اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
عُقدت أولى جلسات المائدة المستديرة حول السلفية في مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى بهدف دراسة الأبعاد السياسية والتاريخية لهذا التيار. وأكد الخبراء على ضرورة التمييز بين السلفية التقليدية والتيارات التكفيرية الجديدة وتتبع جذور التحولات المعاصرة.

انعقدت الجلسة الأولى من سلسلة جلسات عن السلفية واستقصاء التطورات المعاصرة المتصلة بها (منتدى السلفية) في مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
وفقاً لتقرير وكالة الأنباء الإسلامية (إيرنا)، كان الحاضرون في هذه الندوة، التي انعقدت في اليوم الحادي عشر من شهر بهمن سنة 1393، هم: السيد كاظم الموسوي البجنوردي رئيس مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، وحجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي يونسي، والدكتور المجتهد الشبستري، والدكتور أحمد باكتشي، والدكتور فتح الله مجتبائي، والدكتور داود فيروزي، والدكتور السيد جواد الطباطبائي، والدكتور إسماعيل شمس، والدكتور رضا داوري أردكاني، وأصغر قريشي، وعلي موجاني، والمهندس علي أكبر رنجبركرماني، والدكتور علي بهرامي، وحسن الموسوي البجنوردي، ومسعود تاره.
السيد الموسوي البجنوردي: بسم الله الرحمن الرحيم
منذ حوالي سنتين كنا نتأهب لكتابة مقالة عن السلفية وتحضير مشروع أولي لها. بنية منا أن تصبح مقالة السلفية في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى المرجع الأهم لجميع الباحثين والأساتذة في أنحاء العالم الذين يتعاملون مع هذه المسألة ويرغبون في البحث فيها. بهذه النية بدأنا بتحضير مشروع أولي وعقدنا جلسات عديدة. كنت شخصياً أعقد جلسات متعددة مع الدكتور الشبستري والدكتور باكتشي وأصدقاء آخرين، وفي النهاية تم البت في عقد منتدى نناقش فيه آراء كل ذوي الاختصاص في هذا المجال لتكون إفاداتهم مرشدة لمقالة السلفية في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى. خاصة وأن الإسلام السياسي والسلفية قد التصقا ببعضهما البعض في العقد أو العقدين الأخيرين، والعالم حساس جداً تجاه هذه المسألة. يجب أن نتمكن من التمييز بين السلفية المحمودة والسلفيات التي تعرضت للنقد واللوم. أن نعالج تاريخ هذه القضية من الناحية النظرية ونعود إلى عصر أحمد بن حنبل، وحتى إلى ما قبله إذا وجدنا موجباً لذلك، حتى يومنا هذا. بعون الله وهمة الأصدقاء نتمكن من الوفاء بهذه القضية المعقدة نسبياً. أرجو أن يكون هذا المنتدى مثمراً. أترك الكلام للدكتور الشبستري.
الدكتور المجتهد الشبستري: دعني أتحدث بشكل عام، بناءً على ما دار من نقاشات في الجلسات السابقة. بحث السلفية له بُعد علمي تاريخي وبُعد كلامي. هذا الجانب من البحث يتطلب معلومات، وينبغي الالتفات إلى البحوث التاريخية التي أجريت في هذا المجال حتى الآن. في تلك البحوث التاريخية يتم تقسيم السلف ـ وليس السلفية بالفعل ـ إلى أقسام. نبدأ من السلف وننتهي إلى السلفية، ثم تُدرس السلفية نفسها في مراحل تاريخية مختلفة.
هذا نوع واحد من النقاش حول هذا الموضوع، ولكن هناك نقاش أكثر أهمية برأيي وهو يتعلق بالأبعاد السياسية لهذه القضية. في هذه العقود الأخيرة حدثت حركات سياسية تنسب نفسها إلى السلف وتعتبر نفسها جزءاً من السلفية. يبدو لي أنه في الجانب الأول المتعلق بالبحوث التاريخية توجد معلومات عامة، لكن في الجانب السياسي أعترف بأن شخصاً مثلي، تخصصي أساساً في علم الكلام والعقائد الإسلامية، لا أملك معلومات كافية عن الأصول السياسية لهذا التيار التي جعلته يتخذ هذا الشكل. إضافة إلى ذلك، أضاف السيد داوري نقطة في الجلسة السابقة وجدتها مثيرة للاهتمام، وهي أن هذه الحركة الحديثة من السلفية والعودة إلى الأصول بدأت بلا شك منذ أن استند السيد جمال الدين الأسدآبادي إلى الآية الكريمة «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». أكد السيد داوري على هذه النقطة أكثر وقد تكون نقطة تحول في بحث السلفية الحديثة. كان هذا تقريره وتوجد تقارير أخرى أيضاً. إن حكمت تقديري بشكل صحيح، فينبغي أن نكتسب أولاً بعض الوعي بالأبعاد السياسية لهذه القضية، ثم بالإضافة إلى ذلك نصل إلى المعرفة التاريخية والتبريرات التاريخية والهرمينوتيقية، من قبيل ما قاله الدكتور داوري. برأيي، الأصدقاء الذين من وزارة الخارجية الحاضرون هنا أو الذين تابعوا هذه المسألة من الناحية السياسية التاريخية، يجب أن يعطونا معلومات عن الجذور السياسية لهذه القضية ويثروا الجلسة بهذه المعلومات، ثم ننتقل إلى المسائل التي في أذهاننا ونربط بينها.
السيد علي موجاني: بسم الله الرحمن الرحيم
الإحساس من هذا أننا نواجه ظواهر عديدة لا نجد لها تعبيراً أو موضوعاً محدداً، فنضطر في تعريفنا لها أن نستحضرها في الأذهان ونصنفها. تعود جذور السلفية والوهابية، وأخيراً يطرح مصطلح جديد هو التكفيرية، بينما هذه الظواهر ليست سلفية ولا وهابية وحتى ليست تكفيرية. هذه ظواهر جديدة تكشف جهلنا وقصور معرفتنا بالعالم الإسلامي الواسع والتطورات التي شهدتها المئتا سنة الأخيرة.
في تصورنا، هذه الظواهر قريبة جداً من الوهابية والسلفية، لكن عندما ندرسها بعمق ونمضي قدماً، نجد أنها لا علاقة لها بالسلفية ولم تسعَ للتواصل معها. قد تكون استخدمت بعض أدبياتهم أو استفادت من بعض رموزهم، لكنها لم تكن ملتزمة بمبادئهم وأصولهم الفكرية، ولم تكن لتريد الحفاظ عليها. لهذا السبب، السلوك الذي نراه منهم لا يقترب من أي معيار من معايير السلفية بل حتى الوهابية. فمثلاً، ما حدث في سوريا من اختطاف يابانيين ثم طلب فدية. في قضية داعش، بالمقارنة مع الماضي، هناك تطور في هذا المسار. أي أن داعش لم تعد تتبع أيديولوجياً خطاب الرهائن والسبي، بل تحول إلى منفعة مادية ملموسة، وهذه المنفعة المادية الملموسة هي نتيجة التطورات التي تحدث على الساحة.
من وجهة نظري، عندما أنظر إلى الأمر سياسياً، جزء منه يعود إلى حالة أسعار النفط. بمعنى أن الدول مثل السعودية وقطر التي كانت تستثمر في الأزمة السورية، بدأت تقول إنه لا توجد لدينا أموال والظروف المالية أصبحت صعبة على هذه الجماعات فلا بد لها أن تبحث عن مصادر أخرى للعيش. لهذا السبب، أصبحت الآن تتخلى عن هذا الغطاء الذي كانت تقول فيه إنني إصلاحي وأقوم بعمل عقائدي، وتكشف تماماً أن هذا كان مظهراً ورداءً ألقوه على أنفسهم ولم يكونوا ملتزمين به، واليوم يعملون في مسار مختلف.
واجهت هذه الفروقات في حالتين أو ثلاث بوضوح شديد، وأودّ أن أعرضها عليكم. المسألة الأولى التي شغلت ذهني تعود إلى سنتين مضتا عندما أعلنت داعش نفسها باعتبارها الدولة الإسلامية في الشام والعراق. كان لدي تساؤل أو صدفة في ذهني أننا قبل الحادي عشر من سبتمبر واجهنا ظاهرة تسمى حركة طالبان والعرب الأفغان في أفغانستان. العرب الأفغان كانوا بمثابة تنظيم القاعدة. القاعدة، في استمرارية الفكر السلفي والوهابي في أفغانستان، أنشأت شبكة كان هدفها الجهاد بكل خصائصه كما نقرأها في المصادر الأكاديمية. أرادت أن تجاهد وتربط نفسها بالدولة السلفية النبوية. طالبان كانت ظاهرة أنشأت لنفسها الإمارة الإسلامية الأفغانية في أفغانستان. القاعدة أرادت أن تجاهد ولم تستهدف أي إقليم محدد للجهاد، كان يمكنها أن تكون في الشيشان أو في اليمن أو في السودان. لكن طالبان شكلت حكماً وإمارة تماماً على أراضيها الجغرافية. شهدنا في الأحداث القريبة جداً من الحادي عشر من سبتمبر صراعات حادة جداً بينهما. في قضية مزار شريف أيضاً، عندما بحثنا ودرسنا، واجهنا دائماً ثنائية بمعنى أنه عندما تحدثنا مع أحد مسؤولي طالبان عن مزار شريف، كان يقول إن هذا من فعل العرب الأفغان وليس من فعلنا وكان يريد بمسؤولية أن يبرّئ طالبان من الحادثة التي وقعت في مزار شريف. لكن في المقابل، كانت القاعدة تقول إن هذه ظاهرة عامة وستحدث بعد ذلك أيضاً. منعنا الحادي عشر من سبتمبر من رسم خط فاصل بين الفكر الذي يريد إمارة إسلامية وربما لا يكون بالضرورة سلفياً وفي حدود جغرافيته المحدودة يريد أن يحدد مصيره على أساس رؤية إسلامية، وبين ذلك المحيط الجهادي السابق.
