اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مهدي إيرانمنش، في تقديمه لكتاب «أخلاقيات علم الدين» لأبي القاسم فنائي، أن «الترجمة الثقافية» للنصوص الدينية ضرورة؛ إذ إن المعرفة والممارسة الدينية، بدونها، تبتعدان عن روح الدين وتصابان بالاغتراب.

بحث في المنهجية الصحيحة لعلم الدين والاجتهاد
الدكتور مهدي إيرانمنش
أستاذ مشارك في جامعة شاهرود الصناعية
سبق أن تشرفت بتقديم كتاب «الدين في ميزان الأخلاق» للدكتور أبو القاسم فنائي. كما تشرفت بدراسة كتابه الآخر «أخلاقيات دراسة الدين» مرات عديدة. وفي كل مرة، وجدتني أشيد في قرارة نفسي بشمولية المؤلف المحترم وعقلانيته وأخلاقيته المحورية المتجلية في هذا العمل أيضاً، وأثني عليه كثيراً. والآن، شكراً للفوائد الجمة التي نلتها من هذا العمل القيم، أشرع في بيان وتعريف موجز لأحد أهم إنجازاته تحت عنوان «الترجمة الثقافية» . آملاً أن يكون مفيداً، وأن يرشد المتدينين والمهتمين بهذه الموضوعات إلى دراسة جادة ومتكررة لهذا العمل.

1_ النصوص الدينية والترجمة الثقافية
بتأكيد القرآن، كان إرسال الأنبياء من قِبَل الله بغرض تبيين الدين من قِبَل الله بلسان قومهم. وبما أن لسان كل قوم يحمل ثقافتهم، فإن مراد القرآن من إرسال الأنبياء بلسان القوم هو في الواقع إرسال الدين وتبيينه بما يتناسب مع ثقافة ذلك القوم أيضاً. ذلك أن مجرد الاشتراك الظاهري في اللغة ومجرد التكلم بلسانهم (بمعناه الظاهري) ليس كافياً لإقامة التواصل والحوار والفهم المتبادل بين المتكلم والمستمع. وعلى هذا الأساس، نحن أيضاً بحاجة إلى ترجمة ثقافية لفهم كلام الله والنبي فهماً صحيحاً في هذا العصر. فإذا لم تتم هذه الترجمة الثقافية إلى لغة العصر وثقافته وبما يتناسب مع موازين الأخلاق والعقلانية والمعنوية، فإن معرفتنا بالدين وتديننا سينفصلان عن هذه الموازين الثلاثة؛ وابتعاد المعرفة والفعل الدينيين عن أي واحد من هذه الموازين الثلاثة يعني ابتعاد المعرفة والفعل الدينيين عن الدين نفسه. وهو أمر قد حدث للأسف إلى حد كبير في العصر الحاضر. إن ابتعاد المعرفة والفعل الدينيين عن الأخلاق هو جزء مهم من هذا الحدث المشؤوم. فالبشر قد يخطئون سواء في مقام معرفة المعتقدات والأحكام الدينية أو في مقام الالتزام بهذه المعتقدات والعمل بأحكام الدين. لذا فإن مجرد كون الدين نفسه أخلاقياً لا يكفي البتة لأن تكون المعرفة الدينية والفعل الديني أخلاقيين بالضرورة. وسبيل منع هذه الأخطاء أو تقليلها هو أن يقوم المتدينون، من جهة، بقياس فهمهم وإدراكهم وصياغتهم لمحتوى المعتقدات والأحكام الدينية وموازنتها بالأخلاق التي هي مقولة فوق دينية، ومن جهة أخرى، أن يقيسوا أفعالهم باستمرار بالموازين الأخلاقية. لقد ابتعدت معرفتنا وفعلنا الدينيان أحياناً عن موازين العقلانية أيضاً. وقد تسبب هذا الأمر في أن تجد معرفتنا بالدين نوعاً من الاغتراب عن الموازين العقلانية والعصرية المقبولة، وأن يظهر سلوك المتدينين وعملهم نوعاً من عدم الانسجام والتناسب مع الموازين العقلانية العصرية. أحد أسباب هذه الأحداث المشؤومة في ثقافتنا الدينية هو أن المعرفة الدينية والتدين التقليديين قد فسرا الخاتمية تفسيراً يوحي بأن النبي قد قال الكلمة الأخيرة وخطا الخطوة الأخيرة في كل موضوع. وهذا التفسير يعيبه عيب أساسي هو أنه يتجاهل محدوديات وإمكانيات ثقافة عصر النزول. وكأنه إذا وُجدت فاعلية الفاعل، فلا حاجة إلى قابلية القابل. في حين أن الطاقة الفكرية والثقافية والعلمية والاجتماعية لكل عصر، والتي هي قابليات ذلك العصر، تفرض «قبضها وبسطها» و«طرحها وشكلها» على تحقق مقاصد الفاعل وفاعلياته في ذلك العصر. ونتيجة لذلك، فإن الأنبياء، رغم تمتعهم بالعون والتأييد الإلهي، ليسوا قادرين على كل شيء مطلقاً؛ بل يمكنهم فقط أن يبدؤوا حركة في سبيل نمو البشر وتكاملهم الأخلاقي والمعنوي. إن قبول هذه النقطة المفتاحية يبعدنا عن الظاهرية والشكلية في فهم النصوص الدينية وينقلنا من جسد الدين إلى روح الدين. والاتصال بروح الدين هو الذي يتيح إمكانية التعرف على الدين ومصادقته في هذا العصر، ويعلم الأتباع والمؤمنين بعد النبي أن الخطوات التالية ينبغي أن يخطوها هم.
نحن نواجه دوماً فهماً من النصوص الدينية، وما لم يتغير هذا الفهم، فلن يحدث تغيير في الخارج. الفهم التقليدي للنص الديني إذا لم يتغير بفصل الظرف عن المظروف والترجمة الثقافية، بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية، فإن التغييرات الخارجية الإيجابية ستكون قليلة أو باهظة التكلفة للغاية. بعبارة أخرى، ينبغي أن تخضع النصوص الدينية لترجمة ثقافية حتى تظهر نتائجها الطيبة المنشودة. لكن،
«إن حاجة النصوص الدينية إلى الترجمة الثقافية تنبع من هذه الفرضية المسبقة القائلة بأن الدين "مظروف" قدسي سماوي يُصب في "ظرف" عرفي أرضي، ولذا لا ينبغي أن تسري قداسة المظروف وأبديته وخلوده إلى ظرفه[1].»
