نقد الذكاء Intelligence criticism
في بداية هذه الجلسة، أعتزم تعريفكم ببعض المصطلحات الرائجة في مجال نقد الذكاء والتحليل المنطقي.
نحن نعيش في عالم توجد فيه عشرات الآلاف من الجامعات ومئات الآلاف من العلماء، ويجب أن تتحدد نسبة مطلبنا إلى المطالب المطروحة، وألا يكون، كما يُقال، نسجاً منفرداً بلا سابقة. هدفي هو أن أؤكد، عند مراجعة الأسس، أن هذا البحث لا يدّعي طرح كلام جديد. قد تكون أجزاء من هذه المطالب قيلت من قبل، لكن تدوينها وصياغتها وتوطينها في مجال الدراسات الإسلامية هو عمل جديد.
هنا، وضعت "الذكاء" مقابلاً لـ "Intelligence". هذه الكلمة بمعناها الاسمي تعني الذكاء، وهو ليس مجال عملنا، ولها استخدام آخر بمعنى استخدام الذكاء والالتفات إلى الجانب الفعلي من المسألة؛ أي الانتباه إلى ما يحدث. يحاول الفرد أن يستخدم ذكاءه لفهم المسائل. هذا هو المعنى الذي أقصده. حديثنا هو بالضبط عن كيفية الإنتاجية واستخدام الذكاء.
عند استخدام هذه القدرة، تُطرح مسألة منهج البحث، وهذا المعنى لا يُستخدم في مجال عمل علماء النفس. ولأن فعلاً يحدث، يمكننا نقده وتقييمه.
الروس يشيرون إلى هذا المصطلح بعبارة "Intelligentia" وقد أجروا دراسات كثيرة ومفيدة جداً في هذا الشأن، وسأقدم لكم حصيلة تلك الدراسات في هذه الجلسة.
المنطق
في هذه الجلسة، نستخدم كلمة المنطق بمعنى أوسع بكثير مما هو موجود في كتب المنطق القديمة. المنطق في عصر أرسطو هو "قوانين الصدق" التي يمكننا بناءً عليها أن نستنتج أي قياس منتج، وأنه ينتج عن هذه المقدمات هذه النتيجة. وقد عرّف "كانط" و"فريجه" المنطق بأنه علم الحكم والقضاء. وهكذا، دخل المنطق مجالاً جديداً. وهذه المرة، طُرح، إلى جانب قوانين منطق الصدق، البحث في قوانين التفكير أيضاً.
فقهاؤنا عندما كانوا يريدون إصدار فتوى، كانوا يستخدمون تعابير مثل "الأقوى"، "الأشبه" وما شابهها من صيغ التفضيل. معنى هذه العبارة هو أن هناك فتوى يمكن أن تكون قوية، لكن هذه الفتوى أقوى. عندما تُطرح هذه المسألة، فهي تُظهر أننا في مرحلة الحكم والقضاء بين حكمين أو أكثر، ولا تعني أن الأحكام الأخرى كاذبة وأن هذا الحكم وحده هو الصادق. هذا يقترب كثيراً من تعريف كانط، ويُظهر أن المنطق يقترب من معنى جديد.
في التعريف الجديد، يُعتبر المنطق قوانين التفكير ولا يُعتبر منطقاً صورياً فقط، وإن كان المنطق الصوري قد حافظ على قيمته حتى اليوم.
الدكتور صفري: هل كانوا ينكرون نفس الأمر؟
لم يكونوا ينكرونه، لكنهم لم يحصروا نفس الأمر في الصدق النفس أمري. جزء من المنطق يمكن أن يرتبط بالصدق النفس أمري، وجزء منه قد يكون للنظر في الترجيحات. خصوصاً في موضع لا نملك فيه طريقاً للوصول إلى نفس الأمر أصلاً. إذا كان الأمر من سنخ اعتبارات الشارع، وكان طريق الوصول إلى اعتبارات الشارع هو هذه الطرق نفسها، وبوسعنا أن نصل إلى الترجيح من خلال الأدلة التفصيلية، ففي هذه الحال قد لا يكون الحديث عن الصدق النفس أمري بحثاً شيّقاً.
