الحال في موقع يتطلب منه توضيح موقفه من بعض هذه المسائل التاريخية. وكما سعى عادة في مسائل تاريخية أخرى إلى اتخاذ مواقف حاسمة وواضحة للغاية، فهو كذلك في شأن هذه المسألة.
لقد أوردت بحثاً مفصلاً في مقالة دائرة المعارف يبدأ من حوالي القرن الثالث ويستمر حتى القرن الثامن حيث يتحدث ابن تيمية، وهو يزداد قوة باستمرار، وفحواه هذه النظرية القائلة إنه صحيح أن خلافة النبوة قد انتهت بعد الخلفاء الراشدين، لكن الخلفاء الحاكمين هم خلفاء، ليسوا خليفة رسول الله، بل بمصداق آية «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» وأمثال هذه الآيات هم خليفة الله، وبقيد خليفة الله يريدون إضفاء الشرعية عليهم وتحديد علاقة خليفة الله هذه بخليفة الرسول. لدينا على امتداد هذه القرون ما لا يقل عن عشرين منظّراً حاولوا صياغة مسألة كون الخلفاء خليفة الله وتناولوها.
وعندما يواجه ابن تيمية هذه المسألة، يتعامل معها بحدة بالغة. ففي إحدى رسائله المسماة «الرسائل والمسائل»، والتي تضم رسالة مستقلة حول مفهوم خليفة الله، خصص رسالة كاملة لهذا الموضوع وهاجم بشدة فكرة أن أحدًا غير آدم وداود هو خليفة الله على الأرض، وهاجم بعنف جميع الأفكار القائلة بأن شخصًا غير آدم وداود – وهما المنصوص عليهما صراحة في القرآن – هو خليفة الله. يقول ابن تيمية إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون تبريرًا صحيحًا للخلافة هو خلافة الرسول الله. وفي بحثه عن خلافة الرسول الله، يؤكد أيضًا على مسألة خلافة النبوة، ويعتبر أن الخلفاء بعد الخلفاء الراشدين هم أصحاب مُلك لا أصحاب خلافة. ولهذا السبب تحديدًا، قام أحد المعاصرين المصريين بطباعة رسالة ابن تيمية تلك كرسالة مستقلة، وأطلق عليها اسم «الخلافة والملك» وجعل المؤلف هو ابن تيمية. ابن تيمية نفسه لم يضع هذا الاسم على الكتاب، لكن الكتاب يعود لابن تيمية بالتحديد. في الواقع، يبدو أن ابن تيمية، بوصفه شخصية محورية وبارزة في فضاء تشكل التيار السلفي، قد عبر عن مواقفه بوضوح شديد بخصوص مسألة الخلافة. وبالطبع، لا ينبغي أن ننسى أن ابن تيمية عاش، من الناحية الزمنية، في فترة لم تكن فيها خلافة مقتدرة في العالم الإسلامي. ينتمي ابن تيمية إلى العصر المملوكي، وكانت هناك خلافة عباسية صورية في مصر في العصر المملوكي، وكانت الخلافة العباسية في بغداد قد سقطت. لكن كان هناك من يسعى إلى إحياء الخلافة وإثارة مسألتها، وكان ابن تيمية بهذا النهج ينتقد هذا الفكر عمليًا.
إذا قفزت قليلًا وتقدمت إلى الأمام، نعلم أنه باستيلاء السلطان سليم على مصر وسعيه إلى ربط الخلافة العباسية في مصر بخلافة آل عثمان، يحدث تحول آخر مرة أخرى، والقصة هي أنه منذ عهد السلطان مراد الأول، أي السلطان العثماني الثالث، كان العثمانيون يدعون الخلافة. لقد أخرجت وثائق ذلك وأظهرت أن هذا موجود في عملاتهم ومراسلاتهم، وكانوا يعتبرون أنفسهم صراحة خليفة، ولكن خليفة الله. ومنذ أن فتح السلطان سليم مصر، صار يدعي أننا بعد ذلك خليفة رسول الله أيضًا، وهو في الواقع يريد أن يفترض أن خلافة النبوة، التي كانت لها قدسية خاصة، قد انتقلت إلى الخلافة العثمانية، وفي هذا السياق نلاحظ معارضات لهذا التيار. ذلك الجزء من المعارضات الذي لا يتعلق بالسلفية هو خارج نطاق بحثنا الآن، أي أن بعض غير السلفيين كانت لديهم أيضًا معارضات لمسألة الخلافة العثمانية. طوائف من الصوفية وطوائف من المتكلمين وبالطبع طوائف من السلفية.
في الطيف السلفي، لدينا تحديدًا محمد بن عبد الوهاب. محمد بن عبد الوهاب، بوصفه شخصًا وضع نظرياته بالكامل استمرارًا لأفكار ابن تيمية، كان من الطبيعي جدًا أن يتمكن بسهولة من الاستفادة القصوى من أفكار ابن تيمية في مسألة الخلافة أيضًا. للحرب والمواجهة مع العثمانيين، كان أحد أهم المحاذير الموجودة هو كيف يمكن إقناع جماعة سنية بالتمرد على الخليفة. لا يبدو الأمر سهلًا أن يأتي قوم بشعار الإسلام وشعار اتباع السلف الصالح ويتمردوا على خليفة يُعتبر مشروعًا وقد قبلت عامة المسلمين خلافته. يحتاج هذا إلى ذكر أسس نظرية لهذه المسألة. كان الأساس النظري هو بالضبط أن محمد بن عبد الوهاب حصر خلافة النبوة مرة أخرى في الخلفاء الراشدين. في هذه الحالة، الشيء الوحيد الذي بقي عمليًا لآل عثمان هو خلافة الله. وكان ابن تيمية قد حسم سابقًا أمر خلافة الله بأن لا أحد غير آدم وداود يتمتع بخلافة الله. وهكذا يصبح لقب الخلافة لآل عثمان لقبًا بلا مسمى، أي اسم لا يُعرف مضاف إليه، ولا يُدرى خليفة من هم، وهذا ما ساعد محمد بن عبد الوهاب على أن يتمرد بسهولة على آل عثمان ويكون لديه تبرير شرعي لهذا الفعل.
أعجب من أولئك الذين يحللون تيار محمد بن عبد الوهاب ولا ينتبهون عادةً إلى هذه المحاذير، كيف استطاع أن يأتي بشعار المطالبة بالإسلام ويقوم بالثورة على الخليفة القائم. فمن الناحية الأيديولوجية، كان ينبغي عليه أولاً أن يهدم الخليفة حتى يتمكن من القيام بمثل هذا العمل، وهذا ما حدث فعلاً. ويبدو أن هذا هو حجر الأساس للسلفية الجديدة بشكل عام. ومن الجدير بالذكر أن محمد بن عبد الوهاب ليس له أثر شخصي في باب الخلافة، لكنني استخرجت من رسائله ومكتوباته أقوالاً تحدث فيها وتكلم عن هذا الأمر.
وعند السلفيين الآخرين أيضاً، نواجه هذا الفكر تماماً في القرنين الأخيرين. ومن أشهر الكتب وأكثرها ذيوعاً التي تُطرح كأثر نظري للتيارات السلفية فيما يتعلق بالخلافة، كتاب «الخلافة والملك» لأبي الأعلى المودودي، حيث اختار المودودي في هذا الكتاب هذه العقيدة بالذات لتكون عقيدته المحورية: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يكون الملك». أي أن هذا الكتاب كُتب تحديداً في سياق رسم الحدود بين مفهوم الخلافة ومفهوم الملك ومكانة كل منهما، ويريد أن يحدد أن ما واجهناه على مر التاريخ تحت مسمى الخلافات لم يكن سوى اسم ظاهري للخلافة وليست خلافة حقيقية.
في الجزء الأخير من حديثي، لا بد لي من إضافة نقطة، وهي أن استعراض أدبيات السلفية في مجال الخلافة سيستغرق وقتاً طويلاً، لكن ثمة نقطة مهمة في هذا السياق، وهي أنه في الوقت الذي وجدت فيه هذه الأنواع من النظرات إلى مسألة الخلافة، فإننا نشهد أن التيارات السلفية الجديدة كانت نوعاً ما مهتمة بتجديد الخلافة أيضاً. ومن جملة الذين اهتموا بتجديد الخلافة، الأستاذ حسن البنا مؤسس تيار الإخوان المسلمين، الذي يعتبر في بيان المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين صراحةً إقامة خلافة إسلامية لتأمين الوحدة بين المسلمين أحد الأهداف الرئيسية لتيار الإخوان المسلمين. وكذلك خصص في كتاباته مقاطع مستقلة لمناقشة الخلافة.
ومحمد رشيد رضا، الذي يُعرف كأحد الوجوه البارزة للتيار السلفي في مصر، هو أيضاً من الذين لديهم كتاب مستقل في باب الخلافة، ونعلم أنه في فترة من الفترات كان يدعم خلافة السلطان عبد الحميد العثماني بقوة، وفي مقال كتبه عن حرب البلقان في مجلة المنار، كنت أطالع المقال بنفسي، يضيف فيه إلى صيغة الشهادتين حيث يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يضيف: أشهد أن عبد الحميد خليفة الله، يشهد بهذا، وهذا عجيب جداً. أي أننا في الواقع نراه من جهة يقبل هذه الخلافة، ومن جهة أخرى يقبل مفهوم خليفة الله الذي قاومه ابن تيمية كل تلك المقاومة وحاربه وكتب الرسائل ضده، ويشهد به. وحتى بعد ذلك، عندما يشعر أن الخليفة عبد الحميد العثماني لم يعد قادراً على قيادة سفينة خلافة العالم الإسلامي، يطرح تلك النقاشات الثانوية بأن يأتوا مثلاً بالأمير حسين الهاشمي أو لنفترض إمام الزيدية في اليمن ليختاروه خليفة. إنها مساعٍ مختلفة كان محمد رشيد رضا نفسه منهمكاً فيها وسعى للمشاركة في كل منها. وهذا يدل على أن الوصول إلى خلافة كان أمراً بالغ الأهمية والجدية والأساسية بالنسبة لهم.
أعتقد أن إحدى أكبر المشكلات التي واجهتها تيارات أصحاب الحديث والتيارات التي سُميت لاحقًا بالسلفية عبر التاريخ فيما يتعلق بمسألة النظام السياسي، تعود بشكل رئيسي إلى أن النظام السياسي – كما هو واضح من اسمه، في نظام – نحن نتحدث تحديدًا عن نظام وجهاز – كانت السلفية في أفكارها الدينية شديدة النفور من التنظيم. يكفي للدلالة على هذا النفور من التنظيم أنه عندما طُلب من أحمد بن حنبل أن يكتب كتابًا في المباحث الفقهية، أعلن صراحة أنه يعارض هذا العمل، وأنه لا يحق لنا أبدًا أن نضع مجموعة من المطالب جنبًا إلى جنب ونقول إن الإسلام هو هذا. لقد أعطى أحمد بن حنبل هذا الجواب بصراحة لتلميذه أبي داود السجستاني. إن كون أحد فقهاء أهل السنة الأربعة ويدعى أحمد بن حنبل لا يملك صفحة واحدة من كتاب فقهي يُظهر بوضوح أن هذا الرجل لا مصلحة له في بناء الأنظمة على الإطلاق. وبطبيعة الحال، فإن الذين واصلوا أفكاره كان لديهم هذا النفور من بناء الأنظمة. لذلك، عندما يُطرح الحديث عن نظام سياسي سلفي، تنشأ حالة متناقضة. فمن جهة، النظام السياسي السلفي، باعتباره نظامًا، يجب أن يتجه نحو تنظيم أيديولوجيته السياسية وأفكاره، ومن جهة أخرى، فإن التنظيم لا يتوافق مع أسسه ولا ينسجم معها، وقد خلق هذا وضعًا مليئًا بالتحديات للتيارات السلفية عبر التاريخ، وجعل الأنظمة السياسية للتيارات السلفية عرضة للضرر من هذه الناحية. حتى النقطة التي أشار إليها الدكتور شبستري حول ما إذا كان ابن عبد الوهاب قد دوّن آثارًا نظرية في هذا المجال أم لا؟ لعل السبب في أنه يتناول هذه المسألة بشكل متقطع ولا يُشرك نفسه فيها هو أنه لا يمتلك إمكانية بناء الأنظمة في هذا المجال. غالبًا ما تُشاهد لدى هذه الجماعة بيانات عابرة وحادة ومدوية دون أن يكون بالإمكان إجراء بناء نظام في قالب تلك البيانات، والمشكلات المتعلقة بصدر الإسلام التي حاولت في بداية حديثي أن أشير إليها قليلًا، ومفهوم السلف الذين تكون مرجعيتهم دائمًا إلى أحداث صدر الإسلام، تزيد المسألة تعقيدًا. أي أنهم عندما يريدون بناء الأنظمة، يجب عليهم بالضبط من أجل بناء هذا النظام أن يعودوا إلى السلف الصالح، وعندما يعودون إلى السلف الصالح يرون أن أكبر التحديات والنزاعات كانت موجودة في فترة السلف الصالح. في تلك الفترة لم نكن نواجه إجراءً ثابتًا لاختيار الخليفة، وفي الوقت الذي كان الصحابة لا يزالون أحياءً، ومن وجهة نظر السلفية لا تزال فترة السلف الصالح قائمة، لم تكن فترة التابعين قد انتهت فحسب، بل فترة الصحابة أيضًا لم تكن قد انتهت بعد، أي في سنة إحدى وأربعين للهجرة، انتهت خلافة النبوة وتحولت الخلافة إلى ملك. إذا اعتبرنا سيرة السلف حجة، فيجب علينا في هذه الحالة أن نعتبر قبول الملك حجة، لأن جماعة كبيرة من الصحابة قبلوا الملك، وهذا يخلق مجددًا تحديًا خطيرًا ومفارقة أيديولوجية للسلفية، التي تريد من جهة الإصرار على سنة الخلفاء الراشدين وعدم قبول الملك كخلافة، ومن جهة أخرى تُصر على أن سنة السلف قابلة للاتباع وتشمل عصر الصحابة والتابعين. ومعنى ذلك أننا يجب أن نعتبر هذه السنة ممتدة حتى حوالي سنة المائة، في حين أنه لم تكن لدينا خلافة بعد سنة إحدى وأربعين للهجرة.
بشكل عام، حاولت من خلال مراجعة الجوانب المختلفة للمسألة، أن أرسم صورة للتحديات والمشكلات التي يواجهها الفكر السلفي في مواجهته للخلافة. شكرًا جزيلاً على الوقت الذي منحتموني إياه.
