تناول الدكتور أحمد باكتجي في الجلسة الثانية من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي الفرق بين المنهج والعادة لدى العرف العام والعرف الخاص، ثم قام بتحليل التفاعل بين الذهنية والموضوعية والإصلاح بينهما، وفي ختام الجلسة طرح مسألة الأسطرة باعتبارها إحدى المباحث المهمة في نقد الذكاء.
.
نقد الذكاء وأنواع القواعد
المنهج أم العادة

تختلف مناهج التفكير عن عادات التفكير. وجه الاشتراك بينهما هو أن كليهما له مسار. وجه الافتراق بينهما هو أن المنهج واعٍ والعادات لا واعية.
قد تكون عادات التفكير عادات قوم؛ مثلاً قام السيد محمد عابد الجابري بدراسة موسعة حول موضوع يسميه هو نفسه العقل العربي؛ وهذا يعني عادات التفكير لدى العرب. ليس المقصود أن دماغه صُنع بشكل يختلف عن أدمغة الآخرين، بل المقصود أن الأقوام المختلفة اعتادت على عادات تفكيرية معينة. عمل السيد الجابري مثير للاهتمام للغاية ويمكن أن يكون دراسة جيدة للتعرف على عادات التفكير لدى قوم ما.
عادات التفكير في علم ما

عادات التفكير في علم ما، يُفترض أن تنشأ بشكل تعليمي وتدريسي لكنها قد لا تكون واعية. الأفراد الذين درسوا الفقه تختلف عاداتهم التفكيرية عن أولئك الذين درسوا الفلسفة. على سبيل المثال، إذا وضعت شخصاً لديه عادة تفكير فقهية كمسؤول عن قسم في وزارة الخارجية في المباحث الدولية وقلت له لا نعلم أي بلد ينوي السوء تجاهنا وماذا علينا أن نفعل؟ فسيطبق أصل الاحتياط أو أصل البراءة. عادته التفكيرية هي أن يتجه فوراً إلى أصل ما. الشخص الذي تلقى تعليمه في فضاء فقهي يعتاد على سلسلة من الاستدلالات. إذا لاحظتم، خصوصاً أولئك الذين لديهم تعليم فلسفي، حين تصلون إلى أصغر مسألة يسألكم: هل تتحدثون في مرحلة الثبوت أم الإثبات؟
في المجامع التي يحضرها أفراد ذوو تحصيلات علمية مختلفة، يمكنكم تماماً رؤية عادات التفكير هذه، ويختلف نوع دخولهم إلى النقاش وخروجهم منه؛ لأنه اعتاد منذ بداية دراسته على سلسلة من التصنيفات. هنا يظهر مفهوم الانضباط. يستخدم الأوروبيون هذا المفهوم بمعنى النظام الفكري. نترجم هذه الكلمة في الفارسية إلى "رشته" (تخصص)، لكنها في معناها الأصلي لا تحمل هذا الجانب، وتشير تحديداً إلى عادات التفكير في علم ما. يوجد في هذا المجال كتاب "أساليب التفكير المعاصر" ليوزف أوخنسكي، الذي يقدم تصنيفاً كاملاً للعلوم المختلفة وأنماط التفكير التي تستخدمها كعادات لها.

بخصوص موضوع المنهج والعادة، أريد أن أرسم أربع حالات. سبب استخدامي لمصطلح العرف العام والعرف الخاص في هذا الجزء هو تقريب المعنى إلى الذهن، وهذا هو ما كنا نستخدمه في المنطق القديم:
1- المنهج لدى قوم ما منتفٍ موضوعاً؛ لأن المنهج واعٍ، ومعناه أن يقوم قوم منذ البداية بوضع سلسلة من الوحدات لأبنائهم ليتعرفوا على عادات تفكير ذلك القوم. لا تُعقد في أي مكان في العالم صفوف للمنهج كمسار واعٍ في فضاء العرف العام.
2- المنهج في علمٍ ما (العُرف الخاص) مطلوب وتُعقد لأجله الفصول الدراسية ويُنظر إليه بعين المطلوبية.
3- العادة لدى قومٍ ما (العُرف العام): ثمة أحكام مختلفة في هذا الشأن فقد تُستقبح بعض العادات وقد تُستحسن. والقرآن الكريم نفسه حين يتحدث عن عادات التفكير عند عرب الجاهلية يُشير مراراً إلى عادة التفكير القائلة: «هذا ما وجدنا عليه آبائنا» ويستقبحها. وفي المقابل قد توجد عادة تفكيرية بين قومٍ ما تُقيّم إيجاباً، كأن يكون قوم مثلاً حين يواجهون مسائل نقدية ودقيقة يتعاملون معها بنحوٍ نقدي دقيق.
4- العادة في علمٍ ما (العُرف الخاص) حددتها باللون الأحمر؛ لأنها عملياً شائعة ونظرياً منتفية؛ أي أن الأفراد الذين يعملون في فضاء علمٍ ما تتشكل لديهم تلقائياً عادات لكنها غير مدوّنة؛ ولذلك لا تُدرّس في أي جامعة، لكنها من الناحية العملية تؤطر ذهن المتلقي تماماً. وهذا شبيه بما يُعرف بـ«شم الفقاهة»؛ فمثلاً نسأل: أين تحدثتم في علم الأصول عن شم الفقاهة؟ لا توجد لدينا أصلاً مثل هذه المباحث، لكنها موجودة موضوعاً. وفي العلوم الأخرى يجري الأمر على هذا المنوال. كان أحد أصدقائنا الأطباء يقول: تعلمنا عادةً منذ القدم أن الزائدة الدودية عضو زائد، وإذا فتحنا بطن المريض لأي سبب كان نستأصل زائدته أيضاً. وكذلك إذا حضرت كطبيب عند مريض تم خياطة بطنه أستنتج أنه لا زائدة لديه، وإذا وجدت التهابات في بطنه أستبعد احتمال الزائدة وأبحث عن سبب آخر. هذا لا يُدرّس في النصوص الطبية، لكنه عادة استنتاجية.