كثير من الفقهاء الذين أفتوا بشكل قاطع في مسألة ما لا يرون أن فتوى الفقيه المخالف لهم كاذبة، بل يدور نقاشهم حول أن ما رأوه في الأدلة هو أرجح من فتوى الطرف المقابل. وهذا لا يعني مخالفة الصدق في نفس الأمر، بل يعني تعميم قوانين التفكير. فقوانين التفكير لها دائرة واسعة، ونتعامل في كثير من الحالات مع أمور من سنخ الأمور الاعتبارية، لا الأمور الحقيقية. لذا، ربما كان من الأفضل عند الحديث عن المنطق أن نستخدم عبارة «قوانين التفكير» بدلاً من قوانين الصدق.
إن قوانين التفكير أعم من قوانين الصدق، وهي لا تنفيها بل توسّع دائرة المنطق. قوانين التفكير لا تحصر القضية في مفترق طرق الصادق والكاذب. كان يوجد في المنطق القديم قانون يُسمى نفي الوسط؛ أي أنه لا توجد قضية في الوسط بين القضية الصادقة والقضية الكاذبة، وكنا نتعامل مع قضيتين متناقضتين. وبناءً على قوانين التفكير، اتسع مجال المنطق وتحول إلى منطق الحكم والتفكير.
أنا أعتبر المنطق هو قوانين التفكير.
أنواع المنطق:
في هذه المرحلة، أريد فقط الإشارة إلى المراحل المختلفة للمنطق. مؤسس المنطق القديم هو أرسطو. لم يخترع أرسطو المنطق، بل دَوَّنه؛ لأننا كبشر قادرون على تمييز الفكر الصحيح من الخاطئ، ولكن تدوينها في قالب سلسلة من القواعد وخلق مصطلحات وتحويل المنطق إلى عرف خاص يساعدنا أكثر في تحليل المسائل. أما التحولات التي حدثت في المنطق خلال القرون الأخيرة، فربما لو أجرينا مراجعة على تاريخ العلوم الإسلامية لأقررنا تماماً بأننا كنا نمتلكها، لكننا لم نتجه إلى صياغتها. فعلى سبيل المثال، كان أستاذنا آية الله أردكاني يقول: لا توجد صفحة في شرح اللمعة إلا وفيها تنقيح المناط. ومنذ عصر العلامة الحلي وما بعده، استُخدم تنقيح المناط على نطاق واسع في الفقه الإمامي، لكن هذا الاستخدام كان عملياً، ولم يُفتح فصل بهذا العنوان في مبحث الأدلة. وعندما ننظر في كتب أصول الحنفية، نراهم يناقشون طرق استنباط الحكم في أربعين صفحة. أما نحن فلم نقم بتنقيح المناط؛ لذا فإن نقاشنا يدور حول تدوين العلم.
والأمر نفسه في هذا النقاش. ففي كثير من العلوم الإسلامية، كانت لدينا مباحث تطوير المنطق في الممارسة العملية، لكننا لم نفتح لها أبواباً مستقلة في كتبنا؛ فمثلاً، لم نناقش بشكل مستقل منطق الصدق ودرجاته، وأنواعاً من الفكر ليست من مقولة الصدق، والحكم وشروط الترجيح. لدينا في علم الأصول مبحث التعادل والتراجيح، لكن لا يوجد لدينا في المنطق.
منذ زمن هيغل حدثت تحولات، حتى جاء لوكاسيفيتش، المنطقي البولندي، وطرح فكرة أن في الوسط بين القضيتين الصادقة والكاذبة، يمكن أن تكون هناك قضية محتملة. وكان هذا بالضبط دخولاً في مرحلة الحكم.
وبعد ذلك، نواجه أستاذاً إيرانياً لم يُعطَ حقه من الاهتمام في مجال المنطق. الدكتور لطفي زاده قدم نظرية اشتهرت باسم «المنطق الضبابي». لقد طرح هذا المنطق مبحثاً مثل درجات الصدق لم يكن موجوداً في المنطق القديم. لقد أدخل هذا المبحث في المنطق العالمي وأدى بذلك دوراً مهماً في عالم العلم.
بالإضافة إلى تعابير الأقوائية، هناك تعابير مثل «حسنات الأبرار وسيئات المقربين» التي تمثل صياغة في تطوير المنطق. عندما تحكم على عمل ما، هل هو حسنة أم سيئة؟ في هذه النظرة لا يوجد أي نوع من التدرج، لكن قد تكون لدينا في نظرة أخرى اعتبارات مختلفة في الحكم. فقد يكون العمل من وجهة نظر «أهل البر» حسنة، لكن إذا كان باعتبار مقربية الفرد فقد يكون سيئة.
