اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد مسعود صادقي تقسيم الأحكام إلى ما يقبله العقل وما يفرّ منه وما يعاديه في كتاب أخلاق دينشناسي لفنائي. ويرى أن معيار «الدليل المستقل» غامض، ويتساءل عن ضرورة قبول الأحكام العقلية الفارّة من العقل في التدين وعن ماهيتها.

الاستناد إلى مقولة «الدليل المستقل» ليس نقطة ارتكاز ووجه افتراق محكم ومناسب للتمييز بين الأحكام المقبولة عقلاً، والمتعالية على العقل، والمصادمة للعقل؛ ناهيك عن أن فنائي يستخدم بدلاً من لفظ «الأدلة» الذي يشير إلى تعدد البراهين والحجج، كلمة «الدليل» المفردة، مما يسبب في حد ذاته سوء فهم ونوعاً من الوهم.
البيانات الببليوغرافية للكتاب موضع النقد: أخلاقيات علم الدين، بحث في الأسس الأخلاقية والإبستمولوجية للفقه، أبو القاسم فنائي، طهران، نگاه معاصر، 1389هـ.ش.
يقع هذا الكتاب في 604 صفحة، ويحتوي بالإضافة إلى مقدمة مطولة نسبياً، على 7 فصول تحمل العناوين التالية: الفصل الأول، إحلال الفقه محل الأخلاق؛ الفصل الثاني، الفقه وتحديات العصر الجديد؛ الفصل الثالث، العقلانية التقليدية والعقلانية الحديثة؛ الفصل الرابع، العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية؛ الفصل الخامس، القبض والبسط النظري للفقه؛ الفصل السادس، بسط التجربة الفقهية النبوية؛ الفصل السابع، الترجمة الثقافية للنصوص الدينية.
نقد الفصل الرابع: العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية
أكثر فصول كتاب أخلاقيات علم الدين انتظاماً وأكثرها إيجازاً في الوقت نفسه هو هذا الفصل. هدف المؤلف في هذا القسم هو نقد العقلانية أو الأخلاق البحثية السائدة في الفقه التقليدي. يرى فنائي أن النقد العقلي والأخلاقي للفكر الديني والفقهي هو أهم فريضة يضطلع بها المصلحون والمجددون الدينيون (فنائي، 260، 1389). ويعتقد أن الذين يقبلون الأسس الإبستمولوجية والأخلاقية للفقه التقليدي لا يمكنهم في نهاية المطاف سوى نقد «نتيجة» الاستنباطات الفقهية، وهذه الاستنباطات والنتائج ستكون أيضاً في عرض الفتاوى السائدة والتقليدية وفي وزنها تماماً (فنائي، 261، 1389). يدّعي فنائي أنه يجب البحث عن الحل في «الركيزة الخارجية للمعرفة الدينية»، وفي هذا السياق يسعى إلى تقسيم الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية من حيث نسبتها إلى العقلانية إلى 3 أقسام:
يقصد المؤلف بهذا العنوان تلك الأحكام والفتاوى التي يوجد دليل عقلي أو تجريبي مستقل لصالحها (فنائي، 262، 1389). ويرى فنائي أن أحكاماً مثل: الظلم حرام، وخيانة الأمانة حرام، والكذب حرام، هي من مصاديق هذه الأحكام.
يقصد فنائي هنا تلك الأحكام والفتاوى التي لا يمكن إقامة دليل عقلي أو تجريبي مستقل لا لصالحها ولا لضررها. ويرى أن أحكاماً مثل وجوب الصوم في شهر رمضان أو كون صلاة المغرب ثلاث ركعات هي نماذج من هذا السنخ من الأحكام (فنائي، 263، 1389).
يرى المؤلف أن الأحكام المصادمة للعقل هي الأحكام التي يوجد دليل عقلي أو تجريبي مستقل على ضررها. ويعتبر عدم تساوي الحقوق السياسية والاجتماعية بين المسلم وغير المسلم، والشيعي والسني، والرجل والمرأة، والفقيه وغير الفقيه من جملة مصاديق الأحكام المصادمة للعقل (فنائي، 263، 1389).
ثمة ملاحظات أساسية عديدة حول هذا التقسيم الثلاثي والمصاديق التي يسوقها فنائي لها:
أ) ما المقصود بـ «الدليل المستقل»؟
لا يوضح فنائي ما يقصده بوجود أو عدم وجود دليل مستقل، ومن المحتمل أنه يعني باستقلالية الدليل، استقلاله عن النصوص الدينية؛ أي حكم يمكن إدراكه عقلاً أو بالتجربة بمعزل عن أي توصية أو تأكيد ديني. ويكمن الغموض المضاعف في أننا لا نواجه عادةً في مثل هذه الساحات دليلاً قاطعاً ومستقلاً، بل نعيش، إن جاز التعبير، في «دار الأدلة»؛ أي في مواقف تتعدد فيها الأدلة، ويمكن إثبات كل منها والاستناد إليه عقلاً وتجربةً من جهاتٍ وبمناطاتٍ مختلفة؛ تأمل مثلاً حكم الحجاب الشرعي، قد يبدو هذا الحكم من جهةٍ مقبولاً تماماً للعقل، من حيث إنه لا يحق لأي رجل أو امرأة أن يتعاطى العري ويهيئ أسباب الإثارة الجنسية للآخرين خارج إطار الأسرة ويؤذيهم... ولكن في الوقت نفسه، يمكن اعتبار هذا الحكم نفسه من جهات أخرى وبمعيار آخر منفراً للعقل. قد يعتقد البعض أن انكشاف شعر المرأة وحده ليس مثيراً جنسياً أو مؤذياً أو مخالفاً لمقتضيات العفة. ومن منظور آخر، قد يرى البعض حكم الحجاب مناقضاً للعقل؛ لأنه يسبب أو يمثل مصداقاً للتفاوت الاجتماعي بين الرجل والمرأة، أو يوقع النساء في المشقة أكثر من الرجال، أو لنفترض أنه وفقاً لبعض المسوح التجريبية لا يقلل من إحصائيات الاعتداء أو الانحراف الجنسي.