من منظور نقد الذكاء، يُعد الاستنتاج من أخطر الأجزاء؛ وذلك لأنه لم يتم له تفسير نظري لكنه يُمارس عملياً. وفي هذه المواضع بالذات يمكن أن تقع أخطاء كثيرة. هذه مسارات تُسلك بحكم العادة، ويسود فيها الجهل المركب. وسأقدم حتى نهاية هذه الورشة أمثلة متعددة تُظهر أن استنتاجاتنا قائمة على العادات.

قلنا إننا نركز في هذه الورشة على الكلام والنص. والكلام والنص يقعان في إطار اللغة؛ لذا ينبغي أن ننتبه إلى أن اللغة الطبيعية والعلوم، كل منهما يسير في مساره الخاص. فالعلوم حين تتكلم تستخدم لغة لم تنتجها هي بنفسها؛ بل أنتجها العرف العام، والعلوم مضطرة لاستخدام هذا المنتوج، وهو ما يُحدث في كثير من الحالات نوعاً من الانحراف.
ورغم أن العلوم تصنع مصطلحاتها، إلا أن قسماً مهماً من محادثات العلوم يقع في إطار العرف العام، وهناك تظهر المزالق. ثمة باحث أوروبي فحص أحد كتب أرسطو من هذه الزاوية، أي في أي المواضع يستخدم أرسطو الكلمات كمصطلحات للفلاسفة، وتوصل إلى أنه استُخدمت كلمات كان عامة الناس يستخدمونها؛ مثلاً كلمة الوجود والذات والإنسان بالمعنى الذي يقصده الفيلسوف وبالمعنى المستخدم عند العامة. لم يُحدد أرسطو قط أنه حيث نقول الوجود، فهو الوجود بالمعنى الفلسفي، وفي موضع آخر نقصد المعنى المستخدم في الشارع والسوق. فالنصوص التي تُنتج تتأرجح باستمرار بين العرف العام والعرف الخاص. وكذلك الحال مع نصوصنا الدينية. يوجد حجم هائل من كلمات المعصومين في مصادرنا. وقسم كبير من العبارات المستخدمة هي مصطلحات تخص العرف الخاص للمعصومين أنفسهم؛ أي مفاهيم عرّفوها هم بأنفسهم ويُعملون فيها النظر؛ مثلاً مفهوم الحجة تشكل في قالب مصطلح. ويؤكد كتاب الحجة للمرحوم الكليني على هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه الذي استُخدمت فيه الحجة بهذا المعنى، فهي كلمة لغوية أيضاً، ويستخدمها عامة الناس، وفي مواضع يستخدمها المعصومون بمعناها اللغوي. فمن يقوم بهذا التفكيك؟
لذا فإن إحدى المسائل التي نواجهها هي العلاقة بين لغة العرف العام والعرف الخاص، ونظراً لأن التركيب من اللغتين يُستخدم عملياً، فإنه أمر لا مفر منه ولا سبيل غيره. ولا يمكن الهروب من هذا إلا في المنطق الرياضي حيث يُعرَّف كل شيء في العرف الخاص، لكن لا يمكن تعريف العالم بالمنطق الرياضي.
في هذه الحالة نواجه علاقة اللغة الطبيعية بالمنطق. ينبغي أن ننتبه إلى أين تُستخدم هذه التصورات بمعنى العرف الخاص وأين تُستخدم بمعنى العرف العام. لا تقتصر مسألة العرف العام والعرف الخاص على مستوى اللغة فحسب، بل لدينا عرف عام وعرف خاص حتى في قواعد التركيب نفسها.
في المنطق التقليدي، عندما كنا نريد تعريف شيء ما، كنا نستخدم مصطلحات الحد التام، والحد الناقص، والرسم التام، والرسم الناقص، ولكننا كنا نقول أيضاً هناك إن بعض التعريفات هي شرح للفظ، أما العرف العام فعندما يعرّف شيئاً فإنه يكون شرحاً للفظ.
هذان النموذجان اللذان يمكننا فصلهما عن بعضهما، فصلهما علماؤنا منذ القدم؛ فعلى سبيل المثال، صادفنا في كتب الفقه هذه الظاهرة حيث فُصل بين العقل العرفي والعقل الفلسفي، وفي كثير من المواضع تعرض الأصوليون للانتقاد لأنهم أدخلوا العقل الفلسفي في استنباطاتهم الفقهية؛ لأن الفقه ناظر إلى العرفيات والفلسفة ليست ناظرة إلى العرفيات. وهذا الفصل بين العقل العرفي والعقل الفلسفي يعود تحديداً إلى مسألة نقد الذكاء. ذلك العالم الذي يعترض على صاحب ذخيرة المعاد بأنه أدخل مباني الفلسفة في المباحث الفقهية، يريد بالضبط أن يقول إنه يجب الفصل بين هذين المنطقين، ولكل منهما قواعده الخاصة.
لنفترض مثلاً أننا نتحدث عن النية، يُطرح هنا سؤال: هل ينبغي بحث النية بوصفها فعلاً أم مجرد قصدية واتجاهية؟ شخص يذهب نحو صنبور الماء ويغسل وجهه ويديه ويمسح ثم يقول هل نويت أم لا؟ أي تحليل نتبناه للنية يمكن أن يكون تحليلاً فلسفياً أو تحليلاً عرفياً. لقد انتبه كثير من متقدمينا إلى هذا الموضوع.
