اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
رأى المجتهد الشبستري في الهرمنيوطيقا ماهيةَ الفهم الذي ينطلق، خلافاً للتفسير التقليدي، من الذهن والفهوم المسبقة. واستعار من كانط وشلايرماخر تصوُّرَ الفهم حواراً غير مكتمل مع النص، واعتبر الثقافة الإسلامية ثمرةَ حوارٍ مع العلوم الحديثة.

هرمنوطيقا القرآن: الخطوات الأولى في تفسير القرآن | 26 بهمن 1394 بمشاركة محمد مجتهد شبستري وعليرضا قائمي نيا | كلية الإلهيات بجامعة طهران
كان المتحدث الأول في هذه الجلسة مجتهد شبستري، الذي شرع، لتوضيح السؤال المذكور أعلاه، في تناول كلمة «الهرمنوطيقا» أولاً، وطرح التساؤلات التالية: «هل الهرمنوطيقا هي التأويل؟ هل الهرمنوطيقا هي التفسير؟»، ورأى أن الإجابة عنها غير ممكنة في الوقت المحدود للجلسة، فاكتفى بتعريف موضوع الهرمنوطيقا بإيجاز بأنه ماهية الفهم. ثم صرّح لاحقاً: «حين نتحدث عن الفهم والتفسير، فإننا نعني أن هناك معنى محدداً في مكان ما، والجميع يريدون فهمه، أو أن هناك علماً يُدعى التفسير، لو قام به الجميع، لوصلوا إلى المعنى المقصود. وهذا في حين أن هذا التصور، وفقاً للهرمنوطيقا، خاطئ». وبعد أن شرح الباحث في علوم القرآن هذه الرؤية وأشار إلى علاقة الفهم بالغرض منه، دخل في نقاش سبب طرح الهرمنوطيقا الجديدة بين المسلمين، قائلاً: «نحن المسلمين نعيش في عصر ظهرت فيه فلسفات وعلوم جديدة متنوعة، وجميعها تتحدى فهمنا وتفسيرنا للنصوص، ومنها فهمنا وتفسيرنا للكتاب المقدس والسنة. وأهم هذه الفلسفات هي فلسفات اللغة المتنوعة، وعلوم اللسانيات المختلفة، والهرمنوطيقا، والأنثروبولوجيات الجديدة، والتاريخ. وفي هذه الظروف، لا يمكننا نحن المسلمين أن نكتفي بموروثنا في فهم النصوص وتفسيرها، بل ينبغي أن ندرس هذه المجالات الأربعة بدقة، ونحدد علاقتها وتأثيرها في فهمنا وتفسيرنا للنصوص والسنة. وهذا ما فعله المسلمون في العصور الماضية عند مواجهتهم للفلسفة اليونانية، والثقافة العربية، والمسيحية، واليهودية، وفي الواقع نشأت الثقافة والحضارة الإسلامية في الحوار». وخصص شبستري الجزء التالي من حديثه لمعنى ومفهوم «هرمنوطيقا القرآن»، حيث شرح المقاربات الموجودة في إيران حول هذه المسألة وبيّن عدم صحتها. ثم أوضح معناه الخاص من هذا المصطلح قائلاً: «ما أعنيه بهرمنوطيقا القرآن هو المباحث والموضوعات والمسائل التي من الضروري أن نحدد موقفنا منها حتى نستطيع اليوم أن نقول كيف يمكننا تفسير الكتاب والسنة».
تابع أستاذ الفلسفة هذا حديثه بطرح خلفية الهرمنيوطيقا الجديدة، واعتبر، استنادًا إلى أقوال مؤرخي الهرمنيوطيقا، أن نقد العقل على يد كانط هو نقطة انطلاق الهرمنيوطيقا الجديدة. وقد لقي التساؤل حول سبب هذا التأثير للإجراء الفلسفي الكانطي إجابةً في تتمة كلام هذا الباحث المعاصر في الفلسفة: «أظهر نقد العقل على يد كانط أن البنية والنظام اللذين نحصّلهما عن العالم يتعلقان بالفينومينات لا بالعالم في ذاته. ليس الأمر أن صورة عن العالم تأتي مباشرة إلى أذهاننا فنفهم العالم؛ بل هناك فينومين نواجهه؛ أي أننا نفهم العالم كما يبدو لنا، لا كما هو».