السيد بجنوردي: في البحث الذي قمتم به، هل حددتم مكانة الوضّاعين من المحدثين وهل أوليتم لهم دورًا أم أنكم بحثتم فقط في مسار الفكر بغض النظر عن كونهم واضعي أساسه أم لا؟
الدكتور باكتجي: في المقال نفسه، وفيما يتعلق بمسألة الخلافة، تناولت بالتحكيم حوالي ثلاثة أحاديث كانت محورية وأساسية للغاية، وحاولت أن أبين في أي فترة صُنعت هذه الأحاديث ونشأت، ولكن بشكل عام، وبالنظر إلى أنه حتى لو حدث وضع، فإن هذا الوضع نفسه يعني فكرًا ورأيًا، وبالنظر إلى أن هذه الأحاديث قد نُظر إليها بعين القبول من قبل أهل السنة ودخلت في صحاحهم، وعمليًا فإن جميع استنادات السلفيين هي إلى هذه الأحاديث، فهذا يُظهر أن هذه الأحاديث تتمتع بالاعتبار الكافي لاستنادنا إليها. لأننا في الواقع ندرس مسار الفكر.
الدكتور باكتجي: هذه النقطة التي أشار إليها الأستاذ الدكتور شَبَسْتَري بأن الشيعة ليس لديهم خلافة بل إمامة، هي نقطة مثيرة للاهتمام حقاً. اسمحوا لي أن أضيف جملة إلى كلامي. فمن بين التيارات السلفية الجديدة، لدينا بعض التيارات التي لم تكن راغبة أصلاً في استخدام مصطلح الخلافة، وفضّلت استخدام الإمامة والإمارة. ومن ذلك حركة طالبان التي قدّمت الملا عمر بصفته أمير المؤمنين، وأطلقت على حكومتها اسم إمارة أفغانستان الإسلامية، وليس الخلافة الإسلامية. كان لهذا معنى، ولا يمكن تجاوز هذه المسألة ببساطة.
الدكتور طباطبائي: كان بمعنى أن خليفةً سيأتي وهذا الأمير مهّد الطريق له، لكن الإمامة مثيرة للاهتمام، ولا أدري لماذا لم تُشر إليها، لأن شخصاً مثل ابن خلدون يستخدم الإمامة الكبرى ويناقش الإمامة أكثر من الخلافة. وأعتقد أن ابن تيمية أيضاً يناقش هذا في السياسة الشرعية، حيث أن الخلافة من وجهة نظرهم قد انتهت بمعناها، ولذلك يقدم نظرية الإمامة. ربما في مقابل الإمامة الشيعية، كنظرية مختلفة تكون مضادة لتلك النظرية التي صاغها الشيعة.
الدكتور فيرحي: الماوردي أيضاً في كتابه الأحكام السلطانية يبدأ بحثه ببحث الإمامة، وأساساً يبدأ بهذا.
الدكتور طباطبائي: يناقش الخلافة، لماذا نقول الآن خليفة، لأنه كان أولاً خليفة رسول الله، ثم خليفة خليفة رسول الله، وبعد ثلاثة أو أربعة خلفاء طال هذا الأمر، فأسقطوا الباقي وقالوا فقط خليفة.
السيد بجنوردي: لإكمال بحث الخلافة، أطلب من الدكتور فيرحي أن يبدأ بحثه، وأن يشير بشكل خاص إلى خلافة داعش، وكيف هي تلك الخلافة.
الدكتور فيرحي: بسم الله الرحمن الرحيم
سأحاول أن أشير قليلاً إلى تغييرات في تعابير هؤلاء، لم تكن موجودة من قبل. أشار الدكتور إلى مفهوم الخلافة وهناك نقاشات في هذا السياق. منذ زمن ابن تيمية، ظهرت قاعدة في أدبيات السلفية، وهي قاعدة مفارقة للوحدة، وفيها تناقض. إنهم يشعرون أن سبب خسارة العرب والمسلمين للسلطة لصالح المغول ووقوع هذه الأحداث؛ هو الخلافات الداخلية بين المسلمين، وكونهم عدة فرق وعدة أمم. ولهذا السبب سعوا إلى وحدة، ولأجل الوحدة كانوا يعودون إلى صدر الإسلام، وخصوصاً عصر الخلفاء الراشدين. وبما أنه بطبيعة الحال، وكما أشار الدكتور، لم يكن هناك تفسير واحد لتلك الأربعين سنة، فقد جعلوا تفسيرهم هم أساساً للوحدة، وهو في الواقع بداية تفرقة وبداية خلاف أيضاً. أردت أن أقول هذه الجملة: ماذا فعلت هذه القاعدة بفقه أهل السنة، وكيف ظهرت التحولات. من أهم التأثيرات التي تركتها هذه القاعدة، شيوع فقه التكفير. أي أن السلفية بدأت تدريجياً بتكفير المحيطين بهم. كان التكفير موجوداً من قبل، وكان لدينا من قبل أشخاص يهددون بالتكفير، لكن تدريجياً، وكلما تقدمنا مع السلفية نحو العصر الحديث، نشعر أن تيار التكفير وفكره يزداد غلظةً ويتحول إلى محور في أدبيات السلفية.
إذا سمحتم لي، وبما أنني أعتقد أن الأمر بالغ الأهمية، فسأضيف بضع جمل حول هذا الموضوع. إن التيار السلفي ملازم للتكفير، والسبب في ذلك يعود إلى دعواه القائلة بضرورة وحدة العالم الإسلامي، وأن تعود هذه الوحدة إلى السنوات الأربعين الأولى. فكل من كان لديه اختلاف أو تباين ما، كانوا يحيلونه إلى مسألة التكفير. أود أن أوضح كيف عمل هذا الأمر في الفكر السلفي. يقولون في أدبياتهم عن التكفير إنه نسبة الكفر إلى المسلمين، ولديهم مصطلح للتكفير هو «هو نسبة احد من اهل قبله الی الکفر». ثم يتحدثون في فقه التكفير عن كيفية أن يكتسب المسلم حكم الكافر رغم ادعائه أنه مسلم، ومتى ما اكتسب حكم الكافر، تترتب عليه أحكام الكفر الأربعة. الأحكام الأربعة بالغة الأهمية وهي: أولاً: طلاق زوجته منه، ثانياً: حكم الإعدام، ثالثاً: الاستيلاء على أمواله وعدم ملكيته لشيء، رابعاً: عدم قبول توبته. ويضيفون إلى ذلك أموراً أخرى، كجواز لعنه وعدم جواز الدعاء له وطلب المغفرة له. لقد تغلظت هذه الفكرة في أدبيات التيارات السلفية الجديدة والتيار الوهابي. ويمكنني أن أشير إلى المنبع وأقول لماذا يحدث هذا الأمر.
أحد التحولات المهمة جداً في نظري هو الحرب الأفغانية، وأيضاً التطورات التي حدثت مع المودودية في مسار التكفير داخل السلفية. يوجد في أدبيات المودودي مصطلح مثير للاهتمام هو «الجاهلية الجديدة»، وهو يعتقد أن المسلمين بعد فترة عادوا مرة أخرى إلى عصر الجاهلية، ومن رموز هذه الجاهلية الكفر أو التكفير نفسه. ويقولون إنه لم يكن هناك إسلام في الجاهلية القديمة، أما الجاهلية الجديدة فظاهرها الإسلام، ثم يتبعون نوعاً من البيوريتانية أو النقاء، ويقولون لنعد ونؤسس لها قاعدة سلفية. وعندها يستنتجون نتيجتين: الأولى، أن مسلمي اليوم مسلمون في الظاهر ويجب قتالهم. الثانية، أنه لكي نقاتلهم يجب أن نعود إلى صدر الإسلام، والمصطلح الذي يستخدمونه هو «الخليفة الخامس»، أي أن خليفة داعش ليس امتداداً لأي من الخلفاء الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين.
الدكتور مجتهد شبستري: هل دخلتم الآن في موضوع داعش؟
الدكتور فيرحي: لا، أنا أذكر مصطلحهم وأن لديهم هذا المصطلح، وسأعود إلى الوراء.
أود أن أوضح أن هؤلاء حين يكفّرون، فإنهم يكفّرون العالم الإسلامي الجديد. وفي هذا العالم الإسلامي الجديد لا يكفّرون فرداً أو فردين، بل يكفّرون الجميع باستثناء أنفسهم. كل من لا يتبنّى مثلث الهجرة والجهاد والتكفير هذا، أي من لا ينضم إليهم ذهنياً أو جغرافياً، ولا يلتحق بالجهاد، ولا يكفّر الآخرين، يُكَفَّر هو نفسه. ثمة في منظورهم اعتبارٌ لعموم المسلمين بالجاهلية، ولتخليص المسلمين يعودون إلى صدر الإسلام، ويعتبرون أنفسهم امتداداً للخلفاء الأربعة والخليفة الخامس بعد الإمام علي (ع). ومن المثير للاهتمام أن داعش تنشر في أدبياتها شجرة نسبٍ لأنفسهم، يعودون فيها عبر الإمام الحسن (ع) إلى الفاطميين والتيارات الفاطمية، وهذا الجزء يشكل قسماً كبيراً من منظورهم. حين يتحدث داعش عن الخلافة، فإنهم يتحدثون عن خلافة رسول الله، فليس ثمة عند داعش أساساً ما يسمى بخليفة الله، وهم يكفّرون كل من يتحدث عن خليفة الله. أي أن ثمة انحرافاً كبيراً جداً يُلاحظ في أذهانهم. نقطة أخرى هي كيف يعمل التكفير كآلة في ممارستهم. حين بحثت في أدبياتهم، وجدت أنهم يعتقدون بأننا نقسم البشرية جمعاء إلى قسمين: غير المسلمين، ويقسمونهم إلى أهل الكتاب وغير أهل الكتاب. وهم في الواقع يعتبرون اليهود والنصارى والمجوس من أهل الكتاب. وغير أهل الكتاب نوعان: إما كفار كالبوذيين. والنوع الثاني من غير أهل الكتاب هم أهل القبلة، وقد قالوا: الكافر من أهل الكتاب هو أهل القبلة الذي ينتسب إلى دين الإسلام لكنه ليس بمسلم. أي أنه ليس بمسلم في نظرهم. يقولون إن الذين يظهرون الإسلام وليسوا بمسلمين حقيقةً هم صنفان: الأول طوائف كفرهم منصوص عليه كالغلاة أو حتى قسم من الخوارج، ويعتقدون أن هؤلاء لا يحتاجون أصلاً إلى تكفير، فكفرهم منصوص عليه. والثاني هم الذين يكفرون بسبب ما، وهؤلاء هم التكفيريون، وتكفير هذا القسم الثاني يعود إلى إنكارهم لضرورة الدين، ليس ضرورة خاصة بالدين، بل ضرورة عامة للدين، وهو ما يمكن شرحه بمصطلحهم الشائع. الضرورة الخاصة تعني أن شيئاً ما ضروري من وجهة نظر شخص ما، وهذا ما يسمونه الضرورة الخاصة. أما حين يقولون إن شخصاً ما مشرك، كالشيعة من وجهة نظرهم، أو من يتعاون مع كفار كالولايات المتحدة، أو من لا يثور على الحاكم كحاكم السعودية، فإنهم يعتبرون هؤلاء منكرين للضرورة العامة. أي أنهم أينما بحثت في المجتمع الإسلامي يجدون أن هذه ضرورة، ويطرحون أن ضرورة هؤلاء هي ضرورة إسلامية. ثم باستنادهم إلى هذا القسم من الضرورة العامة الذي يتحدثون عنه، يتشكل التكفير في أدبياتهم، وبعد ذلك يُحدثون تحولاً في فقه التكفير عند ابن تيمية وكذلك في فقه التكفير الوهابي، ربما لا يتسع الوقت هنا للإشارة إليه. خلاصة قولهم هي: كانوا يعتقدون أنه لا يمكن تكفير الحاكم أصلاً، أي أنني لم أر حتى ابن تيمية يكفّر العثمانيين، وكان أساس الأدبيات التقليدية أنه لا يمكن تكفير الحاكم. كان التكفير يتجه صوب آخر، كتكفير العلماء مثلاً. لكن داعش تكفّر الحاكم تحديداً. لنفترض أنهم يكفّرون حكام السعودية أو سوريا أو الأردن. هذا جزء من تكفيرهم. القسم الثاني من التكفير لديهم هو ما يسمونه اصطلاحاً التكفير الجمعي. سابقاً كانوا يحاكمون شخصاً في محكمة أو أي مكان آخر، وينتزعون منه اعترافاته، ويصدرون بحقه حكماً خاصاً. أما الآن فالأمر ليس كذلك، فهم يكفّرون المنطقة بأكملها. مثلاً، يصدرون فجأة حكماً بتكفير بلاد العراق أو بلاد خراسان، أي إيران وأفغانستان وجزء من آسيا الوسطى وجنوب الخليج الفارسي. في الأدبيات السابقة كانوا يجعلون الأصل هو الإيمان والإسلام ثم يستثنون التكفير، أما هؤلاء فيعملون بالعكس، يجعلون الأصل هو التكفير ويستثنون الإيمان. ولهذا السبب تحديداً، حين يواجهون الشيعة أو المسلمين من أهل السنة، لا يقيمون لهم مراسم توبة، بينما يقيمونها للكفار، فعلى سبيل المثال لديهم مراسم توبة لليزيديين والمسيحيين. هذه هي التغييرات التي طرأت على أدبياتهم، وأريد أن أقول لماذا ومتى حدث هذا. ثمة تقارير مطولة، لكن ظاهر القضية بدأ حين احتلت الولايات المتحدة أفغانستان، وعاد قسم كبير من التيارات التكفيرية إلى السعودية.
في ذلك الوقت توصلوا إلى نتيجة مفادها أنهم في أفغانستان يقاتلون لأن حاكمها متحالف مع روسيا أو أمريكا؛ وعندما جاءوا إلى السعودية رأوا أن الأمر نفسه يحدث في السعودية أيضاً، أي أن حاكم السعودية أيضاً متعاون مع الغربيين يداً بيد. وبهذه الطريقة بدأ هذا التيار، الذي كانت له سابقة من قبل، بالتحرك وبلغ ذروته مع احتلال أفغانستان حيث صعّد من عملياته.في التصنيف يُطلق على هذا التيار تيارات الجيل الرابع. أي أنهم لا يرتبطون مباشرة بابن تيمية فحسب _ مع أنهم وضعوا على ذلك الطيار الذي أحرقوه نصاً لابن تيمية _ بل إنهم ليسوا مرتبطين كلياً بالتيارات الوهابية أيضاً، ولا يتجانسون كثيراً حتى مع القاعدة. لديهم تفسير خاص جداً لمفهوم الخلافة وتفسير خاص جداً لهذه النقاوة الإسلامية التي يقوم أساسها على التكفير. في الواقع بدأوا العمل ضمن هذا الإطار ويمكن القول إن العديد من الأصول السلفية تقريباً قد انقلبت رأساً على عقب لديهم.