أحدث الحادي عشر من سبتمبر فراغاً غيّر المنطقة برمتها، واستمرت هذه الفوضى عشر سنوات حتى سقوط صدام. وبعد سقوط صدام أيضاً، استمرت هذه الظاهرة تظهر بين الحين والآخر إلى أن جاء تنظيم داعش. وبالطبع قبل داعش ظهرت فروع من التيارات المتطرفة التي لا يمكنني أن أسميها سلفية. لأنه حين نتحدث عن هذه الحركات، نرى أن من بينها من ينتمي إلى البعث، وهؤلاء لا يعتقدون بارتداء لباس الدين على الإطلاق، بل العروبة هي مفهومهم، أو مثلاً هناك من ينتمي إلى النقشبندية، ونظرته تصوفية وطريقية، وفهمه لا يتحقق في إطار مفهوم العروبة. وجدوا بعضهم البعض، ويعملون معاً بكفاءة عالية. لم تكن الدجلة والفرات تعنيان لنا منذ سنوات في معناهما التاريخي – اللذين يشملان الشام والعراق – حتى جاء داعش، والآن نشعر بأن نعم، إنهم يتحدثون عن إقليم جغرافي محدد. هذا الإقليم الجغرافي غير واضح تماماً لنا، لكننا نشعر أنه يجب أن يكون قريباً من الآراء السلفية والوهابية. وأحياناً يطرحون مفاهيم قد نضطر إلى تناولها في دراساتنا، مثل مسألة الخلافة.
دعني أذكر مثالاً آخر واضحاً جداً قد يكون الدكتور شمس والدكتور مجتبائي على دراية به. كان هناك حركة الشيخ سعيد بيران في ديار بكر. تم وضع هذه الحركة في جميع نصوص الدراسات والأبحاث الكردية – بسبب أن الأكراد كانوا يسعون لإنشاء وطن قومي، وكانوا يناقشون كردستان مشتركة – تحت إطار القومية الكردية، وعرّفت على أنها تابعة للقومية الكردية، وعموماً تناولها الغربيون في دراساتهم بهذه الطريقة: حركة الشيخ سعيد بيران في ديار بكر حركة قومية في امتداد جميع التطورات التاريخية للعالم الكردي. لكننا نرى الآن أن نفس تلك النقطة، وأولئك الأشخاص أنفسهم، والمتابعون الفكريون للشيخ سعيد المرتبطون به – دخلوا شبكة داعش اليوم ويتحدثون عن الخلافة. حين نجري دراسة على هذا الموضوع ونتصل بهم ونجري حواراً معهم، ندرك أن حركة الشيخ سعيد هذه كانت، على الإطلاق، منذ اليوم الأول تسعى لإقامة خلافة إسلامية بالمفهوم الذي نظرت إليه، وبالتالي لا نستطيع أن ننظر إليها كحركة قومية كردية، بل نميزها بأسباب عديدة. فمثلاً حين ننظر إلى محضر جلسة الشيخ سعيد بيران في إسطنبول، نرى أنه جاء ليقيم الخلافة، ويرفع القرآن على رأس الرمح – وهي أفعال لا تحمل طابعاً قومياً أو حتى عرقياً، بل هي ذات طبيعة دينية بالكامل. من هذه الزاوية شعرت بحقيقة كيف يمكن للمرء أن يكتب مدخلاً عن السلفية ويضع تحتها هذه الحالات الجديدة والظواهر التي توجد؟ أعتقد أنه يجب أن نخيط لهذه الظواهر لباساً خاصاً بها، وهو وإن كان قد يكون قريباً من السلفية والسلفوية، فإنها في الحقيقة لا تملك هذا الارتباط على الإطلاق. في هذه الثلاثين أو الأربعين أو المائة سنة الأخيرة، ظهرت موضوعات جديدة لم يتمكن فكرنا من إيجاد مصطلح محدد لها. وهذا ما أدى إلى أننا نعتبر أقرب مجموعة لها خصائص متشابهة، ونضع هذه الموضوعات تحتها، وللأسف هذا ينعكس على تفكيرنا وحكمنا، وينزل إلى مستوى أدنى بكثير في الأدبيات السائدة والإعلام والندوات، حيث يُستخدم بسبب نقص المعرفة. هذا المفهوم الذي ذكره السيد جمال الدين الأفغاني – حين نصل إلى مفهوم الوحدة الإسلامية – نرى أننا لا نستطيع بالضرورة أن نعتبره فكراً في امتداد السلفية، أو فكراً يسعى لإقامة عصر الخلافة بالشكل التقليدي للخلافة في الماضي والقرون الأولى من الإسلام، أو الخلافة اللاحقة في العهد العثماني – تلك الخلافة التي انتقلت من الفرع العثماني إلى الفرع الذي يدافع عنه السيد جمال. السيد جمال تارة يتابع إمام اليمن، وتارة يتابع عبد القادر الجزائري وأمثالهم. موقفي الشخصي تجاه ما حدث هو أننا لا نستطيع في حكم نهائي أن نضعها ضمن فروع السلفية أو الوهابية أو الآراء الأخبارية وهذا الصنف من المقولات، وأن نصدر حكماً عاماً عنها ونعممه، لأننا سننتهي بنا إلى التناقض. فعلى أرض الواقع، نواجه أفراداً، بنفس الدرجة التي نعتقد أنهم سلفيون أو وهابيون، يطعنون في هذه المسألة ويسخرون منها.
بعد توليّ مرسي الحكم، ظللت ثلاثة أيام برفقة السيد عماد عبد الغفور، قيادة التيار السلفي في مصر، وكنا في مكان واحد ننعقد فيه جلسات مستمرة. في تلك الفترة كان قد أسس حزب النور، وكان حزب النور أحد الفروع الهامة والمؤثرة جداً في سيرورة التطورات التي أعقبت توليّ مرسي. حين كنت أحدثه قلت له: أنتم سلفيون، فما علاقتكم بالإخوانيين؟ فأجاب: لا، أبداً، نحن لسنا سلفيين، نحن إسلاميون. ظننت أنه يريد أن يستخدم هذا الغطاء ليضفي شمولية على الحزب ليستوعب فروعاً أخرى. وحين تحدثت مع محيطي عماد عبد الغفور، كانوا يستخدمون تعبيرات من هذا النوع أيضاً؛ لكنها لم تكن ذات معنى واضح جداً. إلى أن قرأت مقالة نشرها بنفسه، فوجدته يقول: حنفي تركي (أحد أصدقائي)، رافضي إيراني (كان يقصدني)، سني عراقي، ليبرالي مصري، وإسلامي (كان يقصد نفسه). وفي ما بعد، بفترة من الأحداث التي وقعت، ترك هذا السيد عبد الغفور فجأة حزب النور وانشقّ عنه. وبأغلبية من الجماعة التي كنا نقول عنهم إنهم سلفيون مصريون، أسس حزباً باسم حزب الوطن. فوجئت كثيراً لأن مفهوم الوطن لا ينبغي أن يكون موجوداً في الآراء السلفية. هذه الأدبيات وهذا المفهوم للوطن هو نفس أدبيات جمال عبد الناصر. أي أنه ينتج الفكر الناصري بنفس شكله، في ثوب إسلامي. حزب الوطن مصري بالكامل، ويريد أن يتخذ مسافة من النور أو من تلك النظرة وتلك الفهم التي كان لديها الآخرون للسلفية. أريد أن أقول إن هذا النوع من الظواهر والنماذج يتطلب أولاً سلسلة من الدراسات الميدانية، وبعدها، لفهمها بشكل أعمق، يجب أن ندرك أن هذه الظواهر قيد التكوين وليس ضرورياً أن نصنف كل هذا ضمن مفهوم عام واحد موجود في أذهاننا، بل يجب أن نبحث ونفكر ونخلق لها مفاهيم جديدة. خاصة في دائرة المعارف، إن وجد هذا الفكر بأنه يجب البحث عن تعريفات لهذه المفاهيم، فيجب أن نستخدم هذا الفكر، وأن نستعمل في هذا النوع من السلوكات تعبيرات تستطيع أن تعمق الخطوط والمسافات أكثر وأن تساعد على أن تتقدم الدراسات في الأجزاء والفروع لكل ظاهرة بجدية.
من هذه الزاوية فكرت في هذه القضية، وفي الفضاء الجديد والتطورات، وعلى الأقل بالنسبة لنا الذين نواجهها، يمكن أن تكون إحدى الأسئلة. السيد القريشي يملك معلومات أكثر مني. لا نستطيع أن نطلق عليها صفة السلفية عموماً، عندما نرى أبو بكر البغدادي يتحدث عن مفهوم معين ويسخر منه حتى. في بيانه الأخير بخصوص الملا عمر – إن اعتبرنا الملا عمر أحد الفروع المتصلة والقريبة من القاعدة التي تسعى نحو إمارة – يقول إن الملا عمر رجل جاهل وخاطئ، بلا معروف وبلا كفاية، ولا يملك أي فهم على الإطلاق. من أين نستطيع أن نستمد الفهم لهذه الظاهرة؟ بالإضافة إلى ذلك، في هذا النوع من الظواهر عوامل غير علمية تماماً، عناصر ليست فكرية وينظرون إليها نظرة أداتية. مثلاً الأجهزة الاستخباراتية في مكان ما أو أشخاص يرون مصالح لهم في هذه التحركات ويدعمونها. على الأقل في بنية العراق الشيعي نرى هذه النماذج، حيث أن أجزاء من حاكمية العراق الشيعة لا تمانع في أن يأتي شيء باسم داعش بثوب خلافة، وينمو ويساعد في تجزئة العراق، لكي تتمكن من الحفاظ على إقليمها الشيعي وتفصل تماماً المجتمع الذي لا ينسجم مع هذا الإقليم، وتكتب مصيراً جديداً. وفي الجزء الكردي من العراق أيضاً، حيث يمكن للدكتور شمس أن يشرح بشكل أفضل، نرى نفس هذه النظرة مجدداً، فهم أيضاً يدعمون مثل هذه الظواهر. هذه النظرة والدعم الموجه والمؤثر من هذه الأجزاء يدخل أيضاً ضمن هذه الموضوعات. لا يمكن أن نعتقد أن مدرسة أو نحلة فكرية قد وجدت. هذه النحلة الفكرية تستمر في أن تتخصب بهذا الشكل، وبآرائها الكلامية وتطورها التاريخي تعطينا فصلاً جديداً نندرج فيه ضمن الفصول السابقة للملل والنحل في العالم الإسلامي والجغرافية المحيطة بنا.