هذا هو بالضبط تجسيد اعتبارات الحكم؛ فمثلاً، إذا طلبت سيدة مكرمة من زوجها أجراً مقابل إرضاع طفلهما، فإن أردت الحكم على هذا العمل، فستعطيها الحق في المقام الفقهي، لكنك من الناحية الأخلاقية والعرفية تراه بداية الفراق والنزاع الأسري؛ وبالتالي، نصدر حكمين مختلفين في مقامين مختلفين.
بعضی مباحث که فرصت پرداختن به آن نیست تنها به سرنخهای آنها اشاره میکنم تا اگر کسی به آن علاقهمند بود در آن موردتحقیق کند.
دیرینشناسی و تبارشناسی دانش و واسازی در مباحث نیمقرن اخیر در دنیا مطرحشده است کمک بسیار زیادی به توسعه این بحث میکند.
برای بحث امروز منابع بسیار زیادی دیده شده است و اینکه این بحث را تازه می دانیم به این معنا نیست که منابع دیده نشده است. از حدود چهارصد سال پیش (حدود سال 1620م) بحثهای جدی مطرحشده است. فرانسیس بیکن در این زمینه کتابی با عنوان «منطق جدید» است. از آن زمان متفکرینی به دنبال پیدا کردن یک منطق توسعهیافتهاند و به این نتیجه رسیدهاند که با منطق صدق نمیتوان مسائل را حل کرد و باید آن را بسط داد. بشر به موضوعاتی فکر میکند که همه آنها از جنس صدق و کذب نیستند. هرچند افرادی بعد از آنها گفتند که حتی منطق صدق نیز نیاز به بسط دارد.
چارلز سندرز پرس، فیلسوف دیگری است که آثار او در سال 1883 میلادی تحت عنوان «مطالعاتی در منطق» منتشر شد و در کار ایشان منطق صدق، بحث اصلی بود ولی او نیز به آسانی اعلام میکند که منطق صدق در معنای سنتی خودش پاسخگوی بسیاری از نیازهای ما نیست و ما نیاز داریم که بحثهای منطق را توسعه دهیم. او عملاً در کتاب مطالعاتی در منطق، این کار را انجام داده است.
افراد زیاد دیگری هم هستند که در این زمینه کار کردهاند. کاری که بنده انجام دادم ساماندهی آنها بود. کسی حوصله نمیکند اینهمه منبع را بخواند و در حوزه علوم اسلامی پیادهسازی کند.
در قدیم وقتی افراد به منطق توجه میکردند بیشتر موردتوجه فیلسوفان بود ولی امروز در ریاضیات و علوم دیگر نیز موردتوجه است.
ادامه گونههای منطق و هوشورزی
یک سؤال جدی پیش روی ما است که با منطق سروکار داریم یا منطقها؟ باید بپذیریم که برای کاربردهای مختلف منطقهای مختلفی وجود دارد.
بنده در بحث امروز میخواهیم بر آنجایی متمرکز شویم که منطق بهعنوان ابزار تحلیل در فهم متن استفاده میشود وگرنه بسیاری از افرادی که در مورد منطق حرف زدهاند در مورد ریاضیات و اکتشاف علمی بوده است که مسئله ما نیست و بحث ما سخن و اهداف آن است؛ زیرا در مباحث اسلامی با کلام شارع سروکار داریم و در برخی حوزهها نیز با عبارات فقها و متکلمین و مورخین سروکار داریم؛ بنابراین بهشدت مسئله متن و سخن برای ما موضوعیت دارد و موضوع منطق را با تمرکز بر اهداف سخن دنبال میکنیم.
اولین بحث در توسعه منطق این است که سخن دو نوع هدفآگاهشی و انگیزشی را دنبال میکند. هدف آگاهشی در جایی است که سخن، اطلاعاتی را منتقل میکند و هدف انگیزشی در جایی است که سخن حالتی را در انسان به وجود میآورد.