السيد بجنوردي: سؤالي للدكتور فيرحي هو، مما تفضلتم به يبدو أن أهم نظرياتهم جديدة جداً، أي أنهم بعد احتلال أفغانستان يذهبون إلى السعودية ويتجمعون شيئاً فشيئاً وتتبلور لديهم هذه الأفكار. هل هذه الطقوس التي يمارسونها وهذه التعريفات التي يقدمونها للكفر والخلافة، أولاً هل هي جديدة أم قديمة، وإذا كانت قديمة فمن أين نشأت ومن هو المنظر الرئيسي لهم في الوقت الحالي.
الدكتور فيرحي: في تتبع أفكارهم، يُقال إنهم يعودون عبر أبي مصعب السوري إلى التيارات الإخوانية السلفية السرورية. أي مدرسة سرور الدين زين العابدين سرور. في الواقع بعد عام 1982 عندما تم قمع القسم الأعظم منهم في سوريا، خرج من بينهم تيار تكفيري جاد مستلهم من التيارات السرورية. التيارات السرورية يُقال عنها اصطلاحاً إنها سلفية العقيدة إخوانية المنهج. لديهم تنظيمات ومنهجيتهم كالإخوان، وخلافاً للإخوان الذين لم يعودوا سلفيين الآن، هم سلفيون، وأيضاً خلافاً للإخوان يسمون تنظيماتهم اصطلاحاً بالكتائب المستقلة.
الكتائب المستقلة أي الكتائب التي أينما تشكلت، إذا شعرت بمسؤولية ما فإنها تعمل بها. لدينا في الإسلام أصل تحت عنوان أن التكليف تابع للقدرة ويؤمن به الشيعة والسنة على حد سواء، وعليه فأي شخص أينما شعر أن لديه قدرة فإنه يبدأ حينها بالعمل بواجبه في تلك المنطقة. إذن يوجد في الفقه الإسلامي مثل هذا المبدأ الذي يقول إن التكاليف تابعة للقدرة وكل من صارت له قدرة تُحمل عليه هذه التكاليف وتتشكل هذه الكتائب المستقلة. هذا كثير في آثار أبي مصعب السوري ورمزياً غالباً ما تكون كُناهم أبا مصعب حتى أن الخليفة الذي اختاروه لإيران كانوا قد جعلوا كُنيته أبا مصعب. كل هذا ينبع من عمل أبي مصعب، وأبو مصعب نفسه يعود إلى التيارات السرورية، والتيارات السرورية انتقلت بعد قمع سوريا إلى السعودية وقطر وهذه المناطق.
الدكتور شَبَسْتَري: دكتور فيرحي، يمكن أن نستنتج من بياناتكم أن المفهوم الأكثر محورية في تحفيزهم هو التكليف بأحكام الشريعة.
الدكتور فيرحي: نعم، نعم هو كذلك، بل ويمكنني أن أقول إن أحد أهم الأحكام الشرعية لديهم هو حكم التكفير. هناك نقطة أضافوها إلى سابقيهم وأبرزوا ثلاثة من عوامل التكفير. سابقاً كان من يُعلن الكفر يُعتبر مرتداً، أما الآن فيقولون إن من لا يُعلن الكفر ولكن لديه شرك، كالشيعة في نظرهم، فهو مرتد. من لديه نفاق، أي أن يكون في الظاهر معهم ولكن في الباطن مع أمريكا، فهو مرتد وهذا يُكفَّر أيضاً. إذا كان لديه بدعة كالديمقراطية فهذا يُكفَّر أيضاً. إذن أضافوا ثلاثة أصول جدية إلى معايير التكفير: من هو مشرك أي الشيعة؛ من لديه نفاق أي السنة الذين يتصرفون بازدواجية؛ كل من لديه أمر جديد كالديمقراطية والانتخابات.
الدكتور مجتهد شَبَسْتَري: إذن يمكن القول إننا مكلفون بتنفيذ أحكام الشريعة بقدر ما نملك من قدرة.
الدكتور فيرحي: وأول حكم فيها هو التكفير.
السيد قريشي: في اليمن بعد تفجير صنعاء، تشكلت أنصار الشريعة، في مقابل أنصار الله وهم الشيعة الزيدية.
دکتر فیرحی: اصلا واژۀ اصلی شان همین است. معتقدند که شریعت متولی خاص ندارد، بر خلاف ادبیات کلاسیک که میگفتند حاکم باید اینها را تنظیم کند اما آنها به این اعتقاد ندارند و میگویند هر کس که قدرت داشت.
آقای بجنوردی: آقایان عنایت بفرمایید، برای اینکه بحث خلافت تکمیل بشود اگر کسی در این زمینه صحبتی دارد اعلام کند.
آقای یونسی: بسم الله الرحمن الرحیم
بحث تکفیر و سلفیه که هر کدام اشاره به یک جهت و یک بعدی دارد و هر دو لازم و ملزوم هم هستند. در یک تقسیم بندی تاریخی من این را به پنج مرحله تقسیم میکنم و هر مرحله بعد از یک بحرانی که در داخل منطقه و یا در داخل جهان اسلام به وجود آمد این بحرانی فکری هم پدید آمد.
مسئلۀ تکفیر در هر صورت یک بحران فکری است که بعد از یک بحران سیاسی و اجتماعی پدید آمده، اوج بحرانهای سیاسی جنگ های داخلی و جنگ های داخلی جهان اسلام یا سقوط و انقراض ها است و پس از آن بحران فکری هم متولد شده است که اتفاقا اولین آن در دنیای شیعه به وجود آمد. یعنی در خلافت امام علی (ع)، بعد از اینکه جنگ شروع شد و مسئلۀ خوارج رخ داد و جنگ داخلی به صورت بدی پیش رفت و عملا به پیروزی آنها انجامید و باعث ایجاد یک بحران فکری شد که نتیجه اش هم ظهور فرقه های مختلف خوارج شد.اولین جریان سازمان یافتۀ تکفیری که غیر از خودشان همه را کافر میدانستند جریان خوارج بود که اتفاقاآنها از سربازان امام علی (ع) بودند. این جریان خوارج که خودش فرقه های مختلفی را در بر میگیرد، در بعضی از این فرقه ها جز خودشان همه را نامسلمان و کافر میدانستند و خیلی به این جریاناتی که ما امروز شاهدشان هستیم شبیه اند. این یک مرحله است که بحران خلافت و مدیریت داخلی ایجاد میشود و منجر به یک بحران فکری میشود و این مسئله به صورت جنگ عقل و نقل در دنیای اسلام ادامه پیدا می کند. به نظر من بحث عقلانیت و فقاهت بحث مهمی است و در اینجا ما باید بحث معتزله و اشاعره را در بررسی مسئلۀ سلفیت در نظر بگیریم. در آنجا هم بحث تکفیر و قتل و جنگ به صورت گسترده وجود داشت و چندین قرن دنیای اسلام را به خود مشغول داشت. گاهی خلیفه و دستگاه حکومت با یک جریان همراه میشد و رقیب را نابود میکردند و این وضعیت تا حملۀ مغول ادامه داشته است. حملۀ مغول دنیای اسلام را تماما دچار یک بحران خلاء مدیریت و بحران داخلی و آزاد شدن انرژی های داخلی کرد. این بحران در جهان اسلام به اوج خودش میرسد و اینجاست که ابن تیمیه ظهور میکند و آسیب شناسی میکند که علت سقوط خلافت و علت شکست مسلمانان این است که در داخل فرقه فرقه بودند و برای اولین بار اوست که میگوید بازگشت به سلف صالح راه نجات است. حرکت ابن تیمیه حرکتی به سوی نفی همۀ مذاهب فقهی و کلامی و عرفانی است. یعنی هم بر علیه مذاهب اربعه ، هم علیه تمام فرق دیگر مانند شیعه، هم علیه فرقه های عرفانی که اکثریت جهان اسلام پیرو این فرق درویشی و عرفانی بودند و همچنین بر علیه مکاتب کلامی. چرا؟ چون از نظر او تمام اختلافاتی که در بین مسلمانان است بر میگردد به اینکه پیرو این مذهب باشیم یا پیرو آن مکتب فقهی و یا پیرو فلان مکتب عرفانی باشیم و از نظر او همۀ اختلافات ناشی از همین بود و این اختلافات در جهان صدر اسلام نبود. در صدر اسلام ما نه مذاهب اربعه داشتیم و نه مکاتب کلامی و درویشی و عرفانی؛ پس برگردیم به همان سادگی دنیای اسلام و سلف صالح. طرح این اسلام ساده به علت اینکه نفی خیلی از قید و بندها و تکالیفی است که در طول زمان به گردن مسلمانان آمده، همواره برای همه جاذبه دارد. مسلمانان از اینکه در طول زمان بار سنگینی توسط مکاتب و انواع مذاهب فقهی بر دوششان گذاشته شده رنج میبردند و حس میکردند که خیلی از این واجب ها و حرام ها چیزهایی است که در طول زمان بر گردنشان افتاده و از اول نبوده است.
أول مرة ينفي ابن تيمية هذا الأمر ويعيد العالم الإسلامي إلى البداية ذاتها، حيث كانت التكاليف قليلة ومحدودة لكنهم كانوا يتمتعون بالاقتدار والعزة، ولم تكن أي من هذه الفرق والمذاهب موجودة. وهذا، في الوقت الذي كان يحمل في طياته كل التناقضات التي ذكرها الأساتذة، كان يتمتع بجاذبية أيضًا. هذه مرحلة أيضًا، أي أن أزمة سقوط الخلافة العباسية تؤدي إلى ظهور مذهب ابن تيمية الجديد الذي يشكل أساس المذاهب الأخرى والحقب اللاحقة. تستمر هذه المرحلة حتى نصل إلى حقبة سقوط الخلافة العثمانية. تجلب الخلافة العثمانية للعالم الإسلامي إذلالاً يتمثل في أن المسلمين جربوا سطوة الاستعمار، وفي أن اقتدار العالم الإسلامي، الذي كانت الخلافة العثمانية المتداعية تتولاه، أصبح في خطر بشكل سيئ للغاية. تنقرض الخلافة العثمانية ونشهد ظهور الوهابية. برأيي، تتصالح الوهابية لأول مرة مع نظام حكم، وتتعاون لأول مرة في الجزيرة العربية لتشكيل السلطة والحكم، وتنجح في تشكيل نظام وإن اختلفوا لاحقًا، وهذه مرحلة أيضًا. المرحلة التالية هي أزمة ما بعد الثورة الإسلامية حيث شعر غالبية أهل السنة بالإذلال. مع أزمة احتلال أفغانستان، يرى العالم الإسلامي نفسه مرة أخرى في أزمة مذلة، وما حدث في أفغانستان كان نشاطًا وتخبطًا للخروج منها، وفي أثنائها تشكلت المرحلة الثالثة من السلفية، وهذا يؤدي أيضًا إلى تشكيل نظام. برأيي، توصلوا مرة أخرى إلى أنهم لا يستطيعون إحراز تقدم دون امتلاك نظام وسلطة، وينجحون هذه المرة في تشكيل طالبان. في المرحلة الثانية كانوا قد نجحوا في تشكيل آل سعود وأسسوا النظام الملكي لآل سعود، وفي أفغانستان نجحوا في تشكيل حكومة طالبان. وفي المرحلة الرابعة يشكلون حكومة الشام والعراق. أي أنهم في المراحل الثلاث الأخيرة شعروا بأنهم لا يستطيعون إحراز تقدم دون امتلاك سلطة ونظام.
السلفية هي صدى الإذلال والهزيمة ومحاولة للخروج من الأزمة. لطالما حدث هذا عندما تجتاح أزمة العالم الإسلامي، ويرونها محاولة وحلاً للخروج من الأزمة. في الحقيقة، هي رد فعل وصدى للأزمات الداخلية وإذلال الاستعمار وإسرائيل وأمريكا. من سمات كل هذه التيارات معاداتها للغرب. والسبب في ذلك هو شعورهم بأن قسطًا كبيرًا من هذا الإذلال هو إذلال فرضه عليهم الغرب، وكان هذا جليًا جدًا في تيارهم الثالث. أرادت القاعدة من خلال هجومها على أمريكا إظهار ذلك بأفضل وجه. تُظهر القاعدة أن ألد وأشرس أعدائهم هو الغرب، ورمز الغرب هو أمريكا، ويجب هزيمتها حتى يستطيع المسلمون استعادة عزتهم، أي أن الرد على هذه الهيمنة الغربية تم عبر الهجوم الانتحاري.
من سماتهم المهمة الأخرى نفي جميع المذاهب الكلامية والعرفانية والفقهية والاجتهاد الجديد. كل التيارات السلفية تمتلك هذه السمة وهي رفض التفسير التخصصي للإسلام. أي أنهم لا يقبلون مرجعية لتعريف الإسلام. هذه المرجعية لتعريف الإسلام، التي هي بشكل في التشيع وبشكل آخر في المذاهب الأخرى أو بشكل آخر في المكاتب العرفانية، يرفضون كل هذه التفاسير التخصصية التي تشكلت عبر التاريخ، ويعطون الحق لكل شخص في أن يراجع مباشرة ويستقبل من الإسلام بنفسه. أي اجتهاد مستقل لكل شخص، ولا ترى عالمًا أو فقيهًا واحدًا في أي من هذه التحركات الجديدة، ولا ترى بين قادتهم شخصًا يمتلك تخصصًا في العلوم الإسلامية أو الإنسانية.
شهدنا نحن أنفسنا أمرًا مشابهًا لهذا في الهيجانات المكبوتة إبان الثورة. في مجموعة فرقان قيل لهم أيضًا إن التخصصات الحوزوية والجامعية أصبحت عائقًا لكم ويجب أن تفسروا بأنفسكم مباشرة. لذا نرى كودرزي وهو شخص عادي يعطي لنفسه الحق في أن يأتي ويرفض كل كلام مطهري والآخرين ويبدي رأيه بنفسه، وأول عمل له هو العنف والاغتيال. أثناء الثورة أو قبلها، كل الجماعات التي تشكلت داخل التشيع كانت هكذا تمامًا، ولا يوجد في أي منها مرجع تقليد. شخص عادي تمتع بخصائص الاجتهاد العام، أي امتلك الشجاعة والمعلومات العامة، استطاع أن يتولى قيادة تيار. هذا الأمر حدث في العالم الإسلامي على نطاق واسع، القاعدة، داعش، بوكو حرام... في كل هذه التيارات لا يوجد عالم إسلامي متخصص، أو عارف، أو فقيه، سواء شيعي أو سني، على رأسها، كلهم تكليفيون.
