اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لم ترد كلمة «الروحانية» في القرآن، غير أن تعاليمه الروحية حاضرة بقوة. يرى أبو القاسم فنائي أن الروحانية القرآنية تتجاوز حدود الدين، حيث لا يتطلب قبول مضمون الآيات إيمانًا سابقًا، ويكون سؤال «ماذا ينبغي أن أفعل؟» هو حجر الزاوية في الروحانية.

حوار مجلة الحكمة والمعرفة الشهرية مع الدكتور أبي القاسم فنائي العنوان: الروحانية من منظور القرآن السنة 1393، العدد 2، الصفحات 9-13
لم تُستخدم كلمة «الروحانية» ومشتقاتها في القرآن. غير أنه نظراً لوجود تعاليم روحانية بارزة في القرآن، يمكن القول إن القرآن كتاب روحاني، أو هو كتاب روحاني أيضاً. لذلك، بدلاً من السؤال عن تعريف «كلمة» الروحانية من منظور قرآني، من الأفضل أن نسأل: «هل توجد عناصر الروحانية في القرآن؟»، أو «ما خصائص الروحانية القرآنية؟»، أو «إذا أمكن العثور على تعريف لطبيعة الروحانية أو خصائص الأشخاص الروحانيين أو أسلوب الحياة الروحاني في القرآن، فما هو هذا التعريف أو تلك الخصائص؟»
بسم الله الرحمن الرحيم. من الواضح أن كلمة «الروحانية» ومشتقاتها لم تُستخدم في القرآن. غير أنه نظراً لوجود تعاليم روحانية بارزة في القرآن، يمكن القول إن القرآن كتاب روحاني، أو هو كتاب روحاني أيضاً. لذلك، بدلاً من السؤال عن تعريف «كلمة» الروحانية من منظور قرآني، من الأفضل أن نسأل: «هل توجد عناصر الروحانية في القرآن؟»، أو «ما خصائص الروحانية القرآنية؟»، أو «إذا أمكن العثور على تعريف لطبيعة الروحانية أو خصائص الأشخاص الروحانيين أو أسلوب الحياة الروحاني في القرآن، فما هو هذا التعريف أو تلك الخصائص؟»
من جهة أخرى، للروحانية معان مختلفة لا يجب الخلط بينها. ثلاثة من هذه المعاني ذات صلة ببحثنا وهي:
(1) الروحانية بوصفها جوهر الأديان (= الروحانية الدينية/المقدسة)،
(2) الروحانية بوصفها بديلاً أو بدلاً عن الدين التاريخي المؤسسي (= الروحانية العلمانية/الدنيوية)، و
(3) الروحانية بوصفها فئة فوق دينية ـ فوق علمانية (= الروحانية فوق الدينية ـ فوق العلمانية).
للمعنى الأول تاريخ عريق يعود إلى قدم تاريخ الأديان. أما المعنى الثاني فهو حديث نسبياً وظهوره يعود تقريباً إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. حسب علمي، لاستخدام كلمة الروحانية بالمعنى الثاني سببان رئيسيان: الأول هو خلو أو انفصال الأديان الكبرى التاريخية المؤسسية عن الروحانية، أو تلاشي قيمة وأهمية الروحانية فيها، واستظلال التعاليم الروحانية الموجودة فيها بالعارضات، أو تبديل مكان الصدفة/الشكل والجوهر/المحتوى فيها، والثاني هو التحولات التي حدثت في الذهنية وأسلوب الحياة لدى الناس في العالم الحديث.
الروحانية بالمعنى الثاني للكلمة هي في الواقع نوع من الدين الجديد الذي يدّعي أنصاروها أنه خالٍ وسالم من (1) «ميتافيزيقا الأديان التقليدية»، (2) «النص المقدس»، (3) «التاريخ المقدس» و(4) «الشخصيات الدينية التي تلعب دور النماذج الروحانية». أما السؤال حول «هل يمكن فعلاً لمثل هذه الروحانية أن توجد؟»، و«في حالة الإمكان هل يمكنها أن تلبي حاجة الإنسان إلى الروحانية؟»، وكذلك السؤال حول «هل ستتعرض مثل هذه الروحانية بمرور الزمن لمصير الأديان التاريخية المؤسسية، وهل ستصبح مثلها تمتلك نصاً مقدساً وتاريخاً مقدساً وشخصيات مقدسة؟»، فهذه أسئلة لست بصدد الإجابة عليها هنا.
