اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد مسعود صادقي كتاب «أخلاق علم الدين» لأبي القاسم فنائي، ويعدّ من مآخذه الجوهرية عليه عدم تناسب العنوان مع المنهج النقدي للعمل، وافتقاره إلى الإحالات الكافية للادعاءات المتعلقة بالعلاقة بين الفقه والأخلاق.

من المباحث الضرورية للشروع في نقد أي كتاب، فحص مدى تناسب ووضوح عنوانه الرئيسي والفرعي مع محتوى الكتاب وفحواه. يبدو أن عنوان الكتاب لا يعكس الوجه النقدي والسلبي لجزء كبير من العمل. ربما كان من الأفضل أن يشير المؤلف المحترم، على الأقل في إطار العنوان الفرعي للكتاب، إلى منهجه النقدي تجاه ما يسميه الفقه التقليدي أو الأشاعرة المحدثين وما بعد المحدثين، إشارة مناسبة...
البيانات الببليوغرافية للعمل موضع النقد: أخلاقيات علم الدين، بحث في الأسس الأخلاقية والإبستمولوجية للفقه، أبو القاسم فنائي، طهران: نگاه معاصر، 1389.
قبل كل شيء، ينبغي القول إن كاتب هذه السطور كان بإمكانه أن يسهل الأمر على نفسه، ووفقًا للنهج السائد، بدلًا من نقد مضمون الكتاب خطوة بخطوة أو حتى بدلًا من ذلك، أن ينسب إلى الكتاب فكرة مركزية واحدة أو عدة أفكار ويتحداها، وفي لعبة وجدال أحادي الجانب، يعتبر نفسه منتصرًا في الميدان بالكلية، لكن الإنصاف يقتضي أن هذا العمل الضخم والمهم من عدة وجوه (بصرف النظر عن جميع نقاط ضعفه وقوته) يستحق فحصًا تحليليًا وتفصيليًا، لا بضعة أحكام وقضايا عامة. ناهيك عن أنني رأيت وما زلت أرى نفسي وكثيرين غيري في معرض خطر تكريس جهودنا لمجرد تأييد كتاب أو التشكيك في أصل كونه مفيدًا أو معقولًا، في حين أن مقتضى أخلاقيات النقد هو إما ألا نقدم على النقد، أو أن نؤدي حقه، وبدلًا من التنميق أو التعميم وإلصاق التهم، نأتي للقارئ ومؤلف العمل الذي خضع للتحليل بنقاط تفتح الطريق وترشد. لذا، فإن هذا النقد الماثل أمامنا، بما أنه ليس بالقصير ولا يحتوي على ادعاءات عامة وقطعية بحيث يمكن بنظرة عابرة فهم رأي الناقد ومصير الكتاب المنقود دفعة واحدة؛ لذا ينبغي أن يُطلب من القارئ الفاضل أن يصبر ويتابع هذه الكتابة متعددة الأجزاء حتى النهاية، ويطالع في النهاية التجميع والاستنتاج بشأن الكتاب في الجزء الأخير.
هذا الكتاب، الذي يبلغ حجمه 604 صفحة، بالإضافة إلى مقدمة طويلة نسبيًا، يحتوي على 7 فصول تحت العناوين التالية: الفصل الأول، إحلال الفقه محل الأخلاق؛ الفصل الثاني، الفقه وتحديات العصر الجديد؛ الفصل الثالث، العقلانية التقليدية والعقلانية الحديثة؛ الفصل الرابع، العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية؛ الفصل الخامس، القبض والبسط النظري للفقه؛ الفصل السادس، بسط التجربة الفقهية النبوية؛ الفصل السابع، الترجمة الثقافية للنصوص الدينية.
ربما يتبادر إلى ذهن القارئ المحترم سؤال حول موضوع هذا الكتاب تحديدًا. يعتبر المؤلف موضوع تأليفه «أخلاقيات علم الدين» أو «أخلاقيات البحث والتفكير الفقهي» أو «أخلاقيات الاجتهاد» (فنائي، 14، 1389) وفي موضع آخر يعتبر أخلاقيات علم الدين بحثًا في «العقلانية الفقهية أو الأسس العقلانية للفقه» (فنائي، 24، 1389). وفي موضع آخر يعتبر كتابه بحثًا في «الركن الخارجي للمعرفة الدينية» (فنائي، 25، 1389) وبالطبع يعتقد لاحقًا أن أخلاقيات علم الدين يمكن اعتبارها أيضًا رسالة في «الدفاع عن حجية واعتبار الظنون العقلية والتجريبية من الناحية الإبستمولوجية» (فنائي، 28، 1389).