الدكتور فيرحي: بسم الله الرحمن الرحيم
أعمال السيد الموجاني تمثل بطريقة ما مسارًا معاكسًا للمسار الذي كنت أتتبعه في دراساتي، وأشعر بأنه ينتبه أكثر إلى حداثة هذه الظواهر، بينما أنا أنظر إلى كيفية أن هذه الظواهر لا تزال قابلة للدراسة أيضًا بمصطلحات قديمة. لهذه الدراسة سببان؛ أولاً، أن الأدبيات المتعلقة بها، رسميًا وفي محافلها، هي أدبيات سلفية عمومًا مع تغييرات أحدثوها فيها. أنا لا أنكر التغيير لكنهم أحدثوا تغييرات داخل الأدبيات السلفية. يمكن القول أن هذا تموج وتغييرات داخلية من نوع ما. السبب الثاني لأننا نستطيع دراستها مع الأدبيات الكلاسيكية يعود إلى منشأها. عندما نقوم بتأريخ هذه الجماعة، نستطيع بسهولة أن نرى من أين بدأت هذه الجماعة وتشكلت. على سبيل المثال، يمكننا أن نقول كيف خرجت هذه التيارات من داخل القمع السوري الذي استمر من 1982 إلى 1986، وكان هناك ترابط بين الحركات الإخوانية وتلك التيارات. ثم كيف خرجت هذه التيارات عام 1990 من داخل جماعة أنصار الإسلام العراقية. قد تكون هذه النبذة التاريخية سببًا يسمح لنا بأن نقول ماذا حدث. إذا أردت أن أقرب حديثي من أقوال السيد الموجاني، يمكنني أن أقول: إذا أردنا أن نعرف هذا التيار، يجب أن نفرّق بين ما هو التيار برمته وما هو مركزه. مثل رجل الإطفاء الذي يفعل هذا، ينظر أولاً إلى مصدر الشعلة الأصلي، ثم يرى أين انتشرت وإلى أين امتدت حواشيها. بخصوص هذه التيارات يجب أن نرى كيف انضمت، مثلاً، حركة النقشبندية أو حتى التيارات البعثية إليها. أشعر بأن هذا التفريق يساعدنا على أن نتمكن من تحديد هذه القصة منذ البداية. في أدبيات بعض العلماء من يقول إن هذه التيارات تشبه زيت القطران، ينسكب في مكان واحد أولاً، ثم ينسرب وينتشر إلى الجوانب. هذه هي الإلحاقات والحواشي التي التصقت بالنص الأساسي. إذا عُرّف المركز، يمكن تفسير علاقة هذه الحواشي به بشكل أفضل. بهذه المقدمة سأحاول أن أشير إلى نقطتين. في دراساتي توصلت إلى نتيجة مفادها أن حدثين قد وقعا. أولاً، حدث تحول داخل الفكر السلفي. هذا التحول مهم لنا. لكي أتمكن من تحديد هذا التيار المركزي، قسمت التيارات السلفية إلى أربعة أنواع. أولاً: السلفيون الكلاسيكيون السابقون للسعودية وابن تيمية؛ ثانيًا: السلفيون الذين تدعمهم السعودية، ويمكننا أن نطلق عليهم اسم السلفيين الوهابيين؛ ثالثًا: خطاب تحت عنوان القاعدة، وجهته نحو الخارج وهجومه باتجاه الغرب؛ ورابعًا: هذا الجيل والتيار الذي يتجه نحو الداخل أي نحو العالم الإسلامي ذاته. أبعادهم مختلفة فيما بينهم؛ حركة القاعدة كانت تصدّر الإرهاب إلى الخارج، لكن هؤلاء يستوردونه إلى الداخل ولهم خصائص محددة. «الآخر» بالنسبة للقاعدة هو الغربيون، و«الآخر» بالنسبة لهؤلاء هو الشيعة والسنّة، وبهذه الطريقة يختلفان اختلافًا كبيرًا جدًا. هؤلاء يستخدمون مفاهيم قديمة أعيدت شحنتها مؤخرًا، مثل مفهوم التكفير. التكفير هو مفهوم مرّ بتحول في نظرهم، وتمكنوا من أن يصنعوا منه أساسًا ومبررًا لمشاريعهم. من وجهة نظري، يجب أن نناقش أكثر هذا الجزء بخصوص ما الذي حدث وأي تحول طرأ على مفهوم التكفير. التكفير موجود في الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية لكنه لم يطبّق فعليًا لأسباب ما. لم يكن يُرى تكفيرات مصداقية. أي أن التكفير كان يُشرح نظريًا لكن كان نادرًا جدًا أن يحكم أحد بالتكفير فعليًا. لكننا نرى في خطابهم أن نوعًا من التكفير العام يحدث. على سبيل المثال، نرى أنه في عام 1990، 1991 الشيخ عبدالملك، مفتي العراق، الذي كان فعليًا من مؤسسي تيار جماعة الأنصار، أصدر حكمًا بتكفير العراق برمتها. أو أبو مصعب السوري في عام 1991، 1992 أصدر حكمًا بتكفير جميع الشيعة والعلويين في سوريا. أريد أن أقول إن إحدى طرق معرفة التيارات الجديدة هي فهم التحول الذي طرأ على مفاهيمها والتحقق من كيف حدثت تحولات معينة من المفاهيم القديمة إلى المفاهيم الجديدة.
ثانيًا، يتعلّق المطلب الثاني بالخلفيات الاجتماعية والسياسية لهذا التيار. فيما يخص الخلفيات الاجتماعية، يبدو أنه ليس بلا مبرر أن هذا التيار قد ازدهر في العراق وسوريا. لقد تشكّلت التيارات التكفيرية في العراق، لكن لماذا اكتسبت هذا القدر من القوة؟ يمكنني تفسير ذلك بأربعة أسباب. والدراسات الميدانية تشير إلى هذه الأسباب الأربعة أيضًا. أحدها أن العراق، لما ظل في ظروف حربية لفترة طويلة، اكتسب القبائل العراقية مهارات عسكرية استثنائية. دعني أضيف جملة توضيحية: يقولون إن الحركات التكفيرية سلفية العقيدة إخوانية المنهج. وهذا اصطلاح يستخدمونه. سلفية العقيدة تعني أنهم يعملون بالمفاهيم السلفية، لكن تشكيلاتهم مستوحاة من التشكيلات الإخوانية. التشكيلات الإخوانية تغيّرت مؤخرًا وبعد مرسي. أصبحت متمركزة بشدة من الأنظمة المركزية، موزعة، متشبكة على شكل شبكات تعمل بآلية الشبكة. أي أنهم من حيث القيادة لا يملكون محورًا واحدًا، لكن من حيث المفاهيم متفقون. حسنًا، لماذا حدث هذا في العراق؟ أحد الأسباب كان المهارات العسكرية. ثانيًا، تعرّف الشباب العراقيون على العقيدة السلفية أكثر عبر حركة أنصار الإسلام. يجب أن نأخذ حركة أنصار الإسلام في العراق بجدية. كانت هذه الحركة قوية في زمن صدام وكانت تكفّر أيضًا. بل كانت تكفّر صدام نفسه والشيعة أيضًا. معظم الدول التي عارضت صدام، مثل السعودية وتركيا والأردن، كانت تساعدهم لكي تتمكن من تقييد يد صدام ورجله، فوقع في أيديهم أسلحة كثيرة. حدث حادث في غاية الأهمية في العراق؛ لما كان الجيش البعثي في السلطة، وبما أنهم لم يثقوا بالشيعة، كانت كل الأسلحة ومستودعات ذخائر الجيش العراقي في المناطق السنّية. بعد ذلك، عندما جاء النظام الشيعي للسلطة في العراق وواجه مشاكل، لما كانت الأسلحة والقبائل والجيش السني العراقي في الجانب الآخر، وقعت هذه التكنولوجيا والأسلحة بسهولة في أيديهم. هنا أود أن أختلف مع السيد موجاني. ليس كل جيش حزب البعث علمانيًا. في حزب البعث قسم كبير من السلفيين، يمكننا تحديدهم، وفيهم إخوانيون أيضًا، لكن هؤلاء السلفيين من حزب البعث هم الذين التحقوا بهذا التيار، وليس العلمانيون فيه. أود أن أختتم بالقول إن تحولاً مفهوميًا قد حدث في الحركات السلفية بحيث يمكننا أن نتحدث عنها باعتبارها الجيل الرابع ونوضح مواصفاتها تحت عنوان التيارات التكفيرية. في سنة 2006 شهدنا أن سبعين ألف عنصر مسلح من القبائل، تحت عنوان حركة الصحوة، كانوا يتعاونون مع التيار الاستيقاظ الإسلامي ضد صدام. عندما استولى الشيعة على السلطة، كانت حركة الصحوة مسلحة، فاستطاعت أن تتصل برموز الجيش البعثي السابق، ثم تزوجت بأيديولوجيا أنصار الإسلام وبسهولة جدًا استحوذت على هذه الأسلحة وانتشرت. يمكن تفسير ما حدث بعد ذلك: أن حركات النقشبندية التي فيها تغييرات عرقية وحتى مفاهيم قومية في بعض هذه التيارات اتصلت بهم واقتربت منهم. وبالتالي فإن الفرصة التي أتت بها هذه التيارات كانت إقامة دولة شيعية في العراق والشك الذي كان لدى السنة تجاه الشيعة. إن أتيحت الفرصة، يمكنني أن أوضح ثورة المفهوم في هذه التيارات.
السيد موسوي بجنوردي: في الفرص القادمة، تابعوا حتمًا هذه الثورة في المفهوم. لا أعرف هل تحققت النية التي كانت لديكم أم نستفيد من معلومات السيد القريشي أيضًا.
الدكتور مجتهد شبستري: أعتقد أن السيد القريشي إن كان لديه مطالب جديدة غير مطالب السيد موجاني، لنستفد منها.
السيد القريشي: تقريبًا هي نفسها. لديّ دراسات أكثر حول اليمن.
الدكتور فيروزي: نقطة نسيتها أن أذكرها. هؤلاء في أدبياتهم ينكرون السلفية لكن في الخلفية يعتقدون أن الإسلام هو هذا بالذات. هناك ادعاء خاص بينهم؛ أي أنهم عندما يقولون نحن مسلمون فمعناه أن الإسلام ليس إلا نحن، وليس أنهم تيار من تيارات الإسلام.
السيد القريشي: في اليمن كانت السلفية موجودة وتبقى موجودة وكان لديهم جامعة. ثورة 21 سبتمبر لأنصار الله، كانت ثورة زيدية ضد الدولة والتنظيمات الإخوانية. في اليمن قبل أربع سنوات من الربيع العربي أو الصحوة الإسلامية، استولى الإخوانيون وحزب علي عبد الله صالح على السلطة، أي حصلوا على نصف القوة. وقد أعدت هذه الخطة على أساس خطة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكان عشر دول مؤسسة أي خمس دول أعضاء دائمة في مجلس الأمن وخمس دول أعضاء في مجلس التعاون يؤيدون هذه الخطة. تم تقسيم القوة بين حزب علي عبد الله صالح وحزب المؤتمر والإخوانيين والسلفيين. وفي الآونة الأخيرة، أي بعد 21 سبتمبر، قامت أنصار الله بجمع مقومات السلفيين أي ما كانوا يملكونه من جامعة ومراكز وحوزات علمية. والآن أهم شخصية سلفية في اليمن وهو الشيخ عبد المجيد الزنجاني(؟) الذي كان رئيس تلك الجامعة الآن هارب ولا يُعرف أين يكون. من خلال نظرة وإن لم تكن عميقة ودقيقة جداً، فهمت عندما كنت في اليمن وأقرأ من مقابلات هؤلاء الأشخاص أن لديهم معارضة شديدة للديمقراطية وحقوق الإنسان وربما يمكننا أن نقول إن هذه الظواهر السلفية الجديدة هي نتاج تناقض الحداثة والتقليد وهي مسألة تناقض الديمقراطية وقراءة معينة من الإسلام. يرفضون الديمقراطية والحداثة برشدة وبالطبع يمارسون الاجتهاد أيضاً. أي أن التطور الذي نشاهده فيهم يختلف نسبياً عن الماضي وهو ثمرة اجتهاد يقومون به. عرضت هذه المسألة في هذا الحد فقط.