برأي الخادم، هذان المعنيان من معاني الروحانية، وإن بدوا ظاهراً متنافيين، فهما ليسا متباعدين تماماً أو متنافيين جملة[2]، بل لهما إلى جانب خصائصهما المختصة فصل مشترك أيضاً، بمعنى أن كليهما مصداق من مصاديق الروحانية بالمعنى الثالث للكلمة. أنا شخصياً أميل إلى الرأي القائل بأن الروحانية لها معنى ثالث، وهي بهذا المعنى مقولة «ما فوق دينية» و«ما فوق علمانية» تقبل الظهور بأشكال وأنواع متنوعة، منها الشكل والنوع الديني والعلماني، أو أن تملك «قراءات» و«روايات» دينية وعلمانية متعددة. وبالتالي، الروحانية بالمعنى الثالث للكلمة، تشمل الروحانية الدينية والروحانية العلمانية معاً. هذه الروحانية إذا اتحدت مع سائر أجزاء الدين ومكوناته، ظهرت في صورة روحانية دينية/ مقدسة، تماماً كما أنها إذا اتحدت مع أجزاء العلمانية ومكوناتها، ظهرت في صورة روحانية علمانية/ دنيوية (وتوجد حول إمكانية هذا الاتحاد مع الحفاظ على وظيفة الروحانية نقاشات لن أتناولها هنا).
بعبارة أوضح، إذا اعتبرنا الروحانية بمثابة «جوهر»، فهذا الجوهر يمكنه في الأساس أن يظهر في «أصداف» متنوعة، بعضها ديني وبعضها علماني. إذا كان هذا الادعاء صحيحاً، فبدلاً من أن نقول: «في الروحانية العلمانية، تحل الروحانية محل الدين»، من الأفضل أن نقول: «في الروحانية العلمانية، يحل نوع أو قراءة من الروحانية محل نوع أو قراءة أخرى من الروحانية».
في ضوء هذه التوضيحات، عندما نتحدث عن الروحانية في القرآن أو من منظور القرآن، فإننا لزاماً عليك أن نوضح أولاً أي من هذه المعاني الثلاثة للروحانية نقصد. حالياً أترددُ حول ما إذا كان يمكننا أن نجد آية أو آيات في القرآن تتضمن نفياً أو إثباتاً ملحوظة حول الروحانية بالمعنى الثاني للكلمة، أي «الروحانية العلمانية»، وإن لم أنفِ احتمالية وجود آية أو آيات كهذه. لكن فيما يتعلق بالروحانية بالمعنى الأول والثالث للكلمة، أي الروحانية المقدسة والروحانية ما فوق الدينية ـــ ما فوق العلمانية، يمكننا استنباط نقاط كثيرة من آيات القرآن.
المقصود بالروحانية ما فوق الدينية ـــ ما فوق العلمانية تلك التعاليم الروحانية التي لا يتوقف قبولها على قبول مسلمات خاصة دينية أو خاصة علمانية. وبالتالي، وجود هذه الروحانية في القرآن يعني أن هناك آية أو آيات في القرآن لا يتطلب قبول مفادها واستخدامها في مجال العلم والعمل أن يكون الشخص مسلماً أو حتى متديناً، أو أن يؤمن بنبوة الرسول الكريم وحقانية القرآن ككتاب سماوي، بل يمكن أن يقبل صحة/ حقانية مفاد تلك الآية أو الآيات من خلال التسليم (= المعرفة عن طريق الشهادة)[3] وليس على أساس الدليل (= المعرفة عن طريق الحجة)[4]. سأحاول فيما يلي الإشارة إلى بعض هذه الآيات.
الإجابة على هذا السؤال واسعة جداً، وبطبيعة الحال لا يمكننا هنا أن نتناول كل هذه العناصر والمكونات. أشير هنا فقط إلى ثلاثة مكونات من مكونات الروحانية التي يؤكد عليها القرآن، دون أن أدّعي حصراً قياسياً أو استقرائياً في هذا الشأن.
يمكن صياغة المكون الأول من مكونات الإنسان الروحاني أو الحياة الروحانية في شكل أهم سؤال يُطرح على هذا الشخص؛ سؤال يشكل أساس أسلوب الحياة الروحانية. هذا السؤال هو: «ماذا يجب أن أفعل؟». لهذا السؤال خاصيتان مهمتان:
أولاً: أنه سؤال «جزئي» عن السائل نفسه، وليس سؤالاً «كلياً» عن جميع الناس. يختلف هذا السؤال عن السؤال «ماذا يجب أن يفعل الإنسان؟»، الذي هو سؤال كلي يتعلق بجميع الناس. بالطبع، قد يكون من الممكن إظهار أن اكتشاف إجابة السؤال الجزئي الأول متوقف على معرفة إجابة السؤال الكلي الثاني. لكن في هذه الحالة، بالنسبة لمن يعاني القلق الروحاني للعيش، السؤال الأول هو الأساسي والسؤال الثاني ثانوي، أي أن السؤال الثاني له بالنسبة له قيمة تمهيدية وأداتية فحسب، ويفيده إلى حد أنه يستطيع من خلاله الإجابة على سؤاله الأساسي.
