في بداية هذه الجلسة، قدّم الدكتور صفري التهاني بمناسبة أعياد شعبان، وشكر إدارة ومعاونية البحوث في جامعة الزهراء (س) على تنظيم هذه الورشة، ثم عرض جزءاً من السيرة الذاتية للدكتور باكتجي، وأكد على أن هذه الورشة تكتسب أهمية بالغة بالنظر إلى إطلاق المجلات العلمية المحكّمة في الحوزة العلمية.
وفي بداية هذه الجلسة، أكد الدكتور أحمد باكتجي على أننا سنتناول في هذه الورشة مباحث عامة، وخصص عنوان الجلسة الأولى لـ"من العثور على المشكلة إلى التصميم"، وفيما يلي تفصيلها.
.
النص الكامل للورشة التخصصية حول مناهج وأصول كتابة المقالة العلمية المحكّمة
.
من العثور على المشكلة إلى التصميم
إن أهم وأبرز نقطة لانعقاد مقالة هي العثور على المشكلة. فعلى سبيل المثال، إذا أعطيت دجاجة بيضة لتفقسها، فإن لم تكن البيضة ملقحة فلن ينتج عنها شيء. من المهم جداً أن يخصص الباحث وقتاً ويبذل جهداً ويطالع المصادر، لكن كل هذا فرع عن وجود مشكلة لديه. فإذا لم تكن لدى الباحث مشكلة، فلا فائدة من ذلك، ولن تكون مقالته علمية محكّمة.
إن العثور على المشكلة هو أمر استكشافي بالكامل، ويجب على الباحث أن يجد مشكلة جديدة في عالم الدراسات. فأصالة البحث بأكمله رهن بالعثور على المشكلة. يجب تخصيص جزء من الوقت للعثور على المشكلة، أو إذا صادفنا مشكلة أثناء المطالعات، نسجلها في مكان ما ونعمل عليها لاحقاً.
بالنسبة لأولئك الذين بدأوا للتو في البحث، قد يكون العثور على المشكلة شاقاً ويستغرق وقتاً طويلاً، ولكن كلما تقدموا، سيرون تدريجياً أن المشكلات تنهال كالمطر، وسيأسف المرء باستمرار لأنه لا يستطيع معالجة جميع المشكلات.

المراحل الثلاث لإجراء البحث:
1- تلقي الموضوع ومواجهة المشكلة: يجب أن يكون البحث مشكلة الباحث نفسه. قد يطلب الباحث مشكلة من شخص آخر بنظرة تبسيطية، وهذا غير صحيح وسيواجه العمل لاحقاً بمشكلات كبيرة.
2- تنقيح الأسئلة والتصميم الأولي: أي كيف يمكننا الانتقال من المشكلة إلى الأسئلة وتصميم بحثنا.
3- تنفيذ البحث
إذا لم يسلك المرء هذا المسار، فلن يحصل على نتيجة مناسبة. فمن المستحيل أن يذهب شخص فوراً إلى المكتبة ويبدأ بجمع البطاقات البحثية دون أن تكون لديه مشكلة.

إن أكبر مشكلة نواجهها في مجال إنتاج العلم هي أننا في الفضاء المعرفي منشغلون بالآداب المعرفية. أنا أزور جامعة الزهراء لأول مرة. ولهذا السبب، كنت طوال الطريق إلى هنا أوجه الأسئلة لمرافقَيّ، وأسألهم عن الطرق ووضع هذه المؤسسة. فمن لا يعرف هذا الطريق عليه أن يسأل الآخرين باستمرار. نشعر بسعادة غامرة عندما نعرف مكاناً ما، ونأسف لحال أولئك الذين لا يعرفون هذه المدينة.
الجانب السلبي في الأمر هو أنه بمجرد أن تتجه معرفتنا ومعلوماتنا عن الطريق نحو التلقائية، نكف عن التفكير ولا ننتبه لتفاصيله الدقيقة، ولا تتاح لنا إمكانية المقارنة. عندما نقرأ رحلات المستشرقين، نجدهم قد حصلوا خلال شهر واحد على معلومات عن الإيرانيين لم ننتبه إليها كثيراً. التلقائية هي بالضبط هذه العملية.
في سياق العلوم والمعارف الأكاديمية والحوزوية، تُعدّ مسألة الأتمتة (التكرار الآلي) أكبر آفة. فطالما نتحدث عن العلم وترويجه فلا مشكلة في ذلك. وفي كثير من الحالات، يُكرر مثال واحد لألف عام؛ فمثلاً، منذ زمن السيد المرتضى والشيخ الطوسي، حين يُبحث في الأمر هل حقيقته في الوجوب أم أعم منه، يُساق فوراً مثال «إذا قال سيد العبد افعل كذا». لا عيب في هذا، وهو جيد طالما ندرّس، لكن بمجرد أن نريد إنتاج العلم تتحول هذه الأمور إلى عائق وحجاب. ينبغي للمرء أن يسأل نفسه: حتى لو كان السيد هو الله، فهل يبقى الأمر على هذا الحال؟ من الذي قرر هذه القاعدة بأن نوع الأوامر الإلهية يجري مجرى أوامر المالك والعبد؟ هذا افتراض وقد لا يكون مقبولاً. حين كنا نلتفت إلى صيغة الأمر، التفتنا أيضاً إلى هذا الجانب من القضية: هل هذا المثال صحيح؟
من المثير للاهتمام أن شخصاً لم يدرس هذه الدروس أصلاً ويتخصص في مجال آخر كعلم الاجتماع، إذا ما تعرف بشكل محدود على المباحث الأصولية، فإنه يسأل: لماذا تشبهون مكالمة الله مع المؤمنين بمكالمة المولى وعبده؟ عندما تقولون: إذا قال ربٌ لعبده هكذا...، هل لديكم في مجتمعكم نظام عبودية لتروا كيف يتحدث مع عبده؟ هذه هي بالضبط مسألة الأتمتة؛ أي أننا تعاملنا مع موضوع ما بشكل تعليمي ونكرره بصفتنا مدرّسين. طالما ندرّس قد لا تكون هناك مشكلة، لكن لا ينتج عن هذا مقالة علمية بحثية.
إذا أردنا أن نسير في هذا المسار نفسه ونكتب مقالة بناءً عليه، فأقصى ما سنقوله هو إن العالم الأصولي الفلاني يقول كذا، والفلاني يخالفه. وصاحب المعالم فعل الأمر نفسه في كتابه وهو أجمل. من هنا يتضح الفرق بين إنتاج العلم ونشره.
في فضاء نشر العلم نريد أن ننشر ما يعرفه مجتمعنا العلمي إلى عدد أكبر من الناس، أما في إنتاج العلم فنريد أن نقول كلاماً جديداً لم يُقل من قبل، وهنا بالضبط تظهر الأنماط المؤتمتة نفسها، والمثير أنه بمعالجة بسيطة ندرك أن الأنماط المؤتمتة تُظهر عيوبها، في حين أننا عندما تكون نظرتنا تعليمية لا نأخذ هذه العيوب بعين الاعتبار؛ مثلاً، هناك جملة مشهورة جداً في كتب العقائد لدى أهل السنة هي «الإيمان بالقدر خيره وشره من الله»، لا نلتفت إلى أن قائل هذه الجملة، ما الجديد الذي تحمله كلمة «خيره وشره»؟ هذه بحد ذاتها نكتة، وعادةً ما نمر عليها سريعاً.
في الصيف الماضي، كانت لي تلاوة لسورة النجم استغرقت حوالي شهراً وعشرة أيام؛ وذلك لأنني أردت أن أقرأ هذه السورة لا بذلك الفهم الذي ألفته منذ الصغر عبر قراءة تفسير مجمع البيان. أردت أن أرى هل من الممكن أن نكون قد وقعنا في الأتمتة بخصوص هذه الآيات؟
عندما يتحدث الله تعالى عن رؤية النبي (ص) لأمر ما، يقول: «أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ»، هذه السورة مكية ومخاطبوها هم المشركون. يقول القرآن: أتجادلون النبي؟ وليؤكد على هذا الأمر مرة أخرى يقول: إن النبي (ص) قد رأى ذلك الأمر مرة أخرى. أين رآه؟ يعطي عنواناً: «عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ»، ويعطي عنوان سدرة المنتهى هكذا: «عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ».
كانت المسألة بالنسبة لي أنني أحاول أن أضع نفسي مكان أبي جهل وأبي سفيان. أفترض أنني المخاطب بهذه الآيات، وأنها تنزل الآن. أقول لله: أتقنعني بأن هذه المسألة قد حدثت، وتعطيني عنواناً بأنها كانت عند سدرة المنتهى؟ أين هي سدرة المنتهى؟ أي نوع من الشرح هذا؟ أنا أصلاً لا أؤمن بالجنة ولا أعتقد بهذه الأمور، فتعطيني عنوان شجرة في الجنة؟ والأغرب من ذلك أن العبارة التالية تعطي عنوان الجنة بسدرة المنتهى؛ بينما في التفاسير يعطون عنوان سدرة المنتهى بالجنة.
هنا يتضح أنني أواجه معرفةً مؤتمتةً لا تلتفت إلى مفهوم «سدرة المنتهى» وتقودني بسرعة إلى طريق مسدود. ولهذا لا أدرك لماذا تجري هذه الحوارات؟ لقد ترسخت في ذهني معرفة من خلال قراءة التفاسير، وفهمت أنني أعرف كل هذا، فلا يصبح الأمر إشكالية بالنسبة لي.
هناك نكتة مشهورة عن طالب حوزة أراد أن يكتب حاشية على العروة. فراجعها من أولها إلى آخرها ولم يجد أي موضوع يستحق التعليق عليه. هنا يحدث الأمر نفسه.
لحل هذه الإشكالية، قرأت الآية مرة على افتراض أننا لا نملك تلك المعلومات التفصيلية. إذا تبنينا هذه النظرة، تحدث عملية إعادة البناء فوراً؛ أي بقراءة هذه الآيات عدة مرات، تأكد لي أنني يجب أن أعرف ما هي سدرة المنتهى. إذا استطعنا أن نؤدي دوراً تمثيلياً حولها، يمكننا أن نجد الدال المركزي لها. وكانت حصيلة هذا الموضوع مقالة عن «ماهية سدرة المنتهى» ستنشر في مجلة صحيفة مبين.
كانت الخطوة الأولى هي تفحص جميع كتب التفسير؛ لأن السعي وراء قول جديد لا يعني تجاهل النصوص. والخطوة التالية كانت دراسة مجموعة من المعطيات والمعتقدات العربية قبل الإسلام. وللأسف، مصادرنا الجيدة قليلة. وأخيراً، وبعد بحث كثير، تمكنت في حوالي 35 صفحة من إثبات أن سدرة المنتهى هي اسم كوكبة نجمية كان عرب ذلك الزمان يعرفونها ويفهمون ما يقوله القرآن، لكن اسمها تغير لاحقاً مما سبب الحيرة، وتفسيرها بالشجرة يعود إلى التفاسير المتأخرة. وعندما ضاع المعنى الأصلي، لجأوا إلى شرح المسألة بطريقة أخرى.
إن المسار الذي تم قطعه خلال هذه الصفحات شيء، وإيجاد صورة المسألة شيء آخر. في هذا الجزء، تم الانتباه إلى أن عبارة سدرة المنتهى لا يمكن أن تكون ذات معنى بالفهم الشائع آنذاك.
والأمثلة من هذا القبيل كثيرة؛ مثلاً، قرأنا آية «وإن يكاد» مئات المرات وفسرنا «ليزلقونك بأبصارهم» بإصابة العين. العرب يستخدمون «بصر» و«عين» للعين، لكن تعبير «بصر» يستخدم عندما تكون الرؤية مطروحة، و«عين» تشير إلى العضو. ما يتعلق بالرؤية يسمى في اللغة العربية «بصراً». والعرب يستخدمون كلمة «عين» تحديداً للحديث عن إصابة العين؛ فيقولون مثلاً: «دعاء لدفع العين».
لماذا عندما نقرأ هذه الآية، أول ما يتبادر إلى أذهاننا أن هناك من يريدون إصابة النبي (ص) بالعين؟ وبهذه الإشكالية ينغلق ذهننا ولا نقول إلا إصابة العين، ولا نلتفت أبداً إلى معنى «زلق». إذا تأملنا العبارة مرة أخرى، قد ينفتح ملف بحثي ويدرس الموضوع من جديد. حتى لو نظرت إلى سياق الآية والآيات قبلها وبعدها، فستجد أن الموضوع ليس إصابة العين؛ وهناك آلاف الإشكاليات الأخرى.
أريد أن أنقل تجاربي من خلال سرد بعض الذكريات. كنا في جلسة فقال أحدهم: نعتزم إصدار مجلة علمية محكمة ونطلب منك مقالة لها. وكان خلفه لوحة نسيج مكتوب عليها هذه الآية: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.» كان ذهني في تلك الجلسة مشغولاً بهذه الآية. بعد الجلسة قلت: لقد وجدت موضوع المقالة. والآن هذه المقالة منشورة وموضوعها «مفهوم من بعد الذكر في القرآن الكريم».
يعود الموضوع مرة أخرى إلى إزالة الأتمتة. بشكل طبيعي، لدى المفسرين حول «من بعد الذكر» قولان رئيسيان:
1- الذكر هو أم الكتاب والزبور هو القرآن؛ أي بعد ما كتبناه في أم الكتاب نكتب في هذا القرآن. بهذا الشكل، لا يجد الموضوع صلة بالكتب السابقة ويصبح مسألة بين «أم الكتاب» و«القرآن»، لكن هذا الكلام لا يستحق الذكر. شككت في أننا قد نكون مخطئين. لماذا يجب التذكير بهذا الموضوع؟ إذا كان المعنى هو أم الكتاب، فيجب أن نرى ما هي الخصائص الموجودة في هذه الآية التي جعلت «من بعد الذكر» تقال هنا فقط؟
2- الذكر يعني التوراة والزبور يعني زبور داود؛ أي في الزبور الذي نزل بعد التوراة.