نحن في أمس الحاجة إلى الاعتناء بالعقل والعقلانية في الترجمة الثقافية؛ وفي هذا الاعتناء بالعقل والعقلانية، لا يُترك التعبد جانباً؛ ما يُترك جانباً هو التعبد غير المعقول - أي تعطيل عقل المرء أمام عقل الآخرين - لا التعبد المعقول. في الواقع:
«العقلانية تطالبنا بأن نستخدم عقل الآخرين على أحسن وجه. ما يتعارض مع العقلانية هو تعطيل عقل المرء أمام عقل الآخرين؛ وهذا يشمل الله والنبي أيضاً. إن البشر يستفيدون من العقل الإلهي والنبوي بقدر ما يكون عقلهم هم نفسه فعالاً ومزدهراً[2].»
إن تبيين وتشريح وإعادة تحليل الأصول المذكورة، يُعد أحد أركان الاجتهاد الجيد الذي أنجزه الدكتور أبو القاسم فنائي في كتابه «أخلاقيات دراسة الدين». ومن وجهة نظره، فإن «الاجتهاد الصحيح» يمر أساساً عبر قناة الترجمة الثقافية. لأنه بخلاف ذلك، سيبتعد نتاج الاجتهاد عن روح الدين. ومن الواضح أن الابتعاد عن روح الدين سيؤدي إلى اغتراب اللغة الدينية عن ذاتها. نحن اليوم أمام نوع من اغتراب اللغة الدينية. أي أن اللغة التي كان ينبغي أن تكون حاملة للمقاصد والروح الدينية، لا تنقل تلك المعاني والمقاصد. وسبب هذه المسألة هو أن هذه اللغة قطعت صلتها بالماضي والمستقبل. والمقصود بقطع الصلة بالماضي هو عدم الالتفات إلى الجوانب التاريخية والمعاني الموجودة في الثقافة والعصر الذي قُدم الدين حتماً في تلك القوالب. والمقصود بقطع الصلة بالمستقبل هو عدم الاكتراث بالمقاصد أو المعاني التي كان يُفترض أن تثمر عنها دراسة الدين وتديننا. والآن إذ ننظر إلى اللغة الدينية القائمة، نشهد نوعاً من الجمود على الظواهر بسبب انقطاعها عن الماضي والمستقبل. وهذا الانقطاع، فضلاً عن أنه أبعدنا عن التفسير الحقيقي للنصوص الدينية، فقد واجهنا أيضاً بنتائج سيئة كان يُنتظر ألا نشهدها في سيرة وسلوك المدعين اتباع التربية الدينية. ويبلغ الأسف ذروته عندما يسلك بعض - أو حتى كثير - من علماء الأصول والفقه في حوزاتنا العلمية عملياً مساراً يقطعون به صلة اللغة الدينية للآيات والأحاديث بماضيها ومستقبلها. الأمر الذي ستكون نتيجته اغتراب اللغة الدينية. وهذا الاغتراب للغة الدينية سينعكس أيضاً على تلقيّنا لـ«الواجب الديني»؛ فهو مثلاً سيجعلنا نعتبر أهم واجباتنا الدينية هو التطبيق الظاهري للأحكام. وهذا الأمر، إن وُجد، فهو بالتأكيد مؤيد لوجود اغتراب اللغة الدينية. إن قطع صلة اللغة الدينية بالماضي والمستقبل، الذي نشهده الآن في قراءتنا الدينية الرسمية، قد وجه انتقادات للدين والمتدينين؛ انتقادات تؤكد على «لا أخلاقية» بعض «أحكام الفقه التقليدي» أو «لا معقولية» بعض «معتقدات» المتدينين. وهذا في حين أن تلك الأحكام وهذه المعتقدات، من منظور النموذج الذي يرسمه المؤلف المحترم، هي «غير أخلاقية» وبالتالي «غير دينية». وفي هذا النموذج، يُعتبر قبول المعتقدات غير المعقولة فعلاً غير أخلاقي وبالتالي غير ديني. إن مثل هذه الأحكام والمعتقدات وحتى الأفعال، لكي تُعتبر دينية حقاً، يجب أن تكون «أخلاقية». وبخلاف ذلك فهي غير دينية، حتى لو اعتيد عليها لسنوات واعتُرف بها كأحكام ومعتقدات دينية. وعلى هذا الأساس، يبدو أن الفهم التعاطفي لهذا المشروع القيم الذي أمامنا في قالب كتاب رصين، يكتسب أهمية من جوانب عديدة. فغناه، وحلّه للمعضلات، واتساع نطاق المسائل المرتبطة به، وطريقة تحليله، وسمته الإقناعية، قد وفرت له استعداداً عميقاً لإصلاحات بنيوية، وجعلته في مصاف أهم مشاريع المثقفين والمفكرين الدينيين. وينبغي أن نعلق آمالاً كبرى على هذا المشروع الذي يشكل الجزء الأوسط من كتبه الثلاثة. إنه بمثابة سراج طريق للمثقفين والمفكرين الدينيين، لكي ينهضوا، عبر استخراج التعاليم الدينية الواصلة عن النبي من بين القوانين والعرف والأخلاق وثقافة عصر النبي، ومن خلال ترجمتها ثقافياً في قالب العقلانية والأخلاق المتناسبة مع العصر الجديد، بالدفاع عن معرفة دينية تكون أكثر أخلاقية وعدالة وروحانية ومعقولية.
٢_ الترجمة الثقافية والمنهجية الصحيحة للاستنباط الديني
تفتح نظرية الترجمة الثقافية باباً لمنهجية معقولة وأخلاقية للاستنباط الصحيح من الدين. منهجية يكون نتاجها «فهم الدين في إطار الأخلاق» و«فهم الدين المنسجم مع العقلانية الحديثة». وهذا الأمر هو في الواقع إعادة بناء للفهم الديني في إطار عقلانية العصر الجديد والأخلاق. وبما أن فهمنا الديني يؤثر مباشرة في فهمنا واستنباطنا الفقهي، فإن إعادة البناء هذه ستؤدي حتماً إلى نقد وإعادة بناء الفهم الفقهي أيضاً.
إن استعانة المؤلف المحترم بالفلسفة التحليلية ونهجه الاستدلالي في الفقه، قد أضفى على نظريته وجهاً منهجياً ومعقولاً، لدرجة أنها أتاحت إمكانية نظرة أكثر دقة ووضوحاً إلى قاعدة «الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع».
من الواضح أن الفقهاء والمجتهدين، لضمان إمكانية إسناد اجتهاداتهم الدينية إلى الشارع، يحتاجون قبل ملكة الاجتهاد وقبل كل شيء، إلى منهجية تكون خالية من العيوب والنواقص قدر الإمكان، وإلا فإن مخرجات اجتهادهم لن تكون قابلة للإسناد إلى الشارع بأي وجه من الوجوه.