دعوني ألخّص عرضي. التكفير هو لازم وملزوم هذه التحولات التاريخية الخمسة وسمتها المميزة. وكما قال السيد فيرحي، لم يعد التكفير اليوم منهجًا فقهيًا بل أصبح مذهبًا. التكفير بالنسبة لهم مذهب يستلزم الهجرة، إذ يجب عليهم أن يرحلوا من أوروبا ومن كل مكان في العالم، وأن يجاهدوا حتمًا، أي أنه من الضروري أن ينفوا من حولهم من غيرهم. نفي الآخرين من حولهم هو منهج ومذهب، وليس حكمًا فقهيًا، وهذا أمر بالغ الأهمية، ويبدو أن علينا أن نعمل كثيرًا على هذا الموضوع. كثير من تنظيماتهم تحمل اسم الجهاد والتكفير، وكثير منها تُعنى بالتكفير، لأن التكفير في نظرهم مذهب، وقد توصّلوا إلى أنهم بالتكفير يستطيعون أن يحددوا موقفهم من أوروبا وأمريكا والغرب والجميع. التكفير عندهم أسمى حتى من الجهاد، فبدون التكفير لا يستطيعون الهجرة والجهاد. الأصل هو التكفير، عليهم أولًا أن يكفّروا حتى يتمكنوا بعد ذلك من الانفصال عن أوروبا والهجرة.
السيد بجنوردي: شكرًا لكم. السيد موجاني، تفضلوا.
السيد موجاني: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً أقول إنه خلال حديث السيد يونسي في العقود الأخيرة، تبادرت إلى ذهني مصاديق عديدة وتمكنت من مراجعتها، وقد أذهلني أناس لم يكونوا فقهاء وكانت لهم تخصصات أخرى، لكنهم جميعًا جاءوا إلى مجال الفقاهة وأدلوا بجمل، وكان كل منها بداية لنحلة وفكر.
الموضوع الذي أردت الحديث عنه بخصوص الخلافة هو من هذه الزاوية. الإشارة التي أوردها الدكتور باكتجي حول مفهوم الخلافة، والنقطة التي وردت في حديث الدكتور فيرحي بشأن أن هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى الفاطميين أو يتصلون بالإمام الحسن (ع). لقد أوجد داعش الجديد قلقًا في ذهني منذ فترة، من باب أننا في العالم الإسلامي، وحتى قبل طرح مسألة خلافة أبي بكر البغدادي، لم يكن لدينا أي شكل أو أي نوع من التعبير عن هذا، وكنا نظن أنها مقولة أُحيلت إلى التاريخ ولم يعد هناك ضرورة لأن يفكر فيها أحد غير دارس. لكن الآن جاء شخص بشكل عيني وألقى رداء الخلافة على كتفيه ويدّعي الخلافة، ويستفيد طبعًا من هذا النسب ذاته. أحد المجالات التي يمكن أن تثير قلقًا كبيرًا هو كيف ستتصل بنا هذه الفئة من السادة والشرفاء والنقباء في مستقبل ليس ببعيد. أقول هذا من هذا المنطلق، لأنني مؤخرًا عندما كنت في مدينة مساكن التونسية، رأيت أن الجميع هناك شريف ونقيب، وهم عمليًا مستعدون لادعاء الخلافة، أي أنهم رأوا هذا التكليف في أنفسهم. كل هؤلاء كانوا من أهل البيت عندنا، أي كانت لهم صلات واتصالات وعمل وتفاعل مع المجمع العالمي لأهل البيت، لكنهم الآن لم يعودوا يحملون هذا الشعور، وإحساسهم هو أنه لا أحد أجدر منهم لاستخدام هذه السلطة التي يتمتعون بها شرعًا بحكم النسب، ولإظهار التكليف الملقى على عاتقهم في ساحة العمل. أنا لا أقول إن مفهوم الخلافة هذا يدخل بيئةً -لا أقول التشيع الإمامي أو ما نحن فيه من حيث الفقاهة- لكنه يدخل بيئة استثمرت فيها الجمهورية الإسلامية طوال هذه السنوات. كيف سيكون مواجهتنا لأناس يشعرون في أنفسهم بالتكليف، وهم طبعًا من حيث النسب كلهم شرفاء وذوو نسب؟ لا أعلم إن كان هناك مصداق في التاريخ من العصر العباسي في ذهن الدكتور باكتجي والدكتور فيرحي، لأن الوضع نفسه كان قائمًا في العصر العباسي. قبل أيام كنت أتحدث مع السيد بهراميان حول هذا الأمر نفسه، حيث كان هناك نزاع هناك بين محمد بن الحنفية والأسرة العباسية حول من هو الأحق بأن يلقي رداء الخلافة على كتفيه. اليوم، تفسير وترجمة هذه الظاهرة في هذا الإقليم القريب منا يمكن أن يكون شديد الأزمة. هل هناك مصداق أو نموذج يمكن الالتجاء إليه وخلق فضاء وإيجاد خط فاصل؟ عرضت هذا على سبيل السؤال فحسب.
السيد بجنوردي: جناب الدكتور مجتبائي، إذا كان لديكم مطلب بخصوص الخلافة، تفضلوا.
د. مجتبائي: كانت الموضوعات مفيدة جداً. ويبدو أن هذه مقدمة لمدخل تعتزم كتابته في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى. لقد نضج الموضوع تاريخياً بشكل جيد جداً، وأعتقد أنه ينبغي في دائرة المعارف أيضاً التركيز أكثر على هذا الجانب التاريخي، وأرى ألا تتطرق كثيراً للأوضاع والأحوال الراهنة. لأن الفرق بين دائرة المعارف والمقال والكتاب هو أنه ينبغي في دائرة المعارف تناول ما هو من مسلّمات العصر، ويجب ترك التنظير والحدس والتخمين جانباً إلى أن يمضي عليه زمن، ليكشف التاريخ على أية حال حقيقة الأمر. أعتقد أنه ينبغي تناول المسائل التي تجري في الزمن الراهن فقط في حدود إعطاء معلومات عامة، لأنه في الواقع لا شيء واضح. مصير الإخوان المسلمين واضح من الناحية التاريخية. القاعدة وطالبان واضحتان إلى حد ما، لكن بوكو حرام وداعش غير واضحين حقاً من أين أتوا ولماذا وماذا يفعلون. لا يفعلون شيئاً سوى أنهم يخربون الإسلام في العالم. هم على أية حال يسعون وراء نظرية تم بيان تاريخها الآن، ولها تاريخ متين وواضح جداً، لكن ما تفعله بوكو حرام من قتل ونهب على هذا النحو في أفريقيا، أو ما يفعله داعش بهذه الطريقة، يبدو وكأن غرضهم تخريب صورة الإسلام في أذهان العالم. لهذا يجب التعامل مع التيارات الجارية بحذر شديد. لكن هذه المسألة، أي دين يتشكل تكون فيه هذه الخاصية، أي أن هناك جماعة تتشبث بما يُسمى بالسوابق وتاريخ الآباء، وجماعة أخرى تريد أن تخلق حركة وتصلح وتتقدم. لقد وجد هذا في الدين اليهودي، والمسيحية نفسها هي أحد تجليات هذا التيار الذي نشأ في اليهودية. والخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس كان له في الحقيقة مثل هذه الكيفية. وفي الهند أيضاً كانت هذه القضية. الأدبيات الفيدية والأوبانيشادية لها في الحقيقة مثل هذه الكيفية. أراد الفيديون التشبث بالسوابق وبما كان من جذور. كانوا راديكاليين وأصوليين. وأرادت الأوبانيشادات أن تكون لها حركة إلى الأمام. وفي العصور الأحدث، نشأت في الهند أيضاً جماعتان، آريا ساماج وبراهما ساماج. أراد البراهما ساماج أن يكيّفوا أنفسهم مع ظروف زمانهم، وأراد الآريا ساماج العودة إلى تقاليد الآباء. وفي البوذية أيضاً، الفرق الموجود بين الماهايانا والثيرافادا والهينايانا هو شيء من هذا القبيل. أراد أتباع الثيرافادا العودة إلى التقاليد السابقة والأصل والجذور، وأراد أتباع الماهايانا الانفصال عن الجذور. هذا ليس بجديد، وهذه القضية كانت في جميع الأديان، وهي طبيعة كل دين يقتضي أن يتحرك، لأن التاريخ يتحرك. إذا أراد دين أن يقف في نفس المكان الذي نشأ فيه ويثبت في مكانه، يسحقه التاريخ. لهذا يجب أن يتحرك، لكن هذه الحركة يجب أن تكون تحت إشراف خاص. هناك حكاية عند البوذيين تقول: كانت لجماعة دار أبوية. مات صاحب الدار واختلف الورثة. اعتقد بعض الورثة أنه يجب الحفاظ على الدار كما ورثوها عن الأب. حتى لو امتصت الأساسات الرطوبة وتهدمت الجدران، يجب أن تبقى على هيئتها. قال جماعة من الورثة: هذه دار أبوية وعزيزة جداً، لكن يجب ترميمها وصيانتها بشكل يمكن العيش فيها اليوم، وبما يتناسب مع ما نحتاجه اليوم للسكنى فيها. وقال آخرون: كلا، يجب هدم هذه الدار بالكلية وبناء دار أخرى من جديد على هذه الأرض. هذا تمثيل، وهذه التيارات الثلاثة موجودة بشكل ما في جميع الأديان وليست بجديدة. لكن الإسلام، لأنه نشأ وترعرع في وضعية وكيفية تاريخية معينة، صارت هذه الاختلافات أشد وأوسع وأفظع. هذا في الإسلام، كما قلت، كان موجوداً منذ البداية. بين منهج ورؤية الخليفة الثاني وما كان عند النبي والإمام الأول للشيعة، اختلاف كما بين الأرض والسماء. اقرأ التاريخ الكامل لابن الأثير، واقرأ الطبري، واقرأ السير، ترى بوضوح أن المنهج الذي كان عند النبي، والمنهج الذي كان عند الخليفة الرابع أو الإمام الأول للشيعة، والمنهج الذي كان عند الخليفة الثاني، بينها اختلاف كما بين الأرض والسماء، هذا كان موجوداً منذ البداية. ثم لدينا الخوارج، ولدينا الحنابلة، وهؤلاء يأتون ويتجمعون في شخص اسمه ابن تيمية ويأخذون شكلاً متبلوراً ويأخذون تعبيراً منطقياً وعلمياً، وكل تلك الفروع الموجودة اليوم، سواء في الهند أو في مصر أو في آسيا الوسطى وإيران، كلها تبدأ من ابن تيمية وكلها تعود إلى ما قاله ابن تيمية.