لعل من المباحث الضرورية للشروع في نقد أي كتاب، فحص مدى تناسب ووضوح عنوانه الرئيسي والفرعي مع محتوى الكتاب وفحواه. يبدو أن عنوان الكتاب لا يعكس الوجه النقدي والسلبي لجزء كبير من العمل. ربما كان من الأفضل أن يشير المؤلف المحترم، على الأقل في إطار العنوان الفرعي للكتاب، إلى منهجه النقدي تجاه ما يسميه الفقه التقليدي أو الأشاعرة المحدثين وما بعد المحدثين، إشارة مناسبة، وهي مباحث تستحوذ على الأقل على أكثر من نصف الكتاب.
مضافاً در باب عنوان فرعی کتاب باید گفت که ما با مشاهدهی آن طبیعتاً انتظار یک «پژوهش» را میبریم، البته پژوهشی بودن یک اثر لزوماً با ایده/ نظریهپردازانه بودن آن غیرقابل جمع نیست، ولی این اثر چنانکه در ادامه روشنتر خواهد شد، بیشتر رنگ و بوی کاری را دارد که میخواهد با جمعبندی و بازسازی کلی و اجمالی دلایل مخالفان تاریخی و فعلیِ ایدهی مرکزی و نهایی خود، به مقصود اصلی برسد و طرح و نظر مؤلف را تبیین کند. شاهد این مدعا آن است که در برخی از مواقف مهم و کلیدی (که در آینده و به تفکیک مورد اشاره قرار میگیرند)، مؤلف چندان به آداب و استانداردهای یک تحقیق جدی و روشمند پایبند نمانده و گاه در قالب دهها صفحه، استدلال یا نظریهای را مورد نقد و حتی عتاب قرار میدهد که معلوم نیست دقیقاً از چه کسانی است و در کجا و با چه دلایل و یا ظرایفی بیان شده است.
فنایی در پیشگفتار در مقام معرفی و طرح کلی ایدههای خویش برآمده و صراحتاً بیان میدارد که از نگاه وی، اخلاق مدرن یکی از ذاتیات و مؤلفههای اجتنابناپذیر مدرنیته است (فنایی،17،1389)، ادعایی که اگرچه بخش مهمی از مدعیات فنایی بر آن استوار یا دستکم مرتبط است، اما در هیچ جا توسط او اثبات نمیشود. او همچنین معتقد است که با حکم شرعی نمیتوان حقوق بشر را تخصیص زد (فنایی،18،1389) و اساساً جانمایهی سکولاریزم در باب رابطهی دین و اخلاق این است که «شریعت عقل» که از طریق پیامبر درونی (عقل/ وجدان اخلاقی) به آدمی الهام میشود بر «شریعت نقل» که از طریق پیامبران بیرونی (وحی) به او الهام میشود تقدم دارد (فنایی،23،1389).
نقد فصل اول؛ نشاندن فقه به جای اخلاق
شاید اولین ایراد جدی در کتاب که ازقضا نقشی تعیینکننده در پیشبرد مباحث آتی آن دارد (و مفهوم پژوهش مندرج در عنوان اثر را به چالش میکشد)، جایی باشد که فنایی بدون ذکر هیچ منبع یا ارجاعی، بررسی و نقد نظریهی کسانی را آغاز میکند که آنها را «اشاعرهی مدرن یا پستمدرن» مینامد، نظریهای که بهزعم فنایی حامیان آن اگرچه همانند معتزله قائل به ذاتی و عینی بودن اوصاف اخلاقی و استقلال آن از ارادهی خدای شارع هستند، ضمناً معتقدند که عقل و قوای ادراکی بشر در شناخت یا توجیه این ارزشها و هنجارهای اخلاقی ناتوان یا کمتوان است (فنایی،34،1389).