الدكتور مجتهد شبستري: السيد القريشي أضاف موضوعاً ليكون أكمل، إن أردتم، الدكتور الأستاذ طباطبائي لأن تخصصه البحوث السياسية ليعبّر عن رأيه في هذا الشأن حتى يكون هذا الملف أكمل قليلاً.
الدكتور طباطبائي: أعتذر لأنني تأخرت قليلاً وللأسف لم أستمع إلى الكلام الأولي. أعتقد أنه حتى الآن تمت مناقشة موضوع داعش وبقية السلفيين تحت مفهومين. أحدهما الجانب الديني والآخر الجانب السياسي. دعونا نضع الجانب الديني جانباً وأنا لا أريد أن أتحدث عنه. لكن إذا صنفنا هؤلاء تحت مفهوم سياسي بمعناه التقليدي، مثلاً حركة معروفة كما نقول حركة الحرية في إيران؛ إذا أخذنا السياسة بهذا المعنى وحاولنا بعد ذلك تصنيف الحركات السلفية اليوم إجمالاً مع كل الاختلافات التي تملكها تحتها فقد أخطأنا. برأيي هذه الحركات لا تندرج بدقة تحت مفهوم الحركة الدينية ولا الحركة السياسية. بعد طردي من الجامعة قضيت حوالي عشر سنوات في فرنسا. كان جزء كبير من زملائي والأساتذة في عهدي في واحد أو اثنين من الأحزاب الكبرى الفرنسية وأصبحوا كبارهم. جئت إلى إيران وعندما عدت تم إنشاء حد أدنى من العلاقات حتى أتمكن من الحصول على بطاقة إقامتي. كان الوقت الذي بدأت فيه مراكز الفكر وكان معظم أصدقائي السابقين فيها. بين من كان يتردد على هذه المراكز اكتشفت أن واحداً أو اثنين من زملائي السابقين هما من أجهزة الأمن DSD الفرنسية. من خلال النقاشات هناك وفي ذلك الوقت فهمت جزءاً من هذه المسائل وأحاول أن أعبّر عن قصدي في ضوء ذلك. في هذه المحافل التي تملك معلومات أدق وتناقش؛ هناك مسألة وهي أن هذه الحركات لا الجانب الديني فيها مهم كما يبدو من الخارج ولا الجانب السياسي بالمعنى التقليدي للكلمة كما قلت يبدو مهماً. لكنهم يتحدثون عن مفهوم أحدث وهو تجريم السياسة. أي أن السياسة في أماكن معينة ممزوجة بالمنظمات الإرهابية والقتل والشرطة السرية والحركات اليمينية المتطرفة. هذه تخترق هذه التيارات من الداخل. ظاهرياً تحافظ على الجانب الديني وأيضاً الجانب السياسي بالمعنى التقليدي للكلمة، لكن من الداخل تقوم بمناورات بطريقة تخدم أهدافهم. أذكر حالة معينة لها علاقة بنا نسبياً وتوجد وثائق لها.
نعلم أن الدكتور نصر عضو في الطريقة المريمية وعلى ما يبدو رئيس هذه الطريقة. الذين تردّدوا على جمعية الفلسفة قبل الثورة وقليلاً بعدها، مثل السيد الداوري، يعلمون أن هناك تيارات كانت تروّج لشوون وغينون ولديها أفكار معارضة للحداثة وهيمنة الكمية وغيرها. لهذا بُعد فلسفي ليس موضوع بحثنا، لكن في داخل هذا التيار كان هناك إنسان إنجليزي يدعى مارك سيرجويك دخل هذا التيار وكان معجباً جداً بالروحانية. ذهب إلى مصر وتعلّم اللغة العربية والتقى بشوون وآخر لا أذكر اسمه والتعرّف عليهما عن قرب. قبل سبع أو ثماني سنوات، عندما كنت في أمريكا، ظهر هناك كتاب باسم against the Modern World . هذا الكتاب مهم جداً وفيه يشرح سيرجويك انسحابه من هذا التيار التقليدي. (أترجمها «تقليدي» لأن «حركة التقليد» لا تنقل المعنى بشكل دقيق). يقدّم فيه شروحات تؤيّدها أماكن أخرى بطرق مختلفة، وسأشير إليها. يقول إنه في الأساس تيار روحاني لا ريب فيه ويعارض العالم الجديد وهيمنة الكمية والحداثة وغيرها. لكنه يقول إن هناك تسلّلاً من الداخل. خاصة من جانب التيارات اليمينية المتطرفة والفاشية الأوروبية الموجودة في بلجيكا وفرنسا وفي ألمانيا أكثر من أي مكان آخر. أجزاء من هذه التيارات متسللة في أجهزة شرطة هذه الدول. أي أن هذه التيارات ذات العناصر اليمينية المتطرفة متسللة في أجزاء مهمة من أعلى مستويات شرطة فرنسا وبلجيكا وألمانيا وكثير من الدول الأخرى مثل إيطاليا. في الأحداث المتعلقة بقتل ألدو مورو، رئيس الجمهورية الإيطالية، الذي صنع حول حالته كتاب وفيلم، نرى كيف يعملون. على الرغم من أن اليساريين المتطرفين كانوا قد خطفوه، إلا أن الشرطة واليمينيين المتطرفين يتلاعبون بالأمر لإنهاء حياته بطريقة بشعة جداً ولتحويل الرأي العام في إيطاليا بالكامل ضد اليسار. الآن أصبحت أبعاد هذا الموضوع معروفة ولديها وثائق أيضاً. سيرجويك يقول نفس الشيء عن الطريقة التقليدية. يقول إن بعضهم احتلّوا مراكز مرموقة وكنا نعتقد أنهم مهمون جداً من الناحية المالية والجنسية وغيرها وكانوا محتالين، وقدّم صوراً حيث يقول، إن لم أخطئ، إن شوون كان يقضي وقتاً ممتعاً في كابري وعلى شاطئ بحر كابري مع الشباب، في حين كنا نعتقد أنه يسير في مراتب الروحانية. من ناحية أخرى، الحال نفسه ينطبق على منظمات اليسار المتطرف الأوروبي.
كانت هناك منظمة تدعى جلاديو من اليمينيين وأجزاء من جسم الشرطة في أوروبا، خاصة في بلجيكا. أظهروا كيف أنه في كل مكان وجد فيه اليساريون المتطرفون وقاموا بعمل ما، كانوا يتسللون ويقودون العمل في اتجاه أهداف الشرطة والتيارات اليمينية المتطرفة. مثلاً، انظروا الآن إلى بوكو حرام في أفريقيا، هؤلاء ليسوا تياراً دينياً ولا تياراً سياسياً بل بكل تأكيد تيار إجرام. الحال نفسه ينطبق على أيرلندا. على الرغم من أن أيرلندا تتمتع بروح وطنية ورغبة في الحرية والمعارضة لبريطانيا، إلا أن جزءاً مهماً من القادة الحقيقيين لهذا التيار كانوا في الواقع مجرمين محترفين وكان لهم مصالح وراء هذه الجرائم.
أعتقد أن هذا الجانب من الموضوع مهم جداً وأننا نتساءل هنا في دائرة المعارف الإسلامية الكبيرة عما يمكننا أن نكتبه عن هذه الأمور. من وجهة نظري، ما يشكّله مجموع السلفيين لا أهمية له، من وجهة نظري ما يهمنا ويهم إيران هو التهديد الذي يمكن أن يشكلوه في النهاية لنا والخطر الذي يمكن أن يهدد إيران على المدى المتوسط. هذه مسألة غاية في الأهمية. ولهذا السبب أقول إننا يجب ألا ننظر إلى هذه القضية على أنها مسألة سياسية بحتة بمعنى الشؤون الخارجية أو دينية بحتة بمعنى مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبيرة. في مواجهة هذا الخطر، من الطبيعي أننا يجب أن نفعل شيئاً. ربما نضيف مدخلاً لكننا يجب أن نعلم أننا محاصرون من قبل هذه التيارات التي لها بُعد ديني لكي تضلل عامة المسلمين ولها بُعد سياسي لكي يمكنها أن تخدع التيارات التنويرية البسيطة والساذجة في هذه الدول. لكن قبل كل شيء، إنه الجانب الإجرامي لهذه التيارات هو الذي يهددنا وفي رأيي يجب أن نركز أكثر على هذا الجانب خارج هذا المكان – أعتقد أنه لا علاقة له بدائرة المعارف – بالإضافة إلى المدخل الذي نكتبه.
السيد الموسوي البجنوردي: النقطة التي طرحها السيد الطباطبائي في هذه مرحلة من النقاش يمكن ربما أن نجعلها تحت عنوان واحد، وهي تجريم السياسة. في هذا الصدد ربما أكون لي كلمة قصيرة لتأييد كلام السيد الطباطبائي وطرح السؤال عن سبب المسألة: لماذا أصبحت السياسة مجرّمة؟ سيدي الدكتور يونسي، الجانب السياسي لحركة السلفية هو جدول أعمالنا، أنتم بناء على المعلومات والتجارب التي لديكم يرجى أن تعرضوا آراءكم وتطرحوا معلوماتكم.