النقطة المثيرة للاهتمام هي أنني كنت أعلم مسبقاً أن هذه الآية موجودة في الزبور وحالياً هذا التفسير الثاني هو الراجح، لكن هل يمكن أن يحمل الذكر معنى التوراة؟
يبرز هنا سؤالان مهمان:
1- يجب أن نرى ما الذي يقوله "من بعد الذكر"؟ كل ما في الزبور هو من بعد الذكر، وقد نزلت التوراة أولاً؛ إلا إذا كان الهدف هو المقارنة بين الزبور والتوراة وكان هناك ما يستدعي القول.
2- هل اخترع القرآن كلمة الذكر للتوراة؟ المسألة المهمة هي أن مخاطَب القرآن هم أهل الكتاب، وعليهم أن يعرفوا مصطلح الذكر ليفهموا مراد القرآن.
لذلك كان عليّ أن أسلك مسارين:
1- فحص جميع الكتب اليهودية لأرى أين استُخدمت كلمة "ذكر".
2- ما الذي في التوراة مما يمكن مقارنته بهذه العبارة من الزبور؟ كان ينبغي بطبيعة الحال فحص التوراة باللغة العبرية؛ لأن العبارات في الفارسية مترجمة ولا يمكن العثور عليها في كثير من الحالات.
كان هذا بالضبط الانتقال من المشكلة إلى السؤال. في هذا المثال، عملياً، مع تحديد استراتيجيتي في كيفية مواجهة هذه المشكلة، اتضح أنه ينبغي عليّ الإجابة عن هذين السؤالين، وإذا أجبت عنهما أستطيع أن أدّعي أنني حولت المشكلة إلى أسئلة محددة، وهذه هي الخطوة الثانية في مسار العمل البحثي.
السؤال الفضفاض لا يحل مشكلة الباحث. الباحث يكون ناجحاً عندما يحول السؤال إلى سؤالين محددين دقيقين ويسعى للإجابة عنهما؛ لأنه من اللحظة التي يصبح فيها ذهننا حسّاساً تجاه مشكلة ما إلى أن نسعى للإجابة عنها، لا بد من وجود خطوة في هذا الوسط.
الإدراك الأولي بالنسبة لي ليس سوى إحساس؛ أي أنني عندما كنت أقرأ آية "سدرة المنتهى" كنت أشعر أن لا شيء هنا يتسق مع بعضه، والآن بما أن الآية تخاطب المشركين فلا بد أن يكون لها معنى آخر. للمضي قدماً في العمل البحثي، يجب أن أدون سؤالين أو ثلاثة أسئلة محددة وأسعى للإجابة عنها؛ مثلاً، كان سؤالي الأول: ما الظاهرة السماوية التي كان يمكن أن تُطرح في ثقافة العرب الجاهلية بصفتها "سدرة"؟ فوراً، كانت خطوتي الأولى هي أنني درست 15 كتاباً حول الظواهر السماوية؛ أي أن المسار تحدد لي: أين يجب أن أبحث الآن؟ لم أعد أواجه مشكلة غير محللة. حتى أنني للتعرف على هذه المشكلة تحدثت مع علماء نبات وجمعت مجموعة من صور أشجار السدر، نُشرت إحداها لتحليل المشكلة في المقال. فحصت جميع الأبراج التي كانت تُرى في شبه الجزيرة العربية. يجب أن يكون للأبراج معنى وأن تُفحص خصائصها. هذا هو بالضبط الوصول إلى الأسئلة انطلاقاً من المشكلة.
د. صفري: هل درستم أيضاً روايات أهل البيت (ع) في هذا المجال؟
هذا العمل يتم في البداية. كل ما ورد في الروايات المأثورة عن أهل البيت (ع) وحتى أهل السنة يخضع للدراسة. يقول إديسون: أنا أعرف 999 طريقاً لا تؤدي إلى اختراع الكهرباء. لم يكن الأمر أنه ذهب إلى المختبر وفي تلك اللحظة اخترع الكهرباء. لقد سلك مئات الطرق ووصل إلى طريق مسدود.
كمثال آخر، في نفس سورة النجم هناك آية أخرى بحثت فيها ونُشرت نتيجة ذلك. قال المفسرون عن «رب الشعری» إن الشعرى اسم نجم ورد ذكره في القرآن. وكعادتي في عدم القدرة على تجاوز المسائل بسهولة، سألت نفسي: لماذا ذكر المفسرون أن هذا هو النجم الوحيد الذي ذُكر باسمه في القرآن؟ ربما لا يكون هذا اسم نجم أيضاً. لماذا على الله أن يذكر نجماً باسمه؟
الخطوة الأولى كانت الاطلاع على الروايات. عندما اطلعت على الروايات، واجهت رواية أو روايتين لم أتوقع رؤيتهما، مما غير مسار دراستي.
كانت هناك رواية عن قتادة قال فيها إن الشعرى اسم نجم. كل التفاسير الأخرى كانت تدور حول أي نجم هو الشعرى؟ لكن هذا التفسير يقول: الشعرى نجم. من باب أصول المعنى، عندما يقول مفسر مثل قتادة هذا، فهذا يعني أنه يقدم معلومة جديدة للمخاطب؛ أي أن هناك مخاطباً لا يعلم أن الشعرى اسم نجم. انفتح لي طريق جديد. إذن، كان له معنى آخر بالنسبة للمخاطب. بما أن المقال منشور، يمكنكم قراءة المزيد من التفاصيل فيه.

التفكيك بمساعدة الاطراد والانعكاس
لإيجاد المسألة، هناك تقنيات كانت موجودة أيضاً في المنطق القديم، وهي ظاهرة الاطراد والانعكاس. عندما نواجه قضايا، لنرى إن كان بإمكان مناقشة الآلية هنا، فإن أحد السبل هو فحص اطراد وانعكاس صدق القضايا.
على سبيل المثال، يقول البعض في تحليل تطور الدول الأوروبية إن تدفق ثروات المستعمرات إلى الدول الأوروبية مهد لنموها. هذا الرأي من المشهورات. إذا أردنا تحليل هذه الرواية المشهورة من حيث الآلية، يجب أن نسأل: هل هذه الجملة مطردة في جميع المصاديق؟ وهل هي صادقة من حيث الانعكاس؟ مثلاً، يجب أن نبين أنه في كل حالة وجدت فيها دول استعمارية حدث مثل هذا التطور. البرتغاليون هم أول المستعمرين، لكنهم اليوم في الاتحاد الأوروبي أكثر الدول تخلفاً بعد اليونان. هذا في حين أن البرتغال كانت لها مستعمرات كثيرة لفترة طويلة، وإحداها هي البرازيل.
هل كل بلد شهد هذا النوع من التقدم كان نتيجة للاستعمار؟ ألمانيا لم تكن أبداً دولة استعمارية؛ لذا فالنظرة العامة غير صحيحة. هذا الموضوع إما أن يكون جزءاً من العلة أو يجب أن نبحث عن علة أخرى.
مثال آخر هو مسألة الحجاب، وهي مجال جيد للعمل البحثي. هناك تصور مشهور بيننا أصبح آلية. عندما يتحدث القرآن الكريم عن «فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ»، فهذا يظهر أن مسألة إثارة الرجل يمكن أن تكون علة لبعض الأوامر. هناك عبارة أخرى في سورة النور: «ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ»، مما يظهر أن هناك علة أخرى أيضاً، وهي تمييز النساء الحرائر عن الإماء. في النظرة البحثية، يجب التحقق من أي العلل لها الأولوية؟
المشهور لدينا هو أننا نعتقد أن العلة رقم واحد هي العلة. في حين أن هذا لا يصدق لا اطراداً ولا انعكاساً. إذا كان المقصود أنه في كل حالة تحدث فيها إثارة تكون المشكلة من اللباس، نصل إلى فتوى الفاضل الهندي الذي يقول إنه إذا كان وجه رجل ما وسيماً وخشي إثارة المشاكل للآخرين، وجب عليه أن يستر نفسه؛ ومن ناحية أخرى، هل في كل الحالات التي صدرت فيها أوامر بمراعاة العلاقات بين الرجل والمرأة، كان ذلك بالضرورة بسبب طمع الرجال المرضى، أم أن هناك علة أخرى؟
هذه بداية لطرح المسألة يمكن أن تؤدي إلى أسئلة محددة. التحليل بطريقة الاطراد والانعكاس يمكن أن يؤدي إلى توضيح المسألة.
في معرض الحديث عن إشكالية البحث، أشير مجدداً إلى مثال آخر. سأشرح المثال أولاً ثم أبيّن ضمن أي مقولة يندرج. لدي اهتمام بحثي كبير بموضوع الخوارج. والسبب في ذلك هو اعتقادي بأنه كلما درسنا أكثر عنهم، قلّت انحرافاتنا. إن معرفة الخوارج تعني معرفة المخاطر، وعلينا أن نرى ما هي المخاطر التي تهدد جماعة المؤمنين؟
لهذا السبب أجريت أبحاثاً عن الخوارج لسنوات، وطرأت على ذهني في هذا الطريق إشكاليات. من بين هذه الإشكاليات أنه عندما نتحدث عن الطلائع الأولى لتيار الخوارج في العالم الإسلامي، نرى أن لدينا خوارج في الكوفة والبصرة معاً. الكوفة هي القاعدة الأساسية للخوارج، ولكن بعد مرور أربعين عاماً، يبدو وكأنه لم يكن هناك خوارج في الكوفة قط، ويُطرح الأمر وكأن البصرة كانت مركز الخوارج.
بعض إيديولوجيي الخوارج، مثل عبد الله الكواء اليشكري الذي كان يطرح على الإمام علي أسئلة عجيبة باستمرار، كان كوفياً، ولكن بعد مرور حوالي ثلاثين أو أربعين عاماً نرى أن جذور الخوارج قد اجتُثت من الكوفة. السؤال الذي يراودني هو: لماذا حدث هذا الأمر؟ لماذا لم يستمر وجودهم في الكوفة؟
قمت بنفسي، دون أن أعرف ما الذي سيحدث، بإعداد مجموعة بيانات عن رجال الخوارج، وكنت مثل دائرة الأحوال المدنية، كلما صادفت خارجياً أعددت له بطاقة تعريف، حتى وصلت إلى نقطة شعرت فيها أنه لم يعد يُضاف إليها أشخاص جدد.
بطبيعة الحال، كنت أتفاعل مع بطاقة التعريف هذه. النقطة المثيرة للدهشة كانت أن لدينا رجالاً متعددين من بعض القبائل، وفي بعض القبائل لا نرى خوارج على الإطلاق.
وكنت قد قرأت جملة في كتاب الكامل للمبرد، يذكرون فيها أن خارجياً أُخذ وأُحضر إلى الحجاج، فسأله: من أي قبيلة أنت؟ قال: كندة. فسأل الحجاج: أوَ لدينا خوارج من كندة أيضاً؟ كان مثيراً لاهتمامي لماذا تعجب الحجاج؟ كان مهماً بالنسبة لي أن أعرف لماذا لا يوجد لدينا خوارج من قريش؟ عندما كنت أضم هذه المعطيات إلى بعضها البعض، كانت تفضي إلى نتيجة واضحة، وهي أن مسألة الخوارج لم تكن مسألة عقائدية، بل كانت مسألة قبلية. على الأقل يمكن القول إن المسألة القبلية كانت الأهم لدى الخوارج. ورد في كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم أن أول مكان انطلقت منه صيحة "لا حكم إلا لله" كان من خيمة قبيلة بني مراد. إذن، فالنزاع هو نزاع قبلي.
الجزء المتعلق بالآلية التلقائية هو أن أكبر باحثينا عندما يتحدثون عن الخوارج، فإن أول ما يخطر ببالهم هو جباه الخوارج المتقشرة وعقولهم المنغلقة المتعصبة دينياً. لا أنكر أنهم كانوا كذلك، ولكن لدي نظرة مختلفة تجاه الجسم الرئيسي للخوارج.
إذن، تنظيم البيانات يمكن أن يساعد في إزالة التلقائية.
مثال آخر، يتعلق بالفترة التي كنت أعمل فيها على موضوع أبي حنيفة. عندما ننظر إلى المصادر، نرى أنه من المشهور عنه أنه لم يكن يولي أهمية للحديث. يجيب أبو حنيفة على سؤال، فيقول له السائل إن في حديث رسول الله (ص) ما يخالف ذلك، فيقول: «دعنا من حديث رسول الله (ص)» أي اترك حديث رسول الله. هل يُعقل أن يسمح شخص لنفسه بمثل هذا الكلام في القرن الثاني؟ حتى في عصرنا الحالي لا يقول أحد مثل هذا الكلام.
كان السؤال بالنسبة لي هو أن شخصاً لديه هذا التشاؤم تجاه الحديث، لا بد أن يظهر موقفه هذا في مكان ما. لهذا الغرض، جعلت ثلاثة كتب هي: اختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطحاوي، والإشراف لابن المنذر النيسابوري، والخلاف للشيخ الطوسي، معياراً للتقييم، وقمت بترميز جميع الفتاوى؛ على أساس أن أستخرج مع من يخالف أبو حنيفة ومع من يتفق في كل مسألة على حدة؟ كان توقعنا أن يكون أبو حنيفة وأهل الرأي في مجموعة، وعلماء أهل الحديث في مجموعة أخرى؛ بينما كان العكس هو الصحيح.
أبو حنيفة وعلماء الكوفة الآخرون في مجموعة واحدة، وأشخاص مثل مالك بن أنس الحداثي المدني وربيعة الرأي العقلاني المدني في مجموعة أخرى؛ وهكذا اتضح لي أن النزاع كان نزاع مدنٍ أكثر منه نزاع رأي وحديث. لو كان أبو حنيفة مخالفاً للحديث لتوقعنا أن تخالف فتاواه أهل الحديث في ثمانين بالمئة من الحالات؛ بينما كانت فتاواه تتشابه إلى حد كبير مع فتاوى أهل الحديث في الكوفة.
كل هذه أمثلة على كيف يمكننا استخدام تنظيم البيانات للتغلب على الآلية؟
.
.
في بداية الجلسة، قدمت الدكتورة سيدة سعيدة غروي، معاونة البحوث المحترمة في جامعة الزهراء (س)، تقريراً موجزاً عن أنشطة هذه المعاونية، وبعد ذلك، أجاب الدكتور باكتجي قبل بدء النقاش على سؤال وأشار إلى نقطة مهمة.