در ادامهی کار، فنایی به بررسی وابستگی منطقی و معرفتشناسانه اخلاق به دین پرداخته و آن را تحت 2 عنوان وابستگی معرفتی و توجیهی صورتبندی میکند. اما در خلال 9 صفحهای که به بررسی این امر اختصاص یافته است برای بسیاری از مدعیات، انتسابات و اصطلاحات و استدلالات اطراف بحث، هیچگونه ارجاعی دیده نمیشود. شاید ذکر موارد ذیل برای اثبات این ادعا کافی باشد:
الارتباط المعرفي والتبريري للأخلاق بالدين، كل منهما يندرج في قالب رؤيتين منفصلتين، ولا يُعلم على وجه التحديد مَن قام بتقرير أيٍّ من هذه الرؤى الأربع (فنائي، 36، 1389). للاعتماد المعرفي للقضايا الأخلاقية على القضايا اللاهوتية، ذُكرت 3 افتراضات مسبقة (فنائي، 36، 1389)، ولإحلال الفقه محل الأخلاق، ذُكرت 4 افتراضات مسبقة (فنائي، 37، 1389)، يتضمن كل منها ادعاءات حساسة وحاسمة لم يُذكر لها أي مصدر. من وجهة نظر المؤلف، يمكن تسمية الرؤية القائلة بإحلال الفقه محل الأخلاق بـ "الوضعية الفقهية" نظرًا لتشابهها مع الوضعية القانونية (فنائي، 37، 1389)، لكن لا أوجه التشابه هذه، ولا تعريف الوضعية القانونية، قد تم التعبير عنها من خلال الإحالة إلى مصدر أو من خلال تقديم تعريف محدد من قِبل المؤلف. في قسم تعريف "التبرير"، لم يُذكر أي مصدر للادعاء بأن "أغلب منظري المعرفة المحدثين يعتقدون أن التبرير المعرفي لا يستلزم الصدق"، أو أن "التبرير ينقسم من وجهة نظر إلى نظري وعملي"، أو حتى بشأن "مصاديق الخصائص المبررة واختلاف منظري المعرفة في تحديدها" (فنائي، 37، 1389). التعريفات الثلاثة التي تم إحصاؤها في هذا القسم لـ "المعتقدات الكلامية" تفتقر إلى أي إحالة (فنائي، 40، 1389). عندما يُستخدم تعبير "أنصار هذه النظرية" (فنائي، 37، 1389) أو "هؤلاء الأفراد" أو "أنصار ارتباط علم الأخلاق بعلم الكلام" (فنائي، 40، 1389) أو "الأصوليون المعتدلون" أو "الانسجاميون" (فنائي، 42، 1389) أو "الحدسيون الأخلاقيون" (فنائي، 42، 1389)، لا يتضح أبدًا، على الأقل وعلى سبيل المثال، مَن هو مصداق إحدى هذه النحل الفكرية، وأين وكيف عبّر عن الآراء المنسوبة إليها. ينسب فنائي في هذا الفصل 4 استدلالات رئيسية إلى أولئك الذين، بحسب زعمه، يحلّون الفقه محل الأخلاق.