عندما ظهر محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية كانت عودته إلى ابن تيمية. وفي الهند، عندما تشكلت حكومة المغول الإسلامية، اضطر أكبر شاه، لكي يحافظ على الحكومة والإمبراطورية التي أسسها، ولكي يحافظ على أقلية مسلمة وسط أغلبية هندوسية ويحقق تقدماً، إلى مصادقة الهندوس والتوافق معهم. وقد لقي عمل أكبر هذا اعتراضاً شديداً من المتشرعين والمسلمين في زمانه، حتى ظهر شخص يُدعى الشيخ أحمد السرهندي من مشايخ النقشبندية، فاعترض بشدة على حركة أكبر هذه. وبدأ النضال، فتجمعت حوله جماعة، وظهرت نواة قوية جداً من المتشرعين الأصوليين في الهند في مواجهة أكبر. وكان أكبر مضطراً للتوافق مع الهندوس حفاظاً على إمبراطوريته، بينما كان هؤلاء معترضين، وكانوا يعتبرون أكبر كافراً بل شخصاً يجب قتله. وكان للشيخ أحمد وبعض المقربين منه مناصب حتى في جهاز أكبر. لكن كان هناك ثلاثة أشخاص يشجعون أكبر ويحافظون عليه: الشيخ مبارك اللاهوري وابناه، فيضي وأبو الفضل العلامي. كان هؤلاء على أية حال منظّري جهاز أكبر، وقد استطاع أكبر أن ينشئ قوة عسكرية شديدة الصلابة، وكان في الحقيقة معظم قادة جيشه من الشيعة الذين جاؤوا مع والد أكبر، همايون، من إيران إلى الهند وحصلوا على مناصب، وكان أكبر يعتمد على دعم ومساعدة هؤلاء الإيرانيين. كان هذا النضال والصراع موجوداً بشدة في زمن أكبر، لكن قوة أكبر كانت بحد أنها حافظت عليه بدعم الهندوس. ولو لم يدعم الهندوس أكبر لكان الهندوس أنفسهم قد أطاحوا ببساط الحكومة الإسلامية في الهند. وما دام أكبر موجوداً، كان الشيخ أحمد السرهندي موجوداً أيضاً، وكان يناضل ضد أكبر مع من كانوا على فكره. وعندما حلّت الألفية الإسلامية الأولى، أمر أكبر بكتابة تاريخ يُسمى تاريخ الألفي، وأراد في هذا التاريخ أن يقدم أكبر في الحقيقة على رأس الألفية. عارض الشيخ أحمد هذا الفكر بشدة، لكنه أصبح هو نفسه مجدد الألف الثاني. وشاعت هذه الأفكار حتى أن كلاً من أكبر أراد أن يكون مؤسس الألف ومجددها، والشيخ أحمد أراد ذلك، فنشأت المجددية أي أتباع الشيخ أحمد. كان هذا في الفترة التي كان فيها أكبر حياً، وبعده تولى ابنه جهانكير السلطة. وكان جهانكير مضطراً أيضاً لمواصلة نهج والده، فدخل في صراع مع الشيخ أحمد، وأمر بالقبض عليه وسجنه. مكث الشيخ أحمد فترة في السجن، ويبدو أن جهانكير كان يذهب إلى السجن في هذه الفترة ويتحدث معه، وبعد أن خرج الشيخ أحمد من السجن، ضمه إلى جهازه وأبقاه تحت المراقبة، وكان يتحدث معه، وهناك أقنع جهانكير الشيخ أحمد بأننا إذا أردنا بين الهندوس أن نراعي الحدود الشرعية ونعتبرهم كفاراً مباحي الدم ونقتلهم، فإن أول من سيُقتل هو نحن أنفسنا. سيبيدنا الهندوس، لأن الأغلبية الهندوسية كانت أغلبية واسعة جداً من جنوب الهند إلى شمال كشمير وتلك النواحي. وكان أكبر قد استطاع، عبر العلاقات التي أقامها مع هذه العائلات والراجات الهندوس، وعبر الزيجات التي روّجها بين الهندوس والمسلمين، وقد تزوج هو نفسه عدة نساء هندوسيات وكان لعدة من أولاده أمهات هندوسيات، أن يحافظ على هذا التوازن. وعندما جاء جهانكير، اضطر هو أيضاً للحفاظ على هذا التوازن، وأجرى حوارات مع الشيخ أحمد ورد جزء منها في توزك جهانكيري، وأقنعه بأن صلاح الإسلام يكمن في أن نقبل حالياً بوجود الهندوس هنا، ونقيم نوعاً من التساهل، ونتواصل معهم، لأننا إن أردنا محاربتهم فسنهلك. فقبل مئة أو مئة وخمسين عاماً من أكبر شاه، تمكن هندوسي يُدعى خسرو شاه من تنصيب نفسه ملكاً في الهند، وكاد يجرف الحكومة الإسلامية في الهند، وقضى على الخلجيين، ثم تستعيد الحكومة الإسلامية قوتها، وبعد أن يُقتل هذا الرجل، تحافظ الحكومة الإسلامية في شمال الهند على نفسها كما يُقال، وتستعيد قوتها وترتقي شيئاً فشيئاً. وبعد جهانكير، جاء ابنه شاه جهان. كان شاه جهان رجلاً ليّناً وتحت تأثير فقهاء وعلماء جهازه وبلاطه. وكان لشاه جهان ابنان هما أورنكزيب وداراشكوه. وهنا يظهر انشقاق بين هاتين المجموعتين. المجموعة التي كانت تؤيد المصالحة ونهج التوافق مع الهندوس، وكان داراشكوه على رأسها. وقد استقطب الهندوس إليه. وكانت بداية ترجمة الكتب الهندوسية إلى الفارسية في زمن أكبر شاه، وبلغت ذروتها في زمن داراشكوه، وأصبح داراشكوه في الحقيقة شخصية محبوبة لدى الهندوس. ومن الجانب الآخر، فإن الأخ الآخر، عالمكير أو أورنكزيب، لكي يزيح أخاه، استند إلى النقشبندية.والأهم من كل ذلك أن والد شاه ولي الله الدهلوي هو من كتب فتاوى عالمكير. ومن جهة، يستند عالمكير إلى هؤلاء العلماء المسلمين المتشددين والراديكاليين النقشبنديين، ومن جهة أخرى يستند دارا شكوه إلى تلك الجماعة الليبرالية ذات الفكر الحر من الهندوس والمسلمين وذوي المسلك العرفاني. يندلع القتال بين الأخوين ويؤول في النهاية إلى هزيمة دارا شكوه ومقتله، ويصل أخوه أورنك زيب إلى الحكم بدعم من المتشرعين المتشددين. وكان الذي قاد هذا التيار لاحقاً هو شاه ولي الله الدهلوي الذي كتب والده فتاوى عالمكير، ويقدم عالمكير بوصفه الخليفة الحي للمسلمين في العالم، ولأول مرة في الهند يدّعي أورنك زيب الخلافة. ومن هنا ينشأ انشقاق عميق جداً بين هاتين المجموعتين، وهذا الانشقاق هو الذي يؤدي في النهاية إلى انهيار الحكم الإسلامي في الهند وتغلب الهندوس على المسلمين. بعد أورنك زيب، يئول الحكم إلى أولاد أورنك زيب بدعم من أتباع شاه ولي الله، ويصبح كتابهم الرئيسي هو حجة الله البالغة لشاه ولي الله. وهنا ينقسمون إلى فئتين: الهندوس من جهة والمسلمون من جهة أخرى. في زمن أورنك زيب نفسه، يندلع قتال بين الهندوس والمسلمين ويخرج جزء كبير من الهند من يد أورنك زيب. ومن جهة أخرى، يهاجم أورنك زيب الدكن بتشجيع من هؤلاء المتشددين المسلمين أنفسهم. كان الدكنيون في الغالب شيعة وكانوا على صلة بإيران. وهذا بحد ذاته يؤدي إلى انفصال الشيعة والسنة في الهند، وينشأ انشقاق كبير بين المسلمين، الشيعة والسنة، والمسلم والهندوسي، وقام أورنك زيب بسياسته الخاطئة بتمزيق المجتمع الهندي وتفريقه، وسقط الحكم الإسلامي في الهند بيد مسلمين كان لهم أعداء كبار. كان السيخ في البنجاب والحدود الغربية أقوياء جداً. وكانوا يواجهون من الجنوب بقايا سلاطين الدكن الشيعة، ومن الخارج كانوا في صراع مع الهندوس. وقعت عدة حروب، وفي كل هذه الحروب انهزم المسلمون. كان تيبو سلطان ملك ميسور، وكان الإنجليز قد وصلوا حديثاً. مع مجيء نادر شاه إلى الهند وكسر ظهر الإسلام والحكم الإسلامي في الهند، جاءت شركة الهند الشرقية بعده مباشرة واستولت على دلهي. بعد هزيمة محمد شاه على يد نادر شاه وبعد خروج نادر شاه من الهند، تقوى البريطانيون وجاءوا وسيطروا شيئاً فشيئاً على الهند كلها. كان هناك شخص شيعي اسمه تيبو سلطان بن حيدر علي بهادر ملك ميسور. كان على صراع مع أورنك زيب أيضاً ولم يستطع أورنك زيب عزله عن السلطنة، بقي واشتبك مع الإنجليز. في هذه الحرب، بقي الشيعة فقط حول تيبو سلطان، ولم يدعمه لا السنة ولا الهندوس. قضى الإنجليز على تيبو سلطان، وميسور حيث كان تيبو سلطان هي أول مكان استتب فيه حكم الإنجليز، ثم جاءوا واستولوا على دلهي أيضاً.بعد ذلك، تفرعت سنة شاه ولي الله التي كانت قد سادت العالم الإسلامي كما يُقال إلى شعبتين. يرى شاه ولي الله في «حجة الله البالغة» و«تحفة الموحدين» أن قواعد الإسلام وأحكامه ينبغي التبليغ بها بالبرهان والتعقل، لكنه من ناحية أخرى كان قد ذهب إلى الحجاز ودرس هناك، وكان زميل دراسة لمحمد بن عبد الوهاب، وتأثر بالأفكار الوهابية ثم عاد إلى الهند. جمع بين الأفكار الوهابية والأفكار النقشبندية التي كانت متقاربة إلى حد كبير، ومن تزاوج الأفكار الوهابية والنقشبندية نشأت منظومة كانت الغلبة فيها للأفكار الوهابية، غير أن عروقاً من العرفان والاعتماد على التعقل والبرهان مما كان في فكر شاه ولي الله استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر. وهناك انقسمت إلى شعبتين، شعبة تصل إلى السيد أحمد خان، وشعبة تصل إلى المجاهدين والفرائضية والدوبندية. كان هؤلاء المجاهدون والفرائضية والدوبندية في الحقيقة امتداداً لأفكار شاه ولي الله، بينما تبنى السيد أحمد خان ذلك الجانب التعقلي، أو ما يُسمى بالعقلانية والبرهانية، عند شاه ولي الله. وهنا أيضاً ينشأ تعارض بين هاتين الجماعتين. كانت الحكومة الإنجليزية قد أدركت منذ زمن تيبو سلطان أن المسلمين يعتبرون أنفسهم ورثة الحكم الإسلامي في الهند، وأن الإنجليز غاصبون. ولهذه المناسبة سعى الإنجليز إلى تغليب العنصر الهندوسي على العنصر المسلم، فشرعوا في بناء جامعات حديثة للهندوس في مدراس وبنارس وبومباي، وعلموا الهندوس العلوم الحديثة. جاء السيد أحمد خان وقال: نريد نحن أيضاً من هذه الجامعات الجديدة. وكان المسلمون من المجاهدين والفرائضية والدوبندية يعارضون الجامعات الحديثة ويهاجمون السيد أحمد خان، ويصفونه بالمعتزلي بل وبالكافر. كان هناك تعارض بين نزعة السيد أحمد خان التجديدية وأنصاره، وبين أولئك الذين كانوا من أنصار المجاهدين وكانوا يشكلون الأكثرية. على أية حال، استطاع السيد أحمد خان أن يقنع الإنجليز بإنشاء مدرسة حديثة أيضاً للمسلمين في عليكرة. انطلقت ما تُعرف بنهضة عليكرة، وأُسست جامعة عليكرة للدراسات الإسلامية.
في هذه الأثناء يصل السيد جمال الدين الأفغاني إلى الهند، وكان يصدر صحيفة باسم «حبل المتين». وقد لاقت هذه الصحيفة رواجًا واسعًا في الهند، وتُرجمت إلى اللغة الأردية وانتشرت في جميع أنحاء الهند. وكان السيد أحمد خان يصدر صحيفة باسم «تهذيب الأخلاق». وكثيرًا ما كان يُنتقد السيد جمال في «تهذيب الأخلاق»، ويُنتقد السيد أحمد خان في «حبل المتين». وكان السيد جمال يشن هجومًا عنيفًا على السيد أحمد، ويعتبره طبيعيًا وكافرًا، وأطلق عليه لقب «نيچري»، وكان السيد أحمد من جانبه يصف السيد جمال بالتعصب والتقليدية. وفي هذه الأثناء طُرحت في الهند مسألة الخلافة، وسعى فريق وراء الخلافة العثمانية، وأراد المجاهدون إقامة الخلافة العثمانية في الهند أيضًا، لكن السيد أحمد خان عارض ذلك بشدة. وكان دليله أن الخلافة العثمانية لم تعد تلك الإمبراطورية. أي بعد الهزائم التي مُني بها العثمانيون على يد نادر شاه، ثم في كاليماه والبوسنة والهرسك وشرق آسيا، وبعد أن خرجت مصر من أيديهم، وبدأت الجزيرة العربية تقريبًا تهمس باستقلال وهابي، كان السيد أحمد يقول إن هذه الخلافة العثمانية تتداعى بنفسها، فماذا تفعلون أنتم ولماذا تريدون ربط أنفسكم بالخلافة العثمانية. ومن الجانب الآخر كانوا يقولون بضرورة إحياء الخلافة العثمانية وتقويتها. استمر هذا الخلاف حتى تلك الحرب الكبرى بين الهندوس والمسلمين معًا ضد الإنجليز، والتي يسميها الإنجليز فتنة واضطرابًا، ويسميها المسلمون حرب الحرية والاستقلال. نشبت الحرب في عامي 1857 و1858 لأن الإنجليز كانوا قد ضغطوا على الراجات والسلاطين المحليين، الذين كان بعضهم مسلمين وبعضهم هندوسًا، للاستيلاء على أملاكهم. استعان الإنجليز بالسيخ من البنجاب والمناطق الغربية وقمعوا هذه النهضة المشتركة بين الهندوس والمسلمين بقسوة، وبعد ذلك أصبحت حكومة إنجلترا في الهند راسخة وقوية للغاية. وعندما كان يُعترض على السيد أحمد خان لدفاعه عن حكومة إنجلترا، كان يقول: إذا رحل الإنجليز من هنا فالأغلبية للهندوس، والهندوس سيدمروننا، أما مع الإنجليز فقد توصلنا إلى تفاهم ويمكن الاستمرار في هذا التفاهم، لكن مع الهندوس لا يمكن ذلك، وسيبيدوننا. إن طريق الحل بفصل المسلمين عن الهندوس وإيجاد حكومة مستقلة هو ما طرحه السيد أحمد خان في الواقع. قال السيد أحمد: إن سبيل نجاتنا الوحيد هو أن تكون لنا حكومة إسلامية في المناطق التي نشكل فيها الأغلبية، وفي المناطق التي تشكل فيها الأغلبية هندوسية تكون الحكومة للهندوس. إن انفصال الهند وباكستان هذا قد تجذر في الحقيقة من أفكار السيد أحمد، وظلت هذه الأفكار سارية حتى تشكلت باكستان.
على أية حال، كان غرضي أن مسألة السلفية هذه ليست شيئًا جديدًا، بل كانت موجودة في كل أنحاء العالم. ففي الهند التي كانت لها حكومة إسلامية حتى وقت متأخر حين أُقر استقلال الهند وتحقق، كان هذا الصراع دائرًا بين السلفية ودعاة التجديد. تلك القصة الهندية التي رويتها لكم، ذلك البيت الذي اعتقد البعض بوجوب الحفاظ عليه على هيئته الأولى، وقال آخرون بوجوب إصلاحه، واعتقد آخرون بوجوب هدمه من الأساس وبنائه من جديد؛ هذه التيارات الثلاثة لا تزال مستمرة في العالم الإسلامي.
السيد بجنوردي: نشكر جناب الدكتور مجتباي على ما تفضل به من مطالب مهمة حول شبه القارة الهندية. الدكتور شمس، تفضلوا.