لذا، فإن اللغة لا تقتصر على إحداث التمايز في العلاقة بين منطق العرف العام والعرف الخاص على مستوى الاصطلاح والمفردات فحسب، بل يمكن أن تختلف أيضاً في أساليب الاستدلال.
د. صفري: هل تقصدون معنى خاصاً من كلمة العقل؟
كلمة العقل نفسها تعني استخدام أدوات الاستدلال وتعريف الأمور. إنها في الواقع قواعد التفكير نفسها. أستخدمها بمعنى المنطق ذاته، وعندما يقولون العقل الفلسفي والعقل العرفي، فإنما يقصدون المنطق الفلسفي والمنطق العرفي.
إن سبب تحول مباحث الألفاظ إلى مبحث مهم في علم الأصول هو أنهم شعروا بأن مسألة اللغة وعلاقة العرف العام بالعرف الخاص مهمة في فهم المتون والنصوص، وانتبهوا إلى أنه لكي نتمكن من فهم النصوص فهماً مناسباً، يجب أن نعتمد على العرف العام، ولهذا السبب تحديداً كان الأصوليون يوجهوننا إلى العرف العام. لم يكن الأمر أن لديهم منطقاً خطابياً منفصلاً عن منطق العرف العام الخطابي. كان هذا على خلاف علم الفلسفة حيث كان الأفراد يُدرَّبون منذ البداية على استخدام ألفاظ خاصة واستعمال الكلمات بدقة في معانيها المحددة. وهكذا كان يمكننا أن نعترض على طالب الفلسفة بأنه خرج عن التعريف.
سؤال: يغيب عن بحثكم العقل الارتكازي. أحياناً يكون العرف، وهو يمارس فعله، يستخدم العقل نفسه الذي يقوم العرف الخاص فقط بتدوينه. في مثال الحد والرسم الذي ذكرتموه، ألا يفهم العرف ما الفرق بينهما؟ إن عمل علم المنطق هذا ليس خلقاً لعرف خاص في مقابل عرف عام، بل هو تدوين للارتكاز الذي يستخدمه العرف العام. ومباحث الألفاظ أيضاً تُدوَّن.
هذه بالضبط إحدى مسائل العادات الفكرية. الفرق بين العادات الفكرية التي تنشأ من تلقّي التعليم في فضائين مختلفين. لم أنظر إلى المسألة بهذا الشكل. نظرتي هي أننا نواجه عجينة لم تتشكّل بعد. العقل الارتكازي هو صورة موجودة لم تتشكّل بعد في قالب.
نظرتكم هي نوع من النظرة الأفلاطونية التي تقول بوجود شيء ما وعليّ أن أكشف عنه. وهناك نظرة أخرى هي أننا نواجه ظاهرة غيمية لم تتشكّل بعد وسنقوم بتشكيلها. تلك النظرة الأفلاطونية تدفعنا نحو نظرية كالعقل الارتكازي، لكن النظرة الأخرى لا تريد أن تتحدث بشكل خيالي عن أشياء لا يمكن إظهارها. المقصود هو أنها موجودة على هيئة غيوم ويجب أن تمطر. إذا تحدثنا عن أن الله قد منح الإنسان نظاماً معرفياً ومَلَكة للكلام، وبدأ الإنسان في استخدام تلك الإمكانات، فإن هذه الإمكانات تؤدي إلى التشكّل التدريجي لسلسلة من القوالب المحددة. نظرتنا بالضبط هي أننا في مرحلة نمارس فيها سلسلة من الأنشطة غير المقولَبة حتى نصل إلى نقطة نقولبها فيها.
نحن ننظر إلى القضية بسيناريوهين.
حجية قول اللغوي
في كتب الفقه والأصول تُطرح مسألة حجية قول اللغوي؛ أي أنه لا توجد وجهة نظر بين الأصوليين بأن المرجع في تحديد معنى اللفظ هو الفقيه والأصولي، بل يحيلون ذلك إلى اللغوي والنحوي. ما هي خاصية هذا؟ هذا البحث مهم جداً من منظور نقد الذكاء. تارة نقول إن الناس يتكلمون والله خلقهم متكلمين، يحتجّون ويؤلّفون الجمل. وتارة تريد أن تعطي هذا صورة علمية مدوّنة؛ فيُبنى علم اللغة والصرف والنحو والمنطق من هذه المكالمات بين الناس.
أريد أن أدخل في مسألة من يقوم بهذا العمل؟ كان بإمكان الفقيه نفسه أن يقوم بهذا العمل ويكون مكتفياً بذاته، لكنه وُضع على عاتق مجموعة أخرى. عرف خاص يحيل إلى عرف خاص آخر بشأن العرف العام؛ أي أننا نواجه إحالة ثلاثية الأطراف. نحن هنا نواجه نظاماً ذا نموذجين، وعندما يحيل العرف الخاص إلى عرف خاص آخر، يكون قد اعترف بنظامه الفكري. معناه قبول موازٍ ومتكافئ لنماذج دراسية وذكاءات مختلفة.
د. صفري: هل تم هذا العمل بذكاء أم عن اضطرار؟
يمكن القول في الجملة إنه كان بذكاء وعن إرادة، لكن بشكل تفصيلي يجب أن يُدرس في مجال دراسي.