طالما أن هذا السؤال يتعلق بـ «واجب» الشخص، وليس بوجود أو عدم وجود الموجودات الأخرى. هذا يعني أيضاً أن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بوجود أو عدم وجود الموجودات الأخرى أو طبيعة وخصائص تلك الموجودات لا تحمل أهمية لإنسان روحاني إلا بالقدر الذي تساعده فيه على إيجاد الإجابة الصحيحة للسؤال الأساسي.
لذلك، فإن الإنسان الروحاني يشتغل بالأنطولوجيا والتعريفات العامة للواجب بقدر فقط تكون لهما فيه دخالة في معرفة واجبه الشخصي.
الآن إذا أتينا إلى جوهر القرآن، سنرى أنه يشدد على «العمل»/ «السعي»/ «الجهد» بوصفه الرأسمال الوحيد/ الزاد/ الذخيرة للإنسان. من بين الآيات التي تشير إلى هذه النقطة ما يلي:
«إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى»:[5] «القيامة آتية، أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما سعت»،
«وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى»:[6] «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى»،
«يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى»:[7] «يوم يتذكر الإنسان ما سعى»،
كما ترى، فإن هذه الآيات تشدد بصراحة على أن الثروة الحقيقية/ الرأسمال لأي إنسان ليست سوى سعيه وجهده وكدحه. هذه الثروة هي معيار السعادة/ النجاة أو الشقاوة/ البؤس، الحماية من النقد والعتاب والمساءلة أو عدمها. العمل يشكل هوية الإنسان وشخصيته، وهذه الهوية والشخصية هي كل ما يملكه الإنسان وعلى أساسها يمكن الحكم عليه. الممتلكات الخارجية، مثل المال والثروة والقوة والشهرة وغيرها، ليست جزءاً من شخصية الإنسان وهويته، في حين أن الممتلكات الداخلية له جزء من هويته وشخصيته.
لكن إذا كان سعي الإنسان وعمله يتمتع بمثل هذه الأهمية المنفردة، فإن السؤال «ماذا يجب أن أفعل؟» سيصبح حتماً أهم سؤال يجب على الإنسان أن يسعى للإجابة عليه. لذلك، فإن الآيات السابقة والآيات ذات المضمون المشابه تدل بدلالة التزامية على أن أهم سؤال يجب على كل إنسان أن يسعى للإجابة عليه هو السؤال: «ماذا يجب أن أفعل؟» من الجدير بالملاحظة أيضاً أنه في هذه الآيات والآيات المشابهة يُؤكد على «السعي والجهد ذاته» كمعيار للسعادة والشقاوة، وليس على «نتيجة» السعي والجهد. والسبب في ذلك واضح؛ نتيجة سعي الإنسان وجهده ليست تحت سيطرته واختياره، بل هي رهن القضاء والقدر.
قبل مواصلة النقاش، من الجيد أن نتوقف قليلاً والإجابة على انتقاد أو اعتراض متوقع. قد يقول قائل إن القرآن في معظم الحالات يقدم التركيبة «الإيمان» و«العمل الصالح» معاً كمعيار للسعادة والنجاة، وهذا يدل على أنه من وجهة نظر القرآن العمل بدون إيمان بلا قيمة على الإطلاق.
الجواب هو أنه من وجهة نظر القرآن، «الإيمان» بوصفه نتيجة/ منتج ليس هو المهم، بل المهم هو فعل أو عملية «الآمن» وكيفيتها. كما يتضح من كثير من آيات القرآن، «الآمن» وفي مقابله «الكفر» وكذلك «الشرك»/ «عدم الإشراك» أعمال إرادية ـ اختيارية، تخضع مثل سائر الأعمال الإرادية ـ الاختيارية للتقييم العقلي والأخلاقي والروحي. لذلك، فإن الآمن ليس فئة منفصلة عن العمل، بل هو نوع من العمل ذاته، وإنما أُشير إليه مستقلاً بسبب أهميته، وليس لأن طبيعته تختلف عن طبيعة العمل أو لأنه من نوع مختلف.