بعبارة أخرى، إن الاستناد إلى مقولة «الدليل المستقل» ليس نقطة ارتكاز ووجه افتراق محكم ومناسب للتمييز بين الأحكام المقبولة عقلاً، والمنفرة للعقل، والمناقضة للعقل؛ ناهيك عن أن فنائي يستخدم لفظ «الدليل» المفرد بدلاً من لفظ «الأدلة» الذي يشير إلى تعدد البراهين والحجج، وهذا بحد ذاته يسبب سوء فهم ونوعاً من التوهم؛ لأنه كما قلنا، ينبغي اعتبار كل موقف من هذه الجهة «دار أدلة»، حيث تصطف مجموعة من الأدلة الصحيحة إلى جانب أدلة غير صحيحة في مواجهة بعضها البعض، ويمكنها، بناءً على المعيار أو المعايير التي نعطيها الأولوية، أن تُظهر حكماً أو ظاهرةً ما على أنها معقولة، أو غير معقولة، أو فوق عقلانية.
ب) ما هو معيار ومعنى التنفير العقلي؟
1_ لماذا ينبغي لنا، مقام التدين، أن نكون ملزمين بقبول أمور منفرة للعقل؟
أياً يكن جواب فنائي على هذا السؤال، فإنه لا يستطيع أن ينكر أولاً، وجود طائفة من الأحكام المنفرة للعقل في جميع الأديان، ومنها الإسلام؛ وثانياً، أن أحد لوازم وعلامات التدين (وربما أحد الفروق بين التدين وأنواع من اللادينية والعقلانية) هو الإيمان والالتزام بقضايا منفرة للعقل وفوق عقلانية؛ وثالثاً، أن كل ما ليس مقبولاً عقلاً ليس بالضرورة مناقضاً للعقل؛ ورابعاً، أن قسماً مهماً من التدين والتزكية والتقوى رهن بالإيمان والعمل بأمور (تعبدية وفوق عقلانية) ليست، من قبيل الصدفة، مقبولة عقلاً!
2_ هل «وجوب الصوم في شهر رمضان» وحده هو فوق العقلاني والمنفر للعقل، أم أن أصل الصوم وشكله وسياقه الشرعي هو أيضاً فوق عقلاني في الواقع؟ وفي مثال آخر، هل كون صلاة الظهر أربع ركعات فقط هو فوق عقلاني، أم أن أصل الصلاة وأحكامها وصورتها الشرعية هي أيضاً منفرة للعقل؟
أياً يكن جواب فنائي على هذا السؤال، فإنه لا يستطيع أن ينكر أن أجزاء الصلاة الإسلامية (وربما أي نوع من الصلاة) منفرة للعقل تماماً، وليس فقط عدد ركعاتها أو وقت أدائها، بل إن كيفية ولماذا وجوب مضمونها ومحتواها هي كذلك أيضاً. والصوم يجري على هذا السياق نفسه، ليس فقط في شهر رمضان المبارك، بل إن العديد من جوانب الصوم في الإسلام «ليست قابلة للتفسير العقلي أو التجريبي المستقل»؛ لماذا ينبغي أن يكون الصوم من أذان الفجر إلى أذان المغرب، ولماذا لا ينبغي شرب حتى جرعة ماء واحدة خلاله، وأسئلة لماذا الكثيرة الأخرى.
3_ هل الأمور المنفرة للعقل في الدين هي منفرة للعقل بطبيعتها، ولا يمكنها أبداً أن تجد بديلاً مقبولاً عقلاً؟
أيًّا كان جواب فنائي على هذا السؤال، فإنه لا يستطيع إنكار أن قسماً معتداً به من السلوكيات الأساسية والخاصة بمقام التدين، من قبيل الصلاة والصوم والحج، إما ينبغي ألا تُؤدى أساساً، وإما إذا صيغت بأي شكل آخر فإنها تظل تواجه هذا السؤال: لماذا صارت هكذا ولماذا لم تكن بشكل آخر! فعلى سبيل المثال، في مقولة الحج، لا يعرف العقل والتجربة أساساً ولا يقولان لماذا ينبغي التوجه إلى مكة، ناهيك عن أن يروموا تبيين وتقييم فرصتها ومهلتها ومناسكها وشعائرها.
4_ هل هذا الإفلات من العقل مزيّة لها أم عيب فيها، أم أن هذه الأمور خارجة أساساً عن دائرة هذا النوع من الأحكام القيمية؟
أيًّا كان جواب فنائي على هذا السؤال، فإنه لا يستطيع إنكار أن المتدين، ما دام متديناً، لا يمكنه أن يعدّ إفلات حكم ديني من العقل عيباً ونقصاً، فيسعى بالتالي لرفع هذا النقص عبر استبدالها بأحكام مقبولة عقلاً؛ ذلك أن هذه النظرة أولاً تضع إيمان الفرد في تحدٍّ، وثانياً تُدخل العقل في حقل ما فوق عقلي وخارج عن نطاقه.