النصوص الدينية، بالنظر إلى أن مخاطبها هم عموم الناس، من أي مسار يجب أن تُفهم؟
المنهج في علم
العادة عند قوم
العادة في علم
بما أننا فصلنا العادة عن المنهج بوعي، فإن السؤال الذي طرحه الدكتور صفري يؤثر في هذا الجزء؛ بمعنى هل أن الفقهاء كانوا يعتبرون قول اللغوي حجة في استنباط معاني الألفاظ بناءً على إحاطة تفصيلية بمناهج اللغويين في طريقتهم في الاستدلال، أم أنهم اتخذوا هذا القرار في الجملة؟ هل هذه عادة فكرية أم منهج؟
في أي موضع من علم الأصول ندخل في نقد وتقييم النماذج الفكرية لدى اللغويين وندرسها ونثبت حجيتها، ومن ثم نحيل إلى اللغويين؟ لم يتم هذا العمل أصلاً. يبدو أننا اعتبرنا هذا المبحث مفروغاً منه، لكن الأمر مختلف جداً لو كان هذا العمل قد تم بوعي. أعتقد أن قسماً مهماً من هذه الإحالات هو عادة في علم، وليس منهجاً.
على سبيل المثال، ثمة خلاف قديم جداً بين اللغويين والنحاة في الكوفة والبصرة. كان الكوفيون يرون القياس حجة في اللغة، بينما لم يكن البصريون يرونه حجة. عندما نقول إن قول اللغوي حجة، لا نسأل أبداً: أي لغوي نعني؟ ولا نقول أبداً: إذا كان القياس ليس حجة في الفقه، فهل هو ليس حجة في اللغة أيضاً؟ مع العلم أن اللغة ليست من جنس الشرعيات، بل من جنس العرفيات. لو أوضحنا موقفنا من هذه المسألة، لاستطعنا القول إننا نستطيع التعامل مع هذه الفئة من اللغويين ولا نستطيع التعامل مع تلك الفئة. لكننا، باعتبار أن علم اللغة يتبع أصوله الخاصة، نقوم بالإحالة إلى قول اللغوي بشكل مجمل دون أن نحدد بناءً على قول أي لغوي نتحدث. وهنا يصح القول إن هذه الإحالات يمكن أن تكون عرضة للنقد.
التفاعل بين الذاتية والموضوعية
إصلاح الذاتية بالموضوعية

هذا من المواضع المهمة في نقد الذكاء والتحليل المنطقي. نعلم جميعاً أن إحدى المعضلات التي كانت قائمة في مجال المعرفة هي مسألة العلاقة بين الموضوعية والذاتية. أي نقاش يُطرح في مجال نقد المعرفة يتركز على هذه العلاقة. ما هي عملية إصلاح الذاتية بالموضوعية؟ كيف يمكن سلوك طريق يجعل ذاتياتنا أكثر انطباقاً مع الموضوعية، وينقذنا من الانغلاق في ذاتية النص؟
أحد علماء أوائل القرن العشرين، ويدعى ياكوب فون أوكسكول، تناول مسألة العلاقة بين الذاتية والموضوعية. وهو يرى أننا في الحياة اليومية في حوار دائم بين الذاتية والموضوعية؛ أي أننا كلما نصل إلى ذاتية معينة، تأتي الأحداث اللاحقة لتنبهنا إلى ضرورة إصلاح ذاتيتنا. على سبيل المثال، قد أصل إلى نتيجة أن شخصاً ما يريد بي خيراً. وبمجرد أن أرى منه سلوكاً غير لائق، أُصلح ذاتيتي. نحن البشر، طوال حياتنا، في حالة تحدٍّ دائم بين الموضوعية والذاتية.
في هذا الجزء، أود أن أنقل هذا التحدي إلى فضاء نقد الذكاء والتحليل المنطقي في مجال الدراسات الإسلامية. سمعنا جميعاً أن الفقهاء الذين يتولون منصب القضاء يكون فقههم أكثر واقعية من غيرهم، والسبب في ذلك هو هذا التفاعل بين الذاتية والموضوعية. الشخص الذي لا يحتك بمشكلات الناس، ويواجه مسألة مثل النشوز، يطرح في ذهنه تفريعات كثيرة، لكنه حين يذهب إلى المحكمة يدرك للتو أن ثمة مسائل كثيرة لم ينتبه إليها.
نمر على بعض الأمور بسهولة بالغة؛ مثلاً، الحديث عن التمكين سهل على الورق، لكنه حين يُطرح على مستوى المحكمة يصبح شديد التعقيد. مسألة التمكين ليست كمسألة تسليم المال التي يُلزم القاضي الطرف بإعادتها.
مسألة الحكم هي إحدى هذه الحالات. لو قارنتم هذه السنوات من حكم الجمهورية الإسلامية بمئات السنين من التشيع دون حكم، لوجدتموها مختلفة جداً. كثير من هذه الأحكام لا بد من تنفيذها، وفي التنفيذ تتجلى صعوبتها. للقضاء والحكم دور بالغ الأهمية في إصلاح الذاتية بالموضوعية. إنه اختبار دائم للذاتيات بالواقع الموضوعي الخارجي، ويُقلص الفجوة بينهما.
د. صفري: المسائل التي تذكرونها استقرائية، ويمكن إضافة أمور أخرى إليها. عاداتكم التفكرية كانت مؤثرة في هذا المجال.
الجزء المتعلق بمسألة العلاقة بين الذاتية والموضوعية بحد ذاتها ليس من عاداتي التفكرية، بل هو مما دُوِّن. أما الأمثلة التي ذكرتها، كالقضاء والحكم، فهي أمثلتي الخاصة، ويمكن أن تكون لها مصاديق أخرى.
