.
الفكر الأسطوري
في الفكر الأسطوري، تكون بنائية موضوع المكان والزمان مفقودة. فالموضوع والمكان والزمان يمكن أن تتغير بسهولة وتتعرض للتملص أو التباطؤ؛ في حين أننا لا نواجه مثل هذه الظواهر في الفكر الواقعي.

على سبيل المثال؛ لدينا صورة في معراج نامه التيمورية تتحدث عن هذا الموضوع حيث يلتقي الرسول الأكرم (ص) في السماء الثانية بإبراهيم (ع) وإسماعيل (ع). نحن هنا أمام اعتقاد ديني بشأن المعراج. ونحن كمسلمين على دراية بموضوع تصور حدوث مثل هذا الأمر الخارق للعادة في عالم الكون والإمكان. في صورة معراج نامه يُلاحظ نوع من الخلط بين المنطق الأسطوري والمنطق الواقعي. في هذا اللقاء، هناك فجوة زمنية تمتد لآلاف السنين بين ذينك العظيمين والنبي. وبصورة خارقة للعادة يمكن لهذه الآلاف من السنين أن تكون على هيئة لقاء متزامن في مكان نعرفه بالسماء الثانية.
الأمر المثير للاهتمام في هذه الصورة هو أن إبراهيم (ع) شيخ كبير وإسماعيل (ع) شاب. فتصاب بالحيرة، بأي منطق رُسمت هذه الصورة؟ المنطق السائد اليوم هو أن يكون ابن الشخص أصغر منه سناً، ولو أردت أن تظهرهما معاً بهيئة الأربعين عاماً لأصيب المشاهد بالدهشة؛ لذلك فإن ذلك الرسام رسم صورة هذين العظيمين بناءً على منطق العالم الواقعي بحيث يكون بينهما فارق في السن، ولكن كيف في عالم لا تهم فيه آلاف السنين من الفارق الزمني، يكتسب فارق ثلاثين عاماً من العمر أهمية؟
لاحظوا أن الرسول الأكرم (ص) هو من أحفاد هذين العظيمين ومن حيث الزمن تفصل بينهم آلاف السنين، لكنكم لا تلاحظون فارقاً عمرياً محسوساً بين الرسول (ص) وإسماعيل (ع). نحن هنا أمام معيار مزدوج.
في الواقع يمكننا القول إن الفكر الأسطوري يشبه النوم والفكر الواقعي يشبه اليقظة. وهما متشابهان جداً من هذه الناحية.
الإدراك الأسطوري للتسلسل العلّي

المقصود هنا هو علاقة التسلسل القائمة بين العلة والمعلول. نتوقع دائماً أنه إذا كانت (أ) علة لـ (ب) فلا يمكن لـ (ب) أن تتقدم على (أ)؛ لأن المعلول لا يتقدم على علته. في الإدراك الأسطوري هذا التبديل ممكن، ومن الطرق التي يمكن بها تمييز المنطق الأسطوري عن المنطق الواقعي هي فيما إذا اختل تسلسل سلسلة العلل أم لا. في الروايات نواجه أحياناً أساطير بدائية؛ أي أساطير تفتقر إلى بنية رمزية وتنبع بشدة من ذهن غير متطور.
مثلاً في أسطورة الخلق المشهورة لدى اليابانيين، يُروى أن العالم كان في البدء ماءً، وأخذوا يخضّون هذا الماء حتى تخثّر ونشأ منه العالم. لا أحد يسأل: حين لم يكن العالم قد خُلق بعد، أين كان هذا الماء ومن الذي كان يخضّه؟ نجد شبيهاً لهذا في الأحاديث الإسلامية؛ مثلاً حديث عرق الخيل الذي ورد في بعض مصادر أهل السنة لا يختلف كثيراً عن الأسطورة اليابانية. فهو يحكي أنه حين لم تكن الأرض ولا السماء قد خُلقتا بعد، خلق الله خيولاً وأجراها. فعرقت تلك الخيول، فخلق الله من ذلك العرق ذاته. بمنطق واقعي لا يمكن إدراك كيف يمكن لعلة العلل أن تكون مخلوقة.
هذا مثال جيد لموضع تواجه فيه بنية أسطورية اختلّت فيها علاقة العلة بالمعلول، ولا يُعرف حتى كيف نشأت العلة نفسها. نحن هنا أمام أسطورة بدائية، لكننا أحياناً نواجه أساطير مُشفّرة؛ أي قد تصادف في البنية أسطورة، لكن هدفها في الواقع ليس التعبير عن الأمور بظاهرها، بل هي لغة باطنية تريد أن تدفع الأفراد إلى فهم أعمق.
حين كنت أحضّر هذا البحث، تشاورت مع الأصدقاء حول ماذا أقول بدل الأسطورة؟ كي لا يُتصور أننا نتحدث عن أمور كاذبة. في النهاية خلصنا إلى أن نقول أسطورة، ولكن الأسطورة الناظرة إلى حقائق الوجود والتي هي أخفى من أن يُتحدث عنها باللغة العرفية.
سأشرح هذا الموضوع بمثال بسيط. لنفترض أن الطيار سميث وقع أسيراً في معتقل الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. يريد أن يكتب رسالة وينقل معلوماته عن ألمانيا إلى الجيش البريطاني. لكن كل الرسائل تُقرأ؛ لذلك يلزم هنا أمران:
1- أن يختار طريقة ينقل بها المعلومات بشيفرة إلى المتلقي؛
2- أن يجد تقنية تجعل المتلقي يفهم أن هذه الرسالة تتضمن معلومات مهمة ويجب أن تُقرأ بدقة خاصة.
لنفترض أن الطيار سميث ليست له عمة في حياته قط، لكنه في رسالة يكتبها إلى زوجته يسأل عن حال العمة. ضابط الغيستابو الذي يرى الرسالة لا يثير انتباهه شيء، لكنها حين تصل إلى زوجته يثور لديها السؤال، فتسارع إلى إيصال الرسالة إلى ضباط الجيش ليقرؤوها؛ لأنها تدرك أن هذه الرسالة ليست عادية.