مدّعى كتاب «أخلاقيات دراسة الدين» هو أن منهجية استنباط الأحكام الدينية وجهاز الاجتهاد الموجود بين أيدي الفقهاء، ناقص ويعتريه القصور، وبالتالي فهو بحاجة إلى إعادة نظر وإصلاح وترميم وإعادة بناء وإعادة إنتاج. وبرأي المؤلّف، فإن إصلاح هذه المنهجية أسمى وأكثر ضرورة بكثير من دعوة علماء الدين إلى تعلّم علوم العصر:
«مشكلة علماء الدين ليست فقط أنهم لا يلمّون بعلوم العصر. فهؤلاء حتى لو ألمّوا بهذه العلوم، فلن يستفيدوا منها في فهم الشريعة، لأن القيم المعرفية التي يتبعونها في فهم الشريعة تحرّم استخدام هذه العلوم في فهم الشريعة[3].»
المؤلّف المحترم، الذي يرى أن المنهجية الخاطئة القائمة ناتجة عن «إحلال الفقه محل الأخلاق» و«الفجوة الحاصلة بين العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية»، قد شرع في إصلاحها بشكل جذري ومعرفي. ولا يخفى على المطّلعين أن قبول هذه النظرية يمكنه بسهولة أن يُحدث تغييرات وإصلاحات بنيوية في النظام الفقهي القائم.
في نظر المؤلّف، فإن «الفجوة الحاصلة بين العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية» ناتجة عن أن التعارضات بين «عرف مجتمع صدر الإسلام» و«عرف العالم الحديث»، قد اعتُبرت تعارضاً بين الشرع والعرف:
«يمكن الادعاء بأن كثيراً من التعارضات القائمة بين الشرع والعرف، ليست في الحقيقة تعارضاً بين الشرع والعرف، بل هي تعارض بين «عرف مجتمع صدر الإسلام» و«عرف العالم الحديث» و... مجرد إمضاء الشارع للعرف القديم في صدر الإسلام، ليس دليلاً مبرراً لترجيح ذلك العرف على العرف الجديد[4].»
كذلك فإن «الفجوة الحاصلة بين العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية» تنشأ أحياناً من عدم الالتفات إلى أنه في حال تعارض حكم عقلي ظني مع حكم نقلي ظني، فإن التقديم والترجيح يكون للظن الأقوى – بغض النظر عن كونه عقلياً أو نقلياً – وليس بالضرورة ودائماً للنقل الظني؛ وبما أن غالب الفقه الموجود هو حاصل جمع وتفريق الظنون لا الأحكام اليقينية، فإن الغلبة تكون للظن الأقوى. ومن هنا يشير المؤلّف بحق إلى أنه لما كان الظن الحاصل من المعارف البشرية، التي هي نتاج العقل الجمعي البشري، كالعلوم الإنسانية، أقوى بكثير في كثير من الموارد من الظن الحاصل من أخبار الآحاد، فيمكن عندئذ الاستنتاج أنه في كثير من الحالات يُرجّح الظن الحاصل من العلوم البشرية الحالية المتطورة على مفاد وظنون أخبار الآحاد. هذه المسألة ستغيّر وجه الأحكام الدينية تماماً، ولو سايرت حوزاتنا العلمية هذه النظرية وأولت أسسها اهتماماً جاداً، فستقبل بأن المنهج العلمي القائم في الحوزات العلمية يجب أن يُصاغ وفق خطة جديدة. حينها سيتضح أن كثيراً من الأحكام الفقهية القائمة، التي يُظن أنها من ذاتيات الدين وأحكام عالمية، هي في الواقع من عرضيات الدين وأحكام مناطقية بحتة، ومن ثم يجب إعادة النظر جدياً في إسنادها إلى الشارع. في الواقع، إن إحدى الخطوات الأولى في الترجمة الثقافية، هي إظهار أن بعض الأحكام الفقهية التي تبدو غير منسجمة مع المعايير العقلية أو الأخلاقية، هي من «عرضيات» الشريعة الإسلامية لا من «ذاتياتها». يشير المؤلّف المحترم بعبارات مختلفة إلى أن الاجتهاد القائم يعتبر الظنون العقلية والتجريبية، سواء في نطاق الفقه أو في نطاق الأخلاق، فاقدة للقيمة وغير معتبرة، ولذا في إطار هكذا أخلاق وعقلانية، يتعطل العقل الحدسي (= العقل الذي يتغذى من الحدس) والعقل التجريبي (= العقل الذي يتغذى من التجربة) أمام العقل المسموع (= العقل الذي يتغذى من النقل)؛ وهكذا يحل الفقه محل سائر العلوم المعيارية كالأخلاق والقانون وفلسفة الأخلاق وفلسفة السياسة والإدارة، لأن جميع هذه العلوم تعتمد على الظنون العقلية والتجريبية، وهذا حدث مشؤوم آخر وقع في الثقافة والحضارة الإسلامية. وتكمن مشؤوميته بالأكثر في أنه يقطع أو يقلّص إلى الحد الأدنى صلة المعارف البشرية بالمعرفة الفقهية.

3_ بعض نتائج قبول أو رفض نظرية الترجمة الثقافية
الدين أمر قدسي، متعالٍ عن الزمان والمكان، ولذا إذا لم يُفصل محتواه عن الجوانب الخاصة بثقافة قوم عصر النزول، فإنه يؤدي تدريجياً إلى إفراغ المفاهيم الدينية من معناها؛ وهذا أحد العوامل المهمة لنمو «اللادينية» في المجتمعات الجديدة. ومن النتائج الأخرى لهذه المسألة أن المتدينين يخلطون بين الحفاظ على وعاء الدين والحفاظ على الدين نفسه، وبدافع الحفاظ على الدين - ولكن عملياً الحفاظ على وعاء الدين - سيمنعون «تحول وتقدم المجتمع الإنساني». لأن هذا الوعاء ليس بالضرورة متوافقاً مع وعاء العصر.
«الدين الذي لا يُفهم ويُقبل من خلال المستويات العليا للعقلانية والأخلاق في عصر ما، ولا يُفصل عن وعائه، سيتحول إلى أمر غير قابل للفهم. وسيكون حملة هذا الدين عاجزين عن ‹الحوار› والدفاع المنطقي والأخلاقي عن الدين [5].»
وعلى هذا الأساس، فمن السذاجة أن نتصور أنه يمكننا أولاً الذهاب إلى الدين الخالص ثم تنظيم كل شيء على أساسه وتشكيله وفقاً له:
«أولئك الذين يذهبون في تصورهم أولاً إلى الدين، ويحاولون في ظنهم الحصول على فهم خالص للدين، يفترضون بغفلة العالم القديم ومقوماته؛... ولهذا السبب فإن نتاج جهدهم في فهم الدين هو دين ‹تاريخي› و‹مُكيّف› على العالم القديم، وليس الدين ‹المتعالي عن التاريخ والمطلق›[6].»