وبالتالي، إذا كان جهد الشخص مصحوباً بـ «الصدق» و «الجدية»، فإن هذا الشخص موفّق وناجٍ، وجدير بالإعجاب والمكافأة، وبالتعبير المعاصر، يستحق السعادة والطمأنينة والأمل. إذا اعتبرنا بلوغ السعادة والطمأنينة والأمل أحد نتائج الحياة الروحية، فإن هذه النتائج الثلاث تتحقق عندما يكون الإنسان صادقاً وجاداً في مقام العلم والعمل. من يتحلى بالصدق والجدية لا يملك سبباً ليكون حزيناً أو يفتقد الطمأنينة والأمل. السعادة والطمأنينة والأمل الحقيقية والدائمة تنبع من داخل الشخص، وبالتالي لا تزول بسبب التغييرات والتحولات والتقلبات الخارجية، ولا تزداد ولا تنقص. على هذا الأساس يمكن القول إن الجهد المصحوب بالصدق والجدية له قيمة ذاتية مطلوبة، بمعنى أنه لا يمكن القول إن هذا الجهد قد لا يوصل الشخص إلى السعادة والنجاة أو إلى السعادة والطمأنينة والأمل.
الصدق في هذا المقام يعني أن الشخص في مقام كشف الحقيقة وتحديد الواجب يكون خالياً من الأحكام المسبقة والتعصب والجزمية وغيرها من الرذائل المعرفية، وأن مصالحه وميوله النفسية وحبه وبغضه وتعلقاته العاطفية لا تحول دون رؤيته أو قبوله للحقيقة كما هي متاحة للإنسان.
بعبارة أخرى، الصدق هنا يعني «الانفتاح على الحقيقة» أو «الاستسلام للحقيقة» كما هي، لا كما أودّ أن تكون. وهذا هو بالضبط المعنى العام الذي يُستفاد لكلمة «الإسلام» ومشتقاتها من بعض آيات القرآن.[8] على خلاف الإسلام بالمعنى الخاص للكلمة، وهو اسم لدين معين مقابل الأديان الأخرى، فالإسلام بالمعنى العام للكلمة اسم للإشارة إلى حالة ذهنية ونفسية أو قلبية تمثّل نوعاً من الفضيلة الأخلاقية والمعرفية. هذه الفضيلة الأخلاقية والمعرفية تُعتبر في رأيي أحد أهم مكونات الروحانية بالمعنى الثالث للكلمة، وقد أُكّد عليها كثيراً في القرآن أيضاً.
كثير من النقودات التي وردت في القرآن موجهة للكافرين والمشركين هي نقودات أخلاقية، لا دينية؛ هذه النقودات موجهة لأولئك الذين لا ينفتحون على الحقيقة. في الأساس، «الكافر» في لسان القرآن هو من يخفي ويكتم وينكر حقيقة يعلم أنها حقيقة.[9] من جهة أخرى، المشركون الذين وردوا في القرآن بالذم والتوبيخ والنقد هم أولئك الذين يعبدون مع الله أو بدلاً من الله شيئاً أو شخصاً بلا سبب ينفعهم.[10]
الجدية في هذا المقام تعني أن الشخص بكل ما في وسعه وقدرته في مقام كشف الحقيقة وفي مقام تحديد الواجب، والتزاماً نظرياً وعملياً بنتيجة جهده في هذين المقامين، لا يتقصّر. الهداية في القرآن لا تعني «الوصول إلى المقصد»، بل تعني «إيجاد الطريق» و «السير في مسار صحيح»، والذين يتحلون بالصدق والجدية هم في مسار صحيح واتجاه سليم. الوصول إلى المقصد مشروط باجتماع أمور بعضها ليس تحت سيطرة وتحكم الإنسان، وبالتالي فهو لا يتحمل مسؤولية الوصول إلى المقصد، بمعنى أنه إذا كان عدم وصوله إلى المقصد بسبب عوائق ليست تحت سيطرته وتحكمه، فلا يمكن توبيخه ومعاقبته على عدم الوصول إلى المقصد. أما إذا كان عدم وصوله إلى المقصد بسبب افتقاره للصدق و/أو الجدية، فإن توبيخه ومعاقبته تكونان على نقص صدقه و/أو جديته، لا على عدم وصوله إلى المقصد. ما يهم هنا ليس الوصول إلى المقصد، بل السير في المسار الصحيح والاتجاه السليم. بعبارة أدق، من يسير في مسار صحيح واتجاه سليم فقد وصل فعلاً إلى المقصد أثناء سيره. بقول المولى،
بلا نهاية هذا الحضور
فدع الصدر، أنت الطريق والدور
في القرآن من لسان الله تعالى نقرأ: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»:[11] «والذين جاهدوا من أجلنا سنهديهم إلى سبلنا وإن الله لمع المحسنين». في هذه الآية، تدل لفظة «جَاهَدُوا» على عنصر الجدية وتدل لفظة «فِينَا» على عنصر الإخلاص. كما أن لفظة «سُبُلَنَا» بصيغة الجمع تشير إلى أن سبيل الهداية والنجاة ليس واحداً، بل متعدد، وأن من يتحلى بالإخلاص والجدية، مهما كانت النتيجة التي يصل إليها، فهو في سبيل الله وفي حركة نحوه. وتدل الجملة الأخيرة من الآية أيضاً على أن مثل هذا الشخص من المحسنين وأن الله معه في هذا السير.