«المعرفة بالعالم الخارجي تبدأ من الذهن». كانت هذه هي العبارة التي طرحها شبستري عن كانط، وكرّس متابعة حديثه في هذا الجزء لشرحها؛ «توجد في أذهاننا أطر، وعندما نواجه العالم نفهمه ضمن تلك الأطر». قد تتساءلون عن علاقة وجهة نظر كانط هذه بمبحث الهرمنيوطيقا. أقام أستاذ الفلسفة هذه العلاقة بطرح سؤال تشكّل في أذهان البعض أمثال شلايرماخر. قال: «سابقًا، كان يُتصوّر أن فهم النصوص يدخل الذهن فورًا بواسطة فهم كلمات ذلك النص، ولكن مع طرح وجهة نظر كانط، برز هذا السؤال: هل يبدأ فهم النصوص من الذهن أيضًا؟ أي هل توجد مقدمات، واهتمامات، وتوجهات، ومعارف مسبقة، وأفهام مسبقة في الذهن يذهب بها الفرد إلى النص؟ أساسًا، لو امتلك الإنسان ذهنًا خاليًا من هذه الأمور، لما استطاع الذهاب إلى النص. نقطة انطلاق الفهم ومن ثم التفسير، أو الفهم والتفسير في آنٍ واحد، تبدأ من الذهن. هكذا دخل الذهن إلى مبحث فهم النصوص».
أدخلت متابعة النقاش حول هذا الأمر محمد مجتهد شبستري في مبحث البنيوية واختلافها عن الهرمنيوطيقا. قال في هذا الصدد: «بحسب قول شلايرماخر، في الفهم يتم تجاوز مدلول اللغة؛ إن قصة الفهم ليست قصة الوصول إلى المعنى، بل قصة حصول الفهم. نحن نسعى إلى الفهم لا إلى فهم معنى هذه الألفاظ. ذهبت البنيوية إلى البحث في مسألة ما هو المعنى، بينما أكدت الهرمنيوطيقا على الفهم».
كان «الغايست» وماهيته موضوعًا آخر طُرح في سياق بيان تطور فهم النص لدى شلايرماخر. بعد أن أشار شبستري إلى الترجمة الخاطئة لهذا المصطلح في إيران، تابع شرحه حول تنظير شلايرماخر على النحو التالي: «بحسب رأي ماخر، ما ينبغي فهمه هو الغايست أو الروح التي تنبثق عنها اللغة؛ أي أن الكتابة أو الكلام ناشئان عن شيء هو الغايست؛ لذا، في الفهم، ينبغي فهم الغايست أو ذهنياته». كما تعلمون، يُوصف منهج شلايرماخر بأنه سيكولوجي، لكن هل ثمة علاقة بين هذا الوصف ووجهة النظر المذكورة أعلاه؟ كان الكلام التالي لهذا الباحث في العلوم القرآنية دليلًا على إيجابية الإجابة عن هذا السؤال؛ لأنه أوضح: «عندما تريد أن تفهم النص، عليك أن تُخضع قائله للسيكولوجيا وترى ما الذي يجري في ذهنه، لا أن تنظر إلى ما يدل عليه الجملة».
قال شبستري في سياق تقرير وجهة نظر شلايرماخر: «خلافًا للتصور الشائع بأن ما يحدث عادةً هو الفهم، وسوء الفهم أمر يحدث أحيانًا، قال ماخر إن القضية على العكس؛ ما يحدث عادةً هو سوء الفهم؛ لذا، عليك في مواجهة كتابات الآخرين أن تضع الأصل على أنك لا تفهم».
بهذه الشروح، اعتبر محمد مجتهد شبستري، استنادًا إلى آراء ماخر، الفهمَ فهمًا لآخرَ، وصرّح: «الكتاب ليس آخرَ؛ الألفاظ التي في ذلك الكتاب ليست آخرَ؛ الآخر يجب أن يكون ذا ذهن مثلك». استحوذت تبعات ولادة الآخر في فلسفات متنوعة، وخصوصًا فلسفة الدين الوجودية، على بقية حديث أستاذ الفلسفة هذا.