ج) هل جميع العبادات تفلت من العقل؟ وهل العبادات وحدها هي التي تفلت من العقل؟
يبدو أن المؤلف أراد إدراج الأحكام التعبدية تحت عنوان الأحكام المفارقة للعقل ليخرجها من دائرة منظوره العقلاني، ويصون بذلك العبادات من الأضرار المحتملة، كما أن جميع أمثلة فنائي للأمور المفارقة للعقل في الدين وفي تراثنا الفقهي تندرج ضمن العبادات. لكن ثمة ملاحظات أساسية في هذا الباب:
1- ما الدليل والمعيار الموجود كي نتّبع الأحكام المفارقة للعقل في حقل العبادات فحسب؟
2- إذا كنا لا نعدّ جميع العبادات فوق عقلية ومفارقة للعقل، فلماذا وبأي معيار نستثني بعضها؟
برأيي الحقير، يمكن القول في باب المقولات فوق العقلانية والمفارقة للعقل في الدين:
إن الإفلات من العقل كالقبول العقلي والمنافاة للعقل مقولة بالتشكيك. أحياناً تكون كلية أمر ديني أو بعض عناصره وتفاصيله مفارقة للعقل، لكن كليته مقبولة عقلاً (كالصلاة)، وأحياناً تكون كلية أمر ديني مفارقة للعقل، لكن كل تفاصيله أو أجزاء منها مقبولة عقلاً (كالحج). كلما اتجهنا صوب العبادات ازدادت مفارقتها للعقل، وكلما اتجهنا صوب المعاملات والتفاعلات قلت مفارقتها للعقل. في طبيعة الأمور الدينية المفارقة للعقل يكمن نوع من "اختبار الإيمان". الفرق بين الإيمان بالأمور المفارقة للعقل في الدين وخارج الدين هو أن الدين يقوم على قضايا مقبولة عقلاً (براهين عقلية) ويرشدنا إلى الإيمان والعمل بأمور مفارقة للعقل، في حين أن الأمر خارج الدين ليس كذلك. ينبغي التأكيد على أن طرح الأسئلة والنقاط المذكورة أعلاه ليس مردّه على الإطلاق أن فنائي يعارض وجود الأحكام المفارقة للعقل في الدين، بل على العكس، نريد أن نقول إنه بالدواعي نفسها التي يرى فنائي بها وجود هذا النمط من الأحكام مبرراً في الدين، يمكنه عادةً أن يقبل حضور بعض الأحكام "المنافية للعقل ظاهراً" في الدين، وهي أحكام كالظواهر فوق العقلانية، وإن تعذّر تبيينها تماماً بالعقل الحديث، إلا أنه يمكن الحكم بوجوب الإيمان بها وبقائها لأسباب، منها:
قد تبدو بعض أحكام الدين (خصوصاً في العالم الحديث) بمفردها وبمعزل عن منظومة الدين منافية للعقل، لكنها تصبح قابلة للفهم والتبرير في ظل الكلية للنظام التربوي أو الأخلاقي أو الحقوق والواجبات الشرعية؛ فبعض الحقوق غير المتشابهة أو غير المتساوية بين الرجل والمرأة هي من هذا القبيل، وإذا ما حُللت بمفردها وبمعزل عن مجموع الأحكام فقد تبدو غير عادلة، لكنها تُستدرك وتُسوّى في ظل أحكام أخرى. بالنظر إلى النقطة السابقة يمكن القول إنه في كثير من الحالات ليس من الواضح إمكانية إيجاد بديل مقبول عقلياً وفوق ديني للأحكام الدينية التي تبدو منافية للعقل؛ فمثلاً، باستثناء الحجاب الشرعي أو العري، إذا ما عرّفنا أي مقدار أو معيار آخر لملابس النساء والرجال فسنواجه مشكلة لماذا ووفق أي مناط عقلي أو تجريبي حددنا هذا الحد والمرز. في متابعة البحث، يتناول المؤلف سؤالاً خطيراً مفاده: لماذا، رغم أن الشريعة في عالم الثبوت تخلو من أحكام منافية للعقل، إلا أن النصوص الدينية الفعلية تحتوي على أحكام منافية للعقل؟ يعزو فنائي ورود الأحكام المنافية للعقل في القرآن إلى الإملاء والتعميم (فنائي، 264، 1389)؛ أي أن الحكم القرآني إذا كان منافياً للعقل فإما لأنه "أُملي" على القرآن من الخارج، أو لأنه كان في الواقع مؤقتاً لكنه "عُمم" خطأً واعتُبر أبدياً. وبالطبع، يشير فنائي في باب الروايات إلى احتمال "التحريف" كعامل آخر يضاف إلى العاملين السابقين (فنائي، 265، 1389). هذه النقطة، وإن كانت نوعاً من تلخيص وتقرير آخر لرأي سروش في تبرير ورود الأحكام غير المعقولة في القرآن (حسب زعمه طبعاً)، إلا أن هناك عدة ملاحظات بشأنها:
أ) ما هو المعنى الدقيق لـ "إملاء الحكم" وكيف يمكننا تمييزه عن الأمور والأحكام غير الإملائية؟ هل ينبغي اعتبار كل حكم قرآني لا ينسجم مع مشهورات العصر رقعة ناشزة ومفروضة على النص المقدس؟
ب) هل عقل بشر اليوم في مأمن من الأحكام الإملائية؟
ج) تبدو أدلة فنائي على كون بعض أحكام القرآن مؤقتة وعدم تعميمها غير كافية، فهو يعتقد أن "فرض ثبات الأحكام الشرعية" معلل لا مدلل، وعلته الغالبة هي حاجة المجتمع الديني إلى الهوية والوحدة واستمرارها، وليس الاعتقاد بمصالح ومفاسد غيبية (فنائي، 282، 1389). وبحسب ظني المتواضع، إن فرض عدم ثبات الأحكام من قبل فنائي معلل وغير مدلل أكثر من كون فرض ثبات الأحكام من قبل المسلمين معللاً؛ وذلك لأنه يعتقد أنه مع بروز الهوية والمصالح الوطنية في مجال السياسة وتلاشي الهوية الدينية، لم تعد هناك حاجة لفرض ثبات الأحكام للحفاظ على الوحدة والهوية (فنائي، 282، 1389). بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك ويعتقد أن تقدم الهوية الدينية على الهوية الوطنية مسموح به من الناحية العقلانية فقط إذا كان الطرف المقابل (أو حسب تعبير فنائي، البلدان الإسلامية الأخرى) يفضل الهوية الدينية على الهوية الوطنية عند الاقتضاء.