وقتی قرآن میفرماید: «الن یان للذین آمنوا أن تخشع قلوبهم لذکر الله» نمیخواهد اطلاع جدیدی را به ما بدهد بلکه میخواهد بگوید در خودتان تحولی ایجاد کنید. در ارتباطات روزمره نیز از این دو هدف استفاده میکنیم و گاهی نیز ترکیب میکنیم. کسی که شروع به وعظ میکند تنها در قسمتی از کارش اطلاعات میدهد ولی قسمت مهمی از آن تذکر و دارای هدف انگیزشی است و میخواهد مردم را وادار به رعایت اخلاق کند.
در بحث ما، هر دو هدف، منطق خود را دارند؛ مثلاً بحث انگیزشی نیز منطق خود را دارد که اگر بخواهی در مخاطب انگیزه ایجاد کنی باید سخن را چگونه بیان کنی؟ با توجه به کثرت بحثهای انگیزشی اگر در تحلیلمان فقط تحلیل آگاهشی و اطلاعرسانی را در نظر بگیریم کلام را مثله کردهایم. باید به دنبال منطقی باشیم که بتواند تمام مطلب را تحلیل کند.
يقول القرآن الكريم: «يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله». إذا نظرنا إلى هذه الآية بالمنطق الكلاسيكي، فإننا نواجه سؤالاً: إن كنا قد آمنا من قبل، فما معنى أن يُطلب منا الإيمان مرة أخرى؟ وإن لم نكن قد آمنا، أفلسنا عندئذٍ خارج دائرة هذا الخطاب؟ يسعى القرآن الكريم هنا إلى زيادة الدافعية لدى الأفراد. لم يتناول المنطق الكلاسيكي منطق الدوافع ولم يناقشه، بل اكتفوا بالإشارة إليه ومضوا. أمثال أرسطو في مباحث الصناعات الخمس، وبخاصة في الخطابة والشعر، يتحدث عن التحفيز في معرض حديثه عن صناعة الشعر؛ لأن الشعر يريد أن يستثير المخاطب.
وفيما يتعلق بالشق الإدراكي، ثمة نقاط أيضاً. فالإدراك أيضاً حين يدخل أعماق عالم الوجود يحتاج إلى منطقيات أكثر تعقيداً؛ فمثلاً، إذا كنت أفكر في موضوع أن الماء حين يُسخن يتبخر، وإذا عُرض لشيء بارد يتحول إلى ماء، وأحاول أن أراعي العلاقات السببية، فإنني أستخدم منطقاً معيناً. لكن حين أتحدث عن الجبر والاختيار، لا يمكنني استخدام المنطق ذاته؛ لذا فلكلٍّ منهما منطقه الخاص.
حين أتحدث عن قوانين التفكير، فإنها في بعض الحالات، نظراً لكونها في المتناول وقابلة للتجربة والتكرار، تتبع قوانين يسيرة الفهم بالنسبة لنا ونقلما نخطئ فيها؛ وحين نتحدث عن حقائق من أعماق العالم، فإنها لا تتبع عاداتنا الفكرية وهي من طبيعة أخرى. يمكننا تصور أن يرزق زوجان بطفل، لكن لا يمكن تصور كيف أن السيدة مريم أنجبت طفلاً بلا زوج؟ لا نستطيع أن نفهم العلاقات السببية على نحو صحيح؛ لأن هذا ليس حدثاً يقع كل يوم في حياة البشر.
والأمثلة على هذا كثيرة جداً. ربما نكون قد رأينا حيواناً يضع حمله، لكن تصوروا أن جبلاً ينشق وتخرج منه ناقة عظيمة وتضع حملها ولا ندري كيف حملت؟ لا نستطيع أن ندرك ذلك بعقلنا العادي. ومع ذلك، فإن النص المقدس يحدثنا. ومعنى هذا أن علينا أن نفكر في هذا الموضوع. بأي نموذج يمكننا أن نفكر؟ بالنموذج المألوف والعادي؟ هل حين نفكر في ناقة صالح، هل نحن نفكر حقاً؟ أم أننا فقط نرتب سلسلة من الأحداث المنفصلة جنباً إلى جنب؟
ولأننا لا ندرك العلاقات السببية، فإن القاعدة المعروفة لهذه العلاقة لا تنطبق هنا. للتفكير في هذا الموضوع، نحتاج إلى قاعدة مختلفة.
ربما تقولون إن لدينا هذه القواعد ونسميها الإعجاز وخرق العادة، لكنني أقول إن علينا أن نفكر في هذا الموضوع أكثر.