هذا المثال للتقريب إلى الذهن. حينما يريد كلام ما أن يعبّر عن مضمون أعمق مما يبدو في ظاهره، لكنه يحتاج إلى سُلّم ليقنع المتلقي بأنه مضمون مهم. هذه المنهجية والتقنية المستخدمة في بناء النصوص لإيصال المتلقي إلى الطبقات التالية تُسمى الخَرْق، في مقابل مصطلح «deviation» الذي ترجمته انحراف لكنه لا يحمل معنى جيداً في الفارسية. حين تقرأ النص تشعر أن فيه مواضع مثقوبة، وأن ثمة انحرافاً عن الكلية، وهو مثل إرسال السلام للعمة في المثال السابق؛ لذلك إذا قرأنا النص بسرعة ودون أن ننتبه لموارد الخرق، نجد فهماً سطحياً له، لكننا حين نتمعن ندرك أن لديه ما يقوله، وعلينا أن نقرأه بدقة أكبر. النقاش الذي دار صباحاً حول طبقات النص يمكن أن يجد معناه هنا.
يمكن أن يكون الجزء الأول من الخطبة الأولى في نهج البلاغة تحت عنوان خلق العالم نموذجاً جيداً. عندما تقرأ هذا الجزء من الخطبة تشعر وكأن شيئاً شبيهاً بـ عرق الخيل يحدث. «ثُمَّ أَنْشَأَ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَتْقَ الاَجْوَاءِ، وَشَقَّ الاَرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الَهوَاءِ، فأَجازَ فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُه، مُتَراكِماً زَخَّارُهُ» يقول هذا في وقت لم تكن فيه السماء والأرض قد خلقتا بعد. فأين توجد هذه المياه إذاً؟ للوهلة الأولى يشعر المتلقي بأننا نتعامل مع منطق أسطوري شبيه بما حدث في حديث عرق الخيل. لكن يبدو أن طبيعة الأمر هنا مختلفة؛ لأنك تواجه هنا حالات من الخرق تنقلك إلى الطبقات التحتية، وهناك كلام له ما يقوله قد لا يكون له ارتباط مباشر بالطبقة السطحية.
د. صفري: ليس بالضرورة أن يكون الفهم الأسطوري بمعنى ما قبله.
الفكر الأسطوري في بعض المواضع خصب وخلاق وإيجابي؛ لأنه يتيح لنا التفكير في أشياء لا يسمح لنا المنطق اليومي بالتفكير فيها.
في العلوم المختلفة قد يحدث فهم أسطوري:
الفهم الأسطوري في علم الكلام

العديد من كتب الإسماعيلية وغلاة الشيعة مثل أهل الحق منخرطة في الفهم الأسطوري. الأساطير القديمة مثل أسطورة أول ما خلق الله دخلت العلوم الإسلامية، وترى أنه يُقال: «أول ما خلق الله الروح»، «أول ما خلق الله العقل»، «أول ما خلق الله اللوح» ... إلخ. أنت عندما تريد أن تكون لك نظرة واقعية تقول في النهاية، أيها الأول؟ لذلك نبحث عن أي من هذه صحيح وأيها خاطئ؟ في الفهم الأسطوري، مسألة أول ما خلق الله ليست بالضبط مسألة ترتب زمني ولا تريد أن تقول إن الله خلق شيئاً أولاً وفي الخطوة التالية أشياء أخرى؛ لذلك يجب أن نرى ما هي الطبقة التحتية لهذا التعبير؟ وماذا يريد أن ينقل بهذه الرسالة إلى المتلقي؟
قد يكون من خلال ذكر القلم واللوح يريد إضفاء قيمة تكوينية على الكتابة ولهذا السبب تُطرح مسألة اللوح والقلم كأول خلق لإعطاء قيمة تكوينية للكتابة، لكن عندما تُطرح مسألة العقل فهو يسعى إلى نظرة أخرى ويريد أن يُظهر مكانة العقل. الانتباه إلى ترتب خلق الأشياء سيبعدنا عن هذا الفضاء الأساسي.
النظرة الأسطورية في الفقه

مع الأخذ في الاعتبار أن الأسطورة ناظرة إلى الأمر الواقع، نتجه نحو تقديم نظرية فقهية لتكون نموذجاً للحد الفاصل بين الأسطورة وعالم الواقع. المثال الذي اخترته في هذا المجال هو موضوع جريان المياه من الشمال إلى الجنوب الذي يتجلى في قصة البئر والبالوعة.
في كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي لدينا رواية أنهم سألوا الإمام الصادق (ع) عن بئر ماء توجد بجانبها بالوعة. هل يمكن أن تتنجس مياه هذا البئر بسبب مجاورتها لهذه النجاسات؟ فأجاب (ع): «إن مجرى العيون كلها مع مهب الشمال» مجرى جميع العيون والينابيع في مسير ريح الشمال.
أنتم تستخلصون فوراً من هذه الجملة قاعدة كلية مفادها أنه حيثما تفجر الماء من الأرض في الكرة الأرضية فلا بد أن يجري من الشمال إلى الجنوب. تظنون أن هذا يجب أن يحدث دائماً في الكرة الأرضية، في حين أن تفجر الماء من الأرض مرهون تماماً بتضاريس الأرض. فكثير من الجبال تمتد شرقاً غرباً وشمالاً جنوباً، ولكل جبل سفح شمالي وسفح جنوبي، والمياه التي تتفجر من السفح الجنوبي يكون مسارها جنوبياً شمالياً. ومن أفضل الأمثلة الموجودة في الكرة الأرضية نهر النيل الذي يجري من الجنوب إلى الشمال.