أما العنصر الثاني المهم من أسلوب الحياة الروحية الذي يؤكد عليه القرآن فهو «الإعراض عن اللغو» بمعناه الواسع. ففي ثلاثة مواضع على الأقل، يشير القرآن صراحة إلى هذا العنصر. الموضع الأول يأتي في سياق تعداد صفات المؤمنين.[12] فمن منظور القرآن، المؤمنون هم الناجون، وإحدى الصفات التي تعتبر من جوهر الإيمان وموجبة لنجاة المؤمنين هي أنهم يعرضون عن الخوض في اللغو والعبث. فالامتناع عن الأمور العبثية هو في الواقع جزء من «تعريف الإيمان» في نظر القرآن؛ بمعنى أن الإيمان له تجليات في سلوك المؤمن وطريقة حياته، وإحدى هذه التجليات هي الإعراض عن اللغو والعبث. الموضع الثاني يأتي في سياق تعداد صفات عباد الرحمن. فمن صفات هذه المجموعة أنهم عندما يواجهون أمراً لغواً يعرضون عنه كراماً ولا يلتفتون إليه، أي لا يخوضون فيه.[13] الموضع الثالث يأتي في معرض وصف مجموعة من أهل الكتاب الذين انفتحوا على الحق، وعندما يسمعون قولاً لغواً يعرضون عنه.[14]
الامتناع عن العمل اللغو هو تعبير آخر عن اتباع حكمة «ما شأني بهذا؟». الإنسان الروحي هو من يسأل نفسه قبل الخوض في كل مسألة: «هل هذه المسألة وإجابتها تخصني أم لا؟». وكذلك الإنسان الروحي هو من يسأل نفسه قبل الشروع في أي عمل: «هل هذا العمل يخصني أم لا؟» (والعمل هنا له نطاق واسع ويشمل كل عمل، بما في ذلك الاستماع إلى حديث الآخرين وقراءة كتاب أو مقال أو أي شيء آخر، إلخ...). فإذا كانت إجابة هذه الأسئلة المقدماتية سلبية، فحينئذٍ يتضح أن تلك المسألة أو ذلك العمل لا يخصه وأن الخوض فيه عمل لغو.
فعلى سبيل المثال، توجد أسرار في هذا العالم لا يمكن كشفها، مثل طبيعة الله وموعد القيامة. وكذلك توجد أعمال في هذا العالم يخرج إنجازها عن طاقة البشر، مثل استئصال الخطيئة أو بناء الجنة على الأرض، أو إدخال جميع الناس إلى الجنة. الإنسان الروحي لا يخوض في هذه الأمور، وبالتعبير الشائع لا يضع قدمه في حذاء الله، أي أنه يتخلى عن دوافع التأله، وهو يؤمن بجدية بأن «الإنسان ليس إلهاً بل هو عبد». الإنسان الروحي عارف بنفسه، وحيث أنه يعرف ذاته فإنه يعرف أيضاً حدود قدرته العلمية والعملية ولا يتجاوزها.
علاوة على ذلك، توجد مجهولات قد يكون من الممكن اكتشاف أجوبة لها، لكن الإجابة عنها لا تلعب دوراً في الإجابة على السؤال الأساسي للإنسان الروحي، ألا وهو «ماذا يجب أن أفعل؟». وتوجد أيضاً أعمال تقع ضمن قدرات الشخص، لكن الخوض فيها لا يعتبر من واجبات الشخص ولا من مقتضيات الفضيلة ولا يحمل منفعة له. الإنسان الروحي لن يخوض في مثل هذه الأسئلة والأعمال.