هناك أشخاص حين يصلون في مقام الدرس إلى كتاب بيع الحيوان يقولون بأسف إن مسألة العبيد والإماء كأحد أحكام الإسلام قد عُطّلت، بل ويصل بهم الأمر إلى القول بأنه ينبغي، من باب "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"، أن نربّي متخصصين لفحص أنساب الأفراد ليروا من كان أجدادهم من العبيد الذين لم يرضَ مالكوهم بعتقهم، وأعتقتهم الدولة جبراً. يقولون إن اختلاط الحلال بالحرام سيقع. وهذا بالضبط في مقام يبدو فيه المتكلم وكأن لا شأن له بالوقائع الخارجية، ولا يلتفت إطلاقاً إلى ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله. هل طلب منا الشرع المقدس شيئاً كهذا؟
إن ابتعاد الذهنية عن العينية آفة. ولهذا السبب برزت مسألة الواقعية في مقابل الشكلانية. من المواضع التي لمست فيها هذا الفرق مسألة انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي في مبحث الخنثى المشكلة. فالشكلانية في هذه المسألة واضحة كل الوضوح. يخلصون باستدلال إلى أن امرأة ورجلاً ينبغي أن يفحصا العضو المعهود ليريا أيهما الأصلي. وخلافاً للمتوقع، وبناءً على انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، نُسند فحص كل عضو تناسلي إلى الجنس المخالف. عندما نفحص الاستدلال نجده صحيحاً من الناحية الشكلية، لكن إذا نظرنا إليه بالعقل العرفي لوجدنا أنه لو فحص كل جنس العضو الخاص بجنسه لكان ذلك أنسب؛ أي أننا قد سقطنا في الاستدلال إلى درجة أن كل من يسمع به يتعجب ويظن أن خطأً قد وقع من الكاتب. بينما حين تُشرح في المبحث مسألة انحلال العلم الإجمالي إلى التفصيلي، ندرك أنه إذا نظرت امرأة إلى عضو أنثوي فإنها ترتكب فعلاً محرماً على كل حال، وإذا نظرت امرأة إلى عضو ذكري فإنها ترتكب فعلاً محرماً في إحدى الحالتين؛ وعليه، فحيث لدينا علم تفصيلي بالحرام يجب تركه والذهاب إلى الحالة المشبوهة. هذا هو الاستدلال، ولا إشكال فيه ظاهراً، لكننا نواجه شكلانية مفرطة وقد صرنا شكليين أكثر مما ينبغي.
لي مجموعة مقالات بعنوان تأملات في التاريخ والثقافة الإسلامية، فيها مقال بعنوان «الشكلانية والواقعية»، شرحت فيه هذا الموضوع بأمثلة كثيرة، كيف تتحول الشكلانية إلى آفة. وقد أشار الشهيد مطهري في بحثه إلى نماذج من الشكلانية.
بعض هذه النماذج يتحول إلى حالات افتراضية عجيبة وغريبة. في بدايات طلبي للعلم كنت أدرس كتب الشافعية والحنفية. ومن جملة ذلك حواشي «القليوبي وعميرة» على كتاب «منهاج الطالبين» للنووي، وفيها موضوع شيق للغاية. هناك حين يناقش الحيوانات محللة الأكل ومحرمتها ترى نموذجاً بارزاً للشكلانية. يبحث حالات مختلفة، منها: إذا تزاوج خروف وخنزير ووُلد لهما نسل، فهل يحكم على هذا النسل بطهارة العين وحلية اللحم أم بنجاسة العين وحرمة اللحم؟ أي هل يُلحق بالخنزير أم بالخروف؟ ثم يذهب إلى الأصول العملية ويريد أن يثبت مطلبه بها. لا يهمه البتة هل هذا الشيء ممكن أصلاً؟ والأفظع من ذلك أنهم يكتبون في بعض هذه الحواشي: إذا تزاوج خروف وإنسان ووُلد لهما نسل، فهل يُلحق هذا النسل بالإنسان وتجري عليه الأحكام التكليفية، أم هو خروف ويمكن ذبحه؟ إلى أين يمكن أن تمضي الشكلانية؟ هذا كتاب دراسي يقرؤه طلاب المذهب الشافعي، وهؤلاء الأفراد يستدلون هكذا، وتتأثر استدلالاتهم الأخرى بهذا النموذج.
هنا أيضاً نواجه شكلانية مفرطة، وقد انقطعت صلة التفكير بالعالم الواقعي، وأصبح الفرد يسير في عالم خيالي.
دكتور صفري: هل دور العلوم السابقة مؤثر في مسيرة الإصلاح؟ أعني إذا كانت علوم شخص ما السابقة ذهنية النزعة ثم دخل في هذه العلوم. أو إذا كان شخص ما يتعامل دائماً مع العيان ثم دخل في هذه المباحث.
حتماً تحصیلات یک نفر یا مکانی که در آن تحصیل کرده، مؤثر است. از قدیم معروف بوده است که فقه نجفی با فقه قمی فرق دارد و هنوز هم دارد. افرادی که تحصیل کرده نجف هستند طور دیگری استدلال میکنند. همهجا همینطور است. در اروپا نیز در انگلستان تفکر آکسفوردی با تفکر کمبریجی متفاوت است.
مطالعه متمرکز بر مطالعات نامفهوم

برخی مواقع بدون اینکه مسئلهمان را با موضوع حل کرده باشیم و موضوع برایمان مفهوم شود در مورد آن بحث میکنیم و منطقی را بر روی تصوراتی سوار میکنیم که اجمالی و یا کلاً وهم هستند؛ مثلاً صاحب جواهر در قسمت میاه ثلاثه میگوید: نمیدانم وذی چیست؟ ولی پاک است. اقوال مختلف است و غالب کتب لغوی چنین لغتی را ندارند و حتی ممکن است تصنیفی از ودی باشد. چرا پاک است؟ زیرا عموماتی داریم و میتوانید با مراجعه به آنها این را ثابت کنید. صدور حکم طهارت در مورد مایعی که از بدن خارج میشود و حتی نمیدانیم از کجای بدن خارج میشود، دقیقاً نمونهای از دور شدن از فضای واقعی است. نتیجهاش این است که ما با این موضوع کنار میآییم که من کارم این است که با متدولوژی خودم ثابت کنم که این چیز حلال و پاک است.