أولاً، ينبغي القول في هذا الصدد إنه إذا كان العالم في القرون الخمسة الماضية -بحق أو بباطل- قد فضل الهوية الوطنية على الهوية الدينية رسمياً، فإنه الآن يسير علناً نحو ترجيح الهوية الإنسانية والاقتصاد العالمي على الهوية والمصالح الوطنية؛ وربما كان صعود الموجات الأصيلة أو المزيفة للأسلمة والتأكيد على مقولة الأمة الإسلامية رد فعل على هذا المسار بالذات.
ثانياً، إذا كان تقدم الهوية الدينية على الهوية الوطنية من قبل دولة ما مشروطاً بتقدم الهوية الدينية على الهوية الوطنية من قبل الدول الأخرى، فيمكن القول خطأً إن مراعاة حقوق الإنسان العالمية من قبل دولة ما مشروطة بمراعاة هذه الحقوق من قبل الدول الأخرى!
ثالثاً، ومن المفارقات أن نفس المثال الذي ذكره الكاتب الفاضل لتبيين خطر تعميم الأحكام المنافية للعقل في القرآن واعتبارها أبدية، هو نموذج مناسب لشرح ظاهرة فيه وفي كثير من المجددين الدينيين الآخرين يمكن تسميتها بظاهرة "التقيد بالزمان". لقد تكبد العالم والإنسان الجديد أشد الأضرار من التأكيد على مقولة الهوية الوطنية ومحوريتها، وكان من أوضح نتائجها الحربان العالميتان العظيمتان. وحتى لو افترضنا أن إساءة استخدام الدين والقومية يمكن أن تكونا بنفس القدر من الخطورة والإهلاك للبشر، فبما أن تنوع الأمم والهويات يفوق بكثير تنوع الأديان الكبرى وصانعة الأمم؛ لذا فإن الحرب بين الأمم أكثر احتمالاً وأشد خطراً من الحرب بين الأمم.
يعود فنائي في نهاية الفصل الرابع مجدداً إلى الإشارة لدور نموذج السيد والعبد في اكتشاف الأحكام الشرعية، ومن دون أن يذكر دليلاً واحداً، يعزو جذور العديد من الفتاوى المناهضة للعقل إلى هذا النموذج (فنائي، 283، 1389)، وهو ادعاء لا يتضح لا ارتباطه المباشر بموضوع البحث ولا سببه وكيفيته.
نقد الفصل الخامس: القبض والبسط النظري للفقه
يقدم فنائي في هذا الفصل وصفاً وتحليلاً مطولاً من مئة صفحة لنظرية القبض والبسط النظري للشريعة؛ وبالطبع فإن المؤلف المعظم، كما يصرح هو نفسه، يدرس نتائج نظرية القبض والبسط لسروش في مجال الفقه فحسب، رغم أن أصل النظرية يشمل الفهم الديني برمته (فنائي، 288، 1389). إن أي ملاحظة يبديها الكاتب في مقام نقد محتوى هذا الفصل ستكون في الواقع دخولاً في نقد نظرية القبض والبسط وتحليلاً لرأي سروش لا رأي فنائي؛ ومن هنا يبدو أن علينا أن نكتفي بتحليل التحليل الذي يقدمه فنائي لنظرية القبض والبسط.
يعبر المؤلف في خاتمة الفصل عن تعاطفه وموافقته مع عموم نظرية سروش، ويكتفي بذكر هذه الملاحظة التوضيحية التي مفادها أن إلمام الفقهاء بالمعارف الخارج-دينية والعصرية ينبغي أن يكون واعياً واختيارياً، وإلا فإن مجرد الإلمام بالعلوم غير الدينية لا يؤدي إلى تحول في العلوم الدينية (فنائي، 388، 1389). ويبدو أن هذه الملاحظة، وإن لم تكن من الناحية النظرية تكملة أو توسعة ذات شأن في نظرية القبض والبسط، وهي في الأساس مضمرة في صلب هذه النظرية، إلا أنها نوع من التأكيد والتغليظ المنهجي الذي يدعو الفقهاء إلى الاهتمام المنهجي والوصفي والمنتظم بالمعارف الخارج-دينية والظنون العقلية والتجريبية.
فيما يلي جانب من الملاحظات الجديرة بالاهتمام والتوضيحية التي يقدمها فنائي في شرح نظرية القبض والبسط:
موضوع نظرية القبض والبسط هو المعرفة الدينية في مقام التحقق لا المعرفة الدينية في مقام التعريف (فنائي، 294، 1389). يمكن الادعاء بأن نظرية القبض والبسط هي في آنٍ واحد نظرية معرفية ونظرية إصلاحية (فنائي، 306، 1389). ثبات الدين هو من عوارض نظرية القبض والبسط لا من ذاتياتها، وعليه فليس من الضروري لصدق هذه النظرية أن نفترض ثبات الدين (فنائي، 308، 1389). ويبدو أن تأكيد الدكتور سروش على ثبات الدين في نظرية القبض والبسط له جانب دفاعي في الغالب وهو لدفع توهم المنتقدين (فنائي، 311، 1389). تسعى نظرية القبض والبسط فقط إلى تبيين القبض والبسط الحاصلين نتيجة تحول «الركن الخارجي» للمعرفة الدينية، في حين أن «الركن الداخلي» للمعرفة الدينية قد يطرأ عليه التغيير والتحول أيضاً، وتأثير هذا التغيير والتحول في المعرفة الدينية يحتاج بدوره إلى شرح وتبيين (فنائي، 309، 1389). ما لم تتغير القيم المعرفية لعلماء الدين، فلن يكون للتغيير والتحول في فروع العلم الأخرى أي تأثير (فنائي، 320، 1389). القبض والبسط نظرية فلسفية وليست علمية-تجريبية (فنائي، 332، 1389). القبض والبسط هي نظرية تطور المعرفة بشكل عام وليست نظرية تطور المعرفة الدينية بشكل خاص، وإذا كانت هذه النظرية تنطوي على توصية ما – وهي كذلك – فإن هذه التوصية لن تكون موجهة لعلماء الدين فحسب؛ فعلماء فروع المعرفة البشرية الأخرى ملزمون بنفس القدر ولنفس الأسباب بأن يوازنوا معرفتهم غير الدينية مع معرفتهم الدينية ويجعلوها متلائمة معها، وليس هناك أي تقدم أو تأخر في هذا الأمر (فنائي، 385، 1389). من بين الملاحظات أعلاه، تعتبر الملاحظتان الثالثة والسابعة أكثر إثارة للاهتمام من بعض الجهات؛ لأن التأكيد عليهما يسلط مزيداً من الضوء على جزء من الزوايا التي ظلت مهملة إلى حد كبير في النقاش حول نظرية القبض والبسط. لقد أكد سروش مراراً على ثبات الدين قبل إيمانه بنظرية بسط التجربة النبوية، وبالطبع فقد عمم لاحقاً سيولة المعرفة الدينية وقابليتها للتغير على الدين نفسه. ويسعى فنائي إلى أن يبين: أولاً، أنه على الرغم من تأكيد سروش في الماضي على عدم قابلية الدين للتغير، فإن الإيمان بثبات الدين ليس من لوازم قبول نظرية القبض والبسط وصحتها؛ وثانياً، أن نظرية بسط التجربة النبوية والإيمان بتاريخية الدين وسيولته منسجمان وقابلان للجمع مع نظرية القبض والبسط والإيمان بتحول الفهم الديني وتطوره.