كيف يمكن فهم النص؟ أوضح أستاذ الفلسفة ذلك استنادًا إلى وجهة نظر شلايرماخر قائلًا: «عليك أن تدخل في حوار مع النص، تطرح سؤالًا وتتلقى الجواب من النص. الفهم يعني أن جواب سؤالي الفلاني هو كذا. لا يوجد أساسًا فهم كلي». وتابع: «نتيجة لهذا الكلام، طُرحت عدة ادعاءات كبرى، كان أحدها أن الفهم دائمًا ناقص، والفهم الكامل غير ممكن. اتخذ هذا الكلام في أعمال شخص مثل غادامير حالة مختلفة كليًا، وهي أنه لا يمكن لأحد أن يعبّر عن كل ما في داخله». كان استمرار التيار الهرمنيوطيقي في فلسفة اللغة التحليلية وهرمنيوطيقا الفلسفة التحليلية والهرمنيوطيقا الغاداميرية والأوروبية هو الجزء التالي من حديث شبستري.
في المحور التالي، أشار أستاذ الفلسفة هذا إلى تصنيف التفاسير بحسب الهدف، وقال بناءً على ذلك: «كلما ذهبتم لتفسير نص، حددوا أولاً هدفكم؛ أي لأي غرض تفسرون هذا النص. لا يمكن الشروع في تفسير النص قبل تحديد الهدف». وبعد طرح هذا الموضوع، دخل الشبستري في بحث علاقة الهرمنيوطيقا بتفسير القرآن، وشرح وجهة نظره في هذا الشأن كالتالي: «إن الأقوال التي طرحها الهرمنيوطيقيون، ولا سيما مسألة ماذا نعني بقولنا إننا نفهم هذا الموضوع وتعريفه الفلسفي، لا سابقة لها في تراثنا الفلسفي؛ لا بين علماء الأصول، ولا في العرفان، ولا في فلسفتنا». وتابع: «لقد طُرحت هذه المطالب في المقاربة الهرمنيوطيقية، لكن ثمة مسائل مهمة كثيرة طُرحت أيضاً في فلسفة اللغة والبنيوية، فعلى سبيل المثال، تهددنا فلسفة اللغة عند فتغنشتاين؛ فهو يقول إن المعنى هو المعنى الاستعمالي؛ المعنى ليس إحالةً إلى الشيء الخارجي؛ المعنى ليس إحالةً إلى المفهوم الموجود في ذهنكم؛ المعنى هو الاستعمال. الاستعمال يحدث في اللعبة، اللعبة اللغوية الاستعمالية ممكنة فقط في الحياة الاجتماعية التاريخية. اللعبة اللغوية الاستعمالية لا تُتصور أصلاً فيما وراء هذا العالم. هذا في حين أن المعنى في فلسفة اللغة عند القدماء هو الإحالة إلى الأشياء الخارجية؛ المعنى هو الإحالة إلى المفهوم الذهني. شخص مثل صدر المتألهين كان يقول تداعي المعنى. هل هذه هي المعاني؟!» وبعد أن شرح أستاذ الفلسفة هذا الإشكالات الواردة على نظرية الوضع، تحدث عن التحديات التي نشأت أمام المسلمين، واعتبر أهم تحدٍ هو: «هل يمكن، مع هذا الاعتقاد المشهور بين المسلمين بأن نص القرآن وألفاظه ومعانيه كما هي قد جاءت بالكامل من عند الله، أن نفسر الفهم؟ إذا قلتم يمكن تفسيره، فأي فهم وتفسير وبأي هدف؟» وبعد أن لخص كلامه قال: «مع هذا الاعتقاد المشهور، إلى أي مدى يمكن الدخول في التفسير، وما نوع التفاسير التي قدمها القدماء وإلى أي حد هي مقبولة؟ إذن، الخطوة الأولى هي نقد تفاسير الماضين من الفقهاء والعرفاء والمتكلمين والفلاسفة مع الأخذ بكل هذه التحديات، لا بغض الطرف عنها. المسألة الثانية هي: ما أساس هذا الاعتقاد المشهور أصلاً؛ هل ادعى النبي الأكرم أن كل ما أقوله لكم بكل ألفاظه ومعانيه بهذه الصورة ينزل عليَّ من عند الله؟»