والسبب في ذلك واضح. ولأن الوقت والفرصة والإمكانات المادية والمعنوية والقدرات الذهنية والنفسية والجسدية لكل فرد محدودة، فإنه بقدر ما يصرف وقته وفرصته وإمكانياته وطاقته في البحث عن إجابات لأسئلة أو تنفيذ أعمال لا تخصه، يفقد الفرصة للسعي في الإجابة عن الأسئلة والقيام بالأعمال التي تخصه.
وأخيراً الثالثة من مكونات الحياة الروحانية التي يؤكد عليها القرآن هي «الحياة الأصيلة». يؤكد القرآن بشدة على فردية الإنسان وعلى أن كل إنسان مسؤول عن أفعاله وسلوكه، وأنه وحده من يجب أن يكون مسؤولاً عن أفعاله وسلوكه،[15] وأن لا أحد يحمل وزر آخر.[16] من منظور القرآن، كل إنسان يُحشر وحده أمام الله.[17] الحشر وحيداً أمام الله كناية عن أن لا أحد آخر سيكون هناك ليتمكن من حمل عبء مسؤولية قول وفعل الإنسان، وحتى لا يستطيع الإنسان بحجة الاعتماد على قول أو أمر أو نصيحة ذلك الآخر أن يعطي تبريراً مقنعاً لما فعله، وأن يلقي مسؤوليته على عاتق آخر.
لكن النقطة هي أن كل إنسان سيكون مسؤولاً عن أفعاله، ولن يكون له الحق في إلقاء عبء مسؤوليته على عاتق آخر أو آخرين، إلا إذا كان له الحق في أن يقرر ويتصرف على أساس فهمه الخاص، أي أن يكون «مستقلاً في إرادته»، وأن يُعترف باستقلاليته، أي بتقرره وتصرفه على أساس فهمه الخاص. من جهة أخرى، الحياة الأصيلة لا تعني سوى أن الشخص مستقل في إرادته، أي يقرر ويتصرف على أساس فهمه الخاص، لا على أساس فهم الآخرين أو رغبة وهوى وميل أو عدم ميل الآخرين أو اتباع الآراء العامة أو الموضة أو أمر أو إرادة آخر.
بالطبع الاستقلالية من الدرجة الأولى/ الأساسية لا تتعارض مع التبعية من الدرجة الثانية/ العليا، بمعنى أنه في بعض الأحيان، وفي ظروف خاصة، يكون الشخص ملزماً عقلياً/ له الحق في الاعتماد على شهادة الآخرين باعتبارهم مصدراً للمعرفة أو في اتباع أمرهم. في هذه الحالات يتصرف الشخص بأمر من عقله الخاص وعلى أساس فهمه الخاص. على هذا الأساس يمكن القول إن الرجوع إلى العلماء والمتخصصين وقبول شهادتهم واتباع نصائحهم وأوامرهم في مجال علمهم وتخصصهم متسق مع الاستقلالية والحكم الذاتي والعيش على أساس فهم المرء الخاص.
في هذه الحالات يكون الفرد نفسه هو الذي يقرر على أساس فهمه الخاص قبول شهادة غيره أو اتباع نصيحته وأمره أم لا. إذا كان الآخر متمتعاً بالشروط اللازمة، وكان الشخص قد تحقق بصدق وجدية من وجود هذه الشروط فيه من خلال البحث، وكانت شهادته أو نصيحته وأمره غير متعارضة مع المعلومات والأدلة المتاحة للشخص من خلال مصادر ومسارات المعرفة الأخرى، فإن هذا الشخص بتتبعه للآخر قد تصرف بأمر من عقله الخاص، وفي حالة الخطأ يكون معذوراً، ليس لأن المسؤولية تنتقل من عاتقه إلى عاتق الآخر، وينبغي أن يكون الآخر مسؤولاً عنه، بل لأنه قام بمسؤوليته. مسؤوليتنا العقلية والأخلاقية لا تقتضي أن نبحث بأنفسنا شخصياً في كل موضوع؛ مثل هذا الفعل غير ممكن وإن كان ممكناً فليس مرغوباً فيه.
في رأيي، العلاقة بين الروحانية الدينية/المقدسة والأخلاق متعددة الجوانب. يمكن توضيح هذه العلاقة بالاستناد إلى مفهوم التقوى. الجانب الأول من هذه العلاقة هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الروحانية المقدسة في «معرفة» الفضائل الأخلاقية. الجانب الثاني هو دور هذه الروحانية في «الدافع» لدى الشخص في اتباع القيم الأخلاقية. الجانب الثالث يتعلق «باكتساب الفضائل الأخلاقية» أو «التربية الأخلاقية»، والجانب الرابع يتعلق بدور الأخلاق في الروحانية المقدسة. هنا أحاول أن أقدم بإيجاز أكمل إيضاح ممكن عن كل واحد من هذه الجوانب.