على الرغم من أنه؛
«هذا لا يعني أن الدين متوافق وقابل للتكيف مع أي عالم. فبعض أبعاد ومظاهر الحضارة الجديدة لا تتنافى فقط مع وعاء الدين، بل مع الدين نفسه[7].»
إن عدم الالتفات إلى بعض هذه التأكيدات قد يؤدي إلى سوء فهم يشير إليه المؤلف المحترم:
« يبدو أن أولئك الذين يصرون على امتزاج الوعاء والمظروف وضرورة الفصل بينهما، يقصدون أن الحضارة والثقافة الجديدة بكل مساوئها وعيوبها ومفاسدها وانحرافاتها هي معيار الفصل بين الوعاء والمظروف. يؤدي سوء الفهم هذا إلى أن ينكر المدافعون عن القراءة التقليدية للدين امتزاج الوعاء والمظروف من الأساس. من وجهة نظر هذه المجموعة، فإن الترجمة الثقافية للنصوص الدينية هي نوع من ‹التلفيق› و‹الغزو الثقافي›[8].»
والحقيقة هي أن:
«كما أن المعرفة الأفضل والأعمق بالعالم الجديد تساعدنا في تمييز وعاء الدين عن الدين نفسه، وفي تمييز الدين المطلق عن الدين المُكيّف على العالم القديم، فإن الفهم الأفضل والأعمق للدين سيساعدنا في تمييز وفصل الجوانب الجيدة والمفيدة من العالم الجديد عن جوانبه السيئة والمضرة به[8].»
لكن المعرفة الأفضل والأعمق بالعالم الجديد غير ممكنة دون الإلمام بالعلوم والحضارة الجديدة، ولذا فمن أجل تمييز وعاء الدين عن الدين نفسه، وتمييز الدين المطلق عن الدين المُكيّف على العالم القديم، لا ينبغي أن نحرم أنفسنا من الإلمام بالعلوم الجديدة.
«العلوم الطبيعية والإنسانية الحديثة أيضاً، التي تُعدّ من مقوّمات العالم الجديد ومرآة له في آنٍ معاً، هي من المقدمات الضرورية للاجتهاد والاستنباط في الدين، لأن الدين الذي يُكلّف المعاصرون بقبوله واتّباعه، هو قراءة للدين تتلاءم وتتناسب مع خصائص هذا العالم ومقتضياته. ولا يمكننا بلوغ مثل هذه القراءة للدين إلا إذا سعينا، قبل الرجوع إلى النصوص الدينية أو بالتزامن معه، إلى فهم العالم الجديد فهماً عميقاً، وهذا الأمر غير ممكن دون إلمام عميق بالعلوم والمعارف البشرية الحديثة[8].»
هذا في حين أن
«أنصار كفاية الاجتهاد بالمصطلح المتداول يعتقدون أن العلوم الحديثة لا دور لها البتة في فهم الدين، وأن استخدام هذه العلوم في فهم الدين يؤدي إلى «التلفيق» وبالتالي فهو محرّم شرعاً وغير مشروع. ويؤدي هذا التوجه في نهاية المطاف إلى الأصولية الدينية وإما إلى زوال الدين أو زوال الحضارة الحديثة[9].»
افتراضهم المسبق هو أنه يمكن، دون الإلمام بالعلوم الحديثة ودون معرفة العالم الجديد، التوصّل إلى قراءة مطلقة وفوق-تاريخية قابلة للانطباق على كل الأزمنة والأمكنة. لكنهم يغفلون عن هذه النقطة:
«العقيدة والحكم الذي لا ينسجم مع العقل العرفي والطبيعي للبشر الذين يعيشون في العالم الجديد، لا يمكن أن يكون جزءاً من الدين المطلق وفوق-التاريخي[10].»
على الرغم من أنه من البديهي أن «أحكام الدين المطلق وفوق-التاريخي» يجب أن تكون منسجمة مع «أهداف الدين»، إلا أن البعض يقولون إن «أحكام الدين» منسجمة تلقائياً مع «أهداف الدين»، وبالتالي فإننا في مقام فهم الدين وأحكامه لا نحتاج إلى «فصل الظرف عن المظروف» والترجمة الثقافية فحسب، بل إن هذا العمل يُعدّ نوعاً من الانحراف. لكن هؤلاء يخلطون بين «الدين» و«فهمنا للدين» ولا ينتبهون إلى أن:
«كوننا نعلم على نحو «قبلي» أن «أحكام الدين» منسجمة مع «أهداف الدين» ، لا يؤدي إلى أن يكون فهمنا وتصورنا لتلك الأحكام منسجماً أيضاً على نحو «قبلي» مع «أهداف الدين» . بل إن السبب في وجوب أن نمتحن «معرفتنا الدينية» بهذه المعايير هو أن «الدين» نفسه في مقام الثبوت أو اللوح المحفوظ يتبع هذه المعايير، وأن الله سبحانه قد راعى هذه المعايير في مقام تشريع الدين[11].»
على سبيل المثال:
«نحن نعلم أن أحكام الله ليست ظالمة، لكن هذا العلم لا يؤدي إلى أن يكون فهمنا وتصورنا للنصوص الدينية غير ظالم. إن عدم انسجام القراءة الرسمية والتقليدية للدين مع العالم الحديث، يعود في الغالب إلى عدم انسجام هذه القراءة مع هذه المعايير[12].»
يعود جزء مهم من حالات عدم الانسجام هذه إلى أن العقل، في القراءة التقليدية للدين، قد فقد مكانته الحقيقية:
«في القراءة التقليدية للدين، يُعرّف العقل ويُمدح كثيراً. لكن هذا يحدث في مقام النظرية فحسب، لا في مقام التطبيق. ففي هذه القراءة، لا يحظى العقل في مقام العمل بمكانة لائقة في فهم الدين وتفسيره. بل إنها تقوم على تعطيل العقل أمام النقل. لأن التبرير العقلاني للمعتقدات الدينية يُعرّف بأنه الإثبات اليقيني والبرهاني لهذه المعتقدات، في حين أن مثل هذا التوجه نحو المعتقدات الدينية، بافتراض إمكانيته، يزيل طبيعة هذه المعتقدات ووظيفتها الدينية ويُحيلها إلى مجرد معتقدات فلسفية أو كلامية[13].»