من منظور فنائي، الاستدلال الأول لصالح "إحلال الفقه محل الأخلاق" هو على النحو التالي:
1- عقل البشر ناقص؛ 2- عقل الشارع كامل؛ 3- الأحكام الشرعية قد جُعلت بهدف تعويض نقصان عقل البشر في مجال تشخيص حقوقهم وواجباتهم؛ 4- علم الفقه يتكفل بكشف وبيان حقوق وواجبات الآدميين؛ إذن فعلم الفقه يحل محل علم الأخلاق (فنائي، 46، 1389). في هذا الجزء، يحاول فنائي أخيرًا أن يعكس "على سبيل المثال" رأي أحد أنصار ما يسميه الأشعرية الحديثة أو ما بعد الحديثة بشكل واضح، وفي هذا السياق يطرح 3 أسئلة أساسية:
هل بيان القيم من خلال الوحي والدين قد أوضحها تمامًا؟ هل بعد بيان الوحي والدين، اتضحت جميع مصاديق الحسن والقبح بشكل أدى إلى الإجماع عليها؟ ألم يؤدِّ الرجوع إلى الدين في حالات تزاحم القيم وتصادمها مع بعضها البعض إلى زيادة هذا التزاحم والتصادم بدلًا من إزالته؟ (فنائي، 51، 1389) يرى فنائي بشكل قاطع أن الإجابة عن السؤالين الأولين سلبية، وعن السؤال الثالث إيجابية، وبناءً على ذلك يستنتج أنه من وجهة نظر الأشاعرة ما بعد المحدثين، فإن الدين قد أخفق في بلوغ أهدافه، ونحن بحاجة إلى دين ونبي جديدين يأتيان ويزيلان هذه النقائص (فنائي، 51، 1389). لكن يمكن، ردًّا على أسئلة فنائي الثلاثة المقرونة بالسخرية والتهكم، تقديم الإجابات الثلاثة التالية:
الدين يساعد في تبيين وتذكير البشر بـ "أكثر وأفضل" القيم. لا تلازم بين تبيين الدين للقيم وتذكيره بها بشكل أكثر وأفضل، وبين حصول الإجماع بين البشر أو حتى المتدينين، كما لا تلازم بين كفاءة العقل في اكتشاف القيم من جهة، وحصول الإجماع بين العقلاء من جهة أخرى؛ لأن كلا من الدين والعقل، أو كلا من المتدينين بشكل خاص والعقلاء بشكل عام، لديهم منافسون وموانع داخلية وخارجية قد تطغى أحيانًا على أدائهم الصحيح جزئيًا أو كليًا. لا يمكن ببساطة اعتبار الدين عاملًا في خلق مزيد من التزاحم بين القيم، ومثل هذا الادعاء يستلزم بحثًا ومسحًا دقيقين يغيبان عن كتابة فنائي. فنائي، في معرض نقده التفصيلي للاستدلال الأول لصالح إحلال الفقه محل الأخلاق (بحسب زعمه بالطبع)، يعتقد أن الاستناد والاستدلال بنقصان العقل هو في الحقيقة نوع من الاستدلال المتناقض، ولا يمكن القول إن العقل عندما يأمر باتباع النقل والشريعة لا يخطئ، لكنه إذا تعرّف على حقوق الإنسان والأخلاق الاجتماعية وقع في الهوى والهوس (فنائي، 57، 1389).
في الرد على هذا الاستدلال يمكن القول أولاً، إن من يقول إن العقل ناقص لا يقول بالضرورة إن العقل يعاني من النقصان في كل مكان وفي تحليل ومعرفة كل شيء، فكما أن من يعترف بأن علمه ومعرفته ناقصان لا يحكم على نفسه بالجهل المطلق أبداً، ويمكن لفرد عالم وعاقل أن يقول بصدق: إنني وإن كنت كيميائياً إلا أنني لا أملك علماً أو اطلاعاً في الفيزياء النظرية. فهل يمكن اعتبار استدلال مثل هذا الشخص ذاتي التفنيد أو متناقضاً؟ وهل يرى فنائي أن من يتحدث عن محدودية العقل أو نقصانه في بعض المجالات الخاصة يلزمه بالضرورة الحكم بالنقصان المطلق للعقل أو بفقدانه للحكمة؟
ثانياً، بشأن أولئك الذين يصفهم فنائي تارة بالأشاعرة المحدثين وتارة بما بعد الحداثيين، ينبغي القول تحديداً إنهم يرون العقل في نهاية المطاف يعاني من مشكلة (وليس انعدام الخبرة والنقصان الكامل) في معرفة جزئيات الأحكام الأخلاقية، وبالتالي، وعلى عكس ادعاء فنائي، فهم لا يحكمون بتعطيل العقل إزاء النقل، ولا يعتقدون بأن المنقولات المنافية للعقل تضمن بشكل أفضل كمال وسعادة البشر الدنيوية والأخروية (فنائي، 57، 1389).