يُقدم تفصيل هذه الجلسة فيما يلي:
سأل أحد الحضور: إذا لم يكن لدى شخص ما مهارة إيجاد المشكلة، فهل ينبغي له أن ينصرف عن الانخراط في العمل البحثي؟
لم نتحدث عن الشخص، بل كان تركيزنا على العمل. كان النقاش يدور حول أن البحث دون مشكلة لا يصل إلى نتيجة، ولكن من الممكن أن يعمل الأفراد بشكل جماعي، حيث يتقن كل منهم جزءاً، ويمكنه إنجاز العمل. أنصح فقط بأن الشخص الذي يجد الفكرة والمشكلة يجب أن يكون حاضراً شخصياً في سيرورة العمل. أن يأخذوا ملاحظات من أستاذ ويجعلوا المشكلة أساساً ويعملوا عليها، فهذا لا يُنجز العمل؛ لأنه هو صاحب المشكلة، ولا يمكن نقل الموضوع إلى آخر بمجرد سطرين.
النقطة المهمة التي ينبغي قولها بخصوص الآلية هي أن الآلية طبقة فوق طبقة. قد نتجاوز طبقة ونتوقف عند طبقة أخرى. مثال مثير للاهتمام في تاريخ الفكر هو فكرة المفكر الفرنسي لوي ألتوسير. يقول إن ماركس انتبه إلى أن الرأسمالية فرضت فكرة على العالم كله مفادها أن صاحب رأس المال هو الذي يجب أن يحصل على أكبر قدر من الربح، وأن العامل يجب أن يتلقى أجراً يتصور صاحب رأس المال أنه حقه، لكن ماركس قرر أن يخلخل القاعدة وأن يوعي العامل بحقوقه.
يقول ألتوسير إن ماركس انتبه إلى نصف القضية ولم ينتبه إلى النصف الآخر. كان أحد الفخاخ هو استغلال العامل من قبل الرأسمالي، وقد استطاع ماركس تجاوزه، لكن ماركس لم ينتبه إلى فخ آخر، وهو: من الذي يقول إن عمل العامل سلعة؟ هذا ما يقوله الرأسمالي، وقد قبله ماركس أيضاً، واكتفى بمناقشة أن يكون بالسعر لا بأقل من السعر. لقد وقع في فضاء الآلية وعمل ضمن ذلك الفضاء نفسه.
الأمر نفسه يحدث بخصوص الدراسات النسوية. كان هناك اعتقاد سائد لقرون بأن النساء لا ينبغي لهن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، وحُددت لهن مهام محدودة، غالباً في المنزل. لقد وصلوا الآن إلى مرحلة التساؤل: من قال هذا الكلام؟ أي أنهم يريدون الخروج من مرحلة الآلية، ولكن طبقة أخرى لا تزال موجودة.
كان مثيراً لاهتمامي أن في عدة مؤسسات تركز على النساء، هناك تركيز خاص على قضية الأسرة، أي أن الحالة تبدو وكأن هؤلاء النساء هن من يجب أن يحملن عبء الأسرة على أكتافهن. ولهذا، بمجرد أن تُدرس قضية الأسرة، يتبادر إلى الذهن تلقائياً مفهوم الأنوثة. غالبية الباحثين العاملين في مجال الأسرة هم من النساء. هذه أيضاً طبقة أخرى من الآلية. برأيي، بقدر ما ينبغي للنساء الاهتمام بالأسرة، ينبغي للرجال أيضاً الاهتمام بها. أقترح أن تفتحوا الباب أمام الرجال أيضاً للمشاركة في الدراسات الأسرية. قضية الأسرة تصل إلى غايتها المنشودة حين يشارك الرجال أيضاً.
سؤال: لقد عمل الرجال في مجال المرأة والأسرة بقدر كافٍ، وهناك فراغ تشعر به النساء للعمل في هذا المجال.
إذا كان الأمر كذلك، فليس لدي أي اعتراض، لكن اعتراضي على السادة هو أن يعملوا في مجال الأسرة أيضاً.
ثم انتقل الدكتور باكتجي في سياق الورشة إلى معايير المقالة.
جِدَّة الموضوع
في المقالة البحثية، يجب أن يكون الموضوع جديداً، ومعنى ذلك أنه يؤدي بالضرورة إلى معرفة جديدة، وإلا فإن ذلك العمل لا يُعتبر أثراً بحثياً. لقد طرحت هذا الموضوع عشرات المرات في محافل مختلفة، وكان ثمة إشكال مشترك. يعتقد البعض أنه يمكننا كتابة مقالة لا تحتوي على معرفة جديدة، لكن فيها مطالب مفيدة يحتاجها المجتمع.
علينا أن نوضح لأنفسنا أمرين: ما هو المفيد وما هو البحث، وهذان الأمران مختلفان تماماً.
يقول القرآن الكريم: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ»، هناك الكثير من الموضوعات التي يجب تذكير الناس بها مراراً، وحديث الواعظ عن ذكر الموت وتصويره الجنة والنار للناس أمر لازم وضروري جداً، لكنه ليس بحثاً. حتى إن بعض الأشخاص قد يكونون معلمين ناجحين جداً ويكتبون حواشي ممتازة للكتب العلمية، لكن هذا تعليم، والبحث شيء آخر. رجائي هو أن نفصل بين كون الشيء مفيداً وكونه بحثياً. الجِدَّة جزء من ماهية العمل البحثي.
الدكتور صفري: ألا يمكن أن يكون التبيين الدقيق بحثاً؟
التبيين والوصف بمعنى أن يسلط الضوء على أبعاد جديدة للمسألة، أو يقدم صورة كلية كنا ننظر إليها سابقاً بنظرة تجزيئية، أو يقدم لنا تصنيفاً نمطياً يتيح لنا امتلاك نظام للتصنيف، هو عمل بحثي. أما فتح الموضوع وشرحه فليس عملاً بحثياً.
سؤال: لمن تكون هذه المعرفة الجديدة؟ قد تكون معلومة لدى فئة خاصة، أو أن شخصاً ما توصل إلى معرفة لكنه لم يقدمها.
المعرفة الجديدة هي لعالم العلم، وليست لطالب واحد. علاوة على ذلك، في مجال منهجية البحث، لا نعرف علماً يكون في بطون الرجال ولم يُعرض، لأن هذه النظرة التقليدية القائلة بأن إنساناً يشعر أن صدره مليء بالعلم ولم تسنح له فرصة نقله إلى الآخرين، غير موجودة في عالم اليوم.
في اللحظة التي يمسك فيها الباحث بالقلم ويبحث، فهو كغيره لا يعلم، وعندما يتوصل إلى نتيجة يكون الوحيد الذي يعلم، وعندما ينشر تقريره يتيح للآخرين أن يعلموا.
الدكتور صفري: هل يمكن للمعرفة الجديدة أن تستغني عن خلفية البحث؟
خلفية البحث هي دائماً جزء لا يتجزأ من العمل البحثي. أساساً، أن يأتي شخص ويقدم مطالب في حقل من حقول المعرفة وتكون جديدة لدرجة أنها تفتقر إلى أي خلفية، فهذا ليس ما يتعطش له المجتمع العلمي. الرغبة هي أن يأتي شخص ويدفع العلم خطوة إلى الأمام.
الدخول في شيء يفتقر إلى خلفية أمر محفوف بالمخاطر، وليس هناك ضمان بأن يسير البحث في هذا الوضع على الطريق الصحيح. ولهذا السبب، عندما يطرح شخص ما بحثاً، يُسأل عن الإطار النظري، وعن خلفية البحث، وعن المسألة غير المحلولة.
الخصائص العامة للموضوع
وضوح الموضوع
في بيان المسألة، من المهم أن يكون الموضوع واضحاً؛ مثلاً، قارنوا بين فضاء التبليغ وفضاء البحث، ولنتعود أن نتصرف في الفضاء التبليغي بأسلوب تبليغي، وفي الفضاء البحثي بأسلوب بحثي.
عندما يتحدث شخص في محفل ما بقصد التبليغ الديني عن الآخرة، فهو حريص جداً على ألا يدخل في مجالات مثيرة للشبهات، ولو فعل لقال الجميع إن هذا الشخص غير متمرس. ولهذا السبب تحديداً، فإن استخدام العبارات المبهمة وذات الوجهين والدبلوماسية مفيد في فضاء التبليغ والتدريس؛ أي أنه يعبر عن المسألة بطريقة لا يقع معها المخاطَب في الشبهات، وإن حدث ذلك نجد له جواباً.
على سبيل المثال؛ من المسلّمات في دين الإسلام أن السيد المسيح لم يُصلب، ولكن كونه حياً أو متوفياً ليس من مسلّمات الدين، وكلا القولين موجود بين علماء الإسلام وفي الروايات. لنفترض أن شخصاً بصدد شرح موقف الإسلام يطرح المسألة قائلاً إن الإسلام يعتقد أنه صُلب، لكنه لا يتطرق لمسألة كونه حياً. لقرون متطاولة تحدث الناس حول هذا الأمر ولم يؤكدوا على ذلك الجزء غير المسلّم به. في مقام التبليغ والتعليم، المتحدث هو من يقرر أين يستخدم العبارات الواضحة وأين يستخدم العبارات المبهمة، لكن عالم البحث ليس عالم الكلام المزدوج؛ لأن المخاطب خاص وليس مخاطباً عاماً نقلق من إلقاء الشبهة في ذهنه. النظرة البحثية هي فتح لمسارات المعرفة، لذا فإن طرح المسائل بشكل مبهم في البحث يُعتبر عيباً وليس مهارة على الإطلاق. لذا، من العنوان وحتى كل جملة من جمل المقالة يجب أن تكون في غاية الوضوح.
محدودية الموضوع
هذه المسألة تمثل تحدياً نواجهه دائماً. أحياناً يرغب طالب في كتابة أطروحة يحل فيها جميع مشكلات المسلمين. كما أن مقالة علمية بحثية في 20 صفحة لا يمكنها أن تحل نطاقاً واسعاً من المسائل. إذا قام شخص في مثل هذه الأعمال ببسط المائدة، فعليه أن يكون قادراً على جمعها، ولا يمكنه طرح المسألة ثم ترك الباقي وإرجائه إلى وقت آخر. إذن، يجب أن يكون الموضوع بهذا القدر.
إذا رأينا عند التصميم أن الموضوع واسع، فلديكم إمكانية تقليص الموضوع.
قابلية الموضوع للتفصيل (من أجل التحليل واستخراج المباحث الجزئية)
الكثير من المطالب موجودة في أذهاننا بشكل إجمالي. إذا استطعنا إخراج هذا المفهوم الإجمالي على الورق وتفصيله، تنتج عنه مقالة بحثية، وإذا لم نستطع فلا إمكانية للحركة لدينا؛ لأنه تماماً مثل شجرة تبدأ من الجذر ثم تتفرع، إذا كانت لديكم فكرة في الذهن فيجب أن تكونوا قادرين على تفريعها لتخرج في قالب مقالة.
حيادية الموضوع
كلنا كبشر لدينا ميول، ومن الطبيعي أننا عندما ندرس لا نستطيع أن نتحول إلى إنسان آخر ونطرح جميع التعلقات جانباً. لكن هذا لا يصبح دليلاً على أن نُعمل جميع تعلقاتنا في البحث.
من الطبيعي أن يكون لدى الرجل ميل ليجعل الرجل محوراً لدراسته؛ كما أن النساء لديهن هذا الشعور تجاه أنفسهن، لكن قد تعمل سيدة على موضوع ما ولا تُدخل جنسها فيه. قد يقوم إيراني بعمل يستلزم ذكر مناقب لقوم العرب. قومية الباحث يجب ألا تؤثر في كتابة المقالة.
من المهم جداً أن يسيطر الباحث على نفسه ويديرها. أسوأ الحالات هي عندما يتم إصدار حكم في عنوان المقالة. للأسف هذا العرف لم يترسخ بيننا، لكن على الذين ينشرون مقالات في الدوريات الأجنبية بشكل خاص الانتباه إلى أن العنوان اللاذع قد يتسبب في ألا يقرأ أحد مقالتنا.
الدكتور صفري: كيف هو استخدام الألقاب التبجيلية للمعصومين (ع) التي تحمل دلالة معنوية خاصة؟
المخاطبون ليسوا كمخاطبي ما قبل خمسين عاماً ممن لا يعرفون الشيعة؛ لذلك لا إشكال في استخدام هذه الألقاب. قصدي من طرح هذا الموضوع هو الحكم المسبق، وإلا فإن مراعاة الاحترام أمر لازم.
جامعية الموضوع ومانعيته
في تصميم عملنا، يجب أن نأخذ النسب بنظر الاعتبار بشكل جامع ومانع؛ مثلاً، العنوان، والملخص، والمقدمة، والمتن، والخاتمة للمقالة يجب أن تكون متوافقة من حيث الجامعية والمانعية. بتعبير آخر يجب القول إنه لا ينبغي أن نذكر في الملخص أو المقدمة أو المتن أو الخاتمة شيئاً لم نتطرق له في المقالة. الأجزاء المختلفة للمقالة يجب أن تكون متسقة مع بعضها من حيث المحتوى. يجب أن يكون واضحاً ما هي الموضوعات التي تمت معالجتها وما هي الموضوعات الخارجة؟ في استمارات تقييم المقالة هناك جزء يجب على المقيم أن يجيب فيه: إلى أي مدى تحتوي المقالة على مطالب خارجة عن الموضوع؟ أو إلى أي مدى تتمتع هذه المقالة بالجامعية إزاء الادعاء الذي تطرحه؟
أحيانًا نظن أن بعض الموضوعات تتمتع بالشمولية بناءً على ارتكازاتنا الذهنية، لكن لا ينبغي أن نُدخل ارتكازاتنا الذهنية؛ فمثلاً يختار شخص موضوع «دراسة مرضية لتعليم قراءة القرآن في المدارس الابتدائية». وجود هذه المقالة في إيران هو ارتكاز ذهني لنا، لكنها لو تُرجمت في مكان آخر فلن يكون ذلك واضحًا. قد يكون الموضوع قد دُرِس في مدينة معينة، فيجب ذكره في عنوان المقالة. أو قد يكون موضوعًا فقهيًا ولا يُشار إلى أي مذهب ينتمي؟ الأمر واضح بالنسبة لنا أنه المذهب الاثنا عشري، لكنه ليس واضحًا للقارئ.