وكذلك في مجال الأخلاق:
«گر چه ادعا میشود که حسن و قبح اعمال، ذاتی و عقلی است، اما در مقام کشفِ ارزشهای اخلاقی، عقل به خاطر ظنّی بودن احکام آن، عملا در برابر نقل تعطیل میگردد. ارزشهای اخلاق اجتماعی و در رأس آنها حقوق طبیعی بشر به بهانه ظنّی بودن یا غربی بودن طرد میشوند؛ و ادعا میشود که اخلاق، اسلامی و غیر اسلامی دارد. بنابراین نتیجه گرفته میشود که آزادی و دمکراسی از ارزشهای اسلامی نیست و مردمسالاری دینی غیر از مردمسالاری سکولار است و هکذا [14].»
در بخش فروعات فقه نیز در مقام نظر ادعا میشود که عقل، در کنار قرآن و سنت و اجماع، یکی از منابع احکام شرعی است، اما عملا عقل منبعی است بالقوه که استعداد آن هیچگاه به فعلیت نمیرسد. ریشه این مسئله در این است که ادعا میشود حکم عقل تا به حد قطع و یقین نرسد، نمیتواند مبنایی برای رد یا پذیرش یک حکم شرعی باشد و بر اساس این ادعا، شرط استنباط حکم شرعی بوسیلۀ عقل، قطع و یقین عقلی دانسته میشود. این در حالی است که:
«در غیر قلمرو منطق و ریاضیات قطع و یقین به سادگی قابل حصول نیست. چنین شرطی در حقیقت به معنای تعطیل کردن عقل و نفی حجیت آن در استنباط حکم شرعی است. درست مثل اینکه بگوییم معیار اعتبار روایت، قطعیالصدور وقطعیالدلاله بودن آنهاست. چنین رویکردی به تعطیل سنت و نفی حجیت آن میانجامد[15].»
اما مؤلف محترم، به دلایل متعدد ظنون عقلی و تجربی را چه در قلمرو فقه و چه در قلمرو اخلاق دارای ارزش و اعتبار میشناسد. واضح است که چنانچه این دلایل پذیرفته شوند، عقل عملا به عنوان منبع پذیرفته شده و از این مجرا سبب تحولات عمدهای در استنباط احکام شرعی خواهد شد؛ تحولاتی که فهم و دریافت ما از احکام دینی و فقهی را خردپذیرتر خواهد کرد.
از سوی دیگر در قلمرو اخلاق، بیشتر اوقات به دلیل روشن نبودن جایگاه و نسبت دین و اخلاق، از یکطرف و این گمان که لازمۀ حرمت نهادن به دین آن است که همه چیز از درون آن بجوشد، از سوی دیگر، و خصوصا اینکه چون دینِ حق توصیههای اخلاقی دارد، گمان میشود اخلاق امری دینی است و برای اخلاق هیچ نحوه استقلال و اولویتی نسبت به دین فرض نمیشود. این تصور نیز که بسیاری از دینداران دچار آن شدهاند، به دلایل متعددی که نویسندۀ محترم ارائه میکنند، تصور درستی نیست. و واضح است که اگر دلایل آن به خوبی فهم و پذیرفته شوند، فهم و دریافت ما از اینکه چه حکمی واقعاً دینی و فقهی است را اخلاقیتر خواهد کرد.
گر چه این پروژه فکری را صرف نظر از کارکردهای مثبت آن نیز باید بررسی کرد اما نتیجه مهمی که نمیتوان از آن چشم پوشید، خردپذیرتر شدن و اخلاقیتر شدنِ فهم فقهی است. دین نیز حرمت و احترام شایستۀ خود را باز خواهد یافت. در واقع پذیرش «فرادینی بودن اخلاق» که ایشان در کتاب «دین در ترازوی اخلاق» متکفّل تبیین آن شدهاند، سبب میشود که در صورت غیراخلاقی بودنِ برخی از فتاوا، نه تنها آن فتاوا طرد شوند که اساسا «غیردینی» شناخته شوند:
«اگر آزادی بیان و سایر ارزشهای مندرج در اعلامیۀ جهانی حقوق بشر ارزشهای اخلاقیاند، اگر اخلاق مقدم بر دین است، اگر ارزشهای اخلاقی فرادینیاند، و اگر دلایل توجیه کنندۀ این ارزشها از دلایل توجیه کنندۀ فتواهای فقهی قویتر است، در این صورت فتواهای ناسازگار با حقوق بشر توجیه و اعتبارِ فی بادیالنظر خود را از دست میدهند و ابطال میشوند [16].»
نهایتا در اهمیت نظریۀ «ترجمۀ فرهنگی» یا «تفکیک ظرف از مظروف» باید گفت:
«بدون تفکیک ظرف دین از خود دین، اجتهاد فقهی، نه فقط ناقص و ناموجه است که اساسا اجتهاد نیست، تقلید از آباء و اجداد است[17].»
4_ تقدم هویّت انسانی و حقوق طبیعی بر هویّت دینی
الهوية الإنسانية تتقدم على الهوية الدينية، ومعنى هذا التقدم أن الدين لا يمكنه أن يتجاهل الهوية الإنسانية ومقتضياتها القيمية والمعيارية، أو أن يضعفها ويزيلها ويحل الهوية الدينية محلها، لأنه في هذه الحالة يكون قد سلب الإنسان إنسانيته. هذه المسألة، بصرف النظر عن اعتبارها النظري، ستشمل على نحو واسع كل توجهاتنا وتصوراتنا وأفهامنا الدينية والفقهية التقليدية، وستوفر لها فهماً وإدراكاً أكثر عقلانية وأخلاقية. انظر:
« فكرة أن دم الكفار والمشركين أو المخالفين وأموالهم وأعراضهم لا حرمة لها، تخص عالماً لا يعترف فيه الكفار والمشركون أو السنة بحرمة لدماء المسلمين أو الشيعة وأموالهم وأعراضهم. ... الأدلة التاريخية تبين أن معظم هذه الأحكام كانت من باب (الجواز العقلي لـ) « المعاملة بالمثل. ... أي أن هذه الأحكام تدور مدار فكرة غير المسلمين وسلوكهم وتعاملهم مع المسلمين، أو غير الشيعة مع الشيعة[18].»
على هذا الأساس، فإن القيمة والاعتبار الكبيرين اللذين أولاهما كثير من المتدينين لمجرد «العقيدة» لسنوات طوال، يجدان حداً معقولاً: «العقيدة» ليست متقدمة على «الإنسانية». وبهذه الفرضية المسبقة، إذا تم تجاهل حقوق الكفار والمخالفين ولو بمقدار شعرة، فإن ذلك خلاف العدالة والتعاليم القرآنية، ومن يلتفت إلى هذه الأسس،
«لن يستطيع أبداً أن يستنبط من الآيات والروايات المتعلقة بكيفية التعامل مع غير المسلمين في صدر الإسلام حكماً كلياً ومطلقاً، وأن يسري هذه الأحكام على عالم جديد يتمتع فيه المسلمون في البلدان غير المسلمة بقدر أكبر من الحرية في اختيار الدين والتعبير ونشر العقائد والترويج لها وإقامة شعائرهم الدينية مما هو عليه الحال في البلدان المسلمة [19].»