ورد هذا المطلب في كتاب التهذيب للشيخ الطوسي بوصفه رواية، وقد أدلى الفقهاء بآراء مختلفة في هذا الشأن. ومن الآراء اللافتة التي تناولت هذه القضية بمنطق بالغ! هو ابن فهد الحلي في كتابه «المهذب البارع في شرح مختصر النافع»، حيث تحدث عن جهة الشمال والجنوب وجهة المشرق والمغرب، وأخذ في الاعتبار أحوال الأرض المختلفة والمسافات، وبناءً على الجهة يخبركم هل يصبح هذا الماء نجساً أم لا؟ وبعد فحص كل ذلك يكتب: «فاعلم ذلك فإنه من خواص هذا الكتاب»، فهذا من المطالب التي لا تجدونها في أي كتاب آخر؛ لذا فإن ابن فهد أخذ القضية بجدية تامة، وصاغ من هذه الرواية قاعدة وشرح على أساسها.
ولاحقاً نلاحظ ما يشبه هذا في شرح اللمعة للشهيد الثاني أيضاً.
ثمة تعليم قريب جداً من هذا المطلب، ورد في توحيد المفضل. تعلمون أن نصه محفوف بحوارات كثيرة حول من كاتبه أساساً؟ وإلى أي تيار مذهبي ينتمي؟ هناك، دون أن يكون للموضوع صبغة فقهية، كتب: «و من تدبير الحكيم جل و على في خلقه الارض أن مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب.» إنه يتصور أن مهب الشمال أرفع دائماً من مهب الجنوب، في حين أن هذه ليست قضية واقعية بل أسطورية.
من أين أتت هذه القضية الأسطورية؟ لها أساس فولكلوري، ومن هناك تسربت إلى الروايات. أنا لا أعتقد أن ذلك الكلام صدر عن لسان الإمام الصادق، بل كان ثقافة شعبية أدخلها شخص ما في الرواية ونسبها إلى الإمام.
نرى انعكاس هذا في مواضع أخرى. من جملتها ما يناقش في باب آخر في كتب الفقه الحنبلي، في كتاب الفروع لابن مفلح. يدور الحديث عن الأنهار الكبيرة في العالم، ويكتب: «فكلها بخلقه الاصل تجري من مهب الشمال من يمنة المصلي إلى يسرته على انحراف قليل ... إلا نهراً بخراسان و نهراً بالشام.» يقول إن هناك نهرين في العالم لا يتبعان هذه القاعدة. ثم يكتب: «فلهذا سمي الأول المقلوب و الثاني العاصي.» الأول، الذي هو شمالي جنوبي، سُمي النهر المقلوب، والثاني، الذي هو شرقي غربي، يسمى العاصي. نهر العاصي موجود بهذا الاسم، ونهر «وخش» في منطقة آسيا الوسطى هو نفسه النهر المقلوب الذي يصب في عدة أنهار أخرى ليكون جيحون. ومن معاني وخش، «بالعكس». هذا يدل على أن الكاتب أجرى أبحاثاً ميدانية وصنع من حصيلتها أسطورة مرتبة. هذا في حين أن هناك مئات الأنهار والجداول في العالم ليس مسار أي منها شمالياً جنوبياً، والذين أجروا أبحاثاً ميدانية في خراسان لم ينتبهوا إلى أن أكبر نهر، أي نهر النيل، هو جنوبي شمالي.
لقد اعتبرت هذه الأسطورة الفولكلورية واقعاً، وقام أشخاص مثل ابن فهد الحلي بصياغتها، وصدرت بناءً عليها الفتوى. ألفت انتباهكم إلى بحث شيق للعلامة الطباطبائي. فهو في تفسير الميزان، حين يناقش حجية خبر الواحد، يكتب أن خبر الواحد حجة شرعاً، وفي الأمور التي تخبر عن الواقع لا تطرح مسألة الحجية. فاعتبار خبر الواحد مرهون بالحجية لا بكشفه عن الواقع. في حين أننا حين نتحدث عن الجغرافيا فإننا نتكلم عن الأمر الواقع، ولا يمكن لأحد أن يتمسك بخبر الواحد إزاء الخبر الواقعي. وقد نُقل هذا المطلب أيضاً في كتاب الإنصاف للمرداوي.
د. صفري: النقطة اللافتة أن الغلاة عادةً ما يبدون اهتماماً بهذه الأمور.
الإسماعيلية والغلاة هم جماعة يهتمون بالأسطورة اهتمامًا كبيرًا.
النظرة الأسطورية في علوم القرآن والحديث

في مجال علوم القرآن، نواجه الفكر الأسطوري على نطاق واسع. والسبب في ذلك هو أننا أولاً نواجه حجمًا هائلاً من الإسرائيليات، كما دخل هذا المجالَ قدرٌ هائل من المعتقدات الشعبية. وقد أورد الفضل بن شاذان في كتاب الإيضاح طيفًا من المعلومات الشعبية التي دخلت التفاسير، مشيرًا إلى مسألة الأحاديث حول مسخ الزهرة في قصة هاروت وماروت. ففي تفسير آية "وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت"، تُروى مجموعة من الروايات أنهما حين نزلا إلى الأرض أغوتهما امرأة فاسقة اسمها الزهرة فعوقبا، وكان عقاب الزهرة أن مسخها الله وأرسلها إلى السماء، فكوكب الزهرة هو تلك المرأة التي مُسخت على هذه الهيئة. وينتقد صاحب كتاب الإيضاح هذا الأمر بشدة ويعتبره معتقدًا خرافيًا. حتى في القرن الثالث الهجري كانوا قد تنبهوا إلى أن هذه معتقدات خرافية.
كذلك لدينا في رواياتنا الخاصة رواية تعتقد أن النحاس معدن مسخ، فقد كان ذهبًا فتحول إلى نحاس بسبب معصية الله.
هذه الروايات نابعة من المعتقد الشعبي.
د. صفري: لدينا أيضًا روايات عن الأحجار، أيها جيد وأيها رديء. هل يندرج هذا في نفس السياق؟
نعم. حتى فيما يتعلق بالحيوانات الممسوخة، ليس لدينا في آيات القرآن إلا ذكر الخنزير والقردة، لكن حدث أمران في الروايات دفعا المسار نحو المنطق الأسطوري: أولاً، توسعت قائمة الحيوانات الممسوخة، وثانيًا، حديث القرآن الكريم هو أن جماعة من بني إسرائيل وقعوا في المعصية فمسخوا خنازير وقردة، ولا يريد القول إن كل خنزير وقرد هم أولئك البشر الممسوخون؛ على عكس الروايات التي تعتبر هذه الحيوانات هي الممسوخة بعينها.