الدكتور يونسي: بسم الله الرحمن الرحيم
في أعماق ذاكرتي نقاط بخصوص تسييس هذا التيار أو تمذهبه، أعرضها عليكم وآمل أن تكون مفيدة. يمكن أن نلقي نظرة تاريخية على المسألة وهو ما ينتبه له الدكتور الفيرحي في بحوثه. معظم التيارات المسلحة حتى الآن كانت جذورها في مصر، والآن يبدو أنها لا تزال تنشأ من هناك، وهذا الهيمنة الفكرية والتنفيذية التي تمارسها التيارات المصرية على الحركات الإسلامية في المنطقة لا تزال قائمة. بطبيعة الحال في العقود الأخيرة قدمت دول الخليج الغنية مساعدات مالية لها، لكن من الناحية الفكرية والتنفيذية والإدارية، الهيمنة لا تزال من المصريين. للمرة الأولى في البلدان الإسلامية حدثت تجربة في أفغانستان وكانت هذه التطورات نقطة تحول لوضع أسس المنظمات الإرهابية في أفغانستان. بعد أن دخلت أفغانستان تحت الاحتلال الروسي، البلدان الإسلامية والتيارات الإسلامية على حد سواء، برغم كل التناقضات والاختلافات التي كانت بينها، ذهبت جميعها لنجدة الأفغان، وفي المدى القصير تجاوزت خلافاتها وسعت جهودها لتحرير أفغانستان من الاحتلال الروسي. بعد قليل، بعد أشهر قليلة من مرور الوقت، فضلت التيارات المسلحة المصرية أن يستمر هذا الاحتلال وهكذا هو أفضل ولا توجد حاجة للسعي من أجل تحرير أفغانستان. واجهوا ظاهرة لم يكن لها نظير من قبل. لاحظوا أن أفراداً من جميع أنحاء البلدان الإسلامية والبلدان الأوروبية يأتون إلى أفغانستان بنية الجهاد فقط، وكانت هذه ظاهرة جديدة تماماً أن أفراداً بنية الشهادة فقط قدموا من أمريكا وأوروبا وأستراليا والبلدان الإسلامية ومن كل مكان إلى أفغانستان. أدركوا وجود إمكانية ضخمة، إذا تم إدارتها وتنظيمها، يمكنهم بلوغ حلم خلق قوة جديدة في مواجهة الغرب، وهو ما كان حلم الثوريين السابقين. بعد مرور الوقت، اكتشفت الدول المجاورة وغير المجاورة خطراً جديداً بأن تياراً جديداً يتشكل وفي النهاية لن يستطيعوا السيطرة عليه.
في إيران نفسها أيضاً كان هناك اختلاف بين الأجهزة الأمنية حول مقدار المساعدة التي يجب تقديمها لها وحدود القرب منها. كان الأشخاص ذوو البصيرة يعتبرون الخطر جسيماً جداً ويعتقدون أنه في المستقبل لن يكون بالإمكان مواجهتهم ولذلك يجب الانفصال عنهم من الآن. وكان آخرون يقولون إننا يجب أن نساعدهم لأن هذا إمكانية ضخمة ضد أمريكا وإسرائيل. يجب علينا أن ندير هذه الإمكانية ودرء خطرهم وبالنفوذ فيما بينهم حل مشاكلنا المستقبلية بواسطتهم. كان لكل مجموعة أسبابها الخاصة. لاحقاً اتضح أن هذه ليست مشكلتنا وحدها وأن بعض الدول مثل باكستان تأثرت أكثر. في باكستان كان لديهم نفوذ واسع في الجيش والنظام الأمني وهذا النفوذ لا يزال مستمراً وباكستان ليست قادرة على مواجهتهم. أدرك السعوديون أنهم اخترقوا شبكات اجتماعية ومالية ضخمة، وما لبثوا أن فهموا أن الأمر ليس احتلالاً لأفغانستان فقط بل أن جميع دول المنطقة بطريقة ما وقعت تحت احتلالهم. كانت جميع هذه الدول متسائمة من بعضها البعض، فمثلاً كان السعوديون يعتقدون أننا تخليينا عنهم وأننا ندير هذه التيارات، وكنا نحن نعتقد أن جميعهم وهابيون وسلفيون. بالمصطلح الشائع كنا نحن ذاهبين لمحاربة الاتحاد السوفياتي لكن الحادثة الغريبة التي وقعت كانت أن الجميع أصبحوا متسائمين من بعضهم البعض وهذا التسائم لا يزال مستمراً. أعتقد أن هذا كان حدثاً وقع ولم يكن أي منهم يقصد أن يحيط بالدول الأخرى ويهيمن عليها. كان الجميع هناك يسعون ليكون هناك قوة في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي. لكن تلك المجموعات السياسية التي أصبحت معروفة لاحقاً باسم القاعدة كانت تسعى لإطالة تحرير أفغانستان حتى تتمكن من حل مشاكلها. أدرك الأفغان أنفسهم معنى ذلك وهو أنهم لا يريدون القتال بل جاءوا إلى أفغانستان لشؤونهم الخاصة. اتضح لاحقاً أنهم في الواقع أسسوا حكومة طالبان في هذه الفترة.
عندما وقعت عمليات الحادي عشر من سبتمبر لم تكن أمريكا فقط بل جميع الدول وحتى طالبان نفسها فوجئت. طالبان انخدعت. كانت تعتقد أن هذا التنظيم والتشكيل تحت تصرفها لكن اتضح لاحقاً أن الأمر على العكس من ذلك، أي أنهم كانوا هم من يديرون طالبان. في تلك الأثناء أصدر أسامة بن لادن بياناً قال فيه إننا لتحقيق الانتصار أنشأنا منظمات المجاهدين بشكل مستقل في كل مكان وفي جميع الدول وجميعهم لديهم الحرية في التصرف. هذه هي النقطة التي أشار إليها الدكتور الفيرحي. الأمر ليس أنهم يتلقون أوامر من مكان ما. تم تدريبهم على أن كل دولة لها ظروفها الخاصة بها واقتضاؤها وبالتالي ليس من الضروري أن يتلقوا أوامر من مركز واحد. يكفي أن يتشاركوا الأهداف. على الجميع أن يساعد بعضهم البعض. لا يهم أن يكون لديهم خلافات فيما بينهم، المهم هو أن تصل الحركة المناهضة للغرب إلى الوحدة.
في تلك الفترة كان هناك نقاش حول الأعداء القريبين أم الأعداء البعيدين؟ هل الهدف الأساسي هو أمريكا وإسرائيل أم تلك الدول في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية التي أصبحت عميلة لهذه التيارات. كان البعض يعتقد أن العدو القريب أولاً وآخرون يعتقدون أن العدو البعيد أولاً.
قادة وأيديولوجيو هذه التيارات جميعهم أشخاص متعلمون وملمون بالشؤون السياسية وملمون بالتاريخ وملمون بالتيارات الإسلامية وليس الأمر كما قد نتخيل أنهم جماهير عاديون. بعض من كان لي اتصال معهم وكنت أتحدث معهم أخبروني أنهم مجبرون على التظاهر بمعاداة الشيعة للحفاظ على أنصارهم وإلا فإنهم يعتقدون أنه في النهاية يجب عليهم حل تناقضاتهم مع الشيعة خاصة وأنهم بخصوص الشيعة برؤية الإمام الخميني ليس لديهم أي مشكلة. وقال البعض الآخر إن صمتنا تجاه إيران تكتيكي. في النهاية أعلن الظواهري هذا الخلاف علناً ثم أعلن أن العدو الأساسي هو هذا العدو القريب ويجب أن نتعامل معه.
إذا أردنا أن نفحص الموضوع من زاوية أخرى، أعتقد أن ثلاث تيارات في العالم الإسلامي تسعى بالتوازي للسيطرة على السلطة والنفوذ في العالم الإسلامي. أولاً تركيا، التي تسعى لإحياء العثمانية وقد أعدت لنفسها كل الأدوات اللازمة، وقد حققت نجاحاً نسبياً. ثانياً قوة إيران، التي كانت الأكثر نجاحاً في المنطقة، والجميع قلقون من ذلك لأن إيران استطاعت، في ظل الجمهورية الإسلامية والثورة، أن تجتذب جزءاً كبيراً من آراء الشباب، وأن تضم وتجتذب كل الطوائف الشيعية، واستطاعت أن تضم إليها الأقليات الشيعية في المنطقة. أصبحت قوة كبرى، وإذا تشكلت بكاملها فسيتعين على الجميع أن يستسلموا لها في النهاية. السعوديون هم الذين يقاومون ذلك أكثر من غيرهم، وهم في الآونة الأخيرة منزعجون جداً من أحداث اليمن والبحرين، ويشعرون بخطر حقيقي لأن هذه القوة الإيرانية قوة جديدة ومسيطرة على المنطقة. فإذا وافق الأميركيون أيضاً وأقروا المسألة النووية الإيرانية رسمياً، فلن يتمكنوا بعد ذلك من منافسة إيران.
وهناك أيضاً قوة السعودية، التي غذت حتى الآن التيارات التكفيرية والسلفية بالمعنى الفلسفي والكلامي، مالياً وفكرياً. إنهم يريدون عندما يصبح العمل عملياً أن يكون في أيديهم، لكنهم عاجزون عن إدارته والسيطرة على شؤونه، والأمور تخرج من أيديهم وتتحول أحياناً ضدهم.
لقد بدأوا العمل على نطاق واسع في هذه الثلاثة عقود بعد الثورة. السعوديون هم الأكثر تقدماً من حيث النفوذ الفكري. هذه التيارات الثلاثة تشمل تماماً جميع أحداث المنطقة، ولا شك في أن كل واحد منها يريد أن يدفع الآخر. تركيا حاولت دائماً أن تتحرك بهدوء، لكنها في الآونة الأخيرة تصرفت بسوء وتعرضت لهزائم حادة أيضاً في الصحوة الإسلامية. كان هزيمة تركيا في سوريا ثقيلة جداً. تركيا تساعد حالياً داعش أيضاً لتتمكن من التأثير، وهي تريد كذلك أن تتحمل راية مكافحة إسرائيل وتوسعت نفوذها من آسيا إلى شمال الصين. من حيث النفوذ الاقتصادي والثقافي، تركيا متقدمة على السعوديين وعلينا. من حيث النفوذ التجاري والاقتصادي والثقافي، تركيا متقدمة علينا. من جهة أخرى، النفوذ الديني للسعوديين متقدم على نفوذنا، وفي هذه الأثناء نفوذنا العملياتي والفكري متقدم عليهم. لا يمكنك أن تتصور أي حدث مهم في المنطقة خارج هذه التيارات الثلاثة. في النهاية، السعي والهدف لهذه القوى الثلاث هو الاستيلاء على قيادة العالم الإسلامي. حالياً، كل واحد من هذه التيارات الثلاثة يمتلك جزءاً من هذه القوة.
السيد الموسوي البجنوردي: لكي يكتمل الجزء الأول من نقاشاتنا، وهو الجزء السياسي والقريب من القضايا الراهنة، أعتقد أن ثلاثة أشخاص آخرين يجب أن يتحدثوا لإكمال هذا الجزء من النقاش. الدكتور شمس والدكتور بهراميان والمهندس كرماني.