الأسس المشار إليها تبيّن حتى الآن مسار الترجمة الثقافية بشكل جيد، وتحترم اعتبار الهوية الإنسانية ومكانتها، ومن خلال ذلك تزيل الكثير من المشكلات وأوجه التمييز الاجتماعي الناشئة عن بعض الظنون الباطلة:
«القيم الأخلاقية 'مطلقة' و 'قابلة للتعميم' بمعنى أن موضوعها هو الإنسان بما هو إنسان، ولا يؤدي التدين أو اللاتدين، أو كون المرء مسلماً أو غير مسلم، أو فقيهاً أو غير فقيه، أو رجلاً أو امرأة إلى تخصيصها وتقييدها... لذلك فإن ذلك الجزء من النصوص الدينية الذي يدل ظاهراً على التمييز بين المسلم وغير المسلم، والشيعي والسني، والفقيه وغير الفقيه، والرجل والمرأة، يجب أن يخضع للترجمة الثقافية، لأن هذا الجزء من النصوص الدينية يعبر في الواقع عن أحكام الدين كما طُبقت على العالم القديم، لا عن أحكام الدين المطلق وفوق التاريخي[20].»
ومن جهة أخرى، الهوية الإنسانية متقدمة على الهوية الدينية، لذلك:
«التصورات والقراءات للدين التي تتعامل مع البشر البالغين العقلاء كما تتعامل مع القاصرين والمحجور عليهم، وتعتبرهم بحاجة إلى وصي وقيم، هي باطلة من أساسها. لأن 'الإنسان البالغ العاقل وفي نفس الوقت بحاجة إلى قيم'، مفهوم ينطوي على تناقض داخلي[21].»
كذلك الحقوق الطبيعية للإنسان متقدمة على هويته الدينية. لأنه بإنكار هذه المسألة يفقد وصف عدالة الله معناه ومفهومه. عدالة الله تقتضي أن يكون للبشر تكويناً حقوق يجب أن تُصان:
«يمكن القول إن الله عادل عندما يكون لعباده حقوق لا تنبع من إرادته التشريعية، ويراعي هو هذه الحقوق [22].»
حقوق الإنسان، هي حقوق 'طبيعية' لا 'تشريعية' ولا 'اتفاقية'؛ لذلك لا يمكن للشريعة أن تكون منافية لحقوق الإنسان. وبناءً على هذا التصور، فإن أي حكم أو فهم للشريعة ينافي حقوق الإنسان يكون بلا اعتبار، لأنهلا يمكن اعتبار تصور أو حكم أو فهم ما شرعياً ومعتبراً حقاً إلا إذا كان ذلك الحكم أو الفهم عادلاً:
«يمكن إبطال التصورات الظالمة وغير الحكيمة للأحكام الشرعية لمجرد عدم توافقها مع وصف العدل والحكمة للّه فحسب[23].»
وعلى هذا الأساس، فإن عدالة الله تقتضي أن تُعرف الحقوق الطبيعية للإنسان بوصفها سابقة على الهوية الدينية، ولأن العدالة فوق دينية، لذا:
«الحقوق الطبيعية ليست إسلامية ولا غير إسلامية. وعليه، فإن القراءة للدين التي تعتبر جميع الحقوق اعتبارية وتحرم بعض البشر من حقوقهم الطبيعية، أو تشترط تمتعهم بهذه الحقوق برضا الحاكم الشرعي وإرادته ومصلحة النظام، هي في الحقيقة قراءة مضادة للفطرة ومميتة للإنسان ومخالفة للإرادة التكوينية للّه، حتى وإن كانت متوافقة مع ظاهر النصوص الدينية التي تعبر عن إرادة الله التشريعية[24].»
علاوة على ذلك، بما أن مخاطب الدين هو الإنسان، فإن الدين يفترض إنسانية الإنسان مسبقاً ويتقبل المقتضيات المعيارية لهذه الهوية بوصفها إطاره الخاص. لكن التأكيد على الهوية الإنسانية له لوازم ودلالات مختلفة: «الإنسان إنسان» تعني:
أولاً: الإنسان ليس إلهاً.
لذا لا يمتلك أي إنسان حقوق الله واختصاصاته الخاصة؛ حتى لو كان نائباً عنه، وبالتالي لا يمكن التصرف كإله في مقام تدبير المجتمع وإدارته.
ثانياً: الإنسان ليس ملاكاً.
وعليه، فإن السعي لاستئصال الذنب والفساد والكفاح من أجل خلق جنة على الأرض، هو سعي وكفاح عبثي ومخالف لمقتضى حكمة الله وإرادته التكوينية.
ثالثاً: الإنسان ليس حيواناً أو شيئاً.
وبالتالي، فإن الحرية والمسؤولية هما من النتائج المباشرة للهوية الإنسانية للإنسان[25].»

5_ قابلية الإبطال الأخلاقي للفتاوى الفقهية
من النتائج المباشرة لما قيل هو أن:
«الفتاوى الفقهية قابلة للإبطال "أخلاقياً"؛ وهذه الفتاوى نافذة ومعتبرة بشرط توافقها مع القيم الأخلاقية. ولذا فإن نسبة الأحكام المضادة للأخلاق إلى الله هي من أعظم الذنوب، ووجود آية أو رواية تدل بظاهرها على مثل هذه الأحكام لا يرفع مسؤولية الشخص في هذا المجال[26].»
علاوة على ذلك، فإن بعض الأحكام التي اعتبرها الفقهاء في الماضي أحكاماً دينية، أو حتى بعض الأفعال والأساليب التي كانت مقبولة في تاريخ صدر الإسلام، هي في الواقع نتيجة لأحكام الدين المطبقة على عالم كانت هذه الممارسة رائجة فيه، وليست أحكام الدين الحقيقي. وإن ما قيل مثلاً في باب التقليد من أنه لا يمكن تقليد المجتهد الميت، له أساس صحيح، وإن كان غير كافٍ على الإطلاق. وعلى سبيل المثال:
«بيع وشراء العبيد هو أحد أحكام الدين المطبقة على عالم كانت هذه الممارسة رائجة فيه. وبالتالي، فإن تعميم هذا الحكم على عالم تُعتبر فيه العبودية جريمة هو أمر غير مبرر. لا يمكن للإسلام أن يصلح عالماً كانت العبودية شائعة فيه بين ليلة وضحاها. أقصى ما كان بوسع النبي فعله هو أن يخطو خطوات لإزالتها. ... المشكلة هنا هي أن الفقهاء ومفسري النصوص الدينية، بسبب تصورهم الخاطئ لكمال الدين والشريعة، يعتبرون خطوات النبي الأولى في سبيل إلغاء العبودية خطوات نهائية، أي أقصى ما يمكن وما ينبغي فعله في هذا الشأن [27].»