المقاربة المنهجية

من المباحث المهمة في مقاربة المنطق الأسطوري منهجيًا، أن المنطق الأسطوري، بسبب منطقه الاختزالي، يُصدر أحكامًا كلية لأمور يُتوقع أن تكون لها أحكام مختلفة؛ لذا فإن إصدار أحكام كلية لأمور يجب التفريق بينها هو من السبل التي تساعدنا على تمييز المنطق الواقعي من المنطق الأسطوري.
وعلى سبيل المثال نشير إلى هذا الحديث:

ينقل محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع) عن الإمام علي (ع): لعق العسل شفاء من كل داء.
اليوم، اعتبر بعض الأطباء التقليديين هذا بمثابة قضية طبية، وأسسوا بناءً عليه تيارًا يُسمى العلاج بالعسل، ويرون أن علاج جميع الأمراض يكمن في العسل.
عندما نتحدث عن قضايا موضوعها أمور واقعية نفس أمرية، ولكننا نُصدر أحكامًا كلية بشأن أمور يجب التفريق بينها، فهذا هو المنطق الأسطوري. الموضوع ساخن لدرجة أن ابن بابويه تنبه له، وكتب في كتاب الاعتقادات: "وما روي في العسل أنه شفاء من كل داء فهو صحيح ومعناه أنه شفاء من كل بارد." فإذا أصيب شخص بداء حار وتناول العسل، فإن مرضه يزداد سوءًا. هذه هي النظرة الأسطورية التي تنظر إلى العسل كمادة سحرية.
لقد صادفتم بعضًا من أولئك الأطباء النباتيين الذين يقدمون قطعة نبات واحدة فيشفون الإنسان. تلك النظرة إلى الأمراض هي نظرة أسطورية؛ أي أنكم تظنون أنكم تتعاملون مع مفتاح واحد يمكنه أن يفتح جميع الأقفال. هذا الأمر بخصوص العسل أسطوري إلى درجة أن شخصًا مثل ابن بابويه يرفع صوته بالاعتراض؛ لذا حتى هو، بصفته إخباريًا، ينتبه إلى هذه النقطة وهي أنه لا يمكن وصف نسخة واحدة لجميع الأمراض.
من حقكم الطبيعي أن تُسألوا: هل تريدون إصدار حكم كلي أم لا؟ جزء من هذه الحالات هي أساطير لا تقودنا عمليًا إلى طبقات أخرى. وجزء منها يقودنا إلى طبقات أخرى ذات بطن. الجزء الوحيد المتبقي هو المنهج. هدفنا هو الوصول إلى هذا المنهج الذي نفهم على أساسه في أي المواضع تقودنا إلى الطبقات التالية وفي أي المواضع لا تقودنا؟ وإلا فإن وجود كلا النوعين إجمالاً لا خلاف فيه. طبعًا بعض هذه الأخبار موضوعة ولسنا على هذا القدر من التفاؤل لنقول إن جميع الروايات صادرة عن المعصومين. على أي حال، يجب أن نقوم بتصنيف هذه الروايات نمطيًا والبحث في أسانيدها حتى نتمكن من الوصول إلى منهج مناسب وندخل في الطبقات الأخرى أيضًا.
أنا أيضًا لا أستطيع القيام بعمل كبير هنا، وبقدر ما لدي من طاقة ووقت أفتح المباحث، وعليكم أنتم متابعة الباقي.
د. صفري: ألا ترون الأسطورة بمعنى الخرافة والأسطورة؟
لا، ليس بالضرورة. الخرافات والأساطير تستخدم أحيانًا اللغة الأسطورية وأحيانًا لا تستخدمها. هناك بعض الخرافات لغتها هي لغة الواقع؛ مثلاً نسمع عشرات المرات خلال اليوم أن فلانًا كان مصابًا بالسرطان وأعطيناه زعترًا فشُفي. هذا الكلام يُقال في فضاء واقعي لكنه خرافة.
بعض الأساطير قيّمة تمامًا ويمكننا أن نستفيد منها استخدامات علمية وثقافية.
سؤال: هل يمكن أن تُستخدم أيضًا في قالب مناقب أهل البيت؟
بشكل عام، هذا الأمر ممكن أن يحدث في أي مكان، وبشكل جزئي يجب دراسة وبحث كل حالة على حدة؛ مثلاً لدينا قاعدة في علم الأساطير تقول إن ممثلي المشهد لا يعلمون بالأحداث اللاحقة. إذا رُويت القصة بشكل يُعتبر فيه الممثل عالمًا بكل شيء ويعرف ما سيحدث، فالقصة أسطورة. أنتم تقولون إن يهوديًا دخل المدينة وقال إن لدي أسئلة وأبحث عن أعلمكم لأسأله. فيُشار له إلى أبي بكر. يسأل أبا بكر ويرى أنه لا يحصل على جوابه منه. يبحث مرة أخرى عن شخص آخر فيُشار له إلى عمر. عمر أيضًا لا يستطيع إقناعه، فيبحث مرة ثالثة عن شخص آخر. يُشار له إلى عثمان، وهو كسابقيه يترك هذا اليهودي بلا جواب. في المرة الرابعة، يُعرّفونه على الإمام علي (ع) فيسأل الإمام ويتلقى منه جواب جميع أسئلته.