بهذه الأسئلة أنهى السيد شبستري كلمته، وبدأ المتحدث التالي، الدكتور قائمي نيا، كلمته. أشار في مستهل حديثه إلى المعارف التي نواجهها في الوقت الحاضر، وقسّم هذه المعارف إلى صنفين: معارف منهجية ومعارف مضمونية. واعتبر هذا الأستاذ في الحوزة والجامعة أن من سمات العصر الجديد وفرة المعارف المنهجية وتنوعها، وعدّ مسألة كيفية توظيف هذه المعارف المنهجية في مجال الدراسات الدينية هاجسه الشخصي، وأشار في شرح ذلك إلى آراء إيزوتسو ومنهجه في علم الدلالة بالنسبة للقرآن. «من السمات الأخرى للعصر الجديد تنوع المناهج، وليس ثمة منهج واحد، بل تشكلت في التداول مع بعضها البعض؛ وبمعنى ما، ليس للفكر الجديد ماهية». كان هذا جزءاً من كلام قائمي نيا، الذي قاده شرحه إلى الخوض في تاريخ المباحث الجديدة، وخصوصاً الهرمنيوطيقا. قال أستاذ الفلسفة هذا في هذا الصدد: «عنوان الهرمنيوطيقا مأخوذ من هرمس، رسول آلهة اليونان القديمة. كانت مهمته في معبد دلفي أن يتلقى الرسالة من الآلهة، ثم يترجمها ويفسرها ويبلغها للآخرين». كان الفرق بين الهرمنيوطيقا وعلم اللغة مبحثاً طُرح في سياق تطور الهرمنيوطيقا في الغرب، وقد شرحه الدكتور قائمي نيا على النحو التالي: «موضوع علم اللغة هو الدراسة العلمية للغة، أما الهرمنيوطيقا فلم يكن لها موضوع محدد عبر التاريخ، بل ظلت تغير موضوعها باستمرار؛ ففي اليونان القديمة، كانت الهرمنيوطيقا فهماً للأساطير، وفي عصر أرسطو، أصبحت جزءاً من المنطق واكتسبت وظيفة أخرى، وفي العصور الوسطى أصبحت كيفية فهم الكتاب المقدس». لكن هل كانت الهرمنيوطيقا الجديدة هي ذاتها التي طُرحت في العصور الوسطى، أم أن مسار تطورها فتح أمامها طريقاً جديداً؟ لسماع جواب هذا السؤال، تابعوا بقية كلام هذا الأستاذ في الحوزة والجامعة حيث قال: «تعود نقطة انطلاق الهرمنيوطيقا الجديدة إلى النزاع بين الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية. كان النزاع الأساسي للوثر مع الكنيسة الكاثوليكية نزاعاً هرمنيوطيقياً، وإن اكتسى بلون سياسي أيضاً. كان سؤال لوثر: حين نواجه فهوماً متنوعة للكتاب المقدس، أي فهم هو الصحيح ومن يحق له أن يقول إن فهمي هو الصحيح؟ كانت الكنيسة الكاثوليكية، بادعائها أن إرادة الروح القدس تجلت في الكنيسة الكاثوليكية وأنهم يعتبرون هذا الجهاز معصوماً، تقول إن فهمهم للكتاب المقدس هو الصحيح. في مقابل الكنيسة الكاثوليكية، طرح لوثر مسألة الاستقراء في دلالة الكتاب المقدس، وقال إنكم لا تحتاجون إلى أكثر من الدائرة الهرمنيوطيقية لفهم الكتاب المقدس، وبوسعكم بهذا أن تكتشفوا الحقيقة». أما ما كانت عليه هذه الدائرة الهرمنيوطيقية من منظور لوثر، ونتائج هذا النزاع الذي تمثل أحد جانبيه في القصدية والآخر في نقدها، فقد شغلت الجزء التالي من كلام قائمي نيا. ثم تحدث أستاذ الفلسفة هذا عن وجهة نظر أبي اللاهوت البروتستانتي: «كان شلايرماخر أول من أعطى الهرمنيوطيقا صبغة كانطية. كان كانط أول من فتح باب المسائل المتعالية، أي المسائل المرتبطة بإمكان التحقق، في الفلسفة. كان كانط يقول: تحت أي شروط تكون المعرفة ممكنة؟ وبالتناظر مع هذا السؤال، طرح شلايرماخر هذا السؤال في الهرمنيوطيقا وقال: تحت أي شروط يكون فهم المنتجات اللغوية ممكناً؟» وفي متابعة للبحث، عرّج حجة الإسلام قائمي نيا على بحث تغير موضوع الهرمنيوطيقا، وصرح قائلاً: «كان شلايرماخر يرى الهرمنيوطيقا فهماً للغة. نقل دلتاي الهرمنيوطيقا إلى بحث منهجية العلوم الروحية (العلوم الإنسانية)؛ أي قال: الهرمنيوطيقا هي منهج العلوم الإنسانية. ترون أن الهرمنيوطيقا كانت تغير موضوعها باستمرار. في أوائل القرن العشرين، نقل هايدغر الهرمنيوطيقا إلى بحث الأنطولوجيا. وغادامير، تلميذ هايدغر، بتأليفه كتاب «الحقيقة والمنهج» أحدث تغييراً وتحولاً في الهرمنيوطيقا. أزال الثنائية من هرمنيوطيقا شلايرماخر وجعل الهرمنيوطيقا تكتسب أكثر صورة كانطية. تحولت الهرمنيوطيقا بين يدي غادامير إلى علم الفهم. الفهم بصورة مطلقة. وهكذا صارت الهرمنيوطيقا أكثر الفلسفات عمومية». لماذا سمى غادامير كتابه «الحقيقة والمنهج»؟ يجيب الدكتور قائمي نيا على هذا السؤال بقوله: «تشكلت الفلسفة الجديدة في الغرب عبر التاريخ، منذ ديكارت فصاعداً، على أساس مفهومين: مفهوم الحقيقة ومفهوم المنهج. كان كلام ديكارت أن الحقيقة موجودة بشكل مستقل عن الإنسان، وهناك منهج يستطيع الإنسان بتطبيقه أن يبلغ الحقيقة. يستهدف غادامير المعنى التقليدي لهذين المفهومين؛ فهو لا يقبل بحقيقة مستقلة عن ذهن الإنسان، ولا بمنهج يمكنه أن يضمن بلوغ الإنسان إلى الحقيقة».
بعد شرح مسار الهرمنيوطيقا في العالم، انتقل إلى موضوع الهرمنيوطيقا في إيران واعتبر نشأتها فيها ناقصة، واقترح حلولاً للخروج من هذا الوضع: «برأيي ينبغي لنا أن نتوجه إلى العلوم المنهجية بنشاط نقدي وندرك مواطن قوتها وضعفها، ولا ينبغي أن نعتبرها حقيقة موحى بها. فالبعض لديهم تصور وحياني عن هذه العلوم ومن جهة أخرى ينقدون الوحي نقداً كاملاً. نحن بحاجة إلى نشاط نقدي. النشاط النقدي هو نشاط ذو جانبين؛ أي له قدم في التراث وقدم في المباحث الجديدة. علينا أن ننظر إلى المباحث الجديدة بنظرة فلسفية، وفي الوقت نفسه نتوجه إلى مباحث التراث بنظرة نقدية. الحقيقة تولد من بين هذين. الأحداث المعرفية التي وقعت في العالم الغربي والإسلامي تعلمنا أننا بحاجة إلى كلا الجانبين».
السؤال الجدير بالتأمل والمهم الذي طرحه الدكتور قائمي نيا في كلمته كان: «لماذا لم تنشأ الهرمنيوطيقا في العالم الإسلامي؟» وقال تمهيداً للإجابة عن هذا السؤال: «برأيي ليس لهذا علة واحدة، بل هناك جملة أسباب ينبغي بحثها، لكنني إجمالاً أجد علم اللغة أكثر تناسباً مع العالم الإسلامي»، ولكن للإجابة التفصيلية عن هذا السؤال كان لا بد من التعرف على جوهر الهرمنيوطيقا الفلسفية؛ لذا قال: «الهرمنيوطيقا الفلسفية متأثرة بجوهر الفلسفة القارية. جوهر الفلسفة القارية هو التاريخانية. للتاريخانية معانٍ كثيرة أشير هنا إلى اثنين منها: أحدهما تاريخانية النص نفسه، والآخر تاريخانية الإنسان التي تؤدي إلى تاريخانية الفهم».