د. صفري: هل يمكننا أن نفكر؟ أعني، هل يبلغ فكرنا مداه إلى هناك؟
طالما نتحدث عن العادة، فهناك قوانين تحكمها قمنا باكتشافها. يتحدث ويل ديورانت في تاريخ الحضارة خاصته عن أقوام في أرخبيل المحيط الهندي كانوا يعتقدون أن حمل النساء يحدث بسبب الجلوس في الماء، وكانوا ينسبونه إلى كائنات ميتافيزيقية. هؤلاء قلة، أما غالبية الناس فقد اكتشفوا هذه العلاقات السببية.
خرق العادة له معنى سلبي؛ أي أن هذا الحدث لا يتبع القواعد العادية التي نعرفها، لكن ليس له معنى إيجابي؛ أي أننا لا نقول أبداً ما هي القواعد التي يتبعها؟ البعض يحيل معناه الإيجابي إلى عموم قدرة الله، غافلين عن أن ما نتحدث عنه في الأمور العادية ليس خارجاً عن عموم قدرة الله أيضاً. على أية حال، لهذه الأمور أيضاً منطق تفكير، ولا يمكن لخرق العادة ألا يتبع قاعدة.
في كثير من الأحيان، حين نبتعد عن العادات يصبح المنطق معقدًا ويتحول المنطق إلى لا منطق. على سبيل المثال، لنفترض أن طالبًا يسأل أستاذه سؤالاً فيجيبه. نحن نفهم السؤال والجواب بدقة. قال جحا إنه يستطيع في مجلس أن يجيب عن ألف سؤال بجواب واحد هو «لا أعلم». «لا أعلم» هو جواب أيضًا لكنه في الواقع «لا جواب». من وجهة نظركم هو لم يجب عن أي سؤال، لكنه من وجهة نظره أجاب عن جميع الأسئلة. هنا يُطرح موضوع المنطق واللامنطق؛ أي أننا نصل إلى نقطة نعلن فيها أنه لا توجد قوانين للفهم هنا، وهذا الإعلان هو لا منطق، لكننا باعتبار آخر نخدع أنفسنا بأن جملتنا هذه قاعدة وأننا قدمنا منطقًا، بينما في الواقع لم نقدم منطقًا وإنما أصدرنا إعلانًا فحسب. تحليل أن قوانين الفهم غير موجودة لا يتوافق مع العموميات كقدرة الله، وهو نوع من التهرب من الجعل القاعدي.
د. صفري: هل هذه القوانين قابلة للتقنين أساسًا؟
سؤال مهم وسنجيب عليه اليوم. الحقيقة هي أنه إذا قيل لنا شيء فلكي نفهمه. أحيانًا يقال لنا كلام لنسخر منا، وأحيانًا يقال لنا كلام لنفهمه. حين يُراد لنا أن نفهم، لا مفر لنا من قوانين الفهم، وإذا كانوا غير قادرين على شرح الكلام، فعلينا أن نبحث أين يكمن الخلل في قوانين فهمنا؟ ليس المقصود أننا قادرون على إدراك كنه عالم الوجود. نحن البشر، بسبب محدودية قدرتنا، لا نملك إمكانية إدراك كنه ذات الباري تعالى، لكن يجب أن نملك القدرة على إدراك منطق ما قيل لنا لنفهمه.
الله الحكيم قال لنا شيئًا لنفهمه، ولو كان مقدرًا لنا ألا نفهم لما قاله لنا أصلًا. نحن الذين لسنا بالحكيم المطلق ونخطئ باستمرار في حق أطفالنا، لا نقول لهم كلامًا لا يفهمونه؛ إذن، إذا قال لنا كلامًا فلكي نفهمه، وعلينا أن نبحث عن منطق متطور يبين لنا قوانين المنطق.
بطبيعة الحال، كعب أخيل في مباحثي هو الحروف المقطعة، وقد تقولون: إذا كان من المفترض أن يخبرنا القرآن بأمر لنفهمه، فهل توجد قوانين تفكير في هذا المورد أيضًا؟ ويجب أن أجيب عن ذلك.
سؤال: كلامكم يشبه مباحث لغة الدين.
سنتناول هذا المطلب اليوم حتى نهاية الجلسة. لغة الدين تسعى وراء أسئلة هي عموم وخصوص من وجه مع بحثنا؛ أي أن هناك بعض الاهتمامات المشتركة وبعض الاهتمامات لا يمتلكها المجال الآخر.