در طول این سی سال اخیر در فضای طلاب با این پدیده مواجه میشویم که به سراغ موضوع شناسی میروند. درحالیکه در قدیم میگفتند موضوعگرایی شأن فقیه نیست. دلیل توجه به موضوع این است که قرار است این موارد کاربردی شوند.
مثال دیگر در مورد خز است. در مورد آن دو قول وجود دارد: 1- پوست حیوان است. 2- بافتهای شبیه به ابریشم است. کسی که فکر میکند پوست حیوان است در قابل تذکیه بودن حیوان و نمازخواندن در آن صحبت میکند و کسی که بافتهای از ابریشم میداند در این مورد فکر میکند که آیا ابریشم خالص است یا با پشم و پنبه مخلوط شده است؟ آیا صدق حرمت پوشیدن ابریشم و نمازخواندن در آن میکند یا نه؟ درهرصورت پوست و پارچه با هم فرق میکند؟ حتی از جهت مناط نیز با هم متفاوت هستند؟ نهایت گفتهاند که در خز میتوان نماز خواند ولی نمیدانیم خز پارچه است یا پوست؟ من میفهمم که شان فقیه نیست که به موضوع بپردازد ولی این یکجور منطق و یک شیوه فکر کردن است که بتوانم بهراحتی حوزه تصورات را از حوزه تصدیقات جدا کنم و درباره تصوراتی به استدلال درست برسم درحالیکه مشکلم را با تصوراتش حل نکردهام.
ما دقیقاً با مدلی شبیه به منطق صوری ارسطویی مواجه هستیم. این منطق میگفت که من یک قیاس اول دارم که اعلی درجات قیاس است و قیاس هم اعلی درجات استدلال است ولی من با مقدماتش کار ندارم بلکه به شما میگویم که این فرم منتج است ولی اینکه در این فرم چه موادی را قرار دهید میتواند مواد فاسده باشد یا صالحه که هر کدام نتیجه خاص خود را دارد. این مدل شبیه به همین مدلی است که از آن صحبت میکنم و تحت عنوان شکلگرایی مطرح میشود زیرا با مواد کاری نداریم و فقط با شکل استدلال کار داریم.
سخن محوری

در دور شدن ذهنیت از عینیت مسئلهای مطرح میشود که بخصوص در پنجاه سال اخیر موردتوجه اندیشمندان قرار گرفته است. این اصطلاح بنام لوگو سانتریسم (سخن محوری) در مقابل آنتروپوسنتریسم است. سخن محوری را به معنای غرق شدن در آن قلتهای فراوان و بسط نظریه بر اساس نظریه بدون آزمون با دنیای واقع تعریف کردهام. در گفتگوهایی که داریم با نمونههایی از این موضوع مواجه هستیم.
لنفترض أن شخصًا يريد الحديث عن أن بعض الأفكار لم تُدوَّن، بينما دُوِّن بعضها الآخر. هذه هي الخطوة الأولى. والآن لنتحدث عن هذا الكلام والمثال الذي طرحته، ما وجهه؟ يُوجَّه نقد لهذا المثال. وأنا، على نحو ما، وفي مقام الدفاع عنه، أبدأ بالحوار والدفاع عن هذا المثال. يقول الطرف المقابل: لنناقش علم الأمثلة، وهل الأمثلة التي نضربها صحيحة أصلًا أم لا؟ ومرة أخرى يطرح شخص إشكالات حول علم الأمثلة، وبعد فترة نجد أنفسنا غارقين في مباحث متعددة وقد خرجنا عن الموضوع الأصلي.
فعلى سبيل المثال، حوالي سنة ثلاثمائة للهجرة، كان للخوارج حكومة في عُمان، وكان إمامهم شخصًا يُدعى راشد بن نظر. جرت عادة الخوارج أنهم إذا اختلفوا مع إمام، نزعوا بيعتهم منه. في مرحلة ما، طُرح نقاش حول راشد، هل ارتكب فعلًا يستوجب التوبة أم لا؟ فوقع الخلاف. أولئك الذين اعتقدوا أنه ارتكب فعلًا ورأوا أنه لم يتب، صفّوا أنفسهم ضده وبايعوا شخصًا آخر. أما المجموعة الأخرى فدعمته، فنشأت حكومتان مختلفتان.
حتى هنا، كانت القصة بسيطة. أنصار راشد دفاعًا عنه، وخصومه معارضة له، ألّفوا الكتب ونظّروا. وبعد فترة تحولوا إلى فرقتين: الرستاقية أنصار راشد، والنزوانية خصومه. بعد ذلك، كُتبت جبال من الكتب في هذا الشأن. للخوارج جملة من "كتب الولاية" التي تحدد من نتولاه، و"كتب البراءة" التي نتبرأ ممن. وكان لكل من هاتين المجموعتين كتب ولاياتها وكتب براءاتها الخاصة.
في القرن الخامس، قررت مجموعة ضاقت ذرعًا بهذا النزاع في مدينة صحار بعُمان أن تحسم الأمر، وقالت: نحن نقول بالتوقف، فلا نتبرأ من أحد ولا نتولى أحدًا. عُرف هؤلاء بالصحارية، وأنتجوا آثارًا. ومنذ ذلك الحين، صار الرستاقيون والنزوانيون، في الوقت الذي يكتبون فيه الردود ضد بعضهم البعض، يكتبون الردود أيضًا ضد الصحارية، فحواها: أيعقل أن يتوقف المرء في هذا الموضوع؟
استمرت هذه القصة حتى القرن العاشر، وبلغ عمر هذه القصة سبعة قرون. والحق أن ما يقرب من نصف ما كُتب في تاريخ عُمان إنما هو عن هذه القصة بالذات. لقد استنفدوا نصف طاقتهم كلها في هذا الموضوع. موضوع ضاع أصله، ونُسي النزاع الأول بالكلية.