د. صفري: سأل البعض إن كان هناك فرق بين المقالات البحثية ومقالات isi ؟
سأخصص إحدى جلسات بعد الظهر لهذا النوع من المقالات تحديدًا. لا يوجد أي فرق من حيث أسس منهج البحث. الفرق الوحيد الموجود هو أن هناك تشددات قد لا تكون موجودة داخل البلاد. هناك نقطة أخرى لا تتعلق بالجانب العلمي وسأذكرها في الجلسة القادمة.
عدة أسئلة حول الموضوع
هناك أربعة أسئلة أساسية، حتى لو كنا محكمين، يجب أن نطرحها على تلك المقالة:
1- هل للموضوع قيمة وأولوية للبحث؟
لا نتوقع من باحث متوسط وعادي، لو اجتهد كثيرًا وامتلك القدرة على العمل، أن يكتب أكثر من ثلاث مقالات علمية بحثية في السنة. لنفترض أن هذا الشخص عاش سبعين عامًا، وأن ذروة عمله كانت بضع سنوات. في أفضل الأحوال يمكنه كتابة 60 مقالة علمية بحثية. هذا لا يحدث عادة، وهناك الكثير من المشكلات في الحياة تسبب توقف العمل؛ لذلك، في أي عمل نريد القيام به، يجب أن ننتبه: هل الموضوع يمثل أولوية للبحث؟
يمكن أن ترتبط هذه الأولوية بتخطيط الباحث؛ كأن يقول مثلاً: أريد أن أعمل على تاريخ علم الكلام الشيعي في القرون الثلاثة الأولى خلال العشرين عامًا القادمة. لو نظرتم إلى قائمة مقالاتي أنا شخصيًا، قد تظنون للوهلة الأولى أنني عملت بشكل متفرق في كل المجالات، لكن برنامجي على مدى سنوات طويلة كان تحديد مناهج البحث وتطبيقها في مجال الدراسات الإسلامية، وسد الثغرات باستمرار كلعبة الأحجية.
2- هل يمتلك هذا الموضوع قابلية البحث؟
في بعض الحالات، لا تسمح لنا الإمكانيات بالبحث. طرحت نقاشًا في أحد الصفوف وقلت إنه يُستفاد من بعض الآيات والروايات أنه في عصر ظهور الإسلام، بالإضافة إلى اليهود والنصارى، كانت تعيش جماعة من الزرادشتيين في مكة والمدينة، لكن العمل حتى الآن تركز أكثر على اليهود والنصارى.
بعد يومين، طلب أحد الطلاب أن يجعل من هذا الموضوع أطروحته. قلت له: إذا أردت الذهاب إلى المصادر التي تقدم تقارير، فبحسب معلوماتي، لم يتطرق إليه إلا شخص واحد بشكل عابر، وهو الشهرستاني في الملل والنحل. إذن، من ناحية التقارير، نحن خاليو الوفاض؛ لذلك نلجأ إلى المنهج. يلزم أن يقوم شخص بتحليل الخطاب، وهذا المنهج لا يزال بحاجة إلى عمل. بهذا القدر القليل من المصادر وغياب المنهج، لو انخرط شخص في البحث، فلن يستطيع فعل شيء. إذن، المسألة ليست فقط أن الموضوع قد جذبنا، بل يجب أن نرى: هل هذا العمل قابل للتنفيذ أصلاً؟
قد تحتاج بعض الأبحاث إلى وقت وسياق؛ مثلاً، قد يمكن إنجازها بعد عشرين عامًا. اليوم، بفضل الإمكانيات البرمجية، يمكن إجراء الكثير من الأبحاث التي لم تكن ممكنة قبل بضع سنوات.
3- هل يمتلك الباحث القدرة على تناول الموضوع؟
قد يتطلب بحث معين لغة معينة لا نتقنها. كتب شخص رسالة حول جانب من تاريخ الإسلام في الأندلس كنت محكمًا لها. كان أحد نقدي لها أنني قدمت قائمة بالمصادر التي كتبت هذه المطالب لكنكم لم تلتفتوا إليها. أجاب قائلاً إنه لا يعرف الإسبانية.
بالضبط، يجب على الباحث أن يأخذ قدراته بعين الاعتبار. وكذلك الأبحاث الأخرى التي تحتاج إلى معرفة بعض الفنون والعلوم الخاصة.
كنت أتمنى كثيراً لو تمكنت من كتابة مقالة أراجع فيها الترجمة اليابانية للقرآن التي قام بها إيزوتسو. وبما أنه متخصص في علم الدلالة، فمن المهم بالنسبة لي أن أعرف مدى تأثير علم الدلالة لديه في ترجمته للقرآن، لكنني لا أعرف اليابانية. ومنذ البداية كان أمري واضحاً ولم أتطرق لهذا البحث.
4- هل الباحث مهتم بالموضوع؟
البحث عمل شاق ومضنٍ، ومن المهم أن يكون الباحث مهتماً، فالبحث الذي يُجرى بتكليف وبإكراه لا يجدي نفعاً.
في هذا القسم، أشير إلى النقطة الأخيرة من القدرة العلمية للباحث، وهي محدودية التخصصات المعنية التي تحتاج إلى توضيح. في هذا العصر، هناك ما يشبه "الحمى" تُدعى الدراسات البينية. وسبب تسميتي لها بـ"الحمى" هو أنني شخصياً مهتم بها، لكنها تتحول أحياناً إلى آفة وتُطرح بطريقة لا تفي بالموضوع حقه.
من ينخرط في دراسة بينية يجب أن يمتلك معلومات كافية في كلا التخصصين؛ مثلاً، شخص يريد إجراء بحث في مجال علم النفس والقرآن. يعرف القرآن ولا يعرف علم النفس، في حين ينبغي أن يعرف من علم النفس بالقدر الكافي. وهناك طريق آخر يتمثل في إجراء البحث بشكل جماعي. العالم هو عالم التعاون.
على أية حال، الانخراط في الدراسات البينية دون معرفة كافية هو إهانة للبحث ومدمر للغاية.
دكتور صفري: من فضلكم، اشرحوا المزيد عن الدراسات البينية.
البينية هي ترجمة لـ (Interdisciplinary). تُستخدم البينية بمعنيين عام وخاص. البينية بالمعنى العام هي حيث يتشارك تخصصان أو أكثر. لكن هذا القسم له أنواعه، وأبسطها هو متعدد التخصصات أو multidisciplinary؛ مثلاً، أن تصادف مجالاً دراسياً بعنوان دراسات المرأة وهو متعدد التخصصات. ينظر أشخاص إلى المرأة من منظور علم النفس، أو علم الاجتماع، أو الفقه، أو جانب آخر، ولا تُبذل محاولة لجعلها كلها ذات اتجاه واحد، بل يُراد النظر إليها من زوايا رؤية أخرى. ومثال آخر هو الدراسات الصحية التي تُدرس من منظورات مختلفة.
هناك مجال آخر يُسمى في الفارسية عبر التخصصات، ومعناه أن شيئاً من علم ما يدخل إلى علم آخر وليس العكس؛ أي أنه ذو مسار واحد. على سبيل المثال، العمل الذي قام به السيد إيزوتسو في علم الدلالة، حيث ذهب إلى علم الدلالة وطبق نماذجه في القرآن.
البينية بالمعنى الخاص، أي بالمعنى العلمي الدقيق، هي حيث يتصل علم أو أكثر ببعضهم البعض ويولد منهم علم جديد لم يكن موجوداً من قبل بشكل منفصل. على سبيل المثال، العلوم المعرفية التي دخلت في حوار من معارف مختلفة مثل اللسانيات، والفلسفة، والحاسوب، وعلم الأعصاب، وخرج منها هذا العلم. هذا العلم يشبه إلى حد كبير ابن الإنسان الذي يحمل شَبهاً من العائلتين. هذه الحالة نادرة الحدوث جداً وتتطلب شروطاً صعبة للغاية.
سؤال: هل تختلف المشكلة عن الموضوع؟
تُكتشف المشكلة في بداية البحث، وعندما نصل إلى مرحلة التصميم يُطرح الموضوع. الموضوع له جانب إيجابي والمشكلة لها جانب تساؤلي. كما أن وضوح الموضوع أكبر، أي أننا ننتقل من المشكلة المبهمة ذات الجانب الحسي إلى الموضوع ذي الجانب المفهومي؛ أي أننا نستخدم بالضبط المفاهيم المحددة في العلم، لكننا عندما نجد المشكلة لا نكون منخرطين في هذه المفاهيم المحددة. حين نكون منهمكين في إيجاد المشكلة نفكر مع أنفسنا، لكن عندما نصل إلى مرحلة التصميم يكون لدينا مخاطب ويجب أن يكون البحث قابلاً للفهم.
سؤال: يقول الأساتذة إن عنوان المقالة أو الأطروحة يجب أن يكون قائماً على المشكلة وليس على الموضوع. ما الفرق بينهما؟
تعود هذه المسألة إلى أننا في الفارسية نستخدم كلمة «موضوع» بمعنيين. أحدهما بمعنى subject والآخر بمعنى topic. حينما يُقال إن المقالة ينبغي ألا تكون متمركزة حول الموضوع، فالمقصود هو الموضوع بمعنى subject. أما هذا الموضوع الذي نتحدث عنه الآن فهو topic؛ أي أن كل عمل يجب أن يكون له عنوان رئيسي، ولا شك في أن هذا العنوان الرئيسي ينبغي أن يكون متمركزاً حول الإشكالية. هذا اشتراك لفظي وقع في الفارسية.
في التصميم الأولي يجب أن أعرف حتماً إلى أين أنا ذاهب؟ وأين هو الطريق المسلوك؟ وما مقدار الطريق غير المسلوك لديّ؟ يجب حتماً أن نكتب هذه الأمور. أحياناً يراجعني الطلاب شفهياً ويقولون إنهم يريدون العمل على موضوع كذا. أقول لهم إنني غير قادر على التواصل مع أي موضوع بشكل شفهي، لكن إذا كتبتموه على الورق أستطيع التواصل معه. النقطة المهمة هنا بالضبط هي أن الأشخاص حينما يتحدثون عن الموضوع فإنهم لا ينقلون سوى إحساسهم. ونحن لا نتحدث هنا عن موضوع عاطفي. الشخص الناجح هو من ينجح في كتابة صفحة واحدة حوله.
نحن الآن نتحدث بالضبط عن تلك الصفحة الواحدة التي ينبغي على المرء كتابتها لنفسه كمخطط. في الماضي كنا نكتب المخطط ونضعه أمامنا ونهتم به باستمرار كالخريطة. الآن يمكن القيام بهذا العمل بالحاسوب، لكنني حتى الآن أفضل أسلوب الكتابة. حينما نقول إن جميع أجزاء المقالة يجب أن تكون جامعة مانعة، فإنه لا يمكن التحكم بذلك إلا إذا كانت لديّ خطة.
الثقة بالذهن في مثل هذه الحالة ليست صحيحة. انتبهوا إلى أن الباحث لا يعوّل أبداً على ذاكرته؛ لأن ذاكرتنا شديدة التقلب والسيولة؛ أي أنني حين أعمل أغير آرائي ووجهات نظري، وإذا لم تكن لدي خطة فإن مخططي يتحول إلى مخطط عجيني، ولا يُعرف أي جزء من مقالتي كتبته بناءً على أي مخطط؟ ولهذا السبب فإن مثل هؤلاء الأشخاص الذين لا يعملون بناءً على برنامج مكتوب، تكون بداية مقالتهم شيئاً ونهايتها شيئاً آخر.
ولهذا السبب بالضبط يجب أن تكون هناك خطة مكتوبة. والآن، إذا توصلت أثناء العمل إلى نتيجة مفادها أنني بحاجة إلى التصحيح، فيجب أن أصحح بشكل منهجي؛ أي أن أصحح في المخطط وأراجع جميع أجزاء مقالتي مرة أخرى.
مصادر اختيار الموضوع
متابعة البحوث السابقة
المسألة المهمة هي أن لدينا خلفية بحثية، والباحث لا يبدأ عمله من الصفر. إنه جزء من عالم العلم ويخطو خطوة في العلم. من الواضح أين يقع مجال عملي؟
المماثلة مع البحوث السابقة
في بعض الحالات، قد لا يكون هناك بحث في مجال ما، ولكن يوجد بحث مماثل له في مجال آخر. على سبيل المثال، إذا أردت البحث في إحالات القرآن الكريم إلى الإنجيل، ولم يتم عمل مهم في هذا المجال، ولكن تم عمل مماثل حول التوراة، فسأدرس ذلك العمل، وإذا رأيت أنه يتمتع بمعيار علمي معين، فسأستخدم نموذجه.
التوسع التطبيقي للنظريات
كثيرًا ما يقدّم أشخاص نظريةً ما، ويمكن تطبيق هذه النظرية في مئات الحالات. قد نختار نظريةً ونطبّقها في موضوعنا الخاص. على سبيل المثال، لدى العلامة الطباطبائي نظرية الاعتباريات التي عرضها في كتابَيْ «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» وشرحها بشكل أكثر توسّعًا في رسالة «في الاعتباريات». الآن، يريد شخص ما تطبيق هذه النظرية على حالة خاصة مثل المرأة، ويكون عنوان مقالته: مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي بالاعتماد على نظرية الاعتباريات؛ أي أنّه يريد تطبيق نظرية الاعتباريات والنظر من خلال نافذتها إلى العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع ومكانة المرأة في المجتمع الإسلامي. هنا أستخدم تصميم النظرية نفسها؛ فمثلاً، من المباحث التي يطرحها العلامة الطباطبائي أنّ الاعتبارات الإنسانية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالحاجة. فتغيّر الحاجات يؤدّي إلى تغيّر الاعتبارات؛ لذا يمكنني أن أخصّص جزءًا من مقالتي لكيفية تغيّر التعريف المطروح حول مكانة المرأة مع تغيّر الحاجات الاجتماعية في العصر الحديث. ولتبيين مقالتي، يجب أن أشرح الأجزاء المختلفة لهذه النظرية وأطبّقها على موضوعي.