من الأسئلة المهمة في هذا الباب أنه إذا كان الدين، وفقاً لنظرية بسط التجربة النبوية، متغيراً بالذات وبالتالي ستكون المعرفة الدينية متغيرة أيضاً، فما هو القول الجديد والمفيد الذي تقدمه نظرية القبض والبسط في المعرفة الدينية من الأساس ومن الآن فصاعداً؟ بعبارة أوضح، مع وجود نظرية بسط التجربة النبوية، ما الذي تريد نظرية القبض والبسط أن تقوله وما الفائدة منها؟ ستتضح وجاهة هذا السؤال حين نقرّ، مثل فنائي، بأن:
بقبول هذه النظرية (بسط التجربة النبوية أو الإيمان بالبسط التدريجي والتاريخي للدين في مقام الثبوت) وهي نظرية «وجودية» حول «طبيعة» الشريعة وسيولتها الدائمة، نضطر إلى الاعتراف بـ«التجربة الفقهية» بوصفها إحدى الأركان والمكونات الأساسية للاجتهاد الفقهي، وهي نظرية معرفية حول «طبيعة» الاجتهاد الفقهي (فنائي، 389، 1389).
نقد الفصل السادس: بسط التجربة الفقهية النبوية
هدف المؤلف المحترم في هذا الفصل هو أن يُظهر، بعد مقارنة نمطين من الاجتهاد يسميهما الاجتهاد «المتمحور حول القانون» والاجتهاد «المتمحور حول النموذج»، أن الاجتهاد المتمحور حول النموذج هو المناسب والمقتضى للبشر الذين يعيشون في عصر ختم النبوة. ولبلوغ هذا المقصد، يسعى فنائي إلى شرح «بسط التجربة الفقهية النبوية» استناداً إلى قراءة أكثر تهذيباً وتنقيحاً لنظرية بسط التجربة النبوية التي تعود للدكتور سروش. وقبل كل شيء، ينبغي القول إن في هذا الجزء من الكتاب عدة أسئلة رئيسية وخطيرة تبقى بلا إجابة أو غامضة:
السؤال الذي لا يريد فنائي أن يقدم له إجابة دقيقة، حتى في قالب اقتباس من سروش أو أي شخص آخر، هو: لماذا ينبغي اعتبار النبوة تجربة؟ وهو بالطبع يحاول على ما يبدو أن يقوم بهذا الأمر المهم، ويقدم تحت عنوان «النبوة نوع من التجربة»، وباستخدام كلام سروش، توضيحات من بضعة أسطر. أوضح ما يقوله المؤلف بصدد الموضوع والعنوان قيد البحث هو: إن ما يميز الأنبياء هو تمتعهم بالوحي الذي هو نوع من التجربة الدينية، وهذا الأمر مقوّم لشخصية الأنبياء ونبوتهم ورأس مالهم الوحيد (فنائي، 392، 1389).
بمطالعة العبارة أعلاه، الشيء الوحيد الذي لا يتضح لنا هو: أولاً، ما هي التجربة الدينية؟ ثانياً، لماذا الوحي هو أيضاً نوع من أنواع التجارب الدينية؟ ثالثاً، لماذا النبوة قابلة للتحويل أو الاختزال إلى التجربة/ التجربة الدينية؟ إن الغموض في هذا الباب يتحدى في الواقع كلية نظرية بسط التجربة النبوية؛ لأنه ما لم يتضح بشكل دقيق ومهذب معنى كون النبوة تجربة، فإن تكامل هذه التجربة، وعلاقة شخص النبي وشخصيته بهذه التجربة، ومعنى بسطها ومنهجه وإمكانيته، ستبقى أيضاً في هالة من الغموض.
* ما هو الفرق بين أنواع التجربة الدينية الأخرى والتجربة النبوية؟
على الرغم من أن فنائي يعتبر التجربة النبوية في الظاهر معادلة ومرادفة للوحي والقرآن (فنائي، 394، 1389)، إلا أنه لا يشرح بشكل جيد أوجه تشابهها وتمایزها مع أنواع التجارب الدينية الأخرى. إن وجود هذا الغموض أو عدمه مؤثر للغاية في فهمنا وتلقينا لهذه النظرية. يشرح فنائي، استناداً إلى قول لسروش، الفرق بين التجربة الدينية للأنبياء وغيرهم على النحو التالي:
الفرق بين الأنبياء وسائر من يتمتعون بتجارب معنوية وروحانية هو أن الأنبياء، كنتيجة لهذه التجربة، يُكلّفون بإرشاد الخلق وهدايتهم ويُؤمرون بتبليغ رسالة الله، في حين أن تجربة الآخرين هي تجربة شخصية وخصوصية، ولذا فإن مجرد التمتع بالتجربة الدينية لا يجعل من أحد نبیاً (فنائي، 392، 1389).