من الأوصاف المهمة جداً التي تُنسب إلى الله تعالى في المعنويّة المقدسة وصف «الناظر الأمثل»[18]. الناظر الأمثل هو من يتمتع بخصائص أخلاقية ومعرفية معينة، بحيث يمتلك في ميدان الأخلاق «الحجية المعرفية»[19]، بمعنى أنه للتعرّف على الحكم الأخلاقي أو الحكم الأخلاقي الصحيح يجب الرجوع إليه وتقديم حكمه على أحكام الآخرين. من منظور المعنويّة المقدسة، احتياجنا إلى الله وحكمه الأخلاقي يسبق العمل ويكون في مرحلة اتخاذ القرار، ولا يقتصر دور الله في هذا الميدان على الحكم يوم القيامة والثواب والعقاب بعد العمل. حين يقول القرآن: «الله أحكم الحاكمين»[20]، أو «الله خير الحاكمين»[21]، المراد أننا قبل العمل وفي مقام اتخاذ القرار نحتاج إلى التشاور والاستشارة مع الله تعالى.
وبطبيعة الحال، كما أشرت بالتفصيل في أماكن أخرى، منها كتابا «الدين في ميزان الأخلاق» و«أخلاق علم الأديان»، فإن الأخلاق مستقلة عن الدين من جميع الجوانب، بما فيها الجانب المعرفي والنفسي. غير أن الاستقلال المعرفي للأخلاق عن الدين يعني أن حجية الله المعرفية في ميدان الأخلاق ليست «حصرية»، أي أن الحكم الأخلاقي أو الحكم الأخلاقي الصحيح يمكن التعرّف عليه من طرق أخرى أيضاً كـ «العقل» أو «الوجدان الأخلاقي». والاستقلال النفسي للأخلاق عن الدين يعني أن الدين ليس المصدر «الحصري» للدافع نحو السلوك الأخلاقي، بل يمكن توفير هذا الدافع من مصادر أخرى، بما فيها الأخلاق نفسها.
مفهوم «التقوى الإلهية» الذي يُؤكّد عليه القرآن والثقافة الدينية لدينا بشدة، لا يعني الخوف من الله، بل يعني مراعاة شؤون الله والشعور الحي بالحضور بين يدي الله. «الوعي بالله» غير «خوف الله». الحالة العاطفية والنفسية المصحوبة بالتقوى ليست «خوفاً»، بل هي «حياء»؛ حياء ناشئ عن الوقوف بين يدي رب مهيب. في الحقيقة، أدب الحضور بين يدي الله ما هو إلا احترام القيم الأخلاقية.
هذا الشعور بالحضور بين يدي الله يدفع الإنسان إلى أن يسأل الله في لحظة اتخاذ القرار عن التكليف، أي أن يسعى لاكتشاف رأيه في الشأن الأخلاقي للعمل الذي يقصد القيام به، كما يدفعه إلى الامتناع عن القيام بالأعمال الأخلاقية غير المشروعة، أي تقديم الحكم الأخلاقي لله على رغباته ومصالحه الشخصية وخوفه وطمعه، وعلى الإغراء وإرادة الآخرين الذين يدعونه لارتكاب مثل هذه الأعمال. بعبارة أخرى، الشعور بالحضور بين يدي الله يدفع من يشعر بهذا الشعور إلى أن يفني إرادته في إرادة الله، وإرادة الله بالتعريف هي إرادة أخلاقية.
من ناحية أخرى، الصلة الوجودية والروحية مع إله يتمتع بجميع الفضائل الأخلاقية على درجة الكمال وتنزه عن جميع الرذائل الأخلاقية، والجلوس معه والعبادة له تؤدي إلى نموّ هذه الفضائل في روح الإنسان وعقله، وتطهير ساحة وجوده من تلك الرذائل. وبهذا الترتيب، تلعب المعنويّة المقدسة دوراً بارزاً في الكمال والازدهار الأخلاقي للشخص، لأن مراعاة شؤون الله لها ثلاث وظائف مهمة في ميدان الأخلاق. الشعور بحضور الله في عالم الوجود، أو الشعور بالحضور بين يدي الله، له وظيفة معرفية وله وظيفة نفسية وله وظيفة تربوية، أي أن التقوى هي مصدر معرفة وفي الوقت ذاته مصدر دافع وأيضاً مصدر فضيلة.