هذا مثال مناسب جدًا للكلام المحوري، وهو مصداق الكلام يجر الكلام. كان الأمر في البداية مختصرًا جدًا، لكنه نوقش حوله بشكل هائل.
وفي مثال آخر، يمكن الإشارة إلى عادة كتابة الشروح. مثال منهاج الطالبين نفسه، حيث يكتب عليه عدة أشخاص شرحًا، وتكتب جماعة أخرى على هذا الشرح حاشية. إذا راجعت كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة، ترى أن عادته أن يعرّف بمتن ويذكر جميع الحواشي عليه، فيفلت زمام الأمر من يدك ولا تدري أهذه الحاشية على المتن الأصلي أم حاشية على شرح آخر؟ هذه كلها مؤشرات على الكلام المحوري. في هذه الطريقة، بدلًا من أن نسعى لفهم المتن الأصلي، ننغمس في موضوع: ماذا قال فلان؟ وما النقطة في كلامه التي يجب أن أفككها؟ ويقول شخص آخر: لم تفككه بشكل صحيح، بل كان قصده كذا. وفجأة نواجه تضخمًا في الشروح والحواشي.
ليس الأمر دائمًا أن النص الأصلي يكون غامضًا ويحتاج إلى حاشية. ففي كثير من الأحيان، يكون الشرح من باب "الكلام يجر الكلام". في بعض المؤلفات ترى في صلب النص منطق "الكلام يجر الكلام". عندما كنا نقرأ قوانين الميرزا القمي، كنا نواجه الكثير من "إن قلت، قلت". في أحد المواضع يكتب الميرزا أن الليل تحول إلى صباح وما زلت أكتب: "إن قلت، قلت"؛ أي في حاشية ذلك الكلام يرد على الذهن شبهة جديدة فنجيب عليها، وتستمر هذه العملية فنخرج عن البحث الأساسي. غالبًا ما يكون "الكلام يجر الكلام" هو الذي يأخذنا، بدل أن تكون لدينا خطة ونسعى لدفع تلك الخطة إلى الأمام. من الأمور التي نرى فيها أن الطلاب يبدون اهتمامًا بمؤلفات الشهيد الصدر هي أن الخطة الأساسية هي التي تدفع العمل إلى الأمام، وحيثما يشعر الشهيد أن النص يُجر إلى الهامش يغلق البحث بسرعة. عندما تفلت زمام الأمور من الخطة الأولية والواقع، نواجه فجأة تضخمًا في المطالب التي ابتعدت عن البحث الأساسي. وهذا أيضًا من المباحث التي تحظى بالاهتمام في نقد الذكاء بوصفه أحد الأنماط المعيبة في الذكاء.
الدكتور صفري: ألا يمكن من منظور آخر دراسة تأثير هذه الأمور على نمو العلم؟ من حيث أنها تفتح آفاقًا جديدة.
هذا البحث مبدئي. فمثلاً قد تقول إنه لولا الشروح على كفاية الآخوند الخراساني لما كانت مطالبها تُفهم جيدًا. أنا أقول إننا هنا نلتفت إلى المعلول لا إلى العلة. في حين أن الآخوند كتب الكفاية بهذه الطريقة لأن هذه الطريقة في الكتابة كانت قد ترسخت في ذلك الزمان؛ أي أن النظام كان قد اتجه نحو أن يكتب بطريقة يمكن شرحها لاحقًا؛ لذا أقترح أن نبحث من هذا المنطلق: لماذا وقعنا في هذا المسار؟ طبعًا لا فرق بيننا وبين أهل السنة، فقد سرنا في مسار واحد.
أنا شخصيًا كنت من الطلاب الذين يقرؤون الحواشي، لكن في كتاب حاشية الملا عبد الله نفسها، وهي حاشية على كتاب تهذيب المنطق لصدر الدين التفتازاني وتُدرّس كنص في الحوزة. كُتبت حواشٍ مختلفة على حاشية الملا عبد الله. كما أننا في معهد العلوم الإنسانية ندرّس مادة باسم "نظريات اللغويين المسلمين" لطلاب الدكتوراه في تخصص اللسانيات، وفي إحدى الجلسات شرحت نظرية دلالية من إحدى حواشي حاشية الملا عبد الله اليزدي.
هذا ليس مسارًا صحيحًا ومناسبًا للتطور المنهجي للعلم. اليوم يُسمى هذا العمل "مطر الأفكار". بوصفه مطرًا للأفكار، هذا العمل مفيد جدًا، ولكن ما هي النسبة المخصصة لكل منهما مقارنة بالتطور المنهجي للعلم؟ إلى أي مدى نواصل مطر الأفكار وهل ينبغي ألا نجمعه؟ مسألة حاشية الملا عبد الله، قد لا تُقرأ كثير من حواشيها أبدًا، وهي مجرد كلام قيل ولم يترتب عليه أثر. مطر العلم يجب أن يُضبط ويُستثمر.
لذلك لسنا نعارض أصل القضية، لكن نقدنا هو أن هذا العمل يتحول إلى جسد نظامنا، وتطور علمنا بدل أن يقع في مسار نمو العلم، يتحرك في باب "إن قلت، قلت". في مرحلة ما يجب أن يُجمع شتات هذه الـ "إن قلت، قلت". لقد حظي بحث "الكلام-محورية" في مقابل "الإنسان-محورية" (حيث يُتابع الباحث المسألة) بالاهتمام في الخمسين سنة الأخيرة، والأشخاص الذين طرحوا هذه البحوث طرحوها لنقد مسائلهم الثقافية، لكن يبدو أننا نستطيع نحن أيضًا الاستفادة من هذا الموضوع.