أنا، بصفتي أحد الموالين للإمام علي (ع)، لا أشك أبدًا أن الحبر اليهودي ما كان ليخرج من حضرته دون جواب، لكن هذه القصة أسطورة. وكأن أهل المدينة في هذه القصة كانوا يعلمون أن هؤلاء الأربعة سيصبحون خلفاء واحدًا تلو الآخر، ولهذا السبب ظنوا أن هذه الخلافة يجب أن تكون على أساس الأفضلية، فلم يذهبوا إلى الإمام علي (ع) في المرة الأولى أو الثانية. من الواضح تمامًا أن بنية هذه القصة أسطورية؛ لأنه من أين لأهل المدينة أن يعلموا أن عمر سيصبح خليفة بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر؟ كان من الممكن في تلك الشورى السداسية أن يصبح طلحة خليفة. من أين كانوا يعلمون أن الزبير لن يصبح خليفة؟
التحليل المنطقي للنصوص من أي نوع؟

من الأسئلة التي تواجهنا هي: عند مواجهة بعض النصوص، أي نوع من التحليل المنطقي ينبغي أن نتبعه؟ من الأمثلة الشيّقة جداً في هذا السياق قصة النبي آدم وإخراجه من الجنة وهبوطه إلى الأرض. ألفت انتباهكم إلى نص حديثي في هذا الشأن من صحيح البخاري.
القصة مثيرة للاهتمام.
نقلاً عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: «احتج آدم وموسى فقال له أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ... فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلماته ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أُخلق. فقال رسول الله (ص): احتج آدم موسى مرتين»
يقول موسى لآدم: أأنت آدم الذي ارتكبت خطيئة فأُخرجت من الجنة؟ فيجيبه النبي آدم: أأنت موسى الذي اصطفاك الله ومنحك كل هذه النعم، ومع ذلك تلومني على أمر كان مقدّراً أن أفعله قبل أن أُخلق؟ وفي تتمة الحديث، يقول النبي: إن آدم غلب موسى مرتين. فلا يبقى مجال لاستمرار هذا الحوار.
كيف ينبغي تحليل هذا الموضوع؟ من جهة يقول: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا...» يعلن الله عن المشروع بأنه يريد أن يجعل خليفة في الأرض، وعندما يخلقهم يرسلهم إلى الجنة؛ مع أنه لم يكن مقرراً أن يأتوا إلى الجنة. ثم في الجنة يقول لهم كُلوا من هذه الشجرة. فيُوسوس لهم لأي سبب كان، فيُخرجهم، وببكاء وتضرع كثيرين يقبل توبتهم، ولكن آدم يصبح على الأرض لتوّه، ويبني لنفسه حياة بعيداً عن الوطن وهو في ضيق. أي وطن بعيد؟ إنه بالضبط في المكان الذي كان مقرراً أن يعيش فيه منذ البداية. بأي منطق ينبغي الإجابة عن هذا؟
لهذا المنطق مستوى واحد وهو مستوى العليم بكل شيء، وبقدر ما يستطيع أن يخلق إنساناً، بنفس القدر يستطيع أن يبني له سيناريو، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يحدث لآدم. حين يُقال له لا تأكل من هذه الشجرة، يعتقد حقاً أنه يرتكب عملاً خاطئاً. فيأكل في النهاية ويُطرد من الجنة، وببكاء وتضرع تُقبل توبته. هذه كلها أحداث تقع لآدم. آدم ليس لديه أي خبر بأن حواراً كهذا قد جرى بين الله والملائكة حول خلق الإنسان؛ لذا فالأحداث تجري له بشكل آخر. الله يتحدث عن هذه القضية بمنطقين. تارة من موقع ألوهيته ويتعامل مع الإنسان بصفته شخصاً ثالثاً. وتارة يتحدث بمنطق الإنسان نفسه وفي حدود معارفه.
نفس هذه القصة تحدث بالضبط بشأن عالم الذر. نسأل أنفسنا دائماً: متى أُخذ منا العهد؟ مهما فكرنا مع أنفسنا لا نذكر شيئاً. هل تعرفون حقاً شخصاً يتذكر حادثة "ألست"؟ هذا الحوار يجري في المستوى المنطقي الذي يتحدث فيه الإله العليم بكل شيء عنا، لكننا عندما نتحدث في مستوانا، في مستوى ذاكرتنا، لا نتحدث إلا عما نتذكره. هذان منطقان منفصلان، والله بالضبط يتنقل بين هذين المنطقين. تُقال مطالب في ذلك المستوى الأول ومطالب في المستوى الثاني. عندما تُعبّر المطالب في مستوى المنطق الإنساني تكون واقعية جداً، والسبب أنها ترتبط بقدرتنا المحدودة، لكن عندما تُقال المطالب في المستوى الأعلى لا يمكنها أن تكون واقعية؛ والسبب أن الكثير منها لا يسعها مستوى إدراك الإنسان وتصوره. بالنسبة لنا، نحن الذين نرى دائماً أن الابن يوجد بعد الأب، لا يمكن إدراك أن جميع البشر من أولهم إلى آخرهم قد حضروا في زمان واحد وأُخذ منهم الميثاق. ولهذا السبب بالضبط، لأن هذا المنطق لا يتبع قواعد التفكير اليومي، يتحول الحوار حول عالم "ألست" إلى حوار رمزي.
د. صفري: أي هل من الممكن أن تنكشف هذه الحقائق عبر فك الرموز؟
نعم؛ قد يحدث هذا عبر فكّ الرموز. ففي النهاية، من المفترض أن تنقل لنا قصّة عالم الذرّ رسالةً ما، ولم يذكر الله هذه القصّة عبثًا، وعندما لا نفهمها بالمعنى العاديّ، ينبغي لنا أن نفكّ رموزها.

قصّة موسى والعبد الصالح هي مثال ختاميّ وخلاصة للبحث، وهي قصّة تقنيّة تمامًا ويمكن تأليف كتاب عنها. لا توجد قصّة في القرآن تضاهيها تعقيدًا. قصّة الطيّار سميث التي أشرت إليها في البداية يمكن أن تساعدنا هنا. لنفترض أننا، بالإضافة إلى الطبقة الظاهريّة، نُقاد إلى الطبقات التالية عبر سلسلة من الخروقات. إذا لم ننتبه إلى هذه الخروقات، يمكننا أن نقرأ هذه القصّة بسرعة ولا نفهمها.