سؤال: المعجزة ليست خارج نطاق العلة والمعلول.
هذا القسم الذي تفضلتم به بأن المعجزة ليست خارج نطاق العلة والمعلول، كل شيء يُحل بمسألة علة العلل. نحن مثل السيد المسيح والنبي آدم مخلوقون لله، ومن هذه الجهة لا فرق بيننا وبينهم، ونفهم كيف خُلقنا. حين نقول إن الإنسان يولد عن طريق التناسل، فهذه أيضًا قوانين وضعها الله. دعونا نتفق معًا حتى نهاية الساعات الثماني أن ننظر إلى القضية من منظور آخر. لننظر من منظور النص والكلام، ولنفحص ماذا قيل لنا؟ بنفس القدر الذي يتحدث به الله عن خلق النبي آدم من طين، يتحدث بنفس القدر عن أننا خلقناكم من نطفة ويبين مراحل نمو الإنسان تلك؛ لذلك لا يمكننا التملص من هذا الموضوع بسهولة والقول إن ذاك الموضوع معجزة وهذا الموضوع حدث عادي. لا يوجد مثل هذا التفكيك في عالم الكون، والذي يفكك بينهما هو عاداتنا؛ أي أننا في مسألة النطفة نعتقد أن يد الله لا تعمل، وبعد فهم أصول العقائد نفهم أنها من الله، وفي مسألة خلق الإنسان من طين، نقول إنها لا تصدر إلا من الله. في استمرار البحث سنتحدث عن العادات الفكرية ونسبتها إلى المنطق، وربما نجيب عن هذا السؤال بشكل أفضل.
سؤال: أليس المنطق الضبابي أقرب إلى المنطق التشكيكي أو منطق القرآن في مراتب الإيمان والتقوى؟ أو صفات الله التي هي «هو الأول» وفي نفس الوقت «هو الآخر». هذه المطالب لا تنطبق مع المنطق الأرسطي لكنها تتطابق أكثر مع المنطق الضبابي.
كان الأستاذ لطفي زاده إيرانيًا مسلمًا وعلى دراية بالثقافة والمنطق الإسلامي، ومن الطبيعي جدًا أن يكون هذا الأمر قد أوحى إليه بمثل هذه النظرية. وفي الوقت نفسه، انتبهوا إلى أننا ننظر إليه وإلى المنطق الضبابي بوصفه مرحلة في تطور المنطق. فليس من المفترض أن نُسقط القرآن والإسلام كله على المنطق الضبابي، بل ينبغي أن ننظر نظرة أوسع. لو قال قائل إن المنطق الضبابي أكثر اتساقًا مع عبارات القرآن والنصوص، فأنا أوافقه، وهذا الاتساق الأكبر ناتج عن معرفة أوسع لمبتكر هذا المنطق بالمسائل الإسلامية، لكننا سنتحدث أكثر عن بعض الحالات مثل "هو الأول والآخر".
سؤال: هل يمكننا القول إنه بعد طرح الاحتمال في مقابل الصدق والكذب، دخل العالم في الحداثة التي ابتعدت عن اليقين ونظرت إلى كل شيء بوصفه احتمالًا؟
هناك دعويان في هذا السؤال لدي إشكال معهما. أنا لا أُقر بمصطلح الحداثة، لأنه حتى ما قبل 150 عامًا تقريبًا، حين كان نصف الحقبة الحديثة قد انقضى، لم تكن هذه المباحث مطروحة، ولا يمكن تحميل كل هذه المباحث للحقبة الحديثة، بل هي مرحلة منها. كما أن الفكر الحديث لا ينظر إلى كل شيء بوصفه احتمالًا، بل على العكس، كان أحد التيارات التي نمت بشكل مفرط وكارثي في الحقبة الحديثة هو الوضعية التي كانت ذات نظرة إصلاحية؛ لذلك أُصر على أن تُستعمل مثل هذه المسائل بصورة الموجبة الجزئية.
سؤال: قولكم إن كل خطاب في النصوص الدينية هو من أجل الفهم: 1- أحيانًا يريد الله أن يُظهر عجزنا، والشاهد على ذلك هو الحروف المقطعة. 2- قد يكون للخطاب طبقات مختلفة، وبعضها لا نفهمه. 3- الخطاب هو للفهم، لكن المخاطَب ليس جميع البشر، وقد يفهمه بعض البشر كالأئمة.