الأسطرة

من البحوث المطروحة في مسألة التفاعل بين الذهنية والموضوعية في مسألة الذكاء هي الأسطرة. الأسطرة تعني تحليل الأمور بناءً على قواعد غير متعارفة وتعميم العالم الواقعي على منطق فهم العالم؛ أي دائمًا تقع في العالم الواقعي أحداث تكون غير مفهومة لنا ولكننا نعممها؛ بمعنى أن العالم يجب أن يُفهم هكذا. فبدل أن نتواصل مع الواقع، ننظر إلى الوقائع بنظرة أسطورية أكثر.
ليس للفكر الأسطوري جانب سلبي دائمًا. جانبه الإيجابي هو أن النظرة الأسطورية تساعد الإنسان على الخروج من روتين الحياة اليومية. حتى اليوم، نرى كيف أن بعض القصص الأسطورية تؤدي إلى توسيع أفق رؤية الإنسان. لو تحدث أستاذ لساعات طويلة عن هيمنة الحاسوب، فلن يكون لذلك الأثر الذي يتركه مشاهدة المرء لفيلم الماتريكس. هذا الفيلم أسطورة. هدفنا هو أن ندرس: فيمَ تفيد الأسطورة؟

دكتور صفري: هل الأسطورة مرادفة للخرافة؟
هناك فرق. قد يكون للأسطورة منظور للواقع الخارجي ولكن يتم شرحها بناءً على قواعد غير مألوفة؛ فمثلاً، قد نصنع من ابن سينا أسطورة لا تمت للواقع بصلة. ابن سينا ليس خرافة، وله وجود في الواقع الخارجي.
دكتور صفري: هل يمكن للقواعد أن تكون غير مألوفة؟
بالضبط، هذه هي النقطة. عندما نبحث عن قاعدة، فإن هذه القاعدة تقع في فضاء غير مألوف. الفضاء الأسطوري يبحث عن قاعدة، لكنها غير مألوفة؛ فمثلاً، عندما نتحدث عن آلهة الإغريق، توجد قواعد. هناك تقسيم للعمل بين الآلهة. زيوس لا يتدخل مباشرة في المسائل المتعلقة بالبحار. إنه يمنح نوعًا من الاستقلال العملي لإله البحار. إذا واجه شخص ما مشكلة في البحر، فهو يعلم مع من يتعامل. أسطورة أوديسيوس تُظهر بحّارًا يُدعى أوديسيوس، الذي يرفض بسبب تكبره أن يحني رأسه لإله البحار، لكن ليست لديه مشكلة مع زيوس. يحاول أن يسلك طرقًا مختصرة لينجو من مكر إله البحار، ولكن كلما اقترب من الشاطئ، يثير إله البحار عاصفة تعيد أوديسيوس إلى عرض البحر.
أولئك الذين صاغوا هذه الأسطورة كانوا يسعون بالضبط إلى خلق قواعد؛ لكن هذه القواعد غير مألوفة؛ أي أنها لا تشبه قواعد الحياة اليومية.
فمثلاً، في ثقافتنا الشعبية، تُروى أحاديث عن الجن لا علاقة لها بالقرآن أو المعصومين، بل هي خرافات وأفكار سائدة بين العامة. هذه من جنس الأسطورة، لكن لها قواعد؛ فمثلاً، إذا أنجبت امرأة طفلاً، فهي تعلم أن
نحن بمنطقنا المألوف لا نستطيع أن ندرك على أي أساس كان اليوم؟ هذا في حين أن السماوات لم تُخلق بعد حتى يكتسب اليوم معنى. إذن نحن في عالمنا الخاص ونتحدث عن الزمان بمعنى آخر غير معناه المألوف. لكن مقاتل بن سليمان، طبّق هذا الأمر على أيام الأسبوع وعرّف اليوم تحديداً بأنه 24 ساعة. لقد أصبح الوضع أكثر تعقيداً مما كان عليه؛ أي أن تحديد أسماء الأيام هو من الأمور الاعتبارية والبشر هم من قرروا أن يكون لدينا سبعة أيام في الأسبوع. بل إن كثيراً من الأقوام كالإيرانيين قبل الإسلام لم يكن لديهم لمدد طويلة شيء اسمه الأسبوع. والأكثر إثارة من كل هذا أن "ما بينهما" يكتسب معنى حين لا أريد أن أفصل الأرض عن السماء منطقياً. الأرض كرة، وإذا لم يكن الشيء أرضاً فهو سماء، فأي شيء يوجد في هذا الوسط؟ هذا في الأساس نتاج نوع من النظرة التي لا يُفترض فيها أن أفصل الأرض عن السماء فصلاً قاطعاً، لكن مقاتل بن سليمان لم يفصل بينهما فحسب، بل يعتقد أن الله بعد خلق الأرض والسماوات، خلق يوم الخميس والجمعة "ما بينهما". لقد خُلقت السماء كلها في يومين، و"ما بينهما" أيضاً في يومين.
هنا تم الخلط بين منطقين. منطق يتحدث عن زمان ليس من جنس أزمنتنا المألوفة، ومنطق من جنس أزمنتنا المألوفة، وكانت النتيجة ما رأيناه.
.
.
للحصول على الملفات التالية انقر:
.
.
الجلسة الأولى من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي، الدكتور أحمد باكتجي
.
.
مواد ذات صلة:
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سپاس از تلاشهای شما در جهت ارتقاء دانش و فرهنگ ایران زمین. لطفاً فایلهای بیشتری از دکتر پاکتچی در سایت پرپیمانتان قرار دهید. قطعاً ایشان یکی از اندیشمندان ناشناختۀ سرزمین ما هستند. تا جایی که می دانم ایشان از استادان دانشگاه امام صادق هستند و می توانید فایلهای متنوع درسی ایشان را از آن جا جویا شوید. به درود