ثالثاً، من المؤسف أن المؤلف المحترم قام في مواضع كثيرة من الكتاب، وخصوصاً في هذا القسم، بتوحيد وتنميط استدلالات طيف متنوع من الأفراد، وتنصل في الوقت نفسه من التفكيك والتحليل المستند إلى مصادرهم، وإلا فينبغي أن نرى ماذا يقول هؤلاء الأشاعرة المحدثون وما بعد الحداثيون (بتعبير فنائي) تحديداً، هل يقولون بنقصان العقل في جميع الأمور ويعتبرون أن الوظيفة الخاصة للعقل هي مجرد إيصال البشر إلى عتبة النقل؟ هل يعتقدون أن عقل جميع أفراد البشر ناقص، أم بعضهم، أم أغلبيتهم؟ إن الإجابة المستندة والدقيقة وغير العمومية على هذه الأسئلة يمكنها بطبيعة الحال أن تؤثر تماماً على أحكامنا.
يسأل فنائي في معرض متابعته: إذا كان دور العقل هكذا، فحينئذٍ «لماذا خلق الله العقل أساساً؟» (فنائي، 58، 1389). ودون أن أرغب في لعب دور الناطق باسم الذات الإلهية أو الأشاعرة المحدثين من منظور فنائي، يمكنني في الرد على هذا السؤال الانتقادي أن أقول إن العقل في ساحة الأخلاق يتولى إدراك الكليات، ومعرفة بعض الجزئيات، وتحليل بل ونقد المنقولات الواردة في هذا الباب، ولذلك كان ينبغي أن يُخلق، والحمد لله أنه خُلق.
لعل تحليلاً موجزاً للعلاقة بين العقل والتجربة يمكن أن يساعد في دفع نقاشنا قدماً. إذا قال فيلسوف علم إن الإنسان بالعقل وحده لا يستطيع التقدم في كثير من فروع العلم، وإنه بحاجة بالإضافة إلى العقل إلى التجربة والمسوحات التجريبية، فهو لا يريد أبداً أن يقول إن العقل ناقص أو أن خلقه عبث، بل لعل أولئك الذين أطلق عليهم فنائي لقب الأشاعرة المحدثين وما بعد الحداثيين، يقولون إنهم أساساً أو على الأقل في هذه الساحة، لا يعتبرون العقل ناقصاً، ولكن لا ينبغي الخلط بين جامعية العقل وكماله. ليس من لوازم كمال العقل في العلم أن يدرك كل شيء دون الاستعانة بالتجربة، وليس من لوازم كمال العقل في الأخلاق أيضاً أن يعرف كل الجزئيات والظرائف الأخلاقية دون الاستعانة بالوحي. علاوة على ذلك، يمكن لهذه الجماعة أن تقول إن قصدهم من معاناة العقل في كشف ومعرفة جزئيات الأخلاق ليس ناظراً إلى كل فرد من البشر، وإنما كلامهم موجه إلى متوسطي المجتمعات الإنسانية أو أغلبيتهم.
الاستدلال الثاني من منظور فنائي لصالح إحلال الفقه محل الأخلاق هو كما يلي:
جزء كبير من النصوص الدينية يتعلق بالأحكام العملية. إذا كان هناك طريق غير الوحي والنقل لمعرفة الحقوق والتكاليف الأخلاقية، يفقد الوحي وظيفته اللائقة في توجيه حياة البشر. لذلك، فإن علم الفقه هو بديل علم الأخلاق (فنائي، 81، 1389). يمكن تلخيص نقد فنائي للاستدلال الثاني على النحو التالي:
أولاً، من لوازم هذا الاستدلال قبول الشكوكية الأخلاقية وتعطيل العقل.
ثانياً، لم يتم في هذا الاستدلال تفكيك بين مقام الكشف ومقام التحكيم؛ أي إن مجرد كون الدين كاشفاً عن الأخلاق يخرجه من اللغوية، وليس من الضروري حتماً أن يحكم الدين في هذا المجال (فنائي، 83، 1389).