الاختبار التطبيقي للمناهج
لدينا عالم يُدعى عالم المناهج، وأنا شخصيًا، بحكم اهتمامي، منخرط فيه كثيرًا. هناك مئات بل آلاف مناهج البحث المختلفة في العلوم الإنسانية، فمثلاً لدينا مجال منهجي يُدعى تحليل الخطاب، ومن بينها منهج تحليل الخطاب النقدي لفيركلاف. يريد شخص ما تطبيق هذا المنهج المعيّن بشكل تطبيقي في موضع ما؛ كأن يفحص خطبة قصيرة من نهج البلاغة بناءً على نموذج تحليل الخطاب النقدي لفيركلاف. يسير هذا البحث وفقًا لمنهج تحليل الخطاب نفسه وخطواته.
د. صفري: هل يمكن استخدام أي منهج في أي مكان؟
بالتأكيد ليس الأمر كذلك؛ لذا يجب أن يكون تعاملنا مع هذه المناهج انتقائيًا ونقديًا. علينا أن نرى مدى تناسب هذا المنهج مع تلك الحالة. ولهذا السبب، من الضروري أن تكون لدينا معلومات كافية عن تلك المناهج، وأن نعرف منشأها، وندرك مدى فعاليتها في عملنا. إذن، نحن نؤمن بالتفصيل، ولا نرى أن استخدام أي منهج مناسب، كما أن غلق الطريق أمام استخدام المناهج ليس صحيحًا أيضًا.
اكتشاف المشكلة بالتفكير الإبداعي
هذا هو الجزء الأصعب. كل ما ذكرته قد يضعكم في إطار معين. في بعض الأحيان، قد يجد شخص ما مشكلةً بالتفكير الإبداعي، ويستنبط الخطة من الموضوع نفسه بإبداع، ويكون العمل جيدًا لكنه يستغرق وقتًا طويلاً جدًا. يُتوقّع من الطلاب ومن هم في بداية البحث أن يتّبعوا الحالات السابقة، ويُتوقّع ممّن هم أكثر تقدمًا أن يستخدموا التفكير الإبداعي.
وقد اخترت عنوان التفكير الإبداعي عن قصد. ففي أيامنا هذه، تُعقد دورات لزيادة المهارة في استخدام التفكير الإبداعي، كما أُلّفت كتب في هذا الشأن.
.
.
قام الدكتور أحمد باكتجي في الجلسة الثالثة من ورشة أصول ومنهج كتابة المقالة العلمية البحثية، بدراسة معايير المقالات العلمية البحثية، وتناول معايير مقالات isi، ثم تطرّق بعد ذلك إلى إطار وهيكلية كتابة المقالة.
isi هو اختصار لمؤسسة اسمها الكامل (Institute for Scientific Information) وترجمتها معهد المعلومات العلمية. أُسّست هذه المؤسسة عام 1960 على يد شخص يُدعى يوجين غارفيلد، وفي عام 1992 اشترتها مؤسسة تُدعى Thomson Scientific & Healthcare. ويُعرف موقع isi غالبًا باسم هذه الشركة، وبتعبير آخر فإنّ isi هي شركة.
عندما نشأ isi كان يهتم فقط بـالعلوم الدقيقة كالزراعة والبيئة والطب والكيمياء وما شابهها، وبطبيعة الحال لم يكن للعلوم الإنسانية ذكر في هذا الكيان الذي كان اسمه sci. لاحقاً، وبعد أن لاقى استحساناً، أطلقوا ssci (اختصار Science Citation Index) الذي كان يقوم بعمل مماثل في العلوم الاجتماعية. وكان آخر حدث في هذا الكيان هو إطلاق ahci (اختصار Arts and Humanities Citation Index) الذي شمل الفنون والإنسانيات. في الأدبيات الأنغلوساكسونية، تُستخدم الإنسانيات لتلك الفروع التي ليست من جنس العلم (Science) بل تُستخدم للأمور المتعلقة بذوق البشر وقريحتهم. والدين يقع ضمن هذا المجال أيضاً. وهذا في الوقت الذي ننظر فيه نحن إلى العلوم الدينية بوصفها علماً.
تشكل هذه الطبقات الثلاث مجتمعةً isi. ويعود سبب الاهتمام به، في الغالب، إلى العلوم التقنية والهندسية ثم الاجتماعية بعدها. يجب أن ننتبه دائماً إلى أن الطبقة الثالثة من وجهة نظر القائمين على فضاء isi هي ملحق بالعلوم ولا تندرج تماماً ضمن تعريف العلوم. وهذا الموضوع مهم جداً من ناحية إرسال المقالات.
يضع Isi مجموعة من الضوابط للمجلات. لا يتصل به أي مؤلف بشكل مباشر، بل يتواصل هذا الكيان مباشرة مع أصحاب المجلات، ويتواصل المؤلفون مع المجلات. حين نريد إرسال مقال إلى المجلات، يجب أن ننتبه إلى الأهداف الكامنة وراء هذا النظام.
تصور باحثينا هو أن هذه المؤسسة عبارة عن هيئة تشبه جلسة مناقشة الرسالة الجامعية حيث يدافع الطالب عن عمله ويُقيَّم العمل علمياً، لكن الواقع ليس أن ثمة هيئة علمية تجلس لتقييم مقال واعتماد مصداقيته. بل أحياناً يورد أشخاص على الإنترنت مقالات نُقدت وقُبلت في isi؛ في حين أنها لا تستوفي شروط المقال. والعكس يحدث بكثرة أيضاً، حيث يستوفي مقال الشروط الأساسية ولا يُقبل في هذه المؤسسة. يعود الأمر إلى أهداف تشكّل isi.
هدف isi هو إنشاء نظام معلوماتي لوصول الباحثين السريع إلى المصادر. يُطبع في العالم عدد هائل جداً من المجلات، ولو أراد باحث في العلوم الإنسانية الاطلاع على كل عدد لما كفاه عمره. أفضل حل هو ترتيب الأولويات ووضع بعض المجلات والمقالات في أولوية معينة؛ كأن يُقال لشخص: إذا أردت النظر في مباحث الأسرة في الإسلام فاقرأ هذه المجلات الثلاث.
يُعرِّف Isi لنفسه مجموعة من الموضوعات، ويُعيّن في كل مجال مجلة أو اثنتين أو ثلاثاً ويقدمها للمخاطب. ولتحقيق هذا الهدف وضع سلسلة من القواعد، بعضها علمي؛ مثل جودة كتابة المقال التي سنناقشها، لكن بعض المعايير لا تتعلق بالجانب العلمي للمجلة؛ مثل الصدور في الوقت المحدد. تعتمد وزارة العلوم حالياً في بلدنا على هذا الموضوع في تدقيق المجلات. وفي هذه الحال، إذا شعرت مجلة بأنها متأخرة عن الصدور في موعده، فقد تتساهل في تشددها، وإذا شعرت بأنها تصدر بالقدر الكافي فإنها تزيد من تشددها؛ لذا فإن جزءاً من التشدد يعود إلى الصدور في الوقت المحدد.
يُعد تمتع المجلة بـهيئة تحرير دولية أحد المعايير الأخرى لدى isi. قد تكون هيئة التحرير بأكملها في تخصص ما من الأساتذة البارزين على المستوى الوطني، لكنها إن لم تكن دولية فلن تحظى باهتمام isi. قد لا تكون لهذه النقطة صلة بالمؤلف، غير أن ثمة أمراً يمكن أن يرتبط به، وهو أنه بقدر ما يولي isi أهمية لهيئة التحرير الدولية، فإنه يولي أهمية للمجلة التي تضم مقالات من جنسيات مختلفة. تفيد هذه المسألة الإيرانيين وقد تحصل أحياناً بعض التساهلات. توجد بعض النقاط ذات الطابع الشكلي، منها مثلاً أن يكون نص المقال أو ملخصه على الأقل باللغة الإنجليزية.
ثمة معايير أخرى أيضاً، وإن كنتم مهتمين بنشر هذا الموضوع فاقرؤوا جميع معايير isi. للاطلاع على هذه المعايير، اضغط هنا!
على أية حال، تهتم هذه المؤسسة في الغالب بالضوابط الشكلية، وقد تشكلت في هذا المجال حيل كالاحتيال العلمي؛ لذا ليس غريباً أن تتشكل في بلدان مختلفة فرق اطّلعت على جميع قوانين isi وأصبحت قادرة على تقديم مقالات تستوفي معايير isi دون أن تخضع لتحكيم علمي.
النقطة التي يجب أن أؤكد عليها في جميع المقالات هي: أيَّاً كانت المجلة التي ترسلون إليها المقال، احرصوا على مراعاة قوالبها. انتبهوا إلى أن المجلات المختلفة لها قوالبها المحددة والخاصة بها، لكن توجد أيضاً سلسلة من القوالب المشتركة التي يمكننا التركيز عليها. لإرسال المقالات، يُعد الشكل مهماً. ثمة حالات حصلت، سواء للمجلات أو للمؤتمرات، أرسل فيها المؤلف مقاله فأُعيد إليه. تابعنا الأمر فقيل لنا مثلاً ينبغي أن يكون الملخص في 500 كلمة وقد كتبه في 1000 كلمة. السبب هو أنهم يهتمون بالأشكال بينما نقلل نحن في إيران الاهتمام بها. حتى لو لم تُراع علامات الترقيم والتحرير الكتابي فهو أمر بالغ الأهمية للمجلات العلمية البحثية؛ والسبب أنهم لا يملكون كادراً بشرياً كبيراً لهذا العمل. حين تنظرون إلى موقع مجلة ما يخبركم بنوع الخط وحجمه بهذه الكيفية. منطقه واضح؛ لأنه لا يوجد لديه أحد ليغير هذا الخط. أمر قد لا يكون مفهوماً بالنسبة لنا. المسألة في إيران أسهل بعض الشيء؛ لأن لديهم كادراً يقومون بذلك؛ لذا احرصوا على قراءة تعليمات تلك المجلة.
هيكل المقال وقواعد كتابة المقالة
1- العنوان
2- اسم المؤلف
3- معلومات الاتصال
4- الملخص
5- الكلمات المفتاحية
هذه هي بداية المقال، وبعدها يبدأ متن المقال. بعضها لا يحتاج إلى شرح، لكنني سأشرح ما يحتاج إلى ذلك.
المؤلف
النقطة المتعلقة باسم المؤلف هي مسألة الانتحال الأدبي. إذا حُذف اسم مؤلف ما أو حصلت مسألة تبديل الأسماء، فإن المؤلف الأول هو من يعتقد رئيس تحرير المجلة أنه ينبغي الاتصال به. فإن لم تُضبط هذه الأسماء بشكل صحيح، فستحدث اختلالات في التواصل.
دكتور صفري: يعتقد بعض الأشخاص أن ذكر اسم الأستاذ إلى جانب اسمهم في المقال يعني أن الأستاذ قد أضاع حقه واستغل اسمه لمصلحته.
يجب أن يُذكر في المقال اسم كل من أسهم فيه. وفي هذا السياق ينبغي تعريف الإسهام؛ فمثلاً في isi يجب أن توضّح من أسهم في كتابة المقال، لدرجة أنه إذا زوّدك شخص ببرنامج لإجراء حسابات معينة، فيجب أن يرد اسمه في المقال؛ لأنه لولا أداء إسهامه لما اكتمل هذا العمل. وقد ذكرت في الجلسة الماضية أنه قد يكون هناك أشخاص يتولون مهمة طرح الأفكار والأسس الفكرية، أو العثور على المصادر، أو تنظيم المادة، وفي هذه الحالة يجب ذكر أسمائهم. وهذا هو ما يُراعى في الرسائل الجامعية؛ لأن الأستاذ المشرف له دور في طرح الأفكار وتوجيه العمل، ويُذكر اسمه عادةً، ولو حُذف لوقع إجحاف؛ إلا إذا تنازل الأفراد طواعية عن حقهم.
د. صفري: على أي أساس يتم ترتيب الأسماء؟
يكون الترتيب بناءً على مقدار الالتزام والمسؤولية؛ أي من هو المسؤول مباشرة عن محتوى المقال؟
الكلمات المفتاحية
عادةً ما نختار 5 إلى 6 كلمات لتكون كلمات مفتاحية للمقال. إن الكلمات المفتاحية هي أساساً لأغراض البحث، ولهذا لم نكن نواجه هذه الظاهرة قبل شيوع أدوات البحث الإلكترونية؛ بمعنى أن محركات البحث مثل غوغل تستخدم هذه الكلمات للوصول إلى المقال، وإذا بحث أحدهم عن كلماتك المفتاحية فسيتمكن من العثور على مقالك.
وبناءً على هذا الافتراض، يجب الانتباه إلى عدة نقاط:
1- يجب ألا تكون العبارات طويلة؛ كأن يقول شخص مثلاً: «القضايا الاجتماعية المتعلقة بالأسرة». ينبغي أن تتكون من كلمتين كحد أقصى.
2- يستخدم بعض الأشخاص كلمات موجودة في عنوان المقال؛ فمثلاً لو كان عنوان مقال «مدرسة التأريخ المدنية في القرن الثالث الهجري»، واختار كلمة «التأريخ» ككلمة مفتاحية. لا حاجة لهذا؛ لأن هذه الكلمة موجودة في العنوان، ومحركات البحث قادرة على إيجاده من خلال العنوان. ينبغي لنا في الكلمات المفتاحية أن نعوّض عن الكلمات التي لم تنعكس في العنوان. فإن لم نفعل ذلك، فهذا يعني أننا نفقد إمكانية الوصول إلى مقالنا في البحث.
3- لا ينبغي استخدام كلمات عامة وعادية أو بلا معنى خاص؛ فمثلاً لو وضع شخص في كلماته المفتاحية كلمتي «التاريخ» و«الإسلام»، فإن محرك البحث سيعطيه ملايين النتائج إذا بحث أحدهم عن كلمة التاريخ.
إذا أدركنا أن فلسفة الكلمات المفتاحية هي البحث، فإن طريقة اختيارنا للكلمات المفتاحية ستختلف.
كُلية المقال
ينبغي مراعاة ثلاث نقاط مهمة في كلية المقال:
¢ يجب أن يتمتع بمستوى علمي كافٍ.
¢ الوظيفة الأولى للمقال هي إيصال الرسالة إلى القارئ وإقناعه بقيمة البحث المُنجز، لذا من الأفضل التأمل في رسالة الموضوع قبل البدء بالكتابة. إن استخدام الفصاحة وفن البيان المناسب هو اتباع لأسلوب كتابة المقال.