فمثلًا، في هذه الآية، الفعل «نَسِيَا» بصيغة المثنّى، ومعناه أنّ موسى عليه السلام وفتاه كلاهما نَسِيَا الحوت معًا. وبعد بضع آيات، عندما تُطرح قصّة النسيان، يقول الفتى: «فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ»، أي أنا نسيت الحوت. وموسى عليه السلام لا يُظهر أنه نسيَ هو أيضًا. يقول الفتى إنّ الشيطان هو من أنساه. أسألكم: هل كان للشيطان دور في هذا الجزء حتى يقول الفتى ذلك؟ لم يكن للشيطان أيّ دور في قصّة نسيان الفتى، بل كان هذا النسيان من تدبير الله نفسه. ولهذا السبب يقول موسى عليه السلام لاحقًا: هذا ما كنّا ننتظره.
سؤال: لكنّ الشيطان لم يكن يعلم سيناريو الله، وربّما كان هذا النسيان من فعل الشيطان.
أغتنم هذه المناسبة لأذكّر بنقطة: لنحاول ألّا نخرج عن النصّ في تحليلاتنا النصّيّة. إسناد دور لأشخاص لم يُسنَد إليهم أيّ دور في النصّ، أو إضافة أجزاء إلى القصّة لم ترد فيها، ليس تحليلًا للقصّة؛ كأن يقول أحدهم: ربّما يكون دور الشيطان قد حُذف من القصّة. لو كان من المقرّر أن يكون للشيطان دور في هذا الجزء لذكره القرآن حتمًا. ولو كان من المقرّر أن يتحمّل موسى عليه السلام نصف ذنب النسيان لوجب على القصّة أن تذكر ذلك، لكنّ موسى عليه السلام لم يفعل. هذه الأمور ذات معنى بالنسبة لنا، ونحن نريد أن نفتح الطريق، لكنّ التخمينات تُغلق الطريق أمامنا؛ أي أننا نُنهي الموضوع بسلسلة من التخمينات المألوفة ونقول: أيعقل أن يتجاهل موسى عليه السلام الرفقة ولا يقل إننا نسينا معًا؟ ما يهمّنا هو النصّ.
هذا السيناريو دبّره الله، وموسى عليه السلام يعلم به. إنه يعلم أنّ هذه علامة إلهيّة، لكنّ رفيقه لا يعلم بهذا الأمر، ويتعامل مع الموضوع ببساطة شديدة، ويظنّ أنهما قد نسيا الحوت فعلًا، ومن المؤسف أن غداءهما قد ضاع. بينما هما، في مقابل ضياع هذا الغداء، قد حصّلا شيئًا يفوقه قيمةً بمراتب لا نهائيّة. إنه يظنّ أنّ حدثًا سيّئًا قد وقع بنسيان الحوت. إنه يتعامل مع القضيّة على مستوى المنطق اليوميّ، بينما يقول موسى عليه السلام على مستوى منطقيّ أسمى: هذا ما كنّا ننتظره.
نواجه في هذا الجزء خرقًا؛ أي إننا للوهلة الأولى نرى كلامهما غير متّسق. هذا الجزء هو نقطة دخولنا إلى الطبقة التالية، ورسالتنا كامنة خلف هذه الطبقة بالذات.
مثال آخر في هذه القصة هو: «و اذ قال موسى لفتئه لا ابرح حتى ابلغ مجمع البحرين او امضى حقبا (60) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا» أي أن المكان الذي سقط فيه الحوت في الماء هو مجمع البحرين؛ لكن حين يقول النبي موسى لفتاه أحضر الحوت لنأكل، يقول: «قال اريت اذ اوينا الى الصخرة فانى نسيت الحوت و ما انسئنيه الا الشيطن آن اذكره و اتخذ سبيله فى البحر عجبا (63)» أتذكر حين لجأنا إلى الصخرة؟ هناك نسيت الحوت. كلاهما يتحدثان عن حدث واحد. الآية السابقة التي يرويها الله، وهذه الآية التي يرويها الفتى. لكن الله يقول إن الحوت سقط في الماء عند مجمع البحرين، والفتى يقول إن الحوت ذهب حين كنا عند الصخرة. لماذا يُعطيان عنوانين مختلفين؟
لهذا جوابان:
1- جواب من قبيل الأجوبة التي نقدمها جميعاً: كانت هناك صخرة بجوار مجمع البحرين.
2- تحليلنا المنطقي القائم على الأنماط يقول إن تحديد المكان هذا ينبغي أن يكون ذا معنى. لو كان وجود الصخرة بجوار مجمع البحرين أمراً مهماً لورد ذكره في القصة. إذا كان مجمع البحرين هو المهم في تحديد المكان، فعلى كليهما أن يذكراه، وكذلك إذا كانت الصخرة هي المهمة فعلى كليهما أن يذكرا الصخرة، لكن هذه الازدواجية تدل على أن مجمع البحرين هو الغالب عند أحدهما، والصخرة عند الآخر. أحدهما يرى مجمع البحرين مهماً، والآخر يولي الصخرة أهمية. هذا الأمر يشبه طريقتنا في إعطاء العناوين. إذا كان مكان ما مقابل سينما ومدرسة، فقد يقول أحدهم إنه مقابل السينما، ويقول آخر إنه مقابل المدرسة. هذا يدل على أن السينما مهمة عند الأول، والمدرسة مهمة عند الثاني.
على مستوى تفكير الفتى، الصخرة تطغى على مجمع البحرين؛ فهو إما لا يرى مجمع البحرين، أو هو قليل الأهمية لدرجة أن الصخرة تكتسب أهمية. أما بالنسبة لله فمجمع البحرين هو المهم.