أما في سياق تقييم هذا الجزء من الكتاب الذي خصص له المؤلف المحترم 8 صفحات، فينبغي القول إننا للأسف نشهد هنا أيضاً ضعفاً في أخلاقيات البحث وانتهاكاً لآدابه. فعند قراءة هذا القسم، لا يتضح أبداً لمن تعود هذه الحجة، وعلى سبيل المثال لا يُذكر حتى مصداق واحد. ومن المثير للاهتمام أن فنائي يعتبر هذه الحجة الخالية من المرجع والمصدر في الكتاب معبرةً عن أحد الشواغل الرئيسية للمتدينين بشأن العلاقة بين الدين والأخلاق (فنائي، 81، 1389)، والأسوأ من ذلك، أنه يعتبرها أحد الأخطاء الكبرى التي يرتكبها كثير من المؤمنين والمتدينين نتيجة "السذاجة" (فنائي، 82، 1389). وبصرف النظر عن هذه العبارات العامة والأدبيات غير اللائقة والمهينة، ينبغي القول إنه نظراً لعدم معرفة قائل هذه الحجة أصلاً وما هو رأي المدافعين المحتملين عنها بالضبط، فإن كاتب هذه السطور يمنح نفسه الحق في تجاوزها.
الحجة الثالثة لصالح إحلال الفقه محل الأخلاق من منظور فنائي هي كما يلي:
الله هو أعقل العقلاء أو رئيس العقلاء. من واجب الله أن يجعل أحكامه منسجمة مع القيم الأخلاقية. الأدلة القبلية التي تدل على كمال عقل الله في الشرع تضمن انسجام الأحكام الدينية مع القيم الأخلاقية بشكل قبلي. قد يختلف حكم رئيس العقلاء عن سائر العقلاء. لذلك، فإن مجرد عدم انسجام الاستنباطات الفقهية مع حكم العقل في باب الأخلاق لا يؤدي إلى فقدان تلك الاستنباطات لاعتبارها. في حال تعارض حكم العقلاء مع حكم رئيس العقلاء، فنحن مكلفون باتباع حكم رئيس العقلاء (فنائي، 88، 1389). لحسن الحظ، يقدم الكاتب المحترم على الأقل لهذه الحجة خيطاً لمزيد من البحث والتدقيق بين يدي القارئ، وإن كان يكتفي هنا أيضاً بذكر عنوان كتاب للشهيد محمد باقر الصدر فحسب، وعلى القارئ أن يتتبع بنفسه من أين استُخرجت هذه الحجة بالضبط من ذلك الكتاب. يفحص فنائي هذه الحجة باقتضاب شديد وفي صفحتين؛ لأنه يعتبرها صياغة أخرى للحجة الأولى (فنائي، 89، 1389). لكن أحد أكثر كلمات الكتاب إثارة للغموض تكمن في هذا الجزء بالذات. فبحسب فنائي، يصل حكم رئيس العقلاء إلى الإنسان عبر طريقين، كلاهما ظنيان واحتمال الخطأ والتأثر بالهوى "بنفس الدرجة" موجود في كليهما (فنائي، 90، 1389). ينبغي أن نسأل: بافتراض أن الظن العقلي والظن النقلي متساويان وكلاهما معرضان للخطأ والخطر بنفس القدر، فلماذا ينبغي على المتدينين (وليس العقلاء غير المؤمنين) حتماً ودائماً أن يرجحوا الظنون العقلية على الظنون النقلية؟ أليس هذا نوعاً من المصادرة على المطلوب التي يتهم فنائي، من قبيل الصدفة، أنصار الحجة الثالثة بها؟
الحجة الرابعة لصالح إحلال الفقه محل الأخلاق من منظور فنائي هي كما يلي:
القيم الأخلاقية مشوبة بالثقافة وليست كونية؛ لذلك لا يمكن ولا ينبغي تطوير الأخلاق الغربية وقيم مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي هي من المبادئ الأساسية لهذه الأخلاق في المجتمعات الشرقية (فنائي، 90، 1389). ينقد مؤلف الكتاب هذه الحجة بشكل موجز جداً وأنا الحقير متعاطف ومتفق معه هنا، ولكن مع هذا التوضيح: أولاً، هذا الدليل كالحجتين الأولى والثانية تُرك في الكتاب بلا مصدر أو مرجع. ثانياً، ليس كل من يعتبر بعض القراءات للديمقراطية أو مصاديق حقوق الإنسان تنتمي إلى جزء من ثقافة الغربيين وعاداتهم هو بالضرورة نسبوي؛ ذلك أن جناب فنائي والقارئ الفاضل يعلمان جيداً أن المرء يمكن أن يكون مطلقاً، لكن لا يعتبر جميع الأحكام الأخلاقية مطلقة. قد لا يعتبر الكثيرون بعض مواد أو تفاسير إعلان حقوق الإنسان وأموراً كالديمقراطية داخلة في نطاق الأخلاق ذاتاً، ويفترضون مثلاً أن الديمقراطية هي مجرد طريقة والليبرالية الديمقراطية مجرد قراءة لها، وإن كانوا ناقدين لها فليس ذلك من باب الإيمان بالنسبية الأخلاقية.