الدكتور بهراميان: سأقول بإيجاز شديد: إذا كنا سننظر للسلفية كمصطلح أو ننطبقها على ما نعرّفه نحن أو ما تعرّفه الإعلام، أود أن أقول إن كتابة مقال كهذا تتطلب تدقيق المعايير. لا يمكن أن نأخذ موضوعاً واسعاً جداً وأن نطبقه بشكل مجرد جداً على أشياء مختلفة. بقدر ما تظهره الدراسات في مجال التاريخ والعقائد والعلم الكلامي، فإن كل سني هو أساساً سلفي، وليس هناك سني واحد لا يكون سلفياً، أي لا يأخذ بسنة السلف الصالح ولا يسعى لإحياء الخلافة. هذه المسألة غريبة وغير مألوفة بشكل خاص للإيرانيين وبشكل عام للشيعة. أحد الأسباب أن الشيعة، وخاصة الإيرانيين، تعاملوا مع هذه المسألة على مدار التاريخ بطريقة مختلفة. لكن في العالم السني لم يتعاملوا معها بطريقة مختلفة. كل سني يسعى في ذهنه لإحياء الخلافة مجدداً والعودة بها إلى نفس المجد والعظمة التي كانت عليها في زمن الفتوحات. لكن الربط بين أحمد بن حنبل وحتى قبل ذلك الخوارج إلى هذه التيارات التي تحدث مثلاً في فرنسا وفي أنحاء العالم المختلفة، ثم نريد أن نفحص كل هذا مع كل هذا الاختلاف تحت عنوان السلفية ونشرحه، فهذا في رأيي غير منطقي. كما أن إطلاقه غير صحيح.
يُقال إن أحمد بن حنبل أُحضِرت له شيء يُدعى الفالوذج فلم يأكله. سألوه: لماذا لا تأكل؟ قال: لم أرَ في الحديث أن الرسول الأكرم أكل الفالوذج. والآن قارنوه بهذا الشخص الذي قتل الناس في فرنسا. إحدى وكالات الأنباء أجرت مقابلة مع أحد جيرانه، وقال إنه كان فتى جيدا جدا وكان يذهب إلى الديسكو أيضا. أحمد حنبل هنا وهذا الشاب الجزائري ملهي الديسكو في فرنسا هناك. في رأيي أن إدراج هؤلاء تحت عنوان واحد من السلفية ليس منطقيا أبدا وغير ممكن عمليا. يحتاج إلى شرح اجتماعي واسع جدا. بالطبع، إذا كان موجودا في هذا الطرح، فمن حيث النظر الكلامي يمكن شرح هذه الأمور. ويقولون عن حالات أخرى إنها من السلفية أيضا. لدينا مثال واحد حصل عليه السيد موجاني في وزارة الخارجية، وقمت بتحليل بعض منه. كانت المعلومات تتعلق برجل يُدعى أبو سفيان السُّلَمي. الأقوال التي ذكرها كانت ضعيفة جدا ولا تُقارن نهائيا بابن تيمية. كان قد أورد عدة أحاديث، ودمجها مع عقائد شيعية وأمور مختلفة معا، وفي النهاية قال إن أمير المؤمنين هو أبو بكر البغدادي ويجب أن نتبعه ونحيي الخلافة. وكما قيل، فإن بعض الأفراد البعثيين وغير البعثيين في العراق تم دمجهم معا في التطورات السياسية. يجب الاعتراف بأن المسائل الكلامية بين هؤلاء ضعيفة جدا، أي أنها ليست كافية لكي تجعل شخصا ما مستعدا لربط炸弹 بنفسه وقتل الناس. كان يجب البحث عن أسباب أخرى لذلك، لكن هل يوجد مكان لعرض هذه المسائل في مثل هذا الطرح العلمي؟ لدي بعض التحفظ في هذا الشأن، وسأعرضه عليكم في الجزء التالي.
د. شمس: بسم الله
كنت قد نظمت كلامي بشكل أساسي على أساس هذا الطرح، لكن لما ظهرت نقاشات سياسية، سأشير إلى بعض المسائل في هذا الصدد، والحمد لله دع الموضوع الأساسي للجلسة القادمة.
أعتقد أنه في القسم الأول يجب أن نناقش قليلا مفهوم هذا المصطلح وأن يتم توضيح هذا المفهوم. لاحظت الآن أن مصطلح الأصولية وكما يقول د. الطباطبائي النقل والسنة التقطا التشابه، في حين أن هذين مختلفان. التقليدية والسنوية والأصولية كلها مختلفة، وحاليا نسميها كلها باسم السلفية. في حين أن هذين أساسا مختلفان. في رأيي يجب أن نفرق هنا بين أهل السنة والأصوليين، مع الإقرار بأن أساس كليهما يعود إلى النواة المركزية للسلفية.
الأمر الثاني الذي يجب أن نفحصه من حيث المفهوم هو مسألة السلفية الدعوية والسلفية الجهادية. محور السلفية الدعوية هو جماعة الديوبندي في الهند، وأصل السلفية الجهادية بنوع ما هو مصر. في رأيي يجب أن نميز بين السلفية الجهادية والسلفية الدعوية. المسألة التالية أريد أن أبدأها من نقاش د. الفيرحي. ما هي تلك النواة المركزية أو ذلك المركز الذي نسميه عاديا باسم السلفية؟ أشار السيد بهراميان إليه. يعود ذلك المركز الأساسي إلى تلك النظرية للعودة، وهي ما نراها في أقوال د. شريعتي وعدد من المفكرين الآخرين بأنها عودة إلى الذات. تحولت هذه نظرية العودة إلى الذات أو نظريات الإحياء في تصور مثقفينا الدينيين إلى نظريات إصلاح. هذه نظريات العودة إلى الذات أو الإحياء موضوع مهم، وفي رأيي المصدر الأساسي لدراسة أصله الأول هو جريدة حبل المتين في كلكتة وجريدة العروة الوثقى لسيد جمال. هذان المصدران مهمان يشيران إلى أن هذه النظريات تم طرحها لأول مرة هناك. فهمي واعتقادي هو أنهم شددوا على محورين. الأصالة بالإضافة إلى الهوية. أي أن الخطاب الذي أطلقنا عليه اسم السلفية يشدد على نقطتين، إحداهما الأصالة وهي العودة إلى الذات النقية والأصيلة والمصدر غير الملوث، والأخرى بناء الهوية، أي هوية واحدة مع حزب وتنظيم واحد. في الواقع جاء السلفيون فجمعوا الماضي بالمستقبل في الحاضر. أيديولوجيتهم وفكرهم وبرنامجهم قائمان على المستقبلية والماضوية معا. المستقبلية هي ذلك فرع الهوية الذي ينظر نحو المستقبل، والماضوية هي تلك الأصالة التي تريد العودة إلى الذات الأصيلة. وهذه الذات الأصيلة هي السلف الصالح. نحن تاريخيا لا نملك سلفية؛ إذا نظرتم إلى كتاب الملل والنحل للشهرستاني أو الفرق بين الفرق للبغدادي أو الكثير من الكتب التي تحمل عنوان الفرق - سواء الكلامية منها أو الفقهية - لن نجد فرقة تُسمى السلفية، لكن لدينا مصطلح السلف الصالح.
الدكتور داوري الأردكاني: ابن تيمية استخدم مصطلح السلفية للمرة الأولى.
الدكتور شمس: ابن تيمية أيضاً لم يستخدم مصطلح السلفية، وإذا دقّقتم النظر، فإن ابن تيمية يستخدم مصطلح الصالحين الذي تعود جذوره إلى حديث من النبي وآية من القرآن الكريم. يقول النبي(ص): خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.
القرن في اللغة العربية في زمن النبي لا يعني مائة سنة، بل يعني الناس الذين يجتمعون حول فكرة واحدة أو شخص واحد. يقول النبي هناك إن خير الناس هم قومي، ثم الناس الذين بعدي والناس من بعدهم، وقد تحول هذا في أدبيات الفقهاء والمحدثين إلى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
إذا نظرنا من حيث الزمن، فإن آخر تابعي التابعين هو أحمد بن حنبل. بناءً على هذا، في أدبيات السلفية يصبح العودة إلى النفس أو تلك النفس النقية والأصيلة ينتهي بها المطاف عند أحمد حنبل. بالتالي فإن النواة الفكرية المركزية التي ذكرها الدكتور فيروزي والدكتور بهراميان أيضاً بطريقة أخرى تشمل النبي والصحابة والتابعين وتابعي التابعين وصولاً إلى أحمد حنبل. كانت هذه الفكرة موجودة دائماً كقوة كامنة بين هذه التيارات، لكن السؤال هو: متى تحولت هذه القوة الكامنة إلى حركة؟ متى بدأت بالتحرك وأصبحت فعّالة؟
عندما ننظر إلى التاريخ من حيث تركيب الأمر الديني والأمر السياسي، نرى أن تفعيل هذه الفكرة نوع من ردة الفعل. أي أن التيارات السلفية سواء كانت من النوع الجهادي أو من النوع الدعوي، هي في الأساس ردود أفعال أكثر منها أفعال. اشتغلت هذه التيارات في كل فترة زمنية كرد فعل على ظاهرة معينة. فلنبدأ من أحمد حنبل ذاته. أحمد حنبل الذي كان يسمي نفسه من أهل الحديث، كان مواجهاً تاريخياً لأي عصر؟ وفي أي سياق (Context) ظهر هذا النص (Text)؟ إذا انتبهنا، نجد أنه في ذلك الوقت كان العباسيون يعملون بمنهج إيراني، وكانت الفكرة المعتزلية يترجمها الإيرانيون من اليونان، وحدث النقاش حول خلق القرآن في مقابل اعتقاد الحنابلة وأهل الحديث بقدم القرآن. في هذا الوقت تفعلت حركة أحمد بن حنبل. أي كانت رد فعل أمام فعل حدث في العالم الإسلامي وشعروا بالخطر. من وجهة نظرهم كان الخطر يهدد الأصل ويلوث المصدر الأساسي.
متى ظهر ابن تيمية وابن القيم الجوزية؟ اشتغلا في مواجهة الموجة المغولية. في ذلك الوقت دخل المغول عالم الإسلام. شعروا بالخطر من أن تلك الأصالة والهوية تختفي. بالتالي نرى ظهور ابن تيمية في ذلك الوقت. القضية لم تكن فقط مجرد قدوم المغول، بل أن قدوم المغول أدى إلى تفعيل الشيعية وكانت الحكومة المغولية في طريقها إلى أن تصبح حكومة شيعية. غازان خان وأولجايتو أصبحا شيعيين والعلّامة الحلي يتحصل على دعم أولجايتو ويتم الإقرار به من قبله. قدوم المغول فعّل العرفان أيضاً. بهذا نرى أن قدوم المغول لم يسقط الخلافة الإسلامية فحسب، بل فعّل الفكر الشيعي والعرفاني أيضاً. بالتالي نشهد ظهور ابن تيمية الذي هو مؤيد لإحياء الخلافة وفكره ذو اتجاه معاد للعرفان وذو اتجاه معاد للشيعية.