¢ المطالب التي لن تُطرح في متن المقال، يجب حذفها من المقدمة والنتائج.
لقد قمت بتحكيم عشرات المقالات التي حين تصل إلى الخاتمة يتذكر فجأة أن عليه أن يذكر هذه المعلومة أيضاً. أو يطرح مطالب في المقدمة ثم يتركها في متن المقال.
عنوان المقال
إن وضع العنوان ليس بالأمر السهل، وينبغي أن يكون نصف العمل قد أُنجز حتى يتمكن من وضع العنوان.
1- العنوان هو أهم عبارة في المقال، ويجب أن يكون ممثلاً تمثيلاً كاملاً للموضوع الرئيسي للبحث. في استمارات تحكيم المقالات العلمية البحثية، من البنود التي يحكم فيها المحكم هو: هل عنوان المقال متناسب مع النص؟ فإن لم يكن كذلك، تقل قيمة المقال.
2- ينبغي أن يكون عنوان المقالة دقيقاً ومعبّراً قدر الإمكان، مع تجنّب استخدام المصطلحات غير المألوفة أو المختصرة. وعادةً (وليس دائماً) تُراعى هذه النقاط في تسمية معظم الأبحاث: ما الذي نريد دراسته، وفي أي مجتمع، وأين، ومتى؟ يحقّ لكم أن تضعوا مصطلحاً وتعرفوه في حينه، لكن لا يحقّ لنا فعل ذلك في العنوان؛ لأننا لا نستطيع شرح المصطلح المقصود في العنوان؛ فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تقيدوه هكذا: مكانة تنقيح المناط في الفقه الإمامي في القرن الثامن الهجري. وكلما قلّت هذه القيود أصبحت المقالة سائبة، ولا يُعرف بالضبط ما الذي يريد المؤلف قوله. وينبغي مراعاة هذه النقطة في الأطروحة أيضاً، وهو نفس ما ذكرناه في الجلسة السابقة.
3- ينبغي أن يكون العنوان «خالياً من الحكم المسبق». كما لا ينبغي أبداً ذكر نتيجة البحث في عنوان المقالة على نحوٍ مُسَلَّمٍ به. لا ينبغي إصدار الحكم في العنوان، بل يُصدر أثناء معالجة المسألة. الأمر أشبه بالمحكمة حيث يُدعى الفرد متهماً ولا يُقال له مجرم؛ لأن تهمته قيد النظر ولم تثبت جريمته بعد، وإذا ثبتت يُقال له مجرم في نهاية المحاكمة. المقالة العلمية البحثية هي كذلك؛ أي إن ما يُراد إثباته خلال المقالة ويجب أن يأتي كنتيجة، لا يمكن إيراده كحكم مسبق في عنوان المقالة؛ فمثلاً، من يريد دراسة مذهب عكرمة مولى ابن عباس لا يمكنه أن يضع هذا العنوان: «خارجية عكرمة مولى ابن عباس». لذا من المناسب أن نقول: «دراسة حول مذهب عكرمة مولى ابن عباس».
4- إذا كانت هناك كلمات تؤدي دوراً محورياً في وصف خصائص دراستكم، فاحرصوا على تضمينها في عنوانكم.
ملخص البحث
ملخص البحث لم يكن موجوداً في تقاليدنا الكتابية. بدأت قصة ملخص البحث حوالي منتصف القرن العشرين في العلوم الدقيقة. تُنشر مجموعة من المقالات في المجلات، وأفضل الأحوال أن يشتري المرء المجلة كاملة ويقرأها. في القرن العشرين، كان من الشائع طباعة سلسلة من الكشافات التي كانت تحتوي فقط على عناوين المقالات وكانت مبوبة موضوعياً؛ مثل فهرس المقالات الفارسية أو مجموعة كشاف الدوريات العربية. إذا أردتم أن تعرفوا ما هي المقالات الموجودة حول مكانة المضاربة في الصيرفة الإسلامية؟ كنتم تراجعون العناوين التي بُوِّبت موضوعياً فتُعرّفكم بعدة مقالات. هذا النوع من الكشافات كان يحتوي فقط على عنوان المقالة. ربما كانت قراءة عناوين المقالات تساعد إلى حد ما، لكن ظلت الحاجة ماسة إلى معلومات أكثر. كان لزاماً أن نخترع حلاً وسطاً أكبر من العنوان وأصغر من أصل المقالة، وكان هذا الحل الوسط هو ملخص البحث.
تحول هذا الأمر إلى طريقة فعّالة لاقت استحساناً كبيراً، وشعر الباحثون أنه حل مناسب جداً لمتابعة العلوم. قد لا يتسنى للأفراد وقت لقراءة أصول المقالات، لكن يمكنهم مرة في السنة أن يأخذوا مجلداً ويقرؤوا ملخصات المقالات المختلفة ويطلعوا على مجمل الموضوعات.
بعد عقدين أو ثلاثة، ومع ظهور الإنترنت، اتخذ الملخص شكلاً جديداً. الآن، كل مقالة تُكتب يكون لها بالضرورة ملخص، ويمكن تقديم هذا الملخص عبر أنظمة المعلومات. كثير من المؤسسات التي تبيع أصل المقالة تضع الملخص بين أيديكم مجاناً. بهذا يستطيع الباحث أن يتأكد أن هذه المقالة تفيده فيشتريها.
الملخص هو بيد من لا يملك أصل المقالة، وعليّ أن أقنعه بملخصي أن مقالتي تستحق القراءة. للملخص وظيفة أخرى أيضاً. لا يستطيع الأفراد قراءة جميع المقالات من أولها إلى آخرها، لكن يمكنهم قراءة الملخصات؛ لذا يمكن توقع أن يقرأ باحث في مجال تخصصه جميع الملخصات ثم يقرر أي أصل مقالة يقرؤه؟
1- للملخص أهمية توازي تقريباً أهمية العنوان. في الملخص تُذكر الأجزاء المختلفة للمقالة، بما فيها المقدمة والأهداف والمناهج ونتائج البحث، بشكل موجز. فيما يتعلق بالمناهج، قد يكون من المهم للقارئ أن يعرف أي منهج استخدمه الكاتب؟ مثلاً، لإثبات مدى نسبة الصحيفة السجادية إلى الإمام السجاد (ع)، قد يبحث المحقق من حيث السند أو علم الرجال أو دراسة المخطوطات أو منهج تحليل النص أو تحليل الخطاب؛ لذا ينبغي على الكاتب أن يذكر منهجه في الملخص. من فوائد هذا العمل منع التكرار.
الدكتور صفري: ماذا تقصد بالمنهج؟ لأنه قد يقول الفرد في المنهج إنه منهج تحليلي وصفي وما شابه ذلك.
هذه مشكلة ينبغي دراستها كآفة. من الآفات الأخرى التي لدينا في هذا المجال ما يُكتب تحت عنوان المنهج المكتبي. السؤال هو: في مجال العلوم التي نتعامل معها، هل يمكن لأحد أن يختار منهجاً غير المنهج المكتبي؟ يُستخدم المنهج المكتبي في مقابل المنهج الميداني؛ أي أن شخصاً يستخدم مناهج المسح في ميدان المجتمع. هذا النوع من التعابير هو هروب من شرح منهج البحث.
كُتبت كتب كثيرة حول المناهج ويجدر التعريف بها مرة أخرى. حيناً نتناول تحليل الموضوع، فيجب أن نستخدم المناهج التحليلية التي لها أقسامها. وحيناً ننظر إلى الموضوع نظرة تاريخية، وهي نفسها لها مناهج عديدة. وحيناً يكون منهجنا مقارناً، وهذا أيضاً له مناهج متعددة.
عندما نعلن عن منهجنا، ينبغي للمخاطب أن يتوقع منا فقط في ذلك النطاق. أما إذا ذكرنا المنهج بشكل عام، فبالإضافة إلى أن المخاطب يصاب بالحيرة، يمكنه أن يعترض علينا ويشير إلى عدة أمور لم نتناولها؛ لذلك فإن إعلان المنهج يمكن أن يكون نوعاً من الدفاع عن النفس أيضاً.
2- ملخص المقالة هو الجزء الذي ينظر إليه القارئ ويقرؤه بعد أن يجذبه عنوان المقالة، والملخص بالإضافة إلى كونه قصيراً يجب أن يكون موجزاً بشكل ذي معنى وأن يحتوي على المطالب الرئيسية وأهم النتائج المسلّمة للمقالة.
أنصحكم بأن تخلقوا لأنفسكم مهارات في الكتابة بحجم محدد. الذين اجتازوا دورات التوفل يعلمون أن أحد المتطلبات المستخدمة في تقييم القدرة اللغوية هي الكتابة بحجم محدد؛ مثلاً، اكتب عن حادثة كذا في 200 كلمة، وبمجرد أن يتجاوز هذا العدد تُمنح له درجة سلبية.
يجب أن نتعلم أن نتحدث بقدر. هذه المسألة مهمة جداً، خصوصاً للمنخرطين في كتابة الموسوعات، وإذا لم تُراعَ فلا يمكن إدارتها. طلب مني صديقي العزيز الدكتور شهيري أن أكتب مقالة في 1000 كلمة عن الفرق بين الخطاب والثقافة. للوهلة الأولى يبدو أن هذا العمل غير ممكن، لكن بعد التدقيق الذي أجريته توصلت إلى نتيجة أنني أستطيع القيام بهذا العمل. حياة الباحث الفرد مليئة باستمرار بهذه المسائل، ويجب اعتبار الكتابة بقدر مهارةً. هذه المهارة قابلة للتعلم.
في الملخص أيضاً يجب أن ننفق بقدر. هذا تماماً كمن لديه مبلغ محدد من المال لعمل ما وليس لديه أكثر منه، وعليه أن يخطط بحيث لا ينقصه المال حتى نهاية العمل. يجب حذف كل كلمة استُخدمت بلا داعٍ في الملخص؛ مثلاً، يكتب البعض: "نوقشت أهمية النتائج في المقالة"، هذه الجملة تستحوذ على حوالي سبع كلمات بينما لا تحمل أي نتيجة.
مثال معروفی است که میگویند فردی کنار دریا تابلویی زده بود که بر روی آن نوشته بود: در این مکان ماهی زنده به فروش میرسد. شخصی که شاید علم روششناسی میدانست به او گفت واضح است که در این مکان ماهی میفروشی. پس کلمه «در این مکان» اضافی است و آن را حذف کن. او نیز چنین کرد. در وقت دیگری دید که نوشته: «ماهی تازه به فروش میرسد» به او گفت همه میدانند که ماهی تازه است؛ پس قید تازه اضافی است و آن را حذف کند. او نیز چنین کرد. در وقت دیگر گفت: همه میدانند که اینجا ماهی میفروشی و قید فروش اضافی است. بار آخر که آمد، دید روی تابلو نوشته: «ماهی» به او گفت: این چه کلمهای است؟ معلوم است که اینجا ماهی است.
این واقعیت پدیدهای است که بهصورت جدیاش در تحقیق با آن مواجه هستیم. در برخی نوشته ها میبینیم که برخی جملات هیچ معنایی را با خود همراه ندارند. ما باید عادات نوشتن خود را تغییر دهیم. بنده بهعنوان تجربه شخصی عرض میکنم که نوشتن چکیده وقت میبرد. پس از پایان نوشتن باید زوائد را حذف کرد؛ مثلاً صفت و موصوفی در کنار هم ذکر شده است همان صفت کافی است و موصوف را حذف میکنم یا اینکه جمله معترضه را حذف میکنم. اینقدر باید مانند تیغ جراحی این چکیده را کوتاه کرد تا عصاره آن به دست آید.
.
.
آقای دکتر پاکتچی در جلسه چهارم و آخرین جلسه کارگاه تخصصی اصول و روش نگارش مقاله علمی پژوهشی به تبیین مبانی نظری و چارچوب تحقیق پرداخت و اقسام روش های تحقیق را تشریح کرد.
در ابتدای این جلسه، آقای دکتر صفری فروشانی رئیس دانشنامه زن مسلمان، با طرح برخی سؤالات حضار، به این نکته اشاره کرد که برخی کتب استاد دکتر پاکتچی در انتشارات بوستان کتاب قم موجود است و علاقهمند برای اطلاع بیشتر از مباحث روشی میتوانند به این کتابها مراجعه نمایند.
پسازآن آقای دکتر پاکتچی با پاسخ به سؤالی به ادامه بحث کارگاه پرداخت.
سؤال: با توجه به اینکه فرمودید اگر کسی بخواهد در مطالعات بینرشتهای مقاله بنویسد باید بر آن علوم نیز مسلط باشد کسانی که در مقطع سطح چهار تحصیل میکنند اگر بخواهند در رشته تفسیر تطبیقی مقاله بنویسند باید چگونه باشد؟
در بحث میانرشتهای دقیقاً مسئله تخصص ارتباط مستقیم با این دارد که چه نوع رابطه میانرشتهای میخواهیم برقرار کنیم؛ مثلاً اگر کسی بخواهد بین تفسیر عهدین و تفسیر اسلامی مقایسه کند هدفش این است که از این مقایسه به دستاوردی برسد مثلاً نسبتهایی سنجیده شود که نوع نگرش به عهدین در مقام تفسیر با نوع نگرش به قرآن چگونه است؟ قاعدتاً این اتفاقی نیست که با خواندن یک یا دو کتاب به دست آید.
تا آنجایی که میدانم امکاناتی در قم وجود دارد که افراد میتوانند در کلاسهای آزاد شرکت کنند و سیر مطالعاتی کنند. من نمیگویم که در همان حدی در عهدین تخصص پیدا کنند که در قرآن تخصص دارند ولی حداقل باید به همان حدی باشد که به بینش و نگرش درزمینهٔ علمی برسند تا مقایسه علمی کنند. آشنایی سطحی میتواند بیش ازآنچه فایده داشته باشد موجب سوءتفاهم و خطا شود. کسی که کار میانرشتهای انجام میدهد زحمتی برای خود میخرد. مثال معروفی است که یا مکان با پیل بانان دوستی یا بنا کن خانهای در خورد پیل.
هیچ راه میانهای سراغ ندارم که انسان را از این کار مستغنی کند.