يسعى فنائي في نهاية الفصل الأول إلى الإجابة عن بعض الشبهات التي تدور في أذهان المتدينين بشأن حقوق الإنسان.
الشبهة الأولى، أن تعارض الفتاوى الفقهية مع حقوق الإنسان هو في الواقع تعارض حق الله مع حقوق الإنسان، ولا شك أن حق الله مقدم.
يرى فنائي أن هذا الادعاء مغالطة؛ لأن من يقبل بأن «الله عادل» لا بد له أن يقبل بأن «الله يراعي حقوق الإنسان» (فنائي، 96، 1389). لكن في معرض نقد محاولة فنائي لإزالة هذه الشبهة يمكن القول إنه إذا كان فنائي يسلّم باحتمال وجود تضاد أو تناقض بين أحكام الدين في مقام الثبوت أو اللوح المحفوظ وأحكام الدين التاريخي، فمن المحتمل تماماً أن يكون هناك اختلاف بين حقوق الإنسان الطبيعية في مقام الثبوت وحقوق الإنسان في مقام الإثبات، وأن يخطئ البشر في تشخيص مصاديق حقوق الإنسان أو في جعلها ووضعها والتوافق عليها، وبالتالي، وإن كان الدين أو حق الله لا يمكن أن يكون متعارضاً مع حقوق الإنسان الذاتية والطبيعية ثبوتاً وليس كذلك، إلا أنه قد يكون متنافراً مع بعض المصاديق المدعاة والمتفق عليها لحقوق الإنسان.
الشبهة الثانية، أن حقوق الإنسان هي حقوق فردية، وتحقق هذه الحقوق وفعليتها مرهون بتوافقها مع حق المجتمع أو النظام أو مصلحتهما (فنائي، 99، 1389).
جواب فنائي على هذه الشبهة هو أولاً، أن المجتمع ليس له وجود حقيقي، بل هو مجموعة من الأفراد، وبالتالي ليس لدينا ما يسمى بحق المجتمع، وثانياً، أن حقوق الإنسان لا تقوم على المصلحة، بل هي من جنس الحق، ولذا فهي متقدمة دائماً (فنائي، 101، 1389).
الشبهة الثالثة، يُقال أحياناً إن حقوق الإنسان والديمقراطية تؤدي إلى المثلية الجنسية وشرب الخمر وأمثال هذه الأمور، وهذا أحد الأسباب الرئيسية لمعارضة بعض المتدينين الظاهريين لحقوق الإنسان والديمقراطية (فنائي، 103، 1389).
يسعى فنائي في إزالة هذه الشبهة إلى أن يبيّن أن أعمالاً كثيرة مثل التمييز والاستبداد والرياء... هي أسوأ من الناحية الأخلاقية من الأمور المذكورة. بل إنه يعتبر التركيز المفرط على بعض القيم الأخلاقية من الدرجة الثانية والثالثة (من منظور فنائي) أو التركيز على مصاديق خاصة لقيمة أخلاقية عامة نوعاً من الانحراف الأخلاقي، في الوقت نفسه الذي يدّعي فيه أنه من منظور «الأخلاق الاجتماعية»، فإن الميول والتفضيلات الجنسية والغذائية للأفراد تدخل ضمن نطاق حياتهم الخاصة (فنائي، 105، 1389).
كان بوسع المؤلف العزيز أن يصوغ مسعاه لإزالة هذه الشبهة بشكل وسياق أفضل للأسباب التالية.
أولاً، إن أدبيات هذا القسم من الكتاب (الذي لا يتسع المجال لنقلها كاملة) تتخذ طابعاً شعرياً وشعارياً قوياً.