لكن موضوعنا الأساسي، ظاهرة السلفية الجهادية التي نواجهها اليوم، يبدو لي أنها رد فعل على الاستعمار. أي أن السلفية الحديثة أو المعاصرة هي رد فعل على فعل الاستعمار. قلت إن مصدر معرفة هذه السلفية الجديدة من حيث الهوية والأصالة هو حبل المتين من كلكتة والعروة الوثقى التي كانت تطبع في باريس. شعروا بالخطر منذ ذلك الوقت. عندما نرصد تحركاتهم نصل إلى أنهم كانوا ينظّرون لما يجب أن يفعلوه إزاء هذا الخطر. هذا الشعور بالخطر تحقق بسقوط الإمبراطورية العثمانية. كان لديهم استدلال لافت وكانوا يقولون إن الدولة الساسانية التي حمت الدين الزرادشتي، عندما سقطت اختفى الدين الزرادشتي معها. بالتالي يجب أن ندعم دولة الإسلام ولو كانت فاسدة ومسكرة وغيره، لأنه إذا اختفت هذه دولة الإسلام، سيختفي الإسلام معها. سقطت الخلافة العثمانية وفي مواجهة هذا السقوط ظهرت ثلاث ردود أفعال متزامنة في عالم الإسلام.
أحد التيارات هو تيار الشيخ سعيد النورسي. كان الشيخ النورسي علماً في الخلافة العثمانية وجمع حوله جماعة كبيرة. في الوقت الحاضر، فتح الله غولن أيضاً من تلاميذ الشيخ النورسي. إلا أنه خلط فكر الشيخ النورسي بالتعصب التركي. إلى جانب غولن، توجد عدة تيارات أخرى تابعة للشيخ النورسي، وتُعرف في الغالب بجماعة النور أو مدرسة النور.
في مصر، ظهر حسن البنا قائد جماعة الإخوان المسلمين. كان تشكل هذا التيار أيضاً ردة فعل على سقوط الخلافة العثمانية وحدث بعده بفترة وجيزة.
أبو الأعلى المودودي ظهر أيضاً في الهند وكتب كتاب "نظريات الإسلام السياسية والخلافة والملوكية"، وهو في رأيي مصدر مهم جداً لفهم الفكر السلفي بل وحتى الأفكار الجهادية. ظهرت هذه التيارات الثلاثة في ثلاث نقاط مختلفة من العالم الإسلامي في وقت واحد. كل هذا يدل في الواقع على أن تيارات الأصالة والهوية والسلفية بالمعنى الحديث للكلمة كانت ردود أفعال. إن أردت أن أختم، يجب أن أقول: إن منبع السلفيين المعاصرين من حيث العقيدة هو الفكر السلفي نفسه، لكن من حيث المنهج والطريقة، لا يمكننا حقاً أن نطلق كلمة "سلفي" على داعش. هؤلاء في الواقع "سلفيون جدد" (نيوسلفيون). إذا رجعنا إلى فقه النبي صلى الله عليه وسلم، نرى أن القرآن نفسه ينقسم إلى قسمين: مكي ومدني. والفقه أيضاً ينقسم إلى فقه مكي وفقه مدني. الفقه المكي، وحتى بالمعنى الأوسع القرآن المكي، هو في الغالب إصلاحي وتبليغي. لكن أحكام الجهاد نزلت في الغالب في المدينة. السلفيون القدماء يميلون أكثر إلى أحكام الجهاد والدفاع التي نزلت في المدينة. كما نقول "النيوليبرالية" أو "النيوماركسية" ونقصد بها نوعاً من إعادة النظر في اللبرالية والماركسية؛ أعتقد أننا يجب أن نطلق مصطلح "السلفية الجديدة" (نيوسلفية) على داعش لأنها أعادت النظر في الأدبيات الكلاسيكية للسلفية.
متى ظهرت القاعدة وطالبان؟ عندما ألغوا الانقلاب الثورة الجزائرية والديمقراطية الجزائرية والجبهة الإسلامية للإنقاذ التي وصلت إلى السلطة في الجزائر. كانت القاعدة أكثر نشاطاً في تلك الفترة.
متى بدأت داعش والظواهر الجديدة في النشاط؟ عندما أطاحوا بحكومة الإخوان والمرسي. في مصر، منذ عهد حسن البنا كانت هناك أحلام بأن تكون نقطة انطلاق الخلافة الإسلامية مصر. كما حدث عندما دمر المغول الخلافة العربية، جددت الخلافة في مصر. لكن مع سقوط مرسي فشلت هذه الأحلام. بدأت هذه الأزمة وهذا رد الفعل الغاضب بين أنصار الإخوان وطائفة من السلفيين خارج مصر. نقطة مهمة أخرى هي مسألة جغرافيا التيارات السلفية التي يجب أن نوليها اهتماماً. في الواقع، هذا الفكر مثل بذرة يمكنه أن ينمو أين؟ نحن لا ننتبه كثيراً إلى المناطق السلفية والبيئة المواتية لنمو السلفية. عندما ننظر إلى المذاهب الفقهية عند أهل السنة، نرى أن الاتجاهات السلفية تشبه أكثر المذهب الحنبلي والمذهب المالكي. أحمد بن حنبل كان في العراق، لكن المذهب الحنبلي لم يتمكن من النمو في العراق بل نما في الجزيرة العربية. المذهب المالكي وفيما بعد الظاهري نما في شمال أفريقيا والأندلس. في عالمنا المعاصر، أين ينمو السلفيون؟ في رأيي لا يمكننا أن ننظر فقط من منظور عقدي أو سياسي. يجب أن ننتبه إلى البيئة الاقتصادية والاجتماعية وحتى أعمق من ذلك البيئة النفسية والسيكولوجية، في أي المناطق ينمو السلفيون وفي أي المناطق تتوفر الأرضية للرد الفعل. كما قال الدكتور الطباطبائي، هذا النقاش ليس من اختصاص دائرة المعارف ويجب أن تكون مؤسسات أخرى نشطة في هذا المجال.
الدكتور يونسي: لقد نظرت إلى الطرح وأشعر أنه من الأفضل أن تُكتب مقالة شاملة بتقسيم جديد وتُنجز في ست مقالات كاملة. أحد الموضوعات هو نظريات الإحياء. ما قاله الأستاذ شمس صحيح. من الضروري إجراء بحث جديد في هذا المجال. خاصة وأن الكثير من هذه المناقشات والتطورات في آخر مائتي سنة نشأت من نظريات الإحياء هذه.
الموضوع الآخر هو السير التاريخي للتكفير الذي لم يُشر إليه كثيراً. النقطة التي ذكرها الدكتور شمس هي أن ابن تيمية في القرن السابع وبعيد جداً عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، والمدرسة الابن تيمية لم تحظَ بأي صدى في زمنه. كتب كتاباً سقط في زاوية ما، ولم يعلُ صوته إلا بعد عدة قرون.
الدكتور شمس: لماذا؟ ابن تيمية ناظر العلامة الحلي ووقع في السجن
د. يونسي: بلى، والده طرده أيضاً. إلى هذا الحد. لكنه كظاهرة في العالم الإسلامي يتعلق بالقرون الأخيرة. وكذلك التكفير في الفقه الشيعي والسني، وهو تيار مهم يجب دراسته. وكذلك التكفير في علم الكلام الشيعي والسني، وهذا بحد ذاته موضوع منفصل يمكن أن يكون مكملاً للتكفير في الفقه الشيعي والسني. وأيضاً سيرة التيارات التكفيرية اليوم، وهي تتطلب دراسة ميدانية، والأعمال التي رأيتها للدكتور فيروزي تسير في هذا الاتجاه في الأساس. كل واحدة من هذه المقالات يمكن أن تخضع لدراسة شاملة من كل جانب وأن تصبح كتاباً أيضاً.
السيد الموسوي بجنوردي: السيد كرماني، أنت كآخر متحدث في القسم الأول، وهو القسم السياسي من المسألة، إن كان لديك أي إضافة على ما قيل فتفضل.
السيد كرماني: المقالة التي كان يجب أن تُكتب، بما أن القسم المتعلق بالتيارات المعاصرة كان من مسؤوليتي، كنت أريد أن أذكر في هذا الصدد بعض التيارات وأقول كيف تكون كل واحدة منها. في دراسة التيارات السلفية المعاصرة والفاعلة، سواء في ميدان الحرب المسلحة أو في الميدان الفكري، فإنني إن لم أقل بتناقض، فقد واجهت طيفاً واسعاً من الفكر والممارسة. إذا أردنا أن نعود إلى موضوع العودة إلى الذات والإحياء، فإننا حتى في التشيع لدينا سلفية، وكثير من المثقفين الشيعة بدأوا عملهم في الأساس بالسلفية.
قال الدكتور الطباطبائي في جزء من كلماته أموراً أثارتني، بحيث شعرت بضرورة طرح هذا النقاش هنا، بالرغم من أنه حديث العهد. مؤخراً، وفي متابعة للأعمال التي كنت أقوم بها، كنت منشغلاً بجمع المصادر عندما عثرت على كتابين صغيرين، وكانا مهمين لي جداً حتى بدأت بترجمتهما. أحدهما كتاب بعنوان "الجماعة التي تسمي نفسها دولة"، أي داعش الذي يطلق على نفسه اسم الدولة الإسلامية في الشام والعراق. والآخر كتاب بعنوان "المقاتلون الأجانب في العراق وسوريا". بشكل عام، هذه الكتب لا تخدم مقالتنا، لكنني أردت قراءتها للمعلومات العامة وربما لأن لديها بعض المواد المناسبة لمقالتنا. عندما نظرت إليها، رأيت أن مؤسسات بحثية غربية معتبرة كتبت هذين الكتابين. أحدهما نشرته أكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية. في هذه الكتب نلاحظ أن الأفراد والعناصر والشخصيات الذين ينضمون من الغرب إلى هذه الجماعات، أولاً هم شباب. ثانياً، لهم أصول متنوعة. بعضهم من أصول أوروبية فعلاً، وبعض من ليسوا من أصول أوروبية قد ذهبوا إلى أوروبا في سن الطفولة وتربوا بتربية أوروبية. هناك وقت نرى فيه أن الشخص يصبح سلفياً في السعودية. يصبح سلفياً في أفغانستان، ونعرف أن هذا رد فعل على الاستعمار. يصبح سلفياً في الجزائر، وهو رد فعل على استبداد في بلده، حيث أجروا انتخابات، وعندما فازوا قالوا لهم: لن نسمح لكم بالفوز. لكن شاب غربي يذهب إلى الديسكو وفتاة ترتدي البيكيني وتذهب فتصبح سلفية، فهذا رد فعل على نتيجة أي فعل؟ أريد أن أقول مؤخراً أن هناك نمطاً من هؤلاء بهذا الشكل. النقطة الثانية والمهمة هي أن الأجهزة الاستخبارية الغربية تراقب هؤلاء وليس الأمر أنهم لا يعرفونهم. لهذا السبب عندما يقوم شخص ما، على سبيل المثال، بإثارة ضجة في العراق، نرى أن اسمه وصورته وسوابقه تُنشر فوراً. على سبيل المثال، يقولون إنه تم القبض عليه عدة مرات سابقاً بتهم مختلفة. الأجهزة الأمنية الغربية نفسها تقول إننا نراقب هؤلاء، وأن فلاناً كان ولداً جيداً يدرس في فلان جامعة والآن هو، على سبيل المثال، في فلان قطاع من جبهة داعش. كانت هذه النقطة التي أردت أن أثيرها.