الغموض الذي تحدثنا عنه جليّ في القطعة أعلاه؛ لأنه أولاً، يمكن للفرد أن يكون نبياً دون أن يُكلّف بتبليغ عام وواسع لرسالة خاصة؛ وبالتالي فإن الفرق بين التجربة النبوية وغيرها ليس في كونها خصوصية أو عمومية. ثانياً، يمكن للفرد أن يكون مخاطباً مباشراً للوحي دون أن يكون رسولاً أو حتى نبياً. ثالثاً، يمكن لفرد مثل الإمام المعصوم أن تكون له تجربة دينية ويعتبر نفسه مكلفاً بناءً عليها بإرشاد الخلق، لكنه ليس نبياً، وبالتالي فالتكليف بإرشاد الخلق بناءً على التجربة الدينية ليس هو الفرق بين الأنبياء وغير الأنبياء.
بعبارة أخرى، وعلى خلاف تصور سروش وفنائي، فإن مجرد التمتع بتجربة دينية واعتبار هذه التجربة عامة والتكليف بإرشاد الناس بناءً على تلك التجارب الدينية، ليس هو السمة المميزة والفارقة للأنبياء/نبي الإسلام.
*أليست التجربة النبوية للأنبياء مقصورة عليهم؟
يطرح فنائي ثلاثة أسباب لقابلية الاشتراك وعدم الاختصاص في التجربة الدينية للأنبياء:
1- يتمتع العرفاء والمتصوفة والقديسون بمثل هذه التجارب إلى حد ما؛ فالقرآن مثلاً تحدث عن نزول الملائكة ونزول الوحي على غير الأنبياء (فنائي، 1389، 395).
2- وفقاً لآراء الغزالي، فإن تمتع غير الأنبياء بالتجربة الدينية يمكنهم من إدراك حقيقة النبوة ويساعدهم على معرفة الأنبياء (فنائي، 1389، 396).
3- إن التجربة الدينية هي أساساً الغاية القصوى للتدين وفلسفة العبادات والرياضات الروحية (فنائي، 1389، 396).
بخصوص استدلالات فنائي الثلاثة ينبغي القول: أولاً، إن معنى الوحي في القرآن أوسع من معناه الشائع والمتداول في علم الكلام، ففي القرآن ووفقاً للآية 68 من سورة النحل، حتى النحلة تخاطب بالوحي. فإذا أردنا اعتبار أي إلهام أو وحي بالمعنى الأعم تجربة نبوية أو وحياً بالمعنى الأخص، فينبغي أن نقول إن حتى الكائنات غير البشرية بصدد بسط التجربة النبوية! ثانياً، حتى لو كان فنائي يعتبر الوحي بالمعنى الخاص للكلمة نوعاً من التجربة الدينية، فلا ينبغي له أن يعتبر الأنواع الأخرى من التجربة الدينية نوعاً من الوحي أو تجربة نبوية؛ ذلك أنه حتى جميع التجارب الدينية للأنبياء ليست ذات قيمة وحيانية وإلزامية، فما بالك بالتجارب الدينية لغير الأنبياء. والأحاديث القدسية مثال مناسب للتجارب الدينية لنبي كنبي الإسلام، والتي وإن كان لها منشأ إلهي، إلا أنها لا تعتبر بأي حال من الأحوال مساوية للقرآن.
من النقاط والعبارات العجيبة التي يطرحها فنائي بخصوص التصور الشائع والتقليدي للخاتمية هو: أن التصور التقليدي للخاتمية يستلزم ختم الديانة؛ لأنه بناءً على هذا التصور، بختم النبوة تُغلق أبواب السماء وتنقطع علاقة الله بالبشر، ولن يتحدث إليهم بعد ذلك، ولن يكون له دور حي في حياة الإنسان. أما إذا كانت يدا الله في مقام التشريع غير مغلولتين، وإذا كان هو دائم الفاعلية في هذا المجال أيضاً، فبالضرورة سيكون الدين في مقام الثبوت وعالم التشريع في حالة بسط وتكامل دائمين، وسيكون الله دائم التحدث والإيحاء، وسيكون القرآن دائم البسط والتفصيل (فنائي، 1389، 427).
يبدو أن فنائي في العبارة أعلاه، يحاول بعبارات غير دقيقة وشاعرية أن يقدم صورة قاتمة عن الفروق بين التصور الشائع ونظرته هو؛ بمعنى أن نظرته تريد أن تفتح يدي الله وتفتح أبواب السماء على الأرض وتوطد علاقة العباد بربهم، بينما حال التصور الغالب للخاتمية دون ذلك وأراد أن يغلق يدي الله وأبواب السماء. للأسف، يتبادر إلى الذهن أحياناً أن المؤلف الكريم قد نسي تماماً مقولة الإمامة وخصائصها في المذهب الشيعي أو تغافل عنها، وإلا فبناءً على اعتقاد غالب الشيعة: أولاً، لن تخلو الأرض من حجة الله أبداً، ولو بقي في الأرض اثنان لكان أحدهما الإمام، وموت آخر إمام سيؤدي إلى وقوع القيامة (الكليني، ج 1، 253). ثانياً، إن ذات الأئمة وروحهم هي مهبط الملائكة ومركز العلم وشجرة النبوة (الكليني، ج 1، 320).
يمكن القول إن البسط الحقيقي للتجربة النبوية هو في الواقع جريان الإمامة نفسه، الذي كان ولا يزال يضطلع، إلى جانب وظائف وشؤون أخرى، بالمهمتين التاليتين على الأقل بشكل فعلي:
أولاً، التفسير المعصوم للقرآن؛ ثانياً، إقامة الصلة بين الأرض والسماء.