ثانياً، توجد فيه ادعاءات قاطعة وكلية وغير أخلاقية أحياناً، لا يُعرف أين وكيف تم إثباتها؛ فعلى سبيل المثال، يقول فنائي: «الاتجار بالدين (الارتزاق من طريق الدين) وبناء سقف السلطة والمعيشة على عمود الشريعة، أسوأ وأقبح بألف مرة من الاتجار بالجسد (الارتزاق من طريق الفحشاء)» (فنائي، 104، 1389). بصرف النظر عن معنى «الارتزاق من طريق الدين» من وجهة نظر فنائي، يجب أن يُقال: هل إذا تلقى شخص ما (بصواب أو خطأ) دخلاً أو أجراً مقابل التبليغ الديني أو تأليف كتاب في الدفاع عن الدين، فإنه من منظور فنائي يكون كمن يمارس البغاء ألف مرة ويتقاضى أجراً منفصلاً عن كل مرة!؟
ثالثاً، يقوم فنائي في هذا القسم عملياً بتصنيف القيم والأحكام الأخلاقية إلى مستويات، ويتحدث صراحة عن قيم الدرجة الأولى والثانية والثالثة في الأخلاق، لكنه لا يوضح معيار هذا التقسيم، ولا يقدم مصدراً للتعرف بشكل أفضل وأكثر على معيار ومصاديق هذا التصنيف.
رابعاً، يعتبر فنائي الميول والتفضيلات الجنسية والغذائية للأفراد من منظور الأخلاق الاجتماعية (وليس الفردية) جزءاً من نطاقهم الخاص، ويعتقد أنه لا يحق لأحد أن يفرض أمراً على الآخرين استناداً إلى الدين أو ذوقه وميوله. هذا الأمر وإن كان فنائي يبقيه إلى حد ما وراء ستار التلميح، لكن من المستبعد أن يكون قصده من التفضيلات الغذائية هو ملوحة الطعام أو حرافته، أو أن يكون مقصده من التفضيلات الجنسية هو عمر الشركاء الجنسيين أو لون شعرهم، إنه يريد أن يقول إن شرب الخمر والمثلية الجنسية حتى لو كانتا مدانتين على مستوى الأخلاق الفردية، فإنه لا يمكن منع أحد منهما في الساحة الاجتماعية وبذريعة الفقه أو الأخلاق. إنه يرى صراحة أن استخدام أي نوع من الإكراه للإصلاح الأخلاقي هو مصداق للإفساد أو دفع الفاسد بالأفسد (فنائي، 105، 1389). وبناءً على هذا الحساب وعلى ضوء النقاط السابقة، يتضح للقارئ الفطن ما هو رأي فنائي في حكم شرب الخمر والمثلية الجنسية، ليس فقط في ثنايا فتاوى الفقهاء، بل في صلب القرآن ومتنه.
ينبغي القول إنه وإن كان فنائي يطرح هذه الشبهات العديدة في علاقة الدين بحقوق الإنسان، فلا ينبغي أن ننسى أنه كان سابقاً وأكثر سعياً إلى دراسة وزن الظنون العقلية في الفقه وعلم الدين، وهو بحث يتعلق في الواقع بإبستمولوجيا الفقه. وفي هذا السياق، يبدو أن فنائي قد غفل عن أحد أهم الاستدلالات وأكثرها شيوعاً (أو الشبهات بتعبيره) بشأن علاقة الوحي بحقوق الإنسان، وهو استدلال له، من قبيل الصدفة، وجهة إبستمولوجية قوية. يقوم هذا الاستدلال على الدعوى القائلة إنه بما أن الله خالق الإنسان ويعرفه أفضل من أي أحد، فهو أعلم من أي أحد بحقوقه الفطرية والطبيعية، وبالتالي فإن الدين هو أفضل مصدر للوعي بحقوق الإنسان الحقيقية (للمثال، انظر جوادي آملي، 1381، 107). بصرف النظر عن كوني موافقاً على هذا الاستدلال أم لا، فإن الفراغ الناتج عن عدم طرح وتبيين هذا الدليل/الشبهة في هذا الجزء من الكتاب محسوس تماماً.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.