إن الفهم الخاطئ لكمال الدين والشريعة، كان ولا يزال سبباً لكثير من الاستنباطات «الشكلية وغير الجوهرية» من تاريخ صدر الإسلام. في هذه الاستنباطات، يُقبل «الشكل والصورة» في كثير من الحالات ويُنسى «الروح والمضمون». ليس من الصحيح أن تُعتبر التقاليد والآداب والعادات لعصر ما، لمجرد أنها كانت موجودة مثلاً في مجتمع صدر الإسلام واتخذت مظهراً دينياً، بوصفها الغاية المثلى للدين. وعليه، فإن الفتاوى تكون نافذة ومعتبرة بشرط أن تكون منسجمة مع القيم الأخلاقية. إن إهمال هذه المسألة هو منشأ أكبر الانحرافات التي حدثت في العالم الإسلامي والفظائع الكثيرة باسم الدين:
«إن أحد أكبر الانحرافات والبدع التي حدثت في الفكر الديني، هو تحريف العلاقة بين الفقه والأخلاق. إذا قلنا إن جذور كثير من الفظائع التي ترتكب باسم الدين تكمن هنا، فإننا لم نقل قولاً شططاً. الفقه بلا أخلاق، أو الفقه الذي يحل محل الأخلاق، هو شفرة في يد سكران معربد[28].»
6_ نطاق نظرية الترجمة الثقافية
نظرية الترجمة الثقافية هي توقع معقول من دارسي الدين. فالدين لجميع الأزمنة، وهذه النظرية تلبي هذا التوقع. هذه النظرية تضع دوماً أخلاقية الدين ومعقوليته كمبدأ، ومن خلال ذلك تؤثر على نطاق واسع من الموضوعات الدينية والاجتماعية. مثلاً، إحدى الموضوعات الاجتماعية المهمة هي مسألة الحكم؛ وهذه النظرية لا يمكنها بطبيعة الحال أن تبقى غير مبالية تجاهها. في الواقع، بجعلها أسلوب الحكم الرشيد مبدأً، فإنها تسد الطريق أمام الحكومات الاستبدادية والمقدسة وفوق النقد. وهو أمر ينسجم أيضاً مع العقلانية الحديثة والأخلاق فوق الدينية.
«العقلانية الحديثة والأخلاق العلمانية أو فوق الدينية هما من المقومات والمكونات التي لا مناص منها في العالم الجديد، وحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية والمساواة والحياد الأيديولوجي للحكومات هي من ضرورات هذا العالم. في هذا العالم، الحكم الفردي والاستبدادي والأقصى والمقدس وفوق النقد، لا يلبي حاجة البشر إلى الحكم بشكل صحيح ولائق [29].»
إن تفضيل أسلوب الحكم الرشيد بدلاً من الحاكم الصالح، لا ينسجم بطبيعة الحال مع أي قراءة لفروع الدين؛ كما أن أي قراءة لا تنسجم مع مبدأ التوحيد أو العدالة أو حرية الإنسان واختياره.
«القراءة من فروع الدين التي تفترض لله بديلاً وممثلاً خاصاً على وجه الأرض، حقوقه وصلاحياته أكثر من سائر البشر، وحكمه هو حكم الله ومخالفته هي مخالفة لله، هي قراءة لا تنسجم مع مبدأ التوحيد، حتى لو كان هناك، على سبيل الفرض المحال، مئات الآيات والروايات لصالح هذه القراءة. تقديس رجال الدين وتقديس القائد، أي القبول الأعمى والمطلق وبلا قيد أو شرط لأقوال وأوامر رجال الدين والقادة الدينيين، يعتبر من أنواع الشرك في العبودية؛ ...وبما أن الشرك، كما نص القرآن صراحة، هو ظلم عظيم، فإن الله لن يأمر به أبداً[30].»
على هذا الأساس، فإن هذه النظرية ترفض القراءات غير العادلة للدين بخصوص الحاكم والحكم، وتعتبر تلك القراءات غير دينية.
«لتطبيق العدالة يجب تطبيق أحكام الدين (في اللوح المحفوظ)... لكن عدالة أحكام الدين في اللوح المحفوظ، لا تضمن بحد ذاتها عدالة «التصورات» و«الاستنباطات» الفقهية من النصوص. ... القراءة من الدين التي تقسم المواطنين إلى درجتين أولى وثانية، وتوزع السلطة والإمكانيات السياسية والاجتماعية بشكل غير متساوٍ بينهم، وتجعل للحكام صلاحية بلا مسؤولية وللمحكومين مسؤولية بلا صلاحية، هي قراءة غير عادلة وبالتالي غير دينية[31].»
وعلى هذا الأساس، فإن عدم اتساق بعض القراءات مع مبادئ كالتوحيد والعدالة والحرية واختيار البشر يُظهر أن تلك القراءات غير دينية من الأساس. لكن الحديث هنا كان عن عدم الاتساق مع المبادئ، ولا ينبغي لمجرد عدم اتساق أمرٍ ما مع ظواهر الآيات والروايات أن يجعلنا نعتبره بالضرورة غير متسق مع الدين أو غير ديني؛ ففي مثل هذه الحالات لا يمكننا اعتبار تلك الأمور غير دينية إلا حين تتوفر أدلة أرجح من الناحية الأخلاقية والعقلانية تؤيد عدم الاتساق هذا.
«حتى لو كانت لدينا آيات وروايات تتعارض ظواهرها مع الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والمساواة بين البشر وسائر ضروريات ومقومات العالم الجديد، فلا يمكننا الادعاء بأن الحرية والديمقراطية لا تتسقان مع الإسلام وليستا من القيم الإسلامية، أو أن حقوق الإنسان الإسلامية تختلف عن حقوق الإنسان الغربية، أو أن الديمقراطية الدينية تختلف عن الديمقراطية ما فوق الدينية/العلمانية. مثل هذه الآيات والروايات، إن وُجدت، تعبر عن أحكام الدين المطبَّق على العالم القديم، لا عن أحكام الدين المطلق وما فوق التاريخي. ولهذا السبب لا يمكن تعميم مضمونها على العالم الجديد دون ترجمة ثقافية[28].»