الدكتور شمس: بسم الله الرحمن الرحيم
فيما يتعلق بموضوع الخلافة، شعرتُ أن بعض المباحث لم تُطرح. واستكمالاً لحديث الدكتور باكتجي والنقطة المهمة التي أشار إليها الأستاذان الجليلان الدكتور مجتبائي والدكتور مجتهد شبستري، هناك مبحث الصلة بين الإمارة والخلافة. ذُكرت نقطة أن الإمارة تُعتبر حالياً جزءاً من الخلافة. أشعر أن الأمر ليس كذلك، ففي فكر طالبان ومعظم السلفيين، الإمارة هي الوجه الآخر للخلافة. بعد وفاة النبي كانوا يسمون أبا بكر خليفة (خليفة النبي) وكانوا يسمون عمر خليفة الخليفة، ثم استُعمل له لاحقاً مصطلح أمير المؤمنين. وكذلك كان الحال مع عثمان. حتى بالنسبة لعمر بن عبد العزيز يُستعمل مصطلح أمير المؤمنين. لذا فإن مبحث إمارة طالبان ليس هو ذلك المبحث الذي ورد في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، أي أن الماوردي يطرح هناك مبحث الإمارة التي تحكم في مكان ما بإجازة من الخلافة. قضية الإمارة لدى طالبان والتيارات السلفية الجديدة، في رأيي، يجب فصلها عن مبحث الإمارة المطروح في كتاب الماوردي. موضوع الإمارة وأمير المؤمنين المطروح بين السلفيين هو وجه آخر من الخلافة، ومستنداته موجودة في القرآن وفي مصادر الحديث عند أهل السنة. في القرآن، عندما نقارن آيات الخلافة مع الإمامة ونضعهما جنباً إلى جنب، نجد أن أسلوب الآيات وسياقها واحد. حيث يخاطب النبي داود عليه السلام بقوله: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (سورة ص، الآية 26 ) في هذه الآية هناك بحث الخلافة والحكم أو القضاء، وفي شأن النبي إبراهيم عليه السلام نفس السياق بالضبط، حيث يقول تعالى : وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (سورة البقرة، الآية 124). أي أن الخطاب للنبي إبراهيم أيضاً يقول: إني جعلتك للناس إماماً. هنا، لتوضيح العلاقة بين النبيين والناس، استُعمل تعبير خليفة مرة وتعبير إمام مرة أخرى. في مصادر أهل السنة، يترادف هذان المفهومان، فبالنسبة لعمر بن الخطاب مثلاً يُستعمل تعبير الخليفة والإمام. اليوم أيضاً في الأدبيات السلفية، تُستعمل المصطلحات الثلاثة: الخليفة، وأمير المؤمنين، والإمام بمعنى واحد وأحياناً لمصداق واحد. في أدبيات أنصار الخلافة، يُستشهد كثيراً بآيات أخرى. منها آية (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ). ومنها آية (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). ومنها آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ). (أُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) في أدبيات أنصار الخلافة يختلف عن تفسيرها الشيعي، ويُقصد بها الشورى أو أهل الحل والعقد. مهمة هيئة الحل والعقد هي انتخاب الخليفة وتقديم المشورة له أو للأمير. وبالطبع، الفصل الخطاب هو رأي الأمير. أرى أنه من المناسب، عند كتابة مدخل الخلافة، أن نلحظ هذا التداخل. إضافة إلى أن هناك حديثاً بالغ الأهمية هو "الأئمة من قريش" موجود في أدبيات الخلافة، وهو يؤكد هذا التداخل بين الإمام والخليفة، ولم تتم الإشارة إليه هنا. لا شأن لي بصحته أو وضعه، لكن النقطة المهمة هي أن هذا الحديث تكرر في جميع العصور التاريخية من القرن الثاني حتى اليوم. لاحظوا أنه لا يقول الخلفاء من قريش، بل يستعمل الأئمة (جمع إمام). في فترات كثيرة استُند إلى هذا الحديث ولم يُسمح لغير القرشي بأن يصل إلى الإمارة أو بتعبير آخر إلى الخلافة. لذلك يجب أن يؤخذ موقع هذا الحديث، بغض النظر عن كونه موضوعاً أو صحيحاً، في الاعتبار عند بحث مدخل الخلافة والسلفية. نقطة أخرى تظهر في أدبيات الخلافة هي مقولة البغي. البغي مقولة مهمة يجب أن ننظر إليها حتماً في مدخل الخلافة. من لا يقبل حكم الخليفة يُعتبر باغياً، وكانوا يسمونه أيضاً مرتداً، واليوم أيضاً شاع مصطلح التكفير. نسبة التكفير والبغي والارتداد هذه، في رأيي، بحث يجب الالتفات إليه حتماً في مجال السلفية وفي مجال أدبيات الخلافة. وهذا البحث القائل إن المذاهب الفقهية لأهل السنة قد تم تجاوزها عملياً بين جميع السلفيين والتيارات السلفية الجديدة، يجب أن يؤخذ في الاعتبار. فهم في الواقع ليسوا حنابلة ولا شافعية ولا مالكية... إلخ، بل يحيلون مباشرة إلى القرآن ويجتهدون استناداً إليه، ولهذا السبب هم متكاثرون. FRAGMENTقرآن در بحث حضرت آدم انسان را مستقیما خلیفه خودش قرار می دهد و در بحث حضرت ابراهیم او را امام قرار می دهد و در بحث داود او را خلیفۀ خاص قرار می دهد. در واقع این صحبت مستقیم با خداوند و قطع واسطه ها امروز در بین نئوسلفی ها وارد است و آن را ما باید در نظر بگیریم. همچنین احادیثی در متون اهل سنت وجود دارد که مطابق آنها خلیفه منتخب شورا نیست بلکه منصوب پیامبر یا خلیفه قبل از خود است مثلا حدیثی هست که پیامبر ابوبکر را پیشنماز گذاشته که دال بر تأیید خلافتش است . احادیثی هم هست که گفته می شود پیامبر ترتیب خلفای بعد از خود را به ترتیبی که اتفاق افتاد ، مشخص کرده اند. حالا می گوییم که این احادیث مجعول است ولی این احادیث بوده و هستند وهمواره مورد استناد قرار گرفته اند. سخن آخر اینکه سلفی های امروز به نظرم با ادبیات اهل سنت فاصله گرفته اند. یعنی سلفی امروز را دیگر نمی توانیم به لحاظ کلامی اشعری و به لحاظ فقهی پیرو یکی از مذاهب چهارگانه اهل سنت بنامیم.
السيد بجنوردي: شكراً. تفضلوا جناب الدكتور طباطبائي.
الدكتور طباطبائي: تأييداً لحديث الدكتور مجتبائي، ونظراً لما ذكرته في الجلسة السابقة، فإن التيارات والأحداث الجديدة التي تقع تنطوي على جانب جنائي-عبادي، وأعتقد أننا لو أردنا كتابة هذه المقالة فمن الأفضل أن نصرف النظر عنها كلياً. أي أن نتابع النقاش حول السلفية حتى حيث توجد المصادر والنقاشات النظرية، ونكتفي بهذا القدر من الشرح ولا ندخل في التطورات الأخيرة. ومع أن الجميع يتابعون هذه التيارات، ونحن نتابعها أيضاً، إلا أن اقتراحي هو ألا ندخل فيها في هذه المقالة. كنت أود أن أذكر نقطة أو نقطتين حول مسألة الخلافة. إحداها إشارة تكررت عدة مرات إلى الإمام الثاني للشيعة، الإمام الحسن (ع)، حيث حاول بعض المنظرين من أهل السنة بشكل ما أن يربطوا أنفسهم به، وأن يتقربوا عبر الإمام الحسن إلى بيت النبي وأهل بيته. إحدى هذه الحالات، وهي جديرة بالاهتمام وقد شاهدها البعض بالتأكيد، هي حالة فضل الله روزبهاني الخنجي، الذي أشار في كتابه وفي مواضع مختلفة، ولكن تحديداً في بداية صعود الصفويين ومعارضته لهم. ففي مقابل أولئك الذين يدّعون ارتباطهم بالتشيع وتجديد التشيع في إيران، يشرح في كتابه تاريخ عالم آراي أميني ما يشبه فلسفة تاريخ حول هذا التحول التاريخي. ثم يقول إن النبي كان ثم الخلفاء الراشدون الأربعة، ثم تنتقل إلى الإمام الحسن، ثم تنقطع الخلافة الراشدة وما أسسه النبي. وعبارته هي أن الرئاسة التي كانت قد توارت من بيت الحسن (أي الإمام الحسن)، تجددت مرة أخرى بمجيء أوزون حسن. لقد ربط هذا الحسن نفسه بذلك الحسن (الإمام الحسن)، وكان مجيء الآق قويونلو إلى إيران استمراراً لتلك السنة. وهذا يحدث بالتحديد في الوقت الذي ظهر فيه الشاه إسماعيل، وهو في الواقع يقف في مقابل من يربط نفسه بشكل ما بالإمامة الشيعية. وهو بدوره يخلق رئاسة أخرى يربطها عبر الإمام الحسن ببيت النبي. النقطة الأخرى هي الكلمة الأخيرة للدكتور شمس، بأن النموذج الشيعي لا ينبغي الاستهانة به أيضاً. هناك تطورات تجري في هذا الشأن لا أعلم بها، ولكن في رأيي أن هذا الموضوع جدير بالاهتمام، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار حالة تونس، حيث كان شخص كالغنوشي يتلقى المساعدة من إيران ومن قطر معاً، وفي الواقع كان كلا الطرفين يستثمران فيه، وهذا يدل على أن شيئاً ما يحدث هناك. من ناحية أخرى، ومن هذه النقطة فصاعداً، في رأيي أن النقاش سياسي، وهو مدى قدرة إيران، عبر تقديم بعض المساعدة وبناء العلاقات مع هؤلاء، على التأثير في هذه المعادلات القائمة في المنطقة، وهذا بالطبع ليس موضوع نقاشي ولا أعلم به، وقد قلت هذا القدر فقط للفت الانتباه.
موضوع آخر يتعلق بحديث الدكتور باكتجي الذي أعتقد أنه كان من الجيد التطرق إليه. لكن، ولأن حديثه طال، لم يتمكنوا من تناول كل هذه المسائل. تلك النقطة حول الثلاثين عاماً، والحديث النبوي القائل بأن الخلافة ثلاثون عاماً ثم تتحول بعد ذلك إلى مُلك. ابن خلدون هو أحد الذين نقلوا هذا بصور مختلفة، واللافت أنه صاغ منه منهجاً ونظرية. ينقل ابن خلدون هذا في موضع أو موضعين على الأقل من المقدمة ويقول: تحولت إلى ملك عَضُوض. النقطة اللافتة هي أن تفسيره لذلك هو أن الحكم الشرعي بمعناه الدقيق انتهى هنا بمقتل الخليفة الرابع. ثم، لكي يبين أننا على أية حال في عصر حكومات استبدادية، وأن تفسيرها لم يعد شرعياً أيضاً، يناقش هنا قليلاً مسألة الحكم الشرعي ويوجز شيئاً من الأحكام السلطانية، لكنه يتركها جانباً فوراً ويقول إننا في عصر تسوده الحكومات الاستبدادية. والحكومات الاستبدادية في العالم الإسلامي يمكن تفسيرها بعلم جديد ومستحدث، وهو علم العمران. يقول إنه لم يعد لدينا بعد ذلك نقاش شرعي، بل صار لدينا نقاش في علم العمران الذي يسميه المعاصرون علم الاجتماع. لكن معناه أننا بعد سنة إحدى وأربعين للهجرة صرنا في عصر حكومات استبدادية يمكن لعلم العمران تفسيرها، وعلم العمران، كما يقول السيد صدر، يقع في منطقة فراغ الشرع. لم يعد النقاش الشرعي ممكناً لأن الحكم لم يعد شرعياً. كان جزء منه شرعياً وهو ما قاله الماوردي وأمثال الماوردي في الأحكام السلطانية، وانتهى الأمر عند ذلك، ولم يعد لدينا نقاش في هذا الشأن، وبعد ذلك يقول سأقوم بالتوضيح، وهو بالطبع يربط مسائل العالم الإسلامي وانحطاطه وغيرها بهذه المسألة ذاتها، وهو ما يشكل موضوع نقاشنا أيضاً.
الدكتور مجتهد شبستري: كما يبدو من النقاش، يمكن كتابة مقالة السلفية بطريقتين. إحداهما أن تُكتب النظريات في مقاطع مختلفة، لكن يبدو أن الأصح هو كتابة مقالة السلفية بشكل مختلف. يُستنتج من النقاشات أن السلفية تيار سياسي-عقائدي ممتد عبر التاريخ الإسلامي، وهي بمعنى ما مستمرة بين المسلمين من أحمد بن حنبل حتى داعش اليوم. هذه حقيقة. حتى ما قيل عن ابن تيمية من قبل اثنين من الأساتذة، من أنه كان يشعر بأن هذا التشتت والتيه الذي حل بالعالم الإسلامي، لا يمكن رفعه وإصلاح هذا الاضطراب إلا بوحدة، وهذه الوحدة هي بالتحديد العودة إلى السلف. حتى هذا كان سياسياً بقدر كبير، لأن العودة إلى السلف بهدف رفع التشتت وتنظيم العالم الإسلامي هدف سياسي. الفقيه لا يفكر بهذه الطريقة، أي أن هذا الفكر هو فكر سياسي. محمد بن عبد الوهاب أيضاً كان لديه فكر سياسي قوي، وهكذا. إذا أردنا الدراسة في مقاطع مختلفة، فكما قال الدكتور مجتبائي، فإن أولئك الذين تبنوا فكرة الخلافة في الهند كان لديهم أيضاً فكر سياسي قوي، وخلاصة القول إنه حيثما طُرحت فكرة العودة إلى البدايات في العالم الإسلامي، فقد كانت، على ما يبدو، مقترنة بفكر سياسي قوي. إذا كانت السلفية هي هذا، فيبدو أنه لا يمكن كتابة المقالة بتلك الطريقة. يبدو أن أحمد بن حنبل كان يفكر هكذا، ثم أُضيفت إلى فكره أشياء كهذه عند ابن تيمية، ثم صارت هكذا عند عبد الوهاب، وهي الآن على هذا النحو. يجب أن تُكتب بشكل مختلف عن هذا، ويجب أن يُصوَّر ويُعرَض في هذه المقالة ذلك التيار السياسي-العقائدي متعدد المراحل، الذي لكل فترة فيه خصائصها المميزة. وبالطبع، أعتقد أنا أيضاً، كما قال الأساتذة، أنه لا ينبغي في المقالة الدخول في المرحلة الحالية. لأن داعش وأمثالها لم تتضح هويتهم التاريخية بعد بشكل كافٍ، والمعلومات المتوفرة ليست كافية. وإن كُتب عنهم، ففي نفس الحدود التي صورها الدكتور فيرحي حول ما يعتقدونه بشأن التكفير، وما يعتقدونه بشأن الهجرة، وأمثال ذلك، مما يمكن صياغة معتقداتهم فيه بشكل قواعد. لكنني بالطبع ما زلت متردداً فيما إذا كان يمكن أصلاً الدخول في تيار داعش وأمثالها أم لا.