عندما يريد فنائي أن يعبر بشكل إيجابي عن معناه المنشود للخاتمية، يقول:
ختم النبوة لا يعني ختم الشريعة والديانة، معنى ختم النبوة هو أنه لن تأتي شريعة جديدة بعد شريعة الإسلام، لا أن شريعة الإسلام ستبقى ثابتة إلى الأبد ولن يطرأ عليها أي تغيير أو تحول (فنائي، 1389، 427).
ما المعنى الدقيق لهذه العبارة حقاً؟ من الذي يعتقد أن الخاتمية تعني ختم الدين والشريعة معاً؟ هناك بالتأكيد من يرون أن عصر الأديان قد انتهى، ولكن هل هؤلاء هم أنفسهم الذين يرون، كعموم المسلمين، أن الشريعة الإسلامية هي آخر الشرائع الإلهية؟ يحاول الكاتب المحترم بمكر (وربما عن سهو) أن يصنع ثنائيات غريبة وعلى هواه، وإلا فأقل القليل من المفكرين المسلمين من يرى، مثل فنائي، أن ختم الشريعة يعني ختم الدين.
على سبيل المثال، يرى فنائي أن ختم الشريعة والتلقي الشائع للخاتمية يعنيان أنه بختم النبوة تكون حيثية "شارعية" الله قد تعطلت، وأن اسمه "الهادي" لم يعد له تجلٍّ جديد (فنائي، 425، 1389). وبحسب رأيي المتواضع، فإن الشارعية والتقنين ليسا سوى تجلٍّ واحدٍ ومصداقٍ واحدٍ من تجليات ومصاديق الهداية الإلهية، وليسا معناها ومصداقها الوحيد. هل إذا قال أحد إن الله لا يريد أن يضع قانوناً جديداً ويضيف قيداً جديداً إلى الحدود والقيود السابقة، يكون قد حكم بانتهاء الهداية وتعطيل وصف هداية الله؟ إن هداية الخلق عبر الأئمة، والهدايات والعنايات القلبية والخفية للناس، وكرامات أهل المعنى... كلها مصاديق للهداية الإلهية لن تتعطل أبداً، ولا علاقة لها أساساً بوضع قوانين جديدة أو ثباتها أو تغيرها. بتعبير أفضل، وحسب ما نعلم، فإن "الهادي" هو من أسماء الجلالة، وليس "الشارع" أو "المقنن"! وفي هذا السياق يمكن القول إن شارعية الله (باعتبارها أحد مظاهر ومصاديق هداية الله) يمكن أن تكون زمانية وتنتهي بمعنى من المعاني، دون أن تخبو هدايته أبداً. وبشكل عام، في نقد هذا الجزء من كلام فنائي يمكن القول: أولاً، خاتمية النبوة تعني ختم الشريعة لا ختم الهداية؛ ثانياً، الشارعية ليست سوى أحد مصاديق وصور الهداية، وليس شكلها الوحيد.
يتوجه فنائي في الأجزاء الأخيرة من الفصل السادس، وبعد تمهيد المقدمات التي بدت له ضرورية، إلى المبحث النهائي ويحلل أسباب تفوق ما يعتبره اجتهاداً نموذجياً على الاجتهاد القانوني. وهو يرى الاجتهاد القانوني نصياً أيضاً ويسميه كذلك، اجتهاداً يرى الدين، بزعمه، كمدرسة بشرية مات مؤسسها ولم يترك سوى مجموعة من التعاليم يجب العمل بها بشكل أعمى. ومن تبعات هذا الأسلوب أن يد الله تُغل في التشريع، وتصبح شخصية النبي وكونه نموذجاً بلا معنى (فنائي، 443، 1389). وبحسب رأي فنائي، يقول الاجتهاد القانوني إنه يجب العمل بأوامر الله ورسوله "السابقة"، بينما يقول الاجتهاد النموذجي إنه يجب تفعيل أوامر الله والنبي "الحالية" (فنائي، 438، 1389). يقتضي الاجتهاد النموذجي دعوة النبي إلى العصر الحاضر وإقامة علاقة جديدة مع الله، بينما يسعى الاجتهاد القانوني إلى العودة إلى صدر الإسلام ليرى ما قاله الله في ذلك العصر وكيف كان النبي يتصرف (فنائي، 444، 1389). يصرح فنائي بأن القرارات التي اتخذها النبي في الماضي ليست لها "موضوعية" في الاجتهاد النموذجي، بل لها "طريقية". المهم وما يجعل النبي نموذجاً للمؤمنين هو "مبادئ" اتخاذه للقرار، و"منهجه"، و"طريقته"، و"الآلية" التي توصل بها النبي إلى قراراته (فنائي، 445، 1389).