السيد علي موجاني: بخصوص الدراسات الغربية التي أشار إليها الدكتور الكرماني، صدر كتاب بعنوان «الخلافة الافتراضية» في إسرائيل سنة 2012. في ذلك الوقت لا توجد داعش ولا حديث عن أبي بكر البغدادي. يقول المؤلف إنه درس منذ سنة 2007 في مواقع وشبكات إنترنت مختلفة فاكتشف أن ظاهرة جديدة تسمى الخلافة حدثت في هذه الشبكات، وأن هذه الخلافة اليوم تمتلك حتى أربع وزارات. حتى أنه وصفها وقسمها بوضوح وأرى دقة؛ يقول إنها تمتلك وزارة الحرب ووزارة الأخلاق ووزارة المالية والشؤون الإدارية ووزارة الأحكام والشرعيات. بعد ذلك يقول إنه صنف العمل وما توصل إليه هو مجموعة من الحوارات والاتصالات في المواقع التي ستظهر بنفسها في مستقبل غير بعيد.
النقطة الأخرى أنني عندما كنت أعمل على هذا الموضوع شاهدت بالصدفة تقريراً من المرحوم تقي زاده أرسله من لندن منذ 71 سنة، ونشره المرحوم إيرج أفشار في مجموعة رسائل لندن. تقرير تقي زاده قبل 71 سنة هو أن نقاش الخلافة العربية كمفهوم يكتسب تأثيراً. هذه الخلافة العربية امتداد للخلافة الأموية والعباسية والفاطمية. يشرح تقي زاده أجزاءها وكيفية تحققها يصفها بالكامل. ما العوامل الموجودة التي تعمل الخلافة على أساسها. قبل 71 سنة يقول تقي زاده إن هناك عائقين في وجه هذه الخلافة لا يسمحان برؤيتها على الأرض. يذكر أسماء مثل بنغازي ودجلة والفرات ويقول إن هذه هي جسد الخلافة. هذه هي نفس الأسماء التي نراها اليوم. بعد ذلك يقول إن العائق الأول هو أنه طالما لم تصل هذه الدول إلى استقلال نسبي فإن هذا لن يتحقق. في ذلك الوقت كان هناك نظام استعماري في شمال أفريقيا ونظام انتداب في الشرق الأوسط. كان هناك الوصاية والاستعمار فيها ونرى اليوم أن هذا العائق قد أُزيل. العائق الثاني الذي يتحدث عنه تقي زاده هو أنه يجب أن تصل إلى ثقافة واحدة، أي أن تتوفر أسباب الاتصال والتواصل بينها. هذه أسباب الاتصال قد توفرت في العقد الأخير عن طريق الإنترنت والأقمار الصناعية والشبكات الاجتماعية. إذن تم رفع العوائق أمام تشكل هذه الخلافة، وهذه الدراسة تبعدنا عن تلك النظرة التقليدية إلى السلفية والنقاش ليس كلامياً جداً.
الدكتور فيرحي: عندي مصدر أيضاً وحسن أن يعرف الأصدقاء العاملون في هذا المجال. إنه كتاب بعنوان «عالم الداعش» من تأليف رشاد الهاشمي، وقد طُبع في بيروت في 5 سبتمبر 2014. يعطي تقريراً جيداً جداً عن هيكلها وتنظيماتها وهي بطابع عالمي. لها منظمة تؤمنها والتأمين فيها ليس محلياً إطلاقاً؛ في فرنسا وشمال أوروبا وأمريكا وإندونيسيا وأستراليا وأماكن أخرى تؤمّن قواتها وعائلاتها. أعني أن من يعملون في هذا المجال يجب أن ينتبهوا لهذه الأمور أيضاً. حالياً هناك شبكة هيكلها الحكومي يضم 22 وزيراً. عندما ننظر إليها نرى أنه صحيح أنهم موجودون في الرقة والموصل، لكن الأمر ليس فقط هذا. يستخدمون الإنترنت والشبكات الاجتماعية بسهولة جداً ولديهم تدفق أموال ضخم. وإذا نظرنا إلى مصادر دخلهم، نكتشف أن لديهم هبات دينية واسعة جداً ودخلهم من هذا الطريق أكثر بكثير من دولة واحدة.
الشبكات التي صممتها كلها فوق قومية وفي الوقت نفسه لديها دولة أرضية نسبياً. يمكن للأصدقاء أن يعملوا على هذا الموضوع حول ما هي مصادر إلهام تنظيماتهم. الموضوع الآخر هو شبكتهم اللغوية. أنا أحب جداً التعبير الذي استخدمه الدكتور الطباطبائي «تجريم السياسة». شيء حدث بينهم هو تجريم الدين. الدين في الواقع يتحول إلى جريمة. إذا عملنا على شبكتهم اللغوية فربما استطعنا أن نقول أين جذر هذه القضية وأين ينشأ.
د. يونسي: بعد ظهور الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، ظهرت نظريات جديدة أيضاً. وكانت تتعلق بنشوء دول بلا أراضٍ وافتراضية وملكية جديدة. ظهرت نظرية مفادها أن بإمكان ملكيات ضخمة دولية أن تتشكل دون أن يكون لها مالك واحد، وتضم عدداً كبيراً من السكان والدول، دون أن يتمتع أعضاؤها بجنسية محددة. وبعد ذلك، بدأت الفاتيكان والكنيسة فعلياً بتشكيل هذه الدولة العالمية. أعادت الفاتيكان تنظيم نفسها وشكلت دولتها الافتراضية بوزارات واسعة وموارد مالية ضخمة في أنحاء العالم كله. في كل دولة جزء من هذه الدولة. مركز التفكير فيها في أراضي الفاتيكان الصغيرة، لكن دولتها موزعة في جميع أنحاء العالم وتابعوها ومواطنوها منتشرون في أرجاء المعمورة. وبعد ذلك فعل إسرائيل والعرب الشيء ذاته. نحن متأخرون جداً في هذا الميدان. تشكلت دول من هذا النوع، وبعد ذلك يطرح مفهوم الخلافة الإسلامية كرد فعل مؤلم ومذل. بعد أن انتزعت الخلافة من أيدي العرب ووقعت في أيدي الإيرانيين والأتراك، ظل العرب طوال التاريخ يشعرون بالحسرة على تلك الفترة، ويتذكرون بأسف ذلك العصر الذهبي، ويعتبرون كل الذل الذي حل بهم نتيجة عدم امتلاكهم للسلطة السياسية. في النظريات الحديثة حاولوا العودة إلى ذلك الماضي مجدداً. هناك نظريتان متناقضتان هنا، وهما في طريقهما إلى التقارب تدريجياً. وهي أن الإسلاميين يريدون نوعاً من الخلافة، بينما العلمانيون يريدون شيئاً آخر، وهذا كان يمنعهم فعلياً من الاقتراب من بعضهم، لكننا شهدنا في الآونة الأخيرة في العراق وأماكن أخرى أنهم اقتربوا من بعضهم، وكل طرف بات يتسامح مع الآخر نسبياً. في العالم الافتراضي تشكلت هذه الخلافة، وغالبية أتباعها من الإسلاميين. السعوديون وجميع الدول أدركوا أن هذا قد حدث فعلاً، وأن لديها قوة مالية وإعلامية وتسهيلات ضخمة. أدركوا كيف يمكن لدولة صغيرة ذات شبكة إخبارية حرة أن تؤثر على الجميع. حالياً هذه منظمة الخلافة الإسلامية تسيطر على نطاق واسع على الأنظمة الإعلامية والمعلوماتية. قد يكون مركزها في جبال أفغانستان وباكستان، لكنها فعلياً تدير الأمور، وتمارس الخلافة، لديها جهاز إعلامي واسع، وثكنات عسكرية وإمكانيات، والهدف من كل ذلك هو الاستيلاء على السعودية. الباقون في هذه الخلافة الإسلامية أحرار، وتمنح الجميع حكماً ذاتياً. بعد ذلك تركيا والدول الأخرى كل واحدة تصبح دولة تابعة للخلافة الإسلامية. يقولون إننا لا نقلق من إسرائيل لأنه عندما تتشكل هذه الدولة، ستختفي إسرائيل تلقائياً. المشكلة الأساسية هي أمريكا بنظرهم، وهي أن تعترف بقوتهم. لا يوجد حاجز يمنع الأقليات المسلمة في الدول الغربية، التي تبلغ حوالي 50 و60 مليون نسمة، من الانضمام إلى هذه الخلافة الإسلامية والعيش كمواطنين في هذا النظام ومواطنين في بلدانهم الأصلية في الوقت ذاته. إذا كان لديهم عقل للتسوية واستخدام التكتيكات السياسية، فللأسف الغرب مستعد لقبول هذه الحقيقة، وهذا خطير جداً بالنسبة لنا. التطرف والتشدد وعدم العقل هو ما أهلك تنظيم داعش، وإلا فإنهم من حيث التنظيم والجاذبية والقوة لا يملكون منافساً. الشيء الوحيد الذي ينقصهم هو إتقان تطبيق الطرق الفقهية. إذا كانوا سيتسالمون مع الدول الغربية مثلما فعل الوهابيون مع السعوديين والتأموا معهم، أو مثلما اقتربوا من تركيا، فإن احتواء هذا سيكون صعباً جداً فعلاً، وبالطبع لم يفت الأوان بعد.
د. شمس: خطر ببالي ملاحظة، وهي أن ثمة قاسماً مشتركاً بين من نسميهم قادة السلفيين من أحمد بن حنبل إلى أبي بكر البغدادي، وهو أن جميعهم قضوا فترات في السجن، وتشكل سلوكهم إلى حد كبير خلال فترات السجن.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.