والسؤال الذي أطرحه الآن هو أن يتفضل السادة ويبدوا آراءهم حول كيفية تشكيل هذه المقالة. في المخطط السابق، وفي المقاطع المحدودة التي أتذكرها، تمت الإشارة إلى الدور الذي لعبته السلطة والدور الذي لعبته السياسة، ولكن ما تظهره مجمل الأحاديث أن القضية أكبر من ذلك، ولا يمكن الاكتفاء بذكر الآراء فحسب، بل ينبغي في موضع ما أن يُقال ما هو دور السلطة. بل يمكن البدء في المقالة من أن هذا تيار سياسي – عقائدي، ثم نعرضه في عدة مراحل. ما رأيكم؟
الدكتور يونسي: بخصوص هذه النقطة التي ذكرها الدكتور شبيري، كنت أود أن أقول إنني أعتقد أن المسألة كانت سياسية بالكامل، وإن ارتباط هذا النقاش بالإمامة والخلافة يعود لعدة أسباب. فموضوع التحولات التي حدثت في شبه القارة الهندية وفي مصر وفي آسيا الوسطى وفي كل مكان، كان هذا النقاش سياسياً بالكامل. وهذه النقطة التي قالها الدكتور شمس أعتقد أنها بداية جيدة جداً للمقالة. فبحث الردة والبغي هما بحثان سياسيان بالكامل، وللأسف بسبب عدم التوضيح بدا وكأنه بحث فقهي بسيط، في حين أن بحث الردة والبغي سياسي بالكامل وقد حدث في الأزمات السياسية أيضاً. واللافت أن البغي جريمة سياسية بالكامل، أي أننا لو أردنا كتابة مقالة عن الجريمة السياسية لوجب علينا الاستناد إلى البغي الذي له جذر قرآني، وبالمناسبة في الآيات التي أشارت إلى أن البغي جريمة سياسية، أعلنت أن كلا المجموعتين المنخرطتين في المسألة السياسية مؤمنتان، وما حدث هو بغي. يقول القرآن: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ}. لا يوجد بحث تكفير وردة إطلاقاً، وكل واحدة من الطائفتين المؤمنتين اللتين تتقاتلان، يقول ادعوهما إلى الصلح، فإن لم تقبل إحداهما فأرغموها على الاستسلام بالقوة. لكن ما حدث في الخارج هو نتيجة أن إحدى هاتين الطائفتين ....
واللافت أن الرأي الفقهي لعلماء الشيعة والسنة كافة هو هذا، وقالوا إن البغي أي الحاكم... ولم يقل أحد منهم أن ... النظرية الفقهية أيضاً هي أن الوالي قد بغى على الخليفة الحق، ومصداقه حدث في زمن أمير المؤمنين. قال الشيعة والسنة إن هؤلاء ملحدون، والإمام علي رداً على من قالوا لماذا لا تلاحقهم ولماذا لا تصادر أموالهم ولماذا تصلي مع الباقين، قال إن هؤلاء مسلمون، أي أنه لم يكفرهم وقبلهم كمسلمين. ما حدث في التاريخ هو بغي. أساس الحركة السياسية المرتبط تحديداً بالاستيلاء على السلطة – السياسة أي الاستيلاء على السلطة لإدارة البلاد – ومصداقه تحديداً هو ما حدث في الاستحواذ على السلطة، في الحروب الأهلية المبكرة، والخلط بين الردة السياسية والردة الفقهية خلق خطأً كبيراً ينبغي برأيي الفصل بينهما. يمكن البدء بالمقالة من هنا، ومع تبيين التحولات التاريخية بنظرة سياسية تخرج مقالة جيدة.
الدكتور موجاني: خطر ببالي أننا إذا اعتبرنا البحث عقائدياً – سياسياً، ومع الإشارات التي وردت حول تأثير التشيع في الفضاء الراهن، فإننا سنصل في نقطة ما إلى مرحلة النظام السياسي الذي لدينا اليوم في إيران، وهو في الواقع نظام فقاهي قائل بالولاية. أين ينبغي أن نتناول هذا حتى لا يساء فهمه، لأنه على أية حال يمكن أن يكون له تأثيره. الآن أشعر أن المهد الشيعي الذي انتبه إليه الأصدقاء في العالم العربي كان نموذجاً لبروز هذه الظاهرة وساعد عليها وتسبب في تسريعها. وإذا أصبحت نظرتنا سياسية فسيقودنا هذا إلى هنا أيضاً. ما لم تنتهِ هذه المقالة في نقطة ما قبل أن نصل إلى عام 57 والثورة وموضوع ولاية الفقيه وتأثير الثورة الإيرانية.
الدكتور باكتجي: بصفتي عضوًا في الكتلة الصغيرة غير السياسية في هذه الجلسة، كنت أرغب في أن أقول إن هيمنة السادة الأفاضل المنتمين إلى الحقل السياسي على هذه الجلسة ربما تكون قد دفعت الجلسة في هذا الاتجاه لنصل في النهاية إلى قرار كهذا مفاده أن السلفية سياسية بالكامل. في رأيي أن هذا الفهم خاطئ تمامًا، وأقوله بكل صراحة لأنه سيقودنا إلى مسار آخر. لدينا سلفية سياسية بالفعل، لكن ليس بالضرورة أن يكون فكر السلف والتفكير السلفي سياسيًا دائمًا على امتداد التاريخ. أولاً، نحن نرى التيار السلفي بوضوح في ارتباطه بالتيارات الاجتماعية غير السياسية. لدينا أفراد كثيرون منخرطون في تحديات نظرية حول قضايا السلفية ولم تُسحب مناقشاتهم إلى حقل السياسة على الإطلاق. ويمكن رصد هذا الموضوع في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي. يمكنني أن أقدم قائمة طويلة بأسماء أشخاص يُعرفون كوجوه بارزة في السلفية لكنهم لم ينخرطوا أبدًا في أنشطة سياسية. حتى أننا إذا راجعنا بعض الوجوه التي ناقشناها اليوم، سيقر الأصدقاء بأننا صادرناها لصالح السياسة. كان ابن تيمية ناشطًا اجتماعيًا أكثر منه ناشطًا سياسيًا. صحيح أن سياسة عصره ألقته في السجن عدة مرات، لكن أفكار ابن تيمية وطريقة سلوكه ونشاطه تقدمه بوصفه ناشطًا اجتماعيًا (social activist) وليس ناشطًا سياسيًا (political activist). على سبيل المثال، لنفترض أننا أردنا تقديم سيرة لمحمد بن عبد الوهاب، ربما يكون الجزء السياسي منها هو أن محمد بن عبد الوهاب تخلى عن الحكم وأعطاه لآل سعود. آل سعود لم يكونوا سلفيين أبدًا، لقد جاء آل سعود وتحالفوا مع السلفية. أما الجزء المتعلق بعبد الوهاب نفسه، فأي كتابات سياسية لديه؟ مؤلفات محمد بن عبد الوهاب تدور حول التوحيد، وحول مسائل الجاهلية، وحول الشرك، أي أن النظريات التي قدمها ليست نظريات سياسية. عندما نتتبع في ماضينا التاريخي أشخاصًا مثل أحمد بن حنبل، نجد إلى جانب أحمد بن حنبل في بلاد الحواصي بالشام أحد مراكز السلفية، ففي مدن مثل طرسوس والمصيصة وأنطاكية، ينشأ أحد أهم مراكز السلفية في فترة أحمد بن حنبل نفسها. رجاليون مثل أبي عبيد القاسم بن سلّام، وحميد بن زنجويه، وجماعة آخرين، هم وجوه سلفية بارزة في تلك المنطقة لم يقوموا أبدًا بأي حركة سياسية ولم يُعرفوا أبدًا كمنظرين سياسيين، لكنهم تركوا آثارًا عميقة في التيار السلفي. عندما نتحدث عن أمثال ابن تيمية، فإن ابن تيمية لم يبدأ شيئًا، بل واصل شيئًا. لدينا عبد الواحد المقدسي، وعبد الغني بن سعيد المقدسي، وضياء الدين المقدسي، وجماعة أخرى في الشام، كلهم من الوجوه البارزة في السلفية وقد لعبوا أدوارًا أساسية جدًا فيها. لقد واصل ابن تيمية كلام هؤلاء، لكن أيًا منهم لم يُعرف كشخصية سياسية. حتى إذا أردنا مراجعة التيار السلفي في الفترات الحديثة، نجد حجمًا هائلاً من الأعمال التي أنتجتها السلفية، فمحمد ناصر الدين الألباني مثلاً، بصفته أحد أهم منظري السلفية والذي ربما كتب أكثر من أربعين مجلدًا، هو شخصية أكاديمية تمامًا وليس لديه أي أفكار سياسية على الإطلاق. حتى أولئك الذين يقفون في النقطة المقابلة لمحمد ناصر الدين الألباني كجبهة معارضة، مثل حبيب الرحمن الأعظمي - الذي اختار لنفسه لقب "أرشد السلفي" - هو أيضًا ليس سياسيًا على الإطلاق، وكان يسعى تمامًا وراء دفاع أكاديمي عن مبدأ السلف الصالح. إذا أردت تقديم قائمة، قلت إن ذلك سيُتعب رؤوس الأصدقاء، حينها سنفهم أنه من بين كل أربعة أو خمسة سلفيين ظهروا في العالم الإسلامي، واحد فقط لديه كلام سياسي، وفي أفضل الأحوال، فإن سحب مقال السلفية برمته نحو السياسة، في رأيي، يجعلنا نسيء فهم معنى السلفية.
السيد قريشي: لم تتم الإشارة إلى مسألة، وهي ارتباط الثورة الإسلامية، بزوغ الثورة الإسلامية، بالتيار السلفي الجديد. وأشير هنا إلى حالة اليمن. بعد عام من انتصار الثورة، يعود شيخ يُدعى الشيخ مقبل هادي بن هادي، وهو يمني الأصل، من السعودية إلى اليمن، ويقيم، بدعم مالي سعودي، حوزة علمية بجوار مركز صعدة، أي بجوار مقر الزيدية. هذه المسألة بالذات تؤدي إلى استفزاز الزيديين. في الحقيقة، إن هذا الشيخ مقبل يعود إلى اليمن متأثراً بالثورة الإسلامية، ويبدأ هناك بالدعاية السلفية. في بداية عمله، لا يتحدث عن السياسة إطلاقاً، فقد اطلعت على مقالات تشير إلى أن هذا الشخص كان يريد أن يكون بمنأى عن السياسة. لكن فيما يتعلق بما قاله جناب السيد باكتجي من أنهم غير سياسيين، ينبغي أن ننظر في تعريفنا للسياسة. في نهاية المطاف، هذا الشخص متأثر بالثورة الإسلامية، وصحيح أنه يقول إن لا شأن لي بالسياسة، لكن طبيعة عمله ذات ماهية سياسية. بماذا يشتغل؟ يشتغل بالسلطة، أي عندما يُطرح موضوع السلطة يصبح الموضوع سياسياً. سواء كان هو نفسه اجتماعياً أم سياسياً، أي سواء كان لديه اهتمام بالسياسة أم لا، فإن نتيجة عمله تؤول إلى السياسة. إن عمل هذا الشخص نفسه في الحوزة التي يقيمها يؤدي إلى استفزاز الزيديين، فيبدأون منذ 25 عاماً عملاً ثقافياً ويؤسسون حركة شباب المؤمن. وعملهم أيضاً ليس سياسياً في الظاهر، لكنه ينتهي في النهاية إلى مسألة سياسية.
الدكتور يونسي: أنا أعرف ما تفضل به الدكتور باكتجي تعريفاً معاكساً. في العالم الإسلامي، لم يحدث شيء غير سياسي أصلاً، لأن الخلافة والإمامة كانتا مسألة شرعية، وكوننا نطيع الخلافة أم لا، نقر بها أم لا، نكون بمنأى عنها أم لا، نثور أم لا، فإن العالم الإسلامي كان يدور في هذه الأمور، وهذا يعني بحثاً في السياسة. السياسة ليست شيئاً غير هذا، والبحث في السلطة هو بحث في السياسة. السيد باكتجي، لو أن الإمام الخميني الذي كتب كتاب ولاية الفقيه لم يثر، لكان الكتاب أشبه بكتاب ألفه المرحوم النراقي. المرحوم النراقي أيضاً كتب كتاب ولاية الفقيه، ولا أحد يقول إنه تدخل في العمل السياسي. الإمام الخميني كتب كتاب ولاية الفقيه وقام بالثورة. لا فرق بينهما، كلاهما قام بعمل سياسي. هو لم تتح له فرصة الثورة، لكن الإمام الخميني أتيحت له فرصة الثورة. جميع علماء الشيعة والسنة وجميع الفرق، لا يمكن لأحد أن يكون محايداً تجاه الولاية والإمامة. والذين يعارضون أيضاً يخوضون بحثاً سياسياً. وكما تقول العبارة الشهيرة: الذين يعارضون الفلسفة والذين يوافقون عليها ويخوضون بحثاً فلسفياً، كلا الفريقين فلاسفة. شخص كالعلامة الأميني يكتب كتاب الغدير. كتاب الغدير كتاب سياسي، رغم أن العلامة الأميني لا يدعي شيئاً، لا يريد الوصول إلى السلطة ولا إلى الحكم، لكن العلامة الأميني خاض بحثاً سياسياً، لأنه في المفهوم الديني، للأسف أو لحسن الحظ، الدين لا ينفصل عن السياسة. إنه غير قابل للفصل. سواء أردنا القول إن السياسة عين الديانة أم لا، فكلاهما بحث سياسي. ما حدث في العالم الإسلامي وفي التاريخ الإسلامي من تحولات، كلها بلا استثناء، معلولة للبحث في الخلافة والإمامة.
السيد بجنوردي: أنا أنقل رأي السيد شبستري. قال في إحدى هذه الجلسات إن مثل هذه المباحث والنظريات تتشكل في الواقع بالنظر إلى السلطة.
الدكتور مجتهد شبستري: أقول باختصار شديد، أولاً إن الدكتور باكتجي في هذا المخطط الذي أعده، قد أضفى عليه بنفسه لوناً سياسياً ملحوظاً، والمخطط الذي كتبه ليس بمعزل عن السياسة. فقد عبّر في مواضع متعددة عن الأبعاد السياسية المتعلقة بالسلفية إلى حد ما. وكان عرضي هو أنه ينبغي أن يكون أكثر تركيزاً من هذا، وبإضافة بعض التعابير يتحقق ذلك الغرض. لكنني أود أن أطرح مسألة كلية، وهي أن هناك أمراً قيل إلى حد ما. في العالم الإسلامي، هناك علمان على وجه الخصوص لم ينفصلا عن السياسة البتة، ولم ينفصل أهلهما عن السياسة. أحدهما الفقه والآخر علم الكلام. ففي العالم الإسلامي، يُعد كل من الفقه وعلم الكلام علماً سياسياً. وقد كتب السيد فارس كتاباً مفصلاً للغاية يقع في آلاف الصفحات في التاريخ تحت عنوان "الكلام والمجتمع"، وقد تُرجم حتى منتصف القرن الثاني الهجري، وسيُنشر تدريجياً إن شاء الله، وقد فاز بجائزة الكتاب العالمية. وهو يبين في كتابه في مواضع متفرقة ارتباطات الشخصيات الكلامية المهمة بالقضايا السياسية، ويوضح ما هي الخلفيات السياسية لهذه المواقف التي اتخذوها، ومع أي التيارات السياسية كانوا على صلة، وما هي العواقب السياسية التي ترتبت عليها. والأمر نفسه ينطبق على الفقه. فالفقه ليس مقتصراً على العبادات، فالعبادات على مر الزمن صارت جزءاً محدوداً من الفقه. لذلك أعتقد أن علم الفقه وعلم الكلام وكبار الفقهاء والمتكلمين، سواء كانوا سلفيين أم غير سلفيين، قد تأثروا في نشأتهم تأثراً بالغاً بالأمواج السياسية والأوضاع والأحوال السياسية، في كيفية إفتائهم وفي كيفية تنظيرهم الكلامي.