كان من المقرر أن يذهب الاثنان إلى مجمع البحرين، وكان النبي موسى قد أعلن ذلك منذ البداية. المثير للاهتمام أنهما حين وصلا إلى مجمع البحرين استراحا أيضاً، لكن لم ينتبه أي منهما إلى هذا الأمر. وبعد ذلك، حين يصف الفتى المكان، لا يذكر مجمع البحرين. كيف يفهم الاثنان أن مجمع البحرين هو الصخرة نفسها؟ من خلال وثوب الحوت في الماء. أي لو لم يثب الحوت في الماء لما انتبها أبداً إلى أنه المكان نفسه. كيف يكون هذا مجمع بحرين، حين يصلان إليه لا ينتبهان إليه أبداً؟ إذا نظرت إلى القضية على مستوى المنطق العادي والواقعي، فعليك أن تقول إنهما لم يكونا منتبهين لما حولهما أبداً. تحدث هناك أمور عجيبة؛ فمثلاً، حوت مطبوخ يثب في الماء. هذه ليست مسألة عادية، وأي شخص يراها ليتعجب، لكنهما لم يتعجبا. إنهما في حالة نسيان، والله يعلم أن الحوت قد اتخذ سبيله، لكن حين يتعب النبي موسى في منتصف الطريق ويطلب الغداء، يقول الفتى في شرحه: نسيت الحوت «واتخذ السبیل فی البحر عجبا»
كون الله قد رأى ذلك لا يثير تعجبنا، لكن كيف يراه الفتى ولا يتعجب؟ بل إنه لا يقول للنبي موسى كلمة واحدة. إنه يتعامل مع القضية بمنتهى العادية.
عند مواجهة مثل هذه الحالات، ندرك أن المنطق الذي بُنيت به القصة ليس منطق الحياة اليومية، وأن الأحداث لا تجري كما تجري في الحياة العادية. هنا بالضبط ندخل إلى الطبقة التالية. الطبقة التالية هي أن مسألة النسيان ووثوب الحوت في الماء ينبغي أن تكونا مرتبطتين؛ لأن هاتين المسألتين ترتبطان ببعضهما في الجزء العلوي وفي الجزء السفلي على حد سواء.
ما يُفهم من هذا أن مجمع البحرين لم يكن مكانًا واضحًا تمامًا؛ إذ لو كان كذلك لما أحاط به كل هذا الغموض. فحين نتحدث عن النسيان، فهو من منظور الفتى أمر عادي ويومي، بينما هو من منظور سيدنا موسى علامة. وهناك حالات أخرى كثيرة تجعل من هذه القصة قصة بالغة المعنى. فإذا قرأنا هذه القصة بسرعة فائقة، أو ملأنا هذه الفجوات بمجموعة من التخمينات، فلن نبلغ الطبقة التحتية.
هذا الموضوع ذو شجون، وهناك نقاط كثيرة حول موضوع سيدنا موسى والعبد الصالح.

لقد قرأنا هذه الآية ألف مرة، ولكن ليس بهذه الصورة. إنه سؤال قانوني، وهو يقول بالضبط إن لدينا نوعين من القتل: عن قصاص وعن ظلم. فتارة تقتل نفسًا مقابل نفس قتلها هذا الغلام، فهذا جائز، ولكنك تقتل هذا الغلام بغير نفس. نظرته إجرامية بحتة. المثير أن الجواب الذي يقدمه العبد الصالح هو:

لقد خشينا أن يُرهق هذا الغلام أبويه الصالحين طغيانًا وكفرًا. العبارة تقول: «خشينا». كان يمكن أن يقول: «فعلمنا». ثم يكمل: «فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا» أي أن هذا الغلام كانت له أيضًا درجة من الزكاة والقرب الرحيم، لكننا أردنا أن يأتي ولد آخر تكون منافعه أكثر منه. إنه لا يريد أن يقول إن هذا الغلام لم تكن له أية وضعية إيجابية على الإطلاق. ضع هذا إلى جانب «خشينا» التي تقول إننا لم نكن متأكدين من أن هذا الغلام سيسوء حتمًا. في «خشينا» المتكلم مع الغير، هو مع الله، أما في «فأردنا» فيصبح الله غائبًا.
أريد أن أقارن بين نبرتي سيدنا موسى والعبد الصالح. سيدنا موسى يناقش بشكل قانوني، والجواب الذي يسمعه ليس دليلاً مقنعًا أمام محكمة على الإطلاق. حتى أن أيًا من فقهاء الأحكام لم يعتبر هذه الآية من آيات الأحكام، ولم تُستنبط منها أية قاعدة فقهية؛ لأنه من الواضح جدًا أن منطق هذه الآية ليس منطق الأمور اليومية.
إذن، ما الذي تريد هذه الآية أن تقوله؟ ينبغي أن تكون لدينا قاعدة يمكننا استخدامها، حتى وإن لم تكن موثوقة بقدر هذه الحالة. هل الحالات التي استنبطناها كحكم هي بالضرورة حكم؟

لتحليل هذه القصة منطقيًا، قارنتُ بين ثلاثة موضوعات: السفينة، والطفل، والجدار. في قصة السفينة، سؤال النبي موسى قائم على المنطق الحقوقي، وجواب العبد الصالح حقوقي أيضًا. وفي قصة الطفل، السؤال حقوقي والجواب قائم على المنطق الحسابي، منطق التحويل إلى الأحسن ومنطق الثواب. وفي قصة الجدار، السؤال والجواب معًا قائمان على المنطق التجاري الحسابي؛ لأن النبي موسى يسأل في سؤاله: لماذا ينبغي أن نفعل هذا العمل لقوم لم يطعمونا حتى الطعام؟ في حين أن اعتراض النبي موسى في هذه الحالة يختلف اختلافًا كبيرًا عن اعتراضه على قتل الطفل. هنا كان يمكن للعبد الصالح أن يقول: لقد تقبلت قضية القتل، فكيف تعترض هكذا على مجرد عمل تطوعي قمنا به؟ سؤال النبي موسى سببه أن عمل العبد الصالح لا ينسجم مع المنطق التجاري ومنطق الأخذ والعطاء. فالقيام بعمل لجماعة يكون بشرط أن يكونوا قد قاموا بعمل مقابل، وجواب العبد الصالح قائم على المنطق الحسابي نفسه. يقول: القصة هي أن له أبوين صالحين تركا إرثًا، وهذا العمل الذي قمنا به هو بمثابة ثواب لصلاح والديهما. إذن القصة هنا قصة أخذ وعطاء؛ طبعًا على مستوى يدركه موسى، وعلى مستوى أعلى من الأخذ والعطاء يدركه العبد الصالح. في قصة السفينة، مسألة إلحاق الضرر بالسفينة هي المستوى الظاهري الذي يدركه موسى، وإنقاذ السفينة من يد الملك الغاصب هو المستوى الذي يدركه العبد الصالح. وفي قصة موسى والطفل، سؤال موسى في حدود القتل حيث يرى هذا الشذوذ، أما الثواب الذي سيُعطى لوالدي ذلك الطفل فهو أمر يدركه العبد الصالح.