فيما يتعلق بالنقطة الأولى التي ذكرتموها، يجب أن أقول إن قوله تعالى: «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» مثال جيد. يمكن النظر إلى هذا الموضوع على مستويين: 1- إظهار العجز في إطار الأمر الواقعي 2- إظهار العجز في إطار المحادثة. إن ورود مثل هذا المطلب في القرآن يشبه تمامًا أن يسأل طفل والديه فيجيبانه بأنك لا تستطيع أن تفهم الآن. هنا تشكلت محادثة، وإذا كان هناك إظهار للعجز فهو في الإطار الواقعي وليس في مقام المحادثة. يُسأل: ما الروح؟ ويأتي الجواب بأنكم لا تستطيعون أن تفهموا.
إذا أردنا أن نناقش الحالة التي يكون فيها إظهار العجز على أساس المحادثة، فهي الحروف المقطعة، لكن في هذه الآية، حدثت المحادثة ولا يوجد إظهار للعجز، والمشكلة هي مشكلة معرفية لدى الإنسان؛ أي أنكم لا تملكون أداة الفهم، لكنني الآن أتحدث معكم. بهذه الأمثلة لا أقبل أن يكون إظهار العجز في الفهم.
إعلام المخاطَب بالعجز يختلف عن تعجيز المخاطَب بالكلام، وهنا لم يحدث تعجيز المخاطَب بالكلام. يجب أن نتحدث عن هذا الموضوع، ولو قلت بكلمة واحدة إنني لا أوافق، لكنت قد عرضت نفسي لأخطاء، ولو قلت إنني أوافق، لكنت قد نسفت كل أسس حججي. أنا هنا أقول بالتفصيل، إذ ينبغي أن نتحدث عن بعض الحالات مثل الحروف المقطعة والتحدي، وأن تكون لنا حيالها تحليلات منطقية. أستأذنكم في أن نترك هذا الجزء من نقاشنا جانبًا، وأن نناقشه في فرصة أخرى. أما في باقي هذه الحالات، فأقول إن كل ما قيل لنا هو من أجل أن نفهم.
أما مسألة الطبقات فهي مهمة أيضًا؛ أي أنها بالضبط مسألة درجات التفكير. فحينًا يكون الكلام غير مفهوم ماهيةً، وحينًا يكون مفهومًا لكن ليس للجميع. كثير من المباحث العلمية هي هكذا؛ مثلًا، هناك عبارة في كتاب الكفاية لا يستطيع شرحها إلا المدرسون المبرزون. حتى في الكلام البشري يحدث مثل هذا الأمر. يقول ابن سينا إنه قرأ ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة ولم يفهمه، حتى قرأ أغراض ما بعد الطبيعة للفارابي.
ينبغي أيضاً تناول بحث «إنما يعرف القرآن من خوطب به» من زاويتين. تتمثل إحدى النظرتين في أن ثمة عبارات في القرآن هي بطبيعتها كالحروف المقطعة، وتحتاج لفهمها إلى معرفة أخرى، أي أن يأتي وحي آخر ويشرحها. معنى هذه النظرة أن الكلام لا يُفهم إلا بوحي آخر؛ لكن ثمة نظرة أخرى، وهي أن لكل آية معنى ظاهرياً ويمكن أن تكون لها طبقات باطنية. وبناءً على ذلك، توجد طبقات في الكلام يدركها البعض. وإذا كان هذا هو التعبير المقصود، فإنه لا يُسقط الكلام من دائرة النفع. لديّ مرجحات تؤيد النظرة الثانية، لكن ما يمكن أن يكون موضوع نقاشنا الآن هو أن من يقول بالنظرة الأولى يُدرجها ضمن مستثنيات البحث. وهي بالطبع مستثنيات مؤقتة؛ لأنه ينبغي لنا لاحقاً أن نتحدث عنها.
سؤال: لقد اعتادت أذهاننا على ألفاظ الأمور المحسوسة والمتعارف عليها، والله تعالى يخاطبنا بهذه الألفاظ نفسها، وهذا أمر إشكالي. فاللوح والعرش والكرسي والقلم وما شابهها لها معنى في الاستعمالات العرفية، وتفضي إلى معنى آخر حين تتعلق بالله تعالى. كيف نحل هذه المعضلة؟
في الواقع، سنطرح هذه المسألة بالذات تحت عنوان حجاب اللغة في الجلسات القادمة.