لكن قد تسألون: ماذا تعني التاريخانية؟ للتعرف على هذا المفهوم ينبغي أن ندخل في جزء آخر من كلام أستاذ الفلسفة هذا والذي كان كالتالي: «طُرحت هذه التاريخانية في مباحث هيغل. بناءً على وجهة نظر هيغل، كان لكانط ادعاءان: أحدهما أننا لا نستطيع الوصول إلى الواقع في ذاته ونراه من وراء حجب؛ والثاني أن هذه الحجب هي حجب ذهنية. قبل هيغل الادعاء الأول بأننا لا نستطيع الوصول إلى الواقع في ذاته، لكنه قال إن هذه الحجب ليست حجباً ذهنية، بل هي حجب تاريخية ناشئة عن محدوديات الإنسان التاريخية. طبعاً كان لهيغل تعليقة على وجهة نظره هذه وقال إن الديالكتيك مكمل لهذه التاريخانية ويساعد الإنسان على التغلب على ذلك المحدود الزماني والوصول إلى الحقيقة كما هي. بعد هيغل فُسرت التاريخانية بأشكال متنوعة، فقد أوصلها ماركس إلى الطبقات الاجتماعية، ورآها النسويون من منظور الجندر». وتابع: «تؤول التاريخانية في الفهم إلى أن كل فاهم يواجه جملة محدوديات تاريخية، وليس لدينا فهم مطلق؛ ليس لدينا فهم نهائي. هذه هي نتيجة التاريخانية. كان للتاريخانية بعد غادامير تفسيران: التاريخانية البنائية (التي طُرحت في آراء غادامير؛ أي التاريخانية التي هي بنائية وبموجبها تُبنى الحقيقة في الحوار) والتاريخانية الواقعية (التي تعتقد أنه رغم أن للإنسان محدودية تاريخية، إلا أن يد الإنسان ليست مبتورة عن الحقيقة، فالحقيقة ليست من صنع الإنسان)».
أما السؤال الأساسي للسيد مجتهد شبستري فكان حول تفسير القرآن، فأجابه قائمي نيا كالتالي: «برأيي إذا أردنا أن ندرّس منهجية للقرآن، فينبغي أن نرى كل الأضلاع، والهرمنيوطيقا وحدها لا تحل مشكلتنا، وخاصة الهرمنيوطيقا الفلسفية ذات المنحى البنائي؛ طبعاً نظرتي ليست أبيض وأسود ولا أقول إنه ينبغي لنا أن نضعها جانباً. لكل واحدة من هذه الفلسفات نقاط ينبغي لنا أن نتعلمها؛ نقاط يمكن بناءً عليها الحصول على نظرة أكثر شمولاً».
وقال أستاذ الحوزة والجامعة هذا في معرض متابعته: «الفرق الأساسي بين السيميولوجيا وعلم اللغة من جهة، والهرمنيوطيقا الفلسفية الخاصة (التي أشار إليها غادامير أيضاً) من جهة أخرى، هو أنه في السيميولوجيا وعلم اللغة يُنظر أيضاً إلى خصائص متعلق الفهم، أما في الهرمنيوطيقا الفلسفية فيُفصل الفهم فصلاً تاماً عن خصائص متعلقه؛ لأن العلامات اللغوية لها خصائصها الخاصة، ولا يمكن اعتبار فهم نص ما كفهم حالة نفسية؛ لذا سعوا إلى إيجاد جملة مقاربات تركيبية وتفصيلية تأخذ في الاعتبار كلاً من خصائص المتعلق ومباحث الهرمنيوطيقا وتدمجها معاً للوصول إلى سيميولوجيا شاملة».
هل تعلمون لماذا اتجه الدكتور قائمي نيا نحو البنيوية ولم يجعل الهرمنيوطيقا همّه الرئيسي؟ للاطلاع على هذا الموضوع، انتبهوا إلى جزء آخر من كلام أستاذ الفلسفة هذا والذي كان كالتالي: «لا يمكن لأي من العلوم الجديدة أن تمنح الإنسان مقاربة كاملة. إن هرمنيوطيقا القرآن، إذا كانت هرمنيوطيقا بالمعنى الخاص، فهي عبارة متناقضة؛ لأن الهرمنيوطيقا الخاصة أو الهرمنيوطيقا الفلسفية هي فلسفة مضادة للمنهج، وتفسير القرآن قائم على أن النص يقدم حقيقة، سواء توصلتم إليها أم لم تتوصلوا؛ كما يُقال في الفلسفة اللغوية. الهرمنيوطيقا الفلسفية، من حيث امتلاكها خاصية مضادة للمنهج، لا يمكن وضعها في هذه المعادلة؛ لا يمكن لهرمنيوطيقا القرآن أن تكون بالمعنى الخاص؛ لأنها بالإضافة إلى خاصيتها المضادة للمنهج، تنظر إلى فهم المفسرين.