ثانياً، في الآثار السياسية، رغم أنهم قد لا يكون لديهم شيء مباشر في السياسة، إلا أنهم أثروا تأثيراً بالغاً في الأوضاع والأحوال السياسية للمجتمع الإسلامي. لقد قادوا الرأي العام في مسار إما طلب المواءمة مع الخلافة وإما طلب المعارضة لها. للسيد سرّاج في كتابه "اللمع في التصوف" قسم شيق للغاية يقسم فيه علماء الإسلام ويقول إن المتكلمين والفقهاء كانوا حفظة "كرزات" الإسلام. أي أنهم كانوا يحددون معنى الإسلام، وماذا ينبغي على المسلم أن يفعل، ومع من يجب أن يوافق المسلم ومع من يخالف. أي أن تيار الفقه والكلام هذا كان سياسياً بالكامل. ويمكن إظهار تعرضاتهم واحداً تلو الآخر. وفي العالم الشيعي الأمر كذلك. ففقهاء الشيعة البارزون، سواء من كتبوا في ولاية الفقيه أم من كتبوا في أمور أخرى، قد أدوا أدواراً في السياسة. لا يمكن تعريف الشيخ الطوسي بمعزل عن السياسة، ولا يمكن تعريف العلامة الحلي بمعزل عن السياسة، ولا يمكن تعريف صاحب الجواهر بمعزل عن السياسة. والشيخ الأنصاري الذي صنع الحوزة الشيعية، وهذه الحوزة أدت أدواراً بالغة الأهمية في السياسة، لا يمكن فصله عن السياسة، وإن لم يكن هو نفسه قائلاً بولاية الفقيه، لكنه كان يؤدي دوراً بشكل آخر.
النقطة التالية هي أنه في تلك الفترة التي نبحثها، لم تكن الآثار السياسية أو الأوضاع والأحوال السياسية منفصلة عن الأوضاع والأحوال الاجتماعية. فأن نأتي ونقول إن ابن تيمية كان ناشطاً اجتماعياً ولم يكن ناشطاً سياسياً، هو في نظري محل تأمل. ففي ذلك اليوم لم تكن السياسة منفصلة عن الاجتماع. لم تكن لدينا آنذاك علوم سياسية منفصلة إلى جانب علم اجتماع منفصل لنقول إن هذا السيد ناشط سياسي وذاك السيد ناشط اجتماعي. كان كل شيء مصبوغاً بصبغة الدين. كان الدين هو ذاك السدى الذي يشد السياسة والأفكار الاجتماعية والأفكار الدينية وكل شيء بعضها إلى بعض. وحين يشدها إلى بعض، فذلك الذي يترك أثراً اجتماعياً يترك بطبيعة الحال أثراً سياسياً أيضاً. وذلك الذي يترك أثراً دينياً يترك قطعاً أثراً سياسياً أيضاً. يبدو أن مثل هذه التفكيكات قد ظهرت لاحقاً. حتى المعتزلة والأشاعرة، حيث يبدو أن المعتزلة كانوا أناساً متنورين يقومون بالتنظير. كلنا نعلم أن المعتزلة أدوا دوراً بالغ الأهمية في السياسة وفي العالم الإسلامي. والأشاعرة أيضاً أدوا دوراً بالغ الأهمية في السياسة. لذلك قد يكون هناك بعض الاختلاف في الرأي، لكن مقصدي كان أن يُبرز هذا الأمر في هذا المخطط الذي تم توقعه. وكما قال الدكتور مجتبائي، أنا أيضاً أعتقد أن هذا النقاش حول داعش وأمثالها مما هو جديد ولم تتضح ماهيته بعد، لا يمكن الخوض فيه في هكذا موضع. وبالطبع، حين قلت إن هؤلاء لم يكن لديهم تفكيك في العالم الإسلامي، لا أعني بذلك ألا تُستوفى النظريات حقها كنظريات في البيان. المقصود هو أننا حين ننظم النظريات، نأخذ في الاعتبار خلفياتها السياسية وآثارها السياسية.
الدكتور فيرحي: بصفتي قارئًا ينظر من الخارج إلى مقالة موسوعية، لدي اقتراح حول بنية المقالة. الحقيقة هي أنه في مثل هذه الظروف التي أصبح فيها مصطلح السلفية على كل لسان، هناك توقع معين من المقالة. المقالة التي تقطع هذا النوع من النقاشات تُرى بطريقة أثرية نوعًا ما.
الدكتور مجتهد شبستري: تبتعد عن الحياة...
الدكتور فيرحي: نعم. في الواقع، يضيع لب الحياة في المقالة. على أي حال، في أي مجتمع الآن، أي شاب، أي باحث، أي شخص من الداخل أو الخارج ينظر إلى مقالة موسوعية يتوقع أن قراءة المقالة في هذه الأوضاع المضطربة ستمنحه مفهومًا ما، لأن تاريخها كان لدينا سابقًا أيضًا. وبهذا، أقترح هذا لأسباب. السبب الأول هو ذلك التوقع، والسبب الثاني هو أن المقالات الموسوعية تُحدَّث بين الحين والآخر، ولهذين السببين، اقتراحي لبنية المقالة هو أن تُقسَّم إلى ثلاثة أقسام. قسم لتاريخ السلفية يشمل خلفيات النشأة والمناقشات النظرية والفكرية فيها، أي المناقشات السياسية والتطورات التاريخية وحتى نقاط التحول السياسية. وقسم للمستندات الفقهية وكذلك التعريف بكبار فقهاء السلفية وأفكارهم. والقسم الأخير أن يقدموا دراسة للتيارات الجديدة. أي أننا نعلم أنها موجودة الآن، وقد أشار الدكتور شمس إلى ذلك أيضًا. سلفية اليوم فيها أصحاب الصحوة، وفيها الاجتهادية، وهناك السلفيات الإخوانية. وهناك السلفيات التكفيرية، وبعضهم يسمون أنفسهم بالسلفية المعتزلية، وأخيرًا، هؤلاء كثر. أشعر أنه ينبغي تناول هذا الجزء ولو بشكل موجز جدًا. القارئ يتوقع أن تكون المقالة قد انتبهت إلى هذه النقاشات. أي ألا تسير المقالة كثيرًا نحو التاريخ ولا تلبي توقع القارئ.
الدكتور باكتجي: حيث قلتُ إن السلفية لم يكونوا صانعي أنظمة، أشار الأصدقاء إلى أنهم صنعوا نظام آل سعود ونظام طالبان. كنت أعني النظام النظري. كنت أتحدث تحديداً عن أن الفكر السلفي لا يتوافق مع إنشاء نظام نظري، وإلا فإنهم يستطيعون أن يأتوا ويصنعوا أنظمة، وهذا ما رأيته أنا أيضاً وأدركه. وفيما يتعلق بمداخلتي الأخيرة حول السياسة، فقد دُهشت في الواقع من الردود التي تلقيتها. أنا أوافق على أن مسألة الإمامة كانت مسألة سياسية منذ صدر الإسلام. إذا تعاملنا مع المسائل بهذه الطريقة، فينبغي أن نقول إن كتاباً مثل رسائل الشيخ الأنصاري هو كتاب سياسي وأصولي وفقهي وكلامي، وفيه كل هذا. نعم، هو كذلك، لكننا كمجموعة من الأكاديميين، وكأشخاص مكلفين بالتصنيف ووضع كل شيء في مكانه، فإن كثافة النسب بين بعضها البعض مهمة. لنفترض مثلاً أن الإمام الخميني كان فقيهاً جليلاً، وآية الله الخوئي كان فقيهاً جليلاً أيضاً، فهل يمكننا حقاً أن نقول إن كليهما كان لديه فكر سياسي بالقدر نفسه؟ إن كون آية الله الخوئي قد تحدث في بعض المواضع عن مسألة الإمامة، ومسألة الإمامة هي مسألة سياسية، فما هي الدرجة التي نعطيها لذلك كفكر سياسي مقابل شخص جاء وقدم نظرية الولاية وأقام بها حكومة؟ اسمحوا لي أن أقول لماذا يُعد ابن تيمية ناشطاً اجتماعياً. أعتقد أن بعض هذه المصطلحات كانت ذات معنى في الماضي أيضاً. في زمن قريب جداً من ابن تيمية، لدينا القاضي برهان الدين المعروف بقاضي سيواس – مدينة سيواس في آسيا الوسطى. أريد أن أقول انظروا، لدينا صلاح الدين الأيوبي، ولدينا قاضي برهان الدين السيواسي، ولدينا ابن تيمية الحراني، وهم ليسوا متباعدين زمنياً كثيراً. صلاح الدين الأيوبي ناشط سياسي درس العلم أيضاً، لكن وجهه الغالب ليس وجه عالم دين، ولذلك لا نتوقع منه أن يكون منظّراً. أقدم لكم هنا نقشاً نشره صلاح الدين الأيوبي في عصره في صفحتين كاملتين تقريباً، يعرّف فيه نفسه بأنه محيي الدين الأشعرية الأصولية... ويضفي على نفسه رسالة دينية. لكننا نعلم أن صلاح الدين الأيوبي هو قبل كل شيء مؤسس سلالة حاكمة، وقبل كل شيء هو قائد عسكري. بل هو قبل كل شيء جنرال يتقن التقنيات العسكرية. ومن جهة أخرى، لدينا شخص كالقاضي برهان الدين في سيواس، يأتي ويؤسس حكومة تشبه إلى حد كبير حكومة الإمام الخميني. أي أنه شخص، بالنظر إلى مكانته العلمية كقاضٍ وعالم – وليس كعسكري وسياسي مثل صلاح الدين الأيوبي – يأتي معتمداً على قوته العلمية وأنصاره ليؤسس حكومة، وتكون له تلقائياً نظرية في الحكم. المسألة الأساسية التي نستخلصها من القاضي برهان الدين هي أنه ناشط سياسي لأنه أقدم على تأسيس دولة. وبالقرب من ذلك العصر، لدينا ابن تيمية الذي لم يقدم أبداً على تأسيس دولة. حتى ما أورده تحت عنوان السياسة الشرعية يبتعد كثيراً عن بناء نظام سياسي. إنه ذو جانب سلبي ونقدي أكثر مما هو جانب إيجابي واقتراحي لإنشاء دولة. ما أريد قوله هو ألا نستصغر هذه الفوارق. في الواقع، يجب علينا في دراساتنا أن نصنف هذه الأمور ونضع كل واحد منها في مكانه. ومع أنني أوافق على أن لكل هؤلاء سلوكاً سياسياً بشكل ما، لكن إذا استخدمنا ذلك بطريقة تكسر تصنيفاتنا وتدمر أنظمة التصنيف لدينا وتضع الجميع في فئة واحدة، فلن نصل إلى نتيجة علمية.
الدكتور مجتهد شبستري: بعد الثورة، ذهب أحد أصدقائنا إلى النجف للقاء آية الله الخوئي. قال آية الله الخوئي: والله ما كنا نعلم أنه يمكن صنع حكومة. لم نكن نعلم، والآن وقد علمنا، ليس لدينا ما نقوله.
د. مجتبائي: يبدو أن حديث الدكتور باكتجي لم يُفهم بشكل صحيح. تعريف السياسة، وعندما نتحدث عن السياسة، يعود الجميع إلى معناها اليوم. السياسة تعني إدارة المجتمع أو تشكيل مجتمع. هذا هو المعنى العام للسياسة. وبهذا المعنى، فإن رسم خط فاصل بين العقيدة والسياسة أمر بالغ الصعوبة. لا سيما في ديانة مثل الإسلام، جوهرها اجتماعي. إنها تختلف عن الديانة البوذية التي تروّج وتبشّر بالانعزال عن الدنيا. الإسلام يشجع على العيش في المجتمع وبناء المجتمع. طبيعة الإسلام وجوهره يختلفان كلياً عن جوهر الأديان الأخرى. جوهر الإسلام مصمم لتشكيل المجتمع، ولهذا فإن أي عقيدة تأتي في الإسلام ويكون لها جوهر لإدارة المجتمع، فهي تحمل سياسة. ولهذا لا يمكن فصل الإسلام عن السياسة مطلقاً. الإسلام يعني نظاماً ونظرية اجتماعية وسياسية بالمعنى الأصلي للكلمة. يبدو أن كلام الدكتور باكتجي لم يُعبّر عنه بشكل صحيح، ثم قام هو نفسه بتصحيحه وقدم توضيحاً أكثر.
العقيدة هي شيء ينبثق منه العمل. العقيدة بحد ذاتها ليست شيئاً. العقيدة بذاتها كالبذرة التي تُزرع وينبثق منها العمل. العقائد الإسلامية كلها بذور تتحول في ظروف خاصة إلى شتلة وتثمر. إن صح التعبير، العقيدة والسياسة غير منفصلتين، وهما كالشجرة وثمرة الشجرة. وهذا في مجتمع مثل المجتمع الإسلامي بشكل خاص، الذي جوهره اجتماعي.
د. شَبَسْتَري: في النهاية، هل حديثكم، سيدي، يتعلق بتأييد كلام السيد باكتجي؟
د. مجتبائي: قمت بتصحيح كلامه.
د. مجتهد شَبَسْتَري: هو كان على النقيض تماماً مما تفضلتم به.
د. فيرحي: كان دفاعاً تصحيحياً.
السيد بجنوردي: بقيت بعض الأحاديث، خاصة أحاديث السيد بهراميان. من لديه رأي فليقدمه لنا كتابةً. خاصة حول كيفية بدء المقالة وما الفصول التي ينبغي أن تحتويها. من جملة الآراء التي وردت أنه يمكننا تقسيم المقالة إلى عدة عناوين، وقد استفدت من الأحاديث التي قيلت. ومع ذلك، سنقوم بإصلاح وإكمال مشروع السلفية مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الأحاديث التي دارت والحفاظ على جوهر المشروع.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.