إذن لدينا هنا نوعان من المستويات: مستوى وعي هذين الشخصين مختلف، وجنس الوعيين مختلف أيضًا. في القصتين الأولى والثالثة، جنس الوعي عند الشخصين متشابه ولا يختلف إلا في العمق، أما في القصة الثانية فجنس الوعيين مختلف أيضًا، والسؤال عن شيء والجواب عن شيء آخر.
وهذا هو الخرق بالنسبة لنا؛ أي أننا ندرك من هنا مجددًا أنه إذا كان من المقرر أن تدخل هذه القصة في أعماق لاحقة، وحاولنا السير في مسار هذه القصة كعملية فك رموز، فينبغي أن نستثمر مجددًا في هذا الجزء من الحكاية؛ أي أن نأخذ بعين الاعتبار النسبة بين المنطقين (المنطق الحسابي والمنطق الحقوقي). المنطق الحقوقي هو منطق يتبع نظامًا ونسقًا، والمنطق الحسابي هو منطق التبادل المتبادل. في المنطق الحقوقي تتحدثون عن التوازن الكلي؛ أي مجتمع يُراد بوساطة القانون أن يتحقق فيه الأمن الجماعي، والمنطق الحسابي هو منطق بين المتعاملين، ولا نتعامل مع أشخاص آخرين غيرهما. هنا تلاحظون كيف أن الجواب في القصة الثانية، على مستوى أعمق، يكون المنطق الحقوقي فيه أكثر انسجامًا مع المنطق الحسابي، وقد طُرح المنطق الحقوقي كأول قصة، وخاتمة القصة في نقطتها النهائية قائمة على المنطق الحسابي؛ إذن هذه القصة هي قصة تغلب المنطق الحسابي على المنطق الحقوقي. بعد أن تتضح هذه المسألة، نعود مجددًا إلى كل جزء من أجزاء القصة ونبدأ باقتناص الأجزاء المختلفة من العبارة التي تساعدنا لنرى في الخطوة التالية، في النسبة بين المنطق الحسابي والمنطق الحقوقي، أي خطوة ينبغي أن نخطوها؟
لا يمكننا أن نقوم بكل العمل هنا. لقد وعدت بأن نعقد في معهد العلوم الإنسانية ورشة عمل مدتها أربع أو ست ساعات نشرح فيها فقط قصة النبي موسى والعبد الصالح، لكنني حاولت بشكل إجمالي أن أشرح بعض الأبعاد، والنتيجة التي أردت أن أستخلصها من هذه القصة هي أننا قد نواجه في كثير من الأحيان بنية ومنطقًا لا يتبعان بنيتنا ومنطقنا اليوميين. هذا النوع من البنى قد يورطنا أحيانًا في عالم ذهني منقطع عن العالم العيني، تحدثنا عنه في الساعة الماضية تحت عنوان التأسطر، الذي إذا أردنا الخوض فيه نظرنا إليه بوصفه تحريفًا وتزويرًا واعتبرناه من الإسرائيليات. نحن هنا لا نبحث عن الباطنيات، وهدفنا الوحيد هو أن نرى من الذين زوّروه؟ ومن أي ثقافة انتقل إلى حقل رواياتنا؟ طبعًا هذه المسألة منتفية في شأن الروايات قطعية الصدور.
وفي أحيان أخرى نتعامل مع ذلك النوع من النصوص التي تمتلك بنية معقدة غير مألوفة، وهذه لها وظيفة إرشادية؛ أي أننا سنحاول اكتشاف الطبقات التحتية وتحليلها. ولا نتحدث هنا عن الطبقات التخيلية. إذا تسنى لي الوقت، فسنتتبع جميع المناهج خطوة بخطوة ونفحص ما تقوله بالضبط؟ دون أن نلجأ إلى سرد القصص أو التفسير بالرأي.
أقول الجملة الأخيرة كمتمم للبحث، وهي أنه في جميع أنواع هذه الدراسات، يكون للنص الكلمة الأولى؛ أي أننا لا نحاول أن نملأ الفجوات باستخدام خيالنا الذي هو خارج النص، فنسد الطريق على أنفسنا. هذا الموضوع لا يقتصر على قصص القرآن فحسب، بل هو جارٍ في مواضع أخرى؛ فمثلاً الآية الكريمة «مثل نوره كمشكاة» إلى آخرها، هي من الآيات المعقدة التي يبقى الإنسان معها متحيراً: عن أي شيء يتحدث القرآن؟ لدينا نماذج من هذا القبيل يمكن أن تُطرح أيضاً في المجالات الكلامية. عندما نتحدث عن البنى غير المألوفة والمنطقيات الخاصة، فليس معنى ذلك أننا نتحدث حتماً عن القصة.
.
لتحميل الملفات التالية انقر:
الملف الصوتي
الملف النصي
الشرائح المقدمة
.
الجلسة الرابعة من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي، د. أحمد باكتجي
المصدر: موقع موسوعة المرأة المسلمة
.
.
مواد ذات صلة:
الجلسة الأولى من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي
الجلسة الثانية من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي
الجلسة الثالثة من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي
الجلسة الرابعة من ورشة منهجية نقد الذكاء والتحليل المنطقي
.
.






نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.