من ناحية أخرى، بلا شك تلعب الأخلاق أيضاً دوراً مهماً في التقرب إلى الله وفي تحقيق الإنسان لمعنويته. من هذه الزاوية، التأثير والتأثر المتبادل بين الأخلاق والمعنويّة المقدسة متبادل. للحياة الأخلاقية والحياة الروحية مراتب ودرجات مختلفة، والتطور والتقدم في كل من هذين الميدانين سيتبعه التطور والتقدم في الميدان الآخر. من هو أكثر أخلاقاً أقرب إلى الله، ومن هو أقرب إلى الله أكثر أخلاقاً.
سؤالك يحتمل معنيين. إن كنت تقصد أن الروحانية تغطي كل جوانب حياة الإنسان، أي أنه ليس هناك مجال من مجالات حياة البشر لا تملك الروحانية فيه حديثاً تقوله، فالجواب إيجابي. الروحانية نوع من المنهج أو الروح الذي يصحب الشخص في خلواته وعلانيته وفي الطريق والسوق وفي زاوية البيت، وهي بطبيعة الحال تؤثر في حركات الشخص وسكناته وأفعاله وأقواله وتفاعله مع نفسه ومع الآخرين. الروحانية كالعطر الذي يملأ فضاء حياة الإنسان الروحية ويكون معه في كل مكان.
أما إن كنت تقصد أن الروحانية هي كل ما نحتاج إليه كبشر لنعيش حياة مثالية، فالجواب سلبي. الروحانية فضيلة يجب أن تقترن مع فضائل أخرى، منها فضيلة العقلانية، حتى تستطيع أن تؤدي دورها اللائق في حياة الإنسان، كما يجب ألا تكون سبباً في الغفلة عن المكونات الأخرى الضرورية لحياة كريمة وجديرة بالإنسان. على سبيل المثال، السياسة والاقتصاد من الأمور التي لا يجب على الإنسان الروحاني أن يتجاهلها. الفرق بين الإنسان الروحاني وغير الروحاني ليس في أن الأول تماماً لا يعبأ بالسياسة والاقتصاد، بل في أن الأول ينهج منهجاً روحانياً في النشاط السياسي والاقتصادي ولا ينسى اهتماماته الروحانية في هذين المجالين أيضاً؛ أي أن الروحانية لها حديث تقوله في هذين المجالين أيضاً، لكن ذلك الحديث ليس أن الاشتغال بالأمور السياسة والاقتصادية ينافي العيش الروحاني، بل أن الاشتغال بهذه الأمور يجب ألا ينسي الإنسان الله والآخرة والاهتمام بنفسه.[22] أشكرك كثيراً على الفرصة التي أتحت لي.
-----------------------------------------------
[1]. هذا الحوار مدين في المقام الأول للأستاذ الفاضل مصطفى ملكيان، الذي وفّر إمكانية هذا الحوار واستفاد الكاتب كثيراً من محاضراته عن الروحانية في الإجابة على الأسئلة المطروحة. كما أتقدم بالشكر الصميم للسيدة نغمة پروان على طرح الأسئلة وصبرها الجميل ومتابعتها المستمرة.
[5]. (طه/15).
[6]. (النجم/39-40).
[7]. (الناعات/35).
[8]. (البقرة/112، 128، 131، 132، 133؛ آل عمران/52، 64، 67؛ النساء/125؛ المائدة/44 و 111؛ الأعراف/126؛ يونس/84 و ...).
[9]. في القرآن (الحديد/20) يسمى الكافرون مزارعين، لأن المزارع يخفي البذرة تحت التراب. الكافر في نظر القرآن هو من يخفي الحقيقة التي يعرفها. إخفاء حقيقة يعرفها الشخص في الحالات التي من واجبه الاعتراف بتلك الحقيقة والإفصاح عنها، خطأ أو إثم أخلاقي.
[10]. (آل عمران/151؛ الأنعام/81؛ الأعراف/33؛ الحج/71؛ الروم/35).
[11]. (العنكبوت/69).
[12]. (المؤمنون/3).
[13]. (الفرقان/72).
[14]. (القصص/55).
[15]. (البقرة/139؛ القصص/55؛ الشورى/15).
[16]. (الأنعام/164؛ الإسراء/15؛ فاطر/18؛ الزمر/7؛ النجم/38).
[17]. (مريم/95).
[20]. (هود/45؛ التين/8).
[21]. (الأعراف/87؛ يونس/109؛ يوسف/80).
[22]. (النور/37).
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.