يمكن القول إن الاجتهاد النموذجي الذي يسعى إليه فنائي هو في الواقع، أكثر مما هو بسط للتجربة النبوية، بسط للتجربة البشرية، وأكثر مما هو حقن للوحي السماوي في حياة البشر، هو فرض لحياة البشر الترابية على الوحي. وفي باب آراء فنائي في هذا الشأن يمكن القول:
مكانة مقولة الإمامة في نظرية بسط التجربة النبوية شديدة الغموض ومُهمَلة إلى حد كبير، ولهذا السبب فإن الاجتهاد القائم على النموذج الذي يريد أن يتبلور على أساس هذه النظرية سيواجه إشكالاً لدى الشيعة من جهتين على الأقل: أ) إذا كان الأئمة (عليهم السلام) يُعتبرون أيضاً نموذجاً للاجتهاد، فلماذا لم يتضح اسمهم ومكانتهم في تبيين فنائي للمسألة؟ يتجلى هذا الفراغ أكثر حين نُقر بأن بسط الإسلام/ الإسلام الشيعي والحضارة الإسلامية قد حدث إلى حد كبير في زمن الأئمة أو أُرسيت دعائمه آنذاك. ب) يعتقد الشيعة بأن نموذجية الأئمة ووجوهها المختلفة، ومنها عصمتهم وطهارتهم، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصلاحيتهم لتفسير النص المقدس وتطبيقه ومواءمته مع مقتضيات العصر، وهذا يعني أن ثمة من يمكنه القول بالاجتهاد القائم على النموذج، لكنه يحصر مرجعية هذا الاجتهاد في الأئمة. الاجتهاد القائم على النموذج من منظور فنائي يتضمن نفياً ضمنياً للخاتمية وحكمتها. يسعى فنائي بعبارة شديدة الغموض إلى تبيين تصوره للخاتمية؛ فهو يقول مثلاً: خلود الدين لا يعني خلود أحكامه وثباتها الشكلي، بل يعني خلود شخصية النبي وخلود النموذج الذي يضعه الدين بين يدي البشر لكيفية العيش. وختم النبوة يعني أيضاً أن النبي شخصية جامعة، متعددة الأبعاد، متنوعة وقابلة للانثناء، بحيث يمكن في كل الأزمنة والأمكنة، وتحت أي ظرف وحال، استحضاره إلى الساحة وسؤاله وطلب الهداية منه وتلقي الإجابة (فنائي، 445، 1389). كيف يصبح سؤال النبي وطلب الهداية منه وتلقي الإجابة عنه ممكناً في العصر الحاضر وسائر العصور؟ الصورة البسيطة ولب كلام فنائي هي أن النبي كان يحترم العقل والعرف، وأن قسماً معتداً به من الأحكام الشرعية قائم على عرف زمن النبي ومنسجم مع عقلانية ذلك العصر؛ لذا ينبغي لنا أن نطرح جانباً هذه الأحكام غير المتناسبة مع عصرنا، وأن نستبدلها، بالاستعانة بالعقل والتجربة عند اللزوم، بأحكام أخرى، وهذه الأحكام الجديدة إن كانت مطابقة لضوابط العقلانية النظرية والعملية ولوازمها، فستكون في الحقيقة شرعية ومرضية للنبي بقدر الأحكام المندرجة في القرآن والسنة. والآن إن سأل سائل: بأي معنى ولماذا ينبغي اعتبار نبي الإسلام آخر الأنبياء الإلهيين؟ فسيكون الجواب أن النبي، بوصفه نموذجاً، علّمنا كيف نستفيد من عقل وتجربة العصر، وهذا العمل هو عين التحدث مع الله وسماع كلماته الجديدة والمعاصرة؛ وبالتالي لم تعد ثمة حاجة إلى بعثة نبي جديد. في الواقع، وعلى خلاف دعوى المؤلف المحترم، يمكن القول إن خاتمية النبي من منظور فنائي تعني بالأحرى خاتمية الدين؛ لأن هذا التصور سيؤول في نهاية المطاف إلى إضفاء المرجعية على الظنون العقلية وسلب الحجية عن الأحكام القرآنية والروائية. وبالإجمال يمكن القول: أ) إن بسط التجربة الفقهية النبوية يختزل التدين عملياً إلى تمجيد شكلي وإجلال لاسم الله والرسول. ب) هذا المقترح ينتزع المرجعية والمحورية من القرآن ويمنحها لأمور مبهمة وغير منضبطة مثل «التجربة النبوية»، التي لا يُقصد من بسط هذا المعنى منها في الواقع سوى بسط العقلانية ما فوق الدينية والعلمانية.
في الختام، وتذكيراً للسيد فنائي والقراء الأفاضل، ينبغي القول إن الأحكام الفقهية في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سواء تلك المندرجة في متن القرآن أم تلك المضمرة في السنة النبوية، لم تكن بالضرورة، وعلى خلاف دعوى فنائي، مقبولة ومستساغة لدى الناس أو نتاجاً لعقلانية العصر. فعلى سبيل المثال، حتى في زمن النبي كانت العقوبة الشرعية للزنا تُعتبر عقوبة شديدة القسوة، منافية لعقول وعواطف الكثيرين، أو أن حكم تحريم الخمر والقمار أثار ردود فعل كثيرة. وأفضل دليل على إثبات هذه الدعوى هو أن:
أ) هذه الأحكام، لكونها بعيدة عن التوقع، لم تُجعل وتُعلن دفعة واحدة، بل تشكلت على صورتها الحالية عبر مراحل عدة.
ب) وبالتحديد في شأن عقوبة الزناة، ورد في القرآن: «وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (النور/2)؛ أي أنه حتى في ذلك الزمان كان هناك قلق جدي من أن يشفق عدد معتد به على المجرمين وألا يتقبلوا هذا الحكم.
ج) في ما يتعلق بتحريم الخمر والميسر، فقد كانت هاتان المقولتان متشابكتين ومقترنتين بعقل عصر النبي إلى حد أنه كان يُسأل عنهما مراراً، حتى انعكست هذه الاعتراضات والأسئلة في القرآن: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا. البقرة/ 219»
وبتعبير آخر، فإن النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) لم يكن في عصره تابعاً محضاً ومستسلماً لظنون العقل واحتمالات عقل الزمان، بل كان ناظراً إلى السماء والقرآن، ومن هنا فإن البسط الحقيقي للتجربة النبوية لا يمكن ولا ينبغي أن يفضي إلى شيء غير هذا. وإذا كان فنائي يسعى حقاً، أكثر من قرارات النبي، وراء «أسلوب وآلية نبوية»، فعليه أن ينتبه إلى أن أسلوب النبي كان اتباع حكم القرآن، حتى لو كان هذا الحكم متعارضاً مع عقل العصر الظني. وما أجمل أن نجعل الآيات الثلاث من مطلع سورة الأحزاب شاهداً على كلامنا وخاتمة لحديثنا في هذا القسم:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (3).
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.