مبانی نظری تحقیق یا چارچوب نظری تحقیق
هر محققی باید یک سلسله مبناهایی را از قبل بهعنوان پیشفرض خودش پذیرفته باشد و باید با سلسلهای از نظریات آشنا باشد و بعد شروع به انجام تحقیق کند.
پرسیدند فرق بین مبانی نظری تحقیق با روش چیست؟
المنهج هو ما يجب أن أنفذه في المقالة، أما الإطار فهو ما يجب أن أعلن عنه فحسب في المقالة، وهو أن إطار نظرية بحثي هو كذا. الإطار موجود مسبقاً، أما المنهج فغير موجود. فعلى سبيل المثال، حين يجري شخص بحثاً حول الصحيفة السجادية من منظور تحليل المحتوى، فإنه يعرّف في مقالته تحليل المحتوى بوصفه منهجاً، لكن هذا المنهج يقوم على فكرة معينة، ولكي أحدد كيف يُسمح لي بتطبيقه على الصحيفة السجادية، ينبغي أن أشرح أسس النظرية؛ أي يجب أن أقول إننا نتعامل مع الصحيفة السجادية بوصفها نصاً يتمتع بنوع من التزامن؛ أي أننا لا نفترض أن هذا الكتاب يتكون من نصوص متفرقة، ولأننا اعتبرناه نصاً متزامناً، يُسمح لنا بتطبيق منهج تحليل المحتوى؛ أي يجب أن أذكر الأسس النظرية قبل تطبيق المنهج.
في كثير من الأحيان، يستخدم الزملاء مباحث علم الدلالة. لدينا عدد كبير من المقالات في هذا المجال تستخدم هذه المباحث. طبعاً، نستثني أولئك الذين يستخدمون علم الدلالة في غير معناه الأصلي، فهذا ليس موضوع بحثنا. على سبيل المثال، من يستخدم نموذج علم الدلالة عند إيزوتسو يحتاج قبل ذلك إلى إطار نظري. يرى علم الدلالة عند إيزوتسو أن العلاقة بين اللغة والقومية علاقة وثيقة جداً؛ لذا، على الكاتب، بوصفه إطاراً نظرياً، أن يعلن أنني في إطار نظريتي أستخدم نموذج علم الدلالة العرقي الذي يعتقد بهذه المكونات.
الإطار النظري هو أساس المنهج وقاعدته، وما لم يُبيَّن، لا يمكننا تطبيق المنهج. إذا كان الإطار النظري من الأطر التي أُنجزت حولها أعمال نظرية، فإن مهمة الكاتب تكون سهلة، ويمكنه تقديم شرح موجز وإحالة التفصيل إلى موضع آخر.
د. صفري: هل هذا هو نفسه الافتراض المسبق؟
الافتراض المسبق يختلف قليلاً عن الإطار النظري. الافتراض المسبق يعني ذلك الشيء الذي كان بإمكاننا مناقشته، لكننا أحلنا مناقشته إلى موضع آخر. وهذا لا يعني بالضرورة الإطار النظري؛ فمثلاً، من يدرس الإعجاز العلمي في القرآن، افتراضه المسبق هو أن القرآن لم ينزل بلغة ذلك العصر العرفية والثقافية، بل يتضمن قضايا علمية خالصة يُفترض أن نكتشفها بمعرفتنا. يمكنه أن يقول إن هذا هو افتراضي المسبق ولا يشرح أكثر من ذلك، ويُحيل إلى مقالة أخرى تناولت هذا الموضوع. الإطار النظري أوسع من هذا؛ لأنه يشرح الأسس النظرية للمنهج.
يجب أن تُذكر الأسس النظرية للبحث مع الاستناد والإحالة العلمية. المقالة الجيدة هي التي يُذكر فيها قسم الأسس النظرية. إذا أمكن، نذكرها باختصار ونُحيل إلى موضع آخر، وإذا لم يمكن ذلك، أي إذا لم تكن الأسس النظرية منقحة في موضوع بحثنا، فيجب أن نقوم بذلك بأنفسنا؛ لذا، قد تكون أقسام الإطار النظري في بعض المقالات مفصلة.
التعريف بمنهج البحث والمدخل
من المباحث التي تُناقش عادة في المسائل المتعلقة بمنهج البحث، هو منهج البحث والمدخل. يُقابل منهج البحث مصطلح Method، ويُقابل المدخل مصطلح Approach، ويُستخدم هذان المصطلحان في كثير من المقالات؛ وقد اكتسب مفهوم المدخل أهمية خاصة في الدراسات البينية. الأمر في المنهج هو أمر مسار. والأمر في المدخل هو أمر نقطة انطلاق وزاوية رؤية. والمقصود بالمسار أن استخدام المنهج له مراحل توصله إلى نتيجة. نسلك طريقاً يوصل إلى نتيجة، وهذا الطريق يُسمى المنهج. فكلمة Method نفسها تعني الطريق. أما المدخل فلا يتعلق بحركة؛ بل يتعلق من أين وإلى أين نذهب، لا أي مسار نسلك.
الكلمة التي تأتي بعد «مقاربة» تدل على نقطة الانطلاق، والتوضيحات التي تسبقها تدل على الوجهة. على سبيل المثال، إذا كان عنوان مقال ما «دراسة ظاهرة العزاء بمقاربة سوسيولوجية»، فهذا يعني أن هناك ظاهرة معروفة تُسمى العزاء، لكننا هذه المرة أمام حركة خاصة، حيث يتحدث شخص عن العزاء من منطلق علم الاجتماع. أو «تحليل شخصية عمار ياسر بمقاربة سيكولوجية»: لقد قيل الكثير عن عمار ياسر في مصادرنا، لكننا هذه المرة ننظر إلى القضية من منطلق علم النفس. كيف يرى علم النفس، الذي يقوم بتحليل الشخصية، شخصية عمار؟ أحياناً قد تتطابق المقاربة مع المنهج، أي أن هذا الشخص لا علاقة له بمعطياتنا التقليدية أصلاً، ويقوم بتطبيق نماذجه الخاصة في تحليل الشخصية هنا؛ وبالتالي يُنزّل أحد نماذج تحليل الشخصية الموجودة في علم النفس على شخصية عمار؛ لذا فالمقاربة والمنهج يمكن أن يجتمعا معاً، لكنهما لا يجتمعان بالضرورة في موضع واحد.
إذا كان لدى شخص ما في مقال علمي بحثي نقطة انطلاق غير معتادة، فيجب ذكرها كمقاربة، أما في الحالات التي تكون فيها نقطة الانطلاق في موضعها الطبيعي فلا حاجة لذكرها؛ مثلاً «دراسة فقهية لمسألة المسح على الخفين» هنا لا يمكنه أن يقول المقاربة الفقهية. إذا أراد شخص ما دراسة المسألة نفسها من منظور غير فقهي، فعليه ذكر ذلك؛ مثلاً أن يدرس المسألة من منظور أنثروبولوجي. أن يجيب على أسئلة من قبيل: ما هي أنواع الأحذية التي كان يلبسها الناس في المجتمع العربي القديم؟ هل يمكن أن يكون هذا مرتبطاً بخصائص لبس الناس للأحذية؟ ما هو الخف؟ الفقيه بما هو فقيه لا يواجه عادة مسألة المسح على الخفين بهذه الطريقة، بل يدرس الأدلة ويصل إلى نتيجة بناءً عليها. أما من يتعامل مع المسألة من منظور آداب لبس الأحذية وأنواعها في الحياة اليومية للناس في ذلك العصر، فيمكنه أن يقول: «تحليل أخبار المسح على الخفين بمقاربة أنثروبولوجية»
نحن اليوم في عالم العلوم الإنسانية نتعامل مع طيف واسع من المناهج. مهما كان الشخص خبيراً بالمناهج، فلا تزال هناك مناهج كثيرة لا يعرفها. في عصرنا الحالي، كل من يعمل في أي مجال من مجالات العلوم يُطلب منه حتماً أن يحدد منهجه. سأشرح ما الهدف من تحديد المنهج؟
لاحظوا أن علماءنا القدامى لم يصرحوا أبداً بمنهجهم في جميع العلوم الإسلامية. الإعلان عن المنهج هو هاجس حديث، ولم يكن يشغل ذهن أهل العلم في العصور الماضية. ظاهرة تُسمى البحث بالمعنى الذي نعرفه نشأت في عام 1800. حوالي عام 1800، في مدينة برلين الألمانية، كان هناك شخص يُدعى فيلهلم فون هومبولت(Wilhelm von Humboldt) وزيراً للتعليم في ألمانيا. في ذلك الوقت، لم يكن التعليم العالي قد انفصل بعد عن التعليم العام. أنشأ جامعة غير دينية بنموذج جديد لا تزال موجودة في برلين وتُعرف اليوم باسم جامعة هومبولت. دعا فيشته (الشاعر والمفكر الألماني الشهير) وشلايرماخر (مؤسس النقاشات الحديثة في الهرمنيوطيقا)، وشكلوا ثلاثة أقسام وأوجدوا شيئاً اسمه الجامعة. هذه المجموعة هي أول من توصل إلى نتيجة مفادها أنه من أجل امتلاك لغة مشتركة في المباحث العلمية، يجب على كل شخص أن يشرح منهج بحثه. قبل ذلك، عندما كان الناس يقرؤون مادة لشخص ما، كانوا يثقون بهذا الفرد، ولم يكونوا يرون أن سؤاله عن منهجه أمر لائق. في الواقع، كانت البحوث في ذلك الزمان متمركزة حول الشخصية وقائمة على الثقة.
الأمر الجديد الذي نشأ مع الأساس الذي وضعه هؤلاء الثلاثة في جامعة برلين هو مسألة تكثير العلماء؛ أي أنهم قالوا: سنقوم بتدريب مجموعة على العمل العلمي، وبدلاً من الاعتماد على شخصياتهم والسعي لتقديم أفراد مشهورين إلى المجتمع، سنوجد مناهج مشتركة يثق بها الأفراد. في الواقع، حدثت إزاحة، وتحولت الثقة بالفرد إلى ثقة بالمنهج. في الماضي كانوا يسألون: من قال هذا الكلام؟ أما اليوم فيسألون: بناءً على أي منهج تقول هذا الكلام؟ لقد اخترعوا أساليب الإحالة وما شابهها للتحكم في صحة تطبيق المنهج.
كانت هذه ظاهرة جديدة في المجتمع العلمي، وانتشرت بسرعة؛ ولذلك تستثمر الجامعات المرموقة اليوم بشكل خاص في تعلم الطلاب للمناهج.
د. صفري: ألا تتناسب الكتب التي كانت لدينا في الماضي بصفتها «أدباً»، مثل «أدب المناظرة»، مع منهج البحث المناسباتي؟
النقطة المهمة في المنهج هي أن يكون المسار مُعرَّفاً ويسير خطوة بخطوة؛ وإلا فإن المنهج نفسه لا يحمل معنى خاصاً. ما جعل المنهج يكتسب أهمية هو أنه في الفضاء الأكاديمي خلال المئتي عام الأخيرة، يُطلَب من الفرد أن يُبلِّغ عن المسار الذي يسلكه خطوة بخطوة. يقولون له: أخبرنا كيف توصَّلت إلى هذه النتيجة؟ لا تقل لنا إن هذا هو رأيي فحسب. في الماضي، كنت تقول: هذا رأيي، ولم يكن الجمهور يهتم بالكواليس. كان أحد أصدقائنا يروي حكاية لطيفة، قال فيها: في المدرسة الثانوية، كان إنشاء المختبرات قد أصبح رائجاً حديثاً. كنا نلح منذ فترة على مدرس الكيمياء أن يأخذنا إلى المختبر، وأن يُرينا عن قُرب ما يقوله عن خلط الكحول والماء وتبخيرهما، وأن الكحول يتبخر أسرع. فقال لنا: أنا لا أكذب عندما أقول لكم هذا الكلام. ليس لدي دافع للكذب، ولا داعي للذهاب إلى المختبر. كلام ذلك المدرس هو نتاج هذا التفكير الماضي نفسه.
إن المنهج في العلم الحديث موجود لهذا السبب، لأن النتائج العلمية يتم تبادلها ومشاركتها؛ بينما في الماضي لم تكن تُشارَك سوى نتيجة المكتشفات العلمية. إذا لم يفعل المرء ذلك اليوم، فلن تُقبل منه، وسيُطالب بالمنهج. قد لا نقبل هذه المسألة، بل وقد يكون بعض المشايخ لا يذعنون لها. لكن صلاحية هذا النموذج قد انتهت، خصوصاً أننا نرغب في المشاركة في المحافل العلمية العالمية، وإنتاج العلم، وأن يُحيل الآخرون إلى مقالاتنا. يجب أن نراعي قواعد اللعبة، وأن يُقدَّم تقرير كامل عن عملية التوصل إلى النتائج، وأن يُعلَّم الطريق خطوة بخطوة.
أحد أهداف المنهج هو كسب الثقة. وله هدف آخر لا تقل أهميته عن سابقه، وهو أن سلوك المسار يخرج من حالته الشخصية، ويتحول العلم إلى ظاهرة جمعية. يقول الباحث: أنا قد سرت حتى هنا وتوصلت إلى هذه النتيجة، ويستطيع آخر أن يتابع من هنا فصاعداً. بينما عندما لا يوجد تقرير، ولا أقدم أي شرح عن المنهج، فإن على الآخر أن يبدأ من الأول. قبل أيام، أُزيح الستار عن عمل لي بعنوان «تحقيق في أسانيد نهج البلاغة». كان مقرراً أن أذكر هناك ما يميز هذا العمل عن سابقيه. كان أهم ما أردت قوله هو: إن كان لهذا العمل من فائدة، فهي أن المسار كله الذي سلكته قد تم الإبلاغ عنه، وأي شخص يواجه خطبة ما، يمكنه أن يفهم أي مجموعة اطّلعت على أي مصدر، وأي مصدر لم تطّلع عليه؟ وأي جزء من المصدر تم الاطلاع عليه؟ بهذا العمل، لا حاجة لأي شخص آخر أن يبدأ العمل من جديد من الأول. هذا هو الفرق تحديداً بين نموذجي العمل.