نقد العقلنة
في بعض الأحيان نحكم على شخص ما بأنه مجنون مثلاً. نسمع هذه الكلمة كثيراً؛ أي أننا نتهمه بالجنون. وصمة الجنون تختلف عن كون الشخص خطراً أو منحرفاً.
في القرون المتقدمة، وفي حقبة ما، كانت ثمة مجموعة من الحنابلة على خلاف شديد مع المعتزلة. كان الحنابلة حين يتحدثون عن المعتزلة يعتبرونهم سيئي التدين ويستخدمون تعابير مختلفة، لكنني لم أرَ أنهم اتهموهم بالجنون.
هذا البحث مهم من حيث إن الشخص الذي لا يعمل دماغه بشكل صحيح ولا يستطيع الربط بين الأمور، يختلف عن الشخص الذي يعمل دماغه بشكل صحيح لكنه يسعى إلى أهداف خاطئة. كان هشام بن الحكم (العالم الإمامي) وعبد الله بن يزيد الإباضي (من متكلمي الخوارج) يملكان حانوتاً في السوق وكانا شريكين في التجارة. وقد ورد أنهما كانا بعد الفراغ من العمل يتناظران في الكلام. هذان الشخصان لهما مواقف كلامية متباينة، فكيف يمكنهما أن يعملا معاً؟ يمكنهما ذلك حين يكون بينهما اشتراك في المنطق؛ وإن لم يكن بينهما اشتراك في المواقف.
وهناك شخصان لا يمكن أن يشتركا في المنطق؛ فمثلاً، لا اشتراك بيننا وبين من لا يقبل بالقرآن وبأصل النبوة. قوانين التفكير لدى هؤلاء ليست واحدة، ولا يمكنهم أن يستمروا في النقاش. وهكذا حين لا يفهم المرء قوانين فهم الطرف الآخر، فإنه يصفه بالجنون؛ أي أنه لا يوجد قانون يحكم تفكيره.
قد يوجد في جماعة علمية أفراد يختلفون فكرياً اختلافاً كبيراً، لكنهم يعملون معاً في هذه الجماعة. وقد يوجد في المجتمع أفراد لديهم شذوذ فكري معين؛ كأن يعتقدوا مثلاً أن الطعام يجب أن يؤكل بالقدم، وقد يُؤسس مطعم يفعلون فيه ذلك. الأفراد الذين يذهبون إلى هناك لهم منطقهم الخاص، ويجب أن تُقدم للضيوف أدوات تمكنهم من أكل طعامهم بالقدم. وهكذا تنشأ قوانين تلقائياً، والشخص الذي يدخل ذلك المطعم يعرف هذا القانون.
ضربت هذا المثال لأتطرق إلى هذا الموضوع. نحن نواجه ظاهرة اسمها المارستان، وفيها أشخاص لديهم شذوذات، لكنها تختلف عن ذلك المطعم؛ لأنه لا توجد في هذه المصحة العقلية أية قوانين حاكمة، وكل واحد يعزف على ليلاه، ويُظهر حالة مختلفة في كل لحظة. قد يهاجمك شخص، وقد يغرقك آخر بالقبل. لماذا يخاف كل من يدخل هذه المصحة؟ لأنه لا يمكن التنبؤ بأي شيء؛ ولذلك لا يمكن لمريضين نفسيين أن يكونا شريكين تجاريين.
تخرج مجموعة من دائرة منطق العقلنة ولا تحكمها قوانين في عقلنتها، لكن هناك أفراداً لعقلنتهم قوانين، وكل ما بينهم هو اختلاف في وجهات النظر والمواقف.
هناك سلوكيات تكون في مستوى من الذكاء وفي مستوى آخر من الجنون، يُعبَّر عنها بـ«عقلاء المجانين». ومن مصاديق هؤلاء الأشخاص بهلول الذي لا يتبع القوانين في مستوى من عمله ويتصرف كالمجنون، لكنه مجنون يُعلِّم ويوقظ البشر؛ لأننا إذا نظرنا إلى السلوك نفسه في مستوى آخر نراه يتبع قانوناً، ومن يعرف بهلول يمكنه أن يتنبأ تماماً بما سيفعله الآن أمام هارون الرشيد. إنه يخرق قانوناً ليسود قانون أعلى.
.






نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.