لذا، إذا رأينا أن الحضارة الجديدة أو مظاهرها تُنفى باسم الدين، فعلينا أن نبحث فيما إذا:
« أهو الدين نفسه الذي ينفي الحضارة الجديدة ومظاهرها، أم هي الثقافة والحضارة القديمة التي تنفي الحضارة الجديدة ومظاهرها تحت غطاء الدين وفي ظل قراءة للدين امتزجت وتلاءمت وتناغمت مع تلك الثقافة والحضارة؟ [32].»
إن عدم الالتفات إلى هذه المسألة يؤدي إلى رفض الكثير من المنجزات البشرية المعقولة والإيجابية. فقد نعتبر مثلاً كل أمر جديد غير متسق مع الدين أو الإسلام ونرفضه لهذا السبب.
والعامل الآخر الذي يؤدي إلى رفض الكثير من المنجزات البشرية المعقولة والإيجابية هو الافتقار إلى نظرية واضحة حول نطاق الدين. وهذه المسألة تدفعنا أحياناً إلى تصور نطاق الدين على نحو واسع جداً بحيث نعتبره بديلاً عن علوم العصر، ونتيجة لهذا الاستغناء، لا نولي المنتجَ من التجارب البشرية ولا علوم عصرنا ما تستحقه من قيمة. وعليه:
«نحن مكلفون، قبل الرجوع إلى النصوص الدينية، بأن تكون لدينا نظرية واضحة ومنقحة حول نطاق الدين، وتوقعاتنا من الدين، شريطة أن تكون معقولة، يمكنها أن تساعدنا في اكتشاف نطاق الدين [33].»
إن اعتبار نطاق الشريعة واسعاً إلى حد يؤدي إلى عدم الاكتراث الكافي بنتاج العلوم أو التجارب البشرية، هو تصور خاطئ لنطاق الشريعة والفقه ينبغي نبذه. ومثل هذه التصورات كافية وحدها لإفساد دنيا المسلمين وآخرتهم. ويشير المؤلف المحترم بحق إلى هذه المواضع:
«إن القول بأنه ليس لدينا في الإسلام مجلس تشريعي وأن الديمقراطية لا تتسق مع الإسلام، قول مؤسس على تصور خاطئ لنطاق الشريعة والفقه[34].»
وكذلك
«إذا أخذ الفقه مكان العلوم الأخرى، كالحقوق والأخلاق والإدارة والسياسة والاقتصاد، فسيفسد دنيا المسلمين وآخرتهم[35].»
وبالطبع، قد ترد أحياناً في النصوص الدينية بعض الآراء والتوصيات بشأن بعض الموضوعات العلمية، لكن هذا لا يجعلنا نعتبر تلك الموضوعات جزءاً من نطاق الدين:
«يمكن رؤية ما يشبه هذه المسألة في الكثير من الآراء والتوصيات التي وردت في النصوص الدينية حول الطب والسياسة والاقتصاد والإدارة والأخلاق وغيرها. إنها في الحقيقة تقع خارج نطاق الدين وتستند إلى العقل والتجربة، واعتبار هذه الأمور ديناً يُعد نوعاً من ’الابتداع في الدين‘[35].»
لكن القول بمثل هذا النطاق الواسع للفقه والشريعة، لا يؤدي فقط إلى أن يحل الدين المطبَّق على العالم القديم محل الدين المطلق، بل إنه، بسبب ما يولده من شعور بالاستغناء لدى مجتمع المتدينين، سيحرمهم عملياً من المنجزات العلمية والتجارب البشرية الحسنة.
كما أشير سابقاً، فإن نظرية الترجمة الثقافية تضع دوماً أخلاقية الدين ومعقوليته كمبدأ أساسي. ونضيف هنا أن هذه النظرية، تماماً مثل نطاق الموضوعات المتعلقة بالأخلاق والعقلانية، ستشمل مسائل عديدة.
يصرح المؤلف المحترم بأن مجال هذه النظرية لا يقتصر على الفقه وفهم الأحكام الشرعية، بل إن فهم وتفسير سائر أقسام الدين وأبعاده يندرج أيضاً ضمن هذه النظرية. بل يشير إلى أنه يمكن استخدام الترجمة الثقافية كمعيار للتمييز بين «المحكم» و«المتشابه». فالمحكمات هي تلك الأجزاء التي لا تحتاج إلى ترجمة ثقافية، والمتشابهات هي تلك الأجزاء التي يتوقف فهمها وتفسيرها الصحيح على الترجمة الثقافية.
والنتيجة هي أن من يكتفي، مثلاً، في فهم وتفسير القرآن والسنة بعلم الصرف والنحو وأصول الفقه والرجال والدراية، ويظن نفسه في غنى عن العلوم الحديثة، فإن نتاج اجتهاده سيكون مزيجاً من الظرف والمظروف، أو الدين المطلق والدين المطبق على العالم القديم.
لذلك، فإن أول مسألة يجب أن نحدد موقفنا منها هي تعيين نسبة الدين والمعرفة الدينية إلى العقل والعقلانية الحديثة. ولا يحق لنا، دون ترجمة ثقافية للنصوص الدينية وقبل فصل الظرف عن المظروف، أن نُسري أي اعتقاد أو حكم إلى العالم الجديد.
.
.
[1] أخلاقيات دراسة الدين – أبو القاسم فنائي – نشر نگاه معاصر- 1394 ص _ 423
[2] المصدر نفسه – ص 238
[3] المصدر نفسه – ص 297
[4] المصدر نفسه _ ص253
[5] أدب الحوار – مهدي إيرانمنش- نشر قائم- 1396 - قسم حوار الثقافات، حوار الأديان
[6] أخلاقيات دراسة الدين - ص 438
[7] المصدر نفسه – ص 439
[8] المصدر نفسه – ص 440
[9] المصدر نفسه – ص 444
[10] المصدر نفسه – ص 450
[11] المصدر نفسه – ص 448
[12] المصدر نفسه – ص 449
[13] المصدر نفسه – ص 451
[14] المصدر نفسه – ص 452
[15] المصدر نفسه – ص 454
[16] المصدر نفسه – ص 457
[17] المصدر نفسه – ص 500
[18] المصدر نفسه – ص 460
[19] المصدر نفسه – ص462
[20] المصدر نفسه – ص 474
[21] المصدر نفسه – ص 469
[22] المصدر نفسه – ص466
[23] المصدر نفسه – ص 465
[24] المرجع نفسه - ص 464
[25] المرجع نفسه – ص 471
[26] المرجع نفسه – ص 472
[27] المرجع نفسه – ص 473
[28] المرجع نفسه – ص 475
[29] المرجع نفسه – ص 476
[30] المرجع نفسه – ص 486
[31] المرجع نفسه – ص 490
[32] المرجع نفسه – ص477
[33] المرجع نفسه – ص 492
[34] المرجع نفسه – ص 494
[35] المرجع نفسه – ص 496
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.