عندما نُبلِّغ عن الطريق، فإننا نشير تلقائياً إلى الطرق غير المسلوكة وغير المرئية. حتى أن بعض الأفراد يوصون بأنه من الجيد أن يبحث أحدهم في الموضوع الفلاني. هذا الأمر يجعل الإنتاجات العلمية تتابع على شكل سلسلة.
د. صفري: في النهاية، هل المنهج هو الطريق، أم كيفية السلوك؟
اسمحوا لي أن أستخدم كلمة «ميثود» التي تعني الطريق تحديداً. على الباحث أن يسجِّل ويُبلِّغ عن الطريق الذي سلكه. ألفت انتباهكم إلى مصطلح «السابقة القضائية» بين الحقوقيين. السابقة القضائية تعني أن محكمة ما سلكت هذا الطريق من قبل وتوصلت إلى هذه النتيجة. وهذا يمكن أن يُستند إليه في المحاكم اللاحقة. في بعض المجامع القضائية، السابقة القضائية تُعتبر مرجعاً. هنا يحدث الأمر نفسه تماماً؛ أي عندما يشرح الباحث الطريق الذي سلكه، يتعلم الشخص التالي من الطريق الذي سلكه، ويتصرف الأشخاص اللاحقون بالطريقة نفسها، ويتحول هذا العمل إلى سابقة بحثية؛ وبالتالي نواجه أنواعاً من المسارات التي سلكها الباحثون، وهي حصيلة طرق سلكها آخرون. افترض أن شخصاً يريد اكتشاف كهف، فيقوم بوضع علامات على الطريق، والشخص التالي الذي يريد متابعة الطريق يستخدم علاماته، وتتحول العلامات السابقة إلى طريق معتاد.
المباحث التي طرحناها بالغة الأهمية. يتساءل البعض: ما هي حجية منهجك الفلاني؟ نظرة هؤلاء إلى المنهج هي نظرة صدورية ونقدهم مرتكز على المرجعية؛ في حين أن الأمر ليس كذلك. فهذا المنهج لم يصدر من جهة ما، ولا تستمد اعتباره من مرجع يعود إليه. عندما تريدون بحث مسألة مشروعية وحجية استخدام المنهج في مباحث العلوم الإنسانية، انتبهوا إلى فلسفة المنهج. حتى لو كانت عروضي غير مفهومة، ابحثوا. من المهم جداً عندما يسألني أحدهم: هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يقدر على حملها؟ وأن أشغل نفسي بالإجابة عن السؤال، فإن الطريق الأسهل للإجابة هو أن أقول إن السؤال نفسه يعاني من مفارقة مفهومية. هذه الأسئلة التي نواجهها عادةً حول حجية المناهج، ينبغي أن ننتبه فيها إلى أننا أمام إجراء عملي اعتباره ثانوي. اعتباره ناتج عن تكرار الاستخدام. وإذا كان لا بد من تقييم حجيته، فيجب بحثه من هذا المنظور تحديداً، لا من منظور منهج الصدور.
بالنظر إلى الهدفين الأول والثاني للمنهج اللذين عرضتهما، يجب أن أقول إن مسألة المنهج في أبحاث القرنين الأخيرين هي نوع من الميثاق والالتزام. حين لا يوقع الأفراد على هذا الالتزام، لا يدخلون في عداد الباحثين ولا يعترف بهم الآخرون. لا يمكننا أن نقول لعالم العلم: لماذا تطلبون منا أن نعمل مثلكم؟ هذا أحد الحجب والموانع المهمة التي تحول دون قراءة مقالاتنا من قبل العلماء خارج البلاد وداخلها، وهو عائق كبير أمام التفاعل بين الحوزة والجامعة.
أنواع المناهج
قلنا إن لدينا ثلاثة مناهج: التحليلي والتاريخي والمقارن. لنفترض أنني سأدرس ظاهرة مثل الاستكان. تارةً أقارن هذا الاستكان بأشياء أخرى؛ مثلاً، أبحث علاقة الكوب بالاستكان، والصحن والفنجان. إذا كنت أسعى لمعرفة الاستكان، فلن أنجح إلا حين أعرف الأمور الأخرى كالكوب والصحن والفنجان، وأعرف نوع تنافسها وتقاربها. هنا أسير بالمعرفة على أساس المقارنات. هذا مصداق للمثال القديم: تُعرف الأشياء بأشباهها وأضدادها. هذا النوع من الدراسة يسمى المنهج المقارن.
لكن تارةً لا أقارن، بل أركز على الاستكان نفسه. يهمني أن أعرف: ما حكاية الاستكان؟ كيف نشأ؟ أقول: ظهرت ظاهرة اسمها شرب الشاي، وجلبت معها آداباً وتقاليد كان الاستكان أحد أدواتها. الاستكان منتج روسي، والكلمة نفسها من تلك الثقافة. أذهب إلى متاحف مختلفة وأبحث كيف كانت الاستكانات في العصور المختلفة؟ ما المراحل التي مرت بها الاستكانات ذات الخصر النحيف وكيف ظهرت؟ من أي مواد كانت تُصنع؟ هذا تحليل تاريخي، نبحث فيه المسار التاريخي لظاهرة ما.
وتارةً أريد دراسة الاستكان في لحظة واحدة. هنا يمكنني البحث من جهات مختلفة. أبسط طريق هو أن أبحث أجزاءه، مادته، شكله وكفاءته. هذا النوع من الدراسة تحليلي.
يمكننا أن نتعامل بهذه الأنواع الثلاثة من المقاربة مع مفهوم مثل «الصلاة»؛
1- دراسة مقارنة: إذا كان لدينا نحن الصلاة، فماذا لدى الآخرين؟ أو مقارنة الصلاة بالعبادات الأخرى في الإسلام
2- دراسة تاريخية: ما المسار الذي سلكه مفهوم الصلاة في مسيرته التاريخية؟
3- دراسة تحليلية: بحث مفهوم الصلاة، أجزائها وأركانها وهيئتها التركيبية ووظيفتها
يمكن فعل الأمر نفسه مع النص أيضاً؛ مثلاً، في تفسير القرآن بالقرآن نحن أمام نظرة تحليلية لأننا لا نخرج من نص القرآن، فلا نقارن ولا ننظر نظرة تاريخية. بل نعتبر نص القرآن كلاً، ونبحث العلاقة بين أجزاء هذا النص.
بالتأكيد هذه المناهج ليست حكراً على الغرب، بل هي إنسانية، والإنسان بما يمتلكه من قوة عاقلة يستطيع أن يسلك هذه المسارات. لقد امتلكنا هذه النظرات الثلاث في الماضي. هذا بحث شبه عقلي، وليس لدينا في الدراسات المنهجية غير هذه الحالات الثلاث. مزيد من التوضيح: إما أن تكون المقارنة مع آخر، أو أن يكون الأمر في حد ذاته؛ وعندما نتحدث عن الأمر في حد ذاته، فإما أن نقيسه بالنسبة إلى الزمن السابق، أو في الزمن الواحد. وليس للأمر في الزمن الواحد شق آخر.
د. صفري: هل المقارنة تختلف عن التطبيق؟
المقارنة تعبير أكثر ملاءمة من التطبيق.
د. صفري: هل لهذه المناهج فروع فرعية أيضًا؟
نعم؛ هذه هي التقسيمات الرئيسية الثلاثة، ولكل منها فروع فرعية كثيرة.
هذا التقسيم للمناهج كان موجودًا دائمًا وليس من اختراع جماعة معينة. النقطة الوحيدة الموجودة هي أننا نواجه في مرحلة ما تنظيمًا لهذه النماذج؛ بمعنى أن جماعة ما تنبهت إلى ضرورة تسمية هذه النماذج وشرح كل منها وتعليمها لمختلف الأشخاص. كثير من أسلافنا كانوا يقطعون هذه المراحل بمفردهم، أما الآن فيمكنكم نقل نموذج في التفكير عبر ورشة عمل ليوم واحد؛ لذا فإن ما تم إنجازه اليوم هو التوحيد القياسي والتنظيم وإمكانية تعليم المناهج. في الماضي كان منهج الأستاذ ينتقل إلى التلاميذ عبر الممارسة. أؤكد على أن مسألة المنهج كانت موجودة دائمًا وليست شيئًا جديدًا.
من بين شُعَب منهج البحث، أكثرها تعقيدًا هو المنهج التحليلي؛ لأن اختيار المنهج التحليلي، والذي يعني أننا لا نريد استخدام المنهج التاريخي أو المقارن، يجعلنا نواجه نقصًا حادًا في الأدوات؛ أي أننا في المواجهة الأولى نعاني من أزمة معرفية: إذا لم أقارن ولم أستخدم المنهج التاريخي، فماذا عساي أن أقول؟ ولهذا السبب بالتحديد نشهد في سنوات الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، حوالي عام 1900، ثورة علمية في مجال المناهج. في الفترة السابقة لهذا العام، لم تكن المناهج التحليلية تحظى باهتمام، وكان كثير من العلوم لا يستخدم هذه المناهج.
ظاهرة استخدام المنهج التحليلي هي نتاج هذا العام فما بعده، ويستلزم استخدام هذا المنهج أن تكون لدينا سلسلة من النماذج لهذا العمل. ولهذا السبب فإن غالبية نماذج منهج التحليل هي نتاج القرن العشرين. في المنهج التحليلي، نحن بحاجة ماسة إلى أدوات لاستخدامها كمعايير كمية وكيفية.
على سبيل المثال، يأخذ الطبيب عينة دم من المريض لتشخيص المرض. ماذا ينبغي عليه أن يفعل لتشخيص المرض؟ إن تحليل الدم نفسه هو أيضًا نتاج القرن العشرين، وقبل ذلك لم نكن نعرف ماذا نفعل بهذا الدم، وكانت المسألة كلاً غير قابل للفهم. لكي أحول هذا الكل غير القابل للفهم إلى أجزاء، أحتاج إلى امتلاك تقنيات لإجراء هذا الفصل. وقبل ذلك، يجب أن أكون قد توصلت إلى سلسلة من المعايير الكيفية. إذا نظرتم إلى أوراق تحليل الدم، ففي كل قسم منها تُؤخذ كيفية معينة بعين الاعتبار. تبدأ المسألة بالوصول إلى المعاملات الكيفية. كل تقدم تحليل الدم ناتج عن معرفة: من أي أجزاء يتكون الدم؟ وما وظيفة كل منها؟
في بحثنا، الظروف هي نفسها؛ أي أننا عندما نواجه كلاً واحدًا، يجب أن نكون قادرين على تقسيمه إلى أجزاء مختلفة، وأن نعرف ما وظيفة كل من هذه الأجزاء؟ مثلاً، عندما ننظر إلى تفسير مجمع البيان للطبرسي، ندرك أنه كان منتبهًا لظاهرة السياق، فهو يأتي بالآيات سياقًا سياقًا، ويأتي في قسم المعنى بكل السياق معًا، بينما كان بإمكانه كتابة التفسير بحيث يكون آية آية. في بعض الآيات، يكون معنى الآية التالية مرتبطًا بمعنى الآية السابقة. الطبرسي، رغم أنه فصل السياقات، إلا أننا مضطرون للوثوق به لأنه لم يخبرنا بأي أداة اعتبر هذه الآيات مترابطة معًا، والآيات التالية غير مترابطة. لقد خطونا خطوة في طريق التحليل لأننا أدركنا أن هذه الآيات المتعددة هي أجزاء مركبة لكل أكبر، وأن تلك الكليات الأكبر يمكنها معًا أن تشكل صورة أكبر. استطعنا استخراج سلسلة من المعايير الكيفية التي تساعد في التحليل، لكننا كنا سنكون أكثر نجاحًا لو أن هذه المعايير الكيفية كانت قد دُوّنت؛ أي لو أن أحد مفسرينا كتب بضع صفحات يشرح فيها: هكذا نفهم أن هذه الآيات المتعددة تشتمل على سياق واحد. لم يقم أحد بهذا العمل. هذه هي النظرة التحليلية.
مثال آخر يتعلق بمسألة الخوارج. يمكنكم القول إن الخوارج فرقة نشأت في أعقاب حرب صفين وتتمتع بهذه الخصائص. لكن إذا أردنا أن نتبنى نظرة تحليلية، فالسؤال الذي يُطرح هو: ما الأجزاء التي يتكون منها الخوارج من منظور كلي؟ الجواب النمطي: مجموعة من الزهاد غير القادرين على فهم عمق المسائل الدينية. الجواب التحليلي: علينا أن نبحث عن مجموعات بين الخوارج تؤدي أدواراً مختلفة، أي مثلاً بين رجال الخوارج أفراد يتمتعون بمهارة قتالية أكبر وليسوا زهاداً ملازمين للسجادة. لهؤلاء وظيفة مختلفة عن الزهاد. بعضهم شخصيات سياسية؛ فعلى سبيل المثال، شخص يُدعى الأشعث بن قيس، وإن لم يكن خارجياً بنفسه، إلا أنه كان مؤثراً جداً في تشكّل الخوارج. إنه سياسي ورئيس قبيلة.
إن عدم الالتفات إلى مسألة البنية يجعلنا نفتقر إلى فهم صحيح لهذه الجماعة.
يتشكل جيش الأزارقة الذي يستمر لعقود، وهي ليست بمسألة بسيطة. أفراد كانوا يحتاطون إلى درجة أنهم لم يتركوا الحديث خوفاً من التقصير في قراءة القرآن، كيف وجدوا الوقت لتنفيذ الفنون التنظيمية؟ في تجارب عصرنا نرى أن بين هؤلاء مجموعة من الأشخاص التنظيميين. كما أن الخطباء يبرزون بشكل لافت بين الخوارج.
لذا، ينبغي أن نأخذ ورقة ونحدد وظائف المجموعات المختلفة بين الخوارج واحدة تلو الأخرى، وفي الخطوة التالية نتعرف على الرجال ونضع كل واحد في فئته، ونصل في النهاية إلى هذا التحليل: لماذا كُتب تاريخ الخوارج بهذه الصورة؟
عندما نفتقر إلى هذه التحليلات، نصاب بالحيرة في مواجهة الخوارج. هل يُعقل أن جماعة بلهاء حمقاء تحقق هذا النجاح وتشكل حكومات وتستمر بعض مجموعاتها حتى هذا الزمان؟
.
نص 4 جلسات الورشة التخصصية في مناهج وأصول كتابة المقالة العلمية المحكّمة
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.