عندما تأتون لنقد فهم هذا المفسر وذاك، ماذا تضعون مكانه، خاصة إذا كان من المفترض أن يكون كل شيء عبارة عن معارف مسبقة وافتراضات مسبقة ولا يوجد طريق إلى النص نفسه. هذا هو النقد الثالث. إذا كانت هرمنيوطيقا القرآن بمعنى الهرمنيوطيقا المنهجية (هرمنيوطيقا غادامير، بمعنى ما، هي هرمنيوطيقا منهجية. هو مع قبوله للتاريخية، يعتقد أن الحقيقة موجودة ويمكن الوصول إليها بمناهج) فلا تصبح متناقضة؛ لأنه عند إضافتها إلى القرآن فإنكم تتعاملون مع سؤال: بأي منهج يمكن الشروع في تفسير القرآن، ولكن إذا كانت هرمنيوطيقا القرآن بذلك المعنى الذي ذكره السيد شبستري، أي جغرافيا مباحث العلوم المنهجية أو بعبارة أخرى المضمونية وتلك التي ترتبط بالعلوم القرآنية، فأنا أسعى إلى ذلك أيضاً، لكنني لا أُثقل وزن الهرمنيوطيقا الفلسفية وأعتبرها أحد أضلاع بحثي». استمرار كلام قائمي نيا هو رد تفصيلي على السؤال المطروح أعلاه وقدّم مقدمة عنه: «أعتقد أن المباحث ذات الصبغة اللسانية تتناسب أكثر مع العالم الإسلامي. في رأيي، الفكر المسيحي فكر هرمنيوطيقي والفكر الإسلامي فكر لغوي. ليس من دون سبب أن علماء الإسلام اهتموا على مدى القرون الأربعة عشر الماضية بمباحث علم اللغة». كان تلخيص المباحث المطروحة هو الجزء الأخير من كلام حجة الإسلام قائمي نيا والذي جرى على لسانه هكذا: «النقطة الأولى هي أنه يجب أن نستفيد من العلم الجديد؛ النقطة الثانية هي أنني أعتبر النشاط النقدي ضرورياً للعمل. ليست لديّ نظرة وحيانية للمباحث الجديدة؛ بل نظرة بشرية؛ تماماً كما أنظر إلى تراثنا بنظرة بشرية. ما قاله السيد شبستري عن الوحي، يجب أن يُناقش في موضع آخر؛ أي ما هي نظرتنا تجاه الوحي ويجب أن تُناقش أسسه الفلسفية. أعتقد أن استخدام العلوم الجديدة يفتح أيدينا ويزيل الانسداد الذي حدث في معرفتنا. لا أرفض جهود السابقين. أرى ذروة جهود السابقين هذه في مفكرين كالمرحوم الطباطبائي الذي استخدم جميع المناهج دفعة واحدة، لكن المعرفة وصلت إلى هنا، ومن الآن فصاعداً لا ينبغي أن تنتظروا تغييراً مهماً وبارزاً في المعرفة الدينية بالاعتماد على المباحث التقليدية؛ لأن هذه المناهج تعالج الهوامش. إذا كان من المقرر أن يحدث حدث مهم، أو كما يقول المعاصرون، ثورة في المعرفة الدينية، فيجب أن يكون ذلك باستخدام العلوم والمناهج الجديدة حتى تتمكن من إزالة الانسداد الذي حدث في المعرفة الدينية وتطلعنا على زوايا جديدة من الكتاب والسنة».
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سلام این متن گزارش گونه و نا منظم است که در باشگاه اندیشه به فاصله چند روز از برگزاری جلسه منتشر شد، ولی امید وار بودیم که صدانت متن کامل پیاده شده و منقح آن را منتشر کند که نشد.!!!