اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد مسعود صادقي معايير الفنائي الاثني عشر للتمييز بين وعاء الدين ومظروفه؛ معايير مثل عدم الانسجام مع الفطرة أو ألوهية الله، التي يعتريها الغموض والتداخل ولا ترسم حداً دقيقاً بين الأحكام التاريخية والدين المطلق.

كيف يُعقل، بحسب ظن فنائي، أنه «لا يمكن ولا ينبغي فصل ثمار الحداثة عن جذورها»، بينما يمكن بل وينبغي فصل ثمار الإسلام عن جذورها وقطعها؟ كيف يُعقل أن «الذبح الإسلامي للحداثة» يُجفف دم الحياة في عروقها، «لكن الذبح الحديث للإسلام» لا يُميت روحه وجوهره؟
البيانات الببليوغرافية للكتاب موضع النقد: أخلاقيات علم الدين، بحث في الأسس الأخلاقية والإبستمولوجية للفقه، أبو القاسم فنائي. طهران: نگاه معاصر، 1389هـ.ش.
يقع هذا الكتاب في 604 صفحة، ويحتوي، بالإضافة إلى مقدمة مطولة نسبياً، على 7 فصول تحمل العناوين التالية: الفصل الأول، إحلال الفقه محل الأخلاق؛ الفصل الثاني، الفقه وتحديات العصر الجديد؛ الفصل الثالث، العقلانية التقليدية والعقلانية الحديثة؛ الفصل الرابع، العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية؛ الفصل الخامس، القبض والبسط النظري للفقه؛ الفصل السادس، بسط التجربة الفقهية النبوية؛ الفصل السابع، الترجمة الثقافية للنصوص الدينية.
نقد الفصل السابع: الترجمة الثقافية للنصوص الدينية
يسعى فنائي في الفصل الأخير من كتاب أخلاقيات علم الدين، بمعنى ما، إلى الاقتراب من طرح مشروع جديد، بالإضافة إلى نقده للاجتهاد السائد والمصطلح عليه. وهو يُسمي الاجتهاد الصحيح والمنشود، مستعيناً بتصورات وتعبيرات سروش، «الترجمة الثقافية». فبحسب ظن المؤلف المحترم، يُعد الاجتهاد السائد مصداقاً للترجمة الحرفية لا الترجمة الثقافية للنصوص الدينية (فنائي، 456، 1389هـ.ش). ويمكن صياغة انتقادات فنائي الأساسية لثباتية الأحكام في الفقه السائد على النحو التالي:
علم الشارع المطلق وقدرته لا يكفيان لجعل قوانين خالدة؛ لأن عوامل خارجية وفرضية مثل المحدوديات اللغوية والثقافية ومستوى عقل ومعيشة المخاطبين الأوليين للدين تحول دون تشكل أحكام فوق زمانية وفوق مكانية (فنائي، 453، 1389هـ.ش). خلود دين ما لا يستلزم خلود جميع أحكامه (فنائي، 454، 1389هـ.ش). يتهم فنائي الفقه والاجتهاد السائدين عملياً بالابتداع المنهجي في الدين؛ لأنه يعتقد أن الفقهاء التقليديين يخلطون بين الوعاء البشري غير المقدس للدين ومظروفه الإلهي المقدس، والبدعة في الدين ليست سوى إدخال ما ليس من الدين في الدين (فنائي، 461، 1389هـ.ش). وهو يعتقد أن من الوهم أن نتصور أننا نملك القدرة، قبل أن نجذب إلى العالم الجديد، على الحصول على فهم نقي وخالص للدين ثم نعرف العالم المحيط وننقده على أساسه؛ لأن الدين الذي نعرفه هو في الواقع الدين المطبق على العالم القديم، لا الوجه فوق الزماني وفوق المكاني والمطلق للدين. وبالطبع، لا يعتقد فنائي أن الدين يصمت في مواجهة العالم الجديد ولا كلام له، أو أنه قابل للجمع والتطبيق مع أي عالم. يرى فنائي أن نقد العالم الجديد من منظور الدين أمر ممكن ومطلوب، لكن بشرط أن يُفصل الدين عن وعائه التاريخي (فنائي، 475، 1389هـ.ش).
يقدم فنائي 12 معياراً للفصل بين وعاء الدين ومظروفه:
التعارض مع العقل والعقلانية الحديثة التعارض مع الفطرة التعارض مع ألوهية الله التعارض مع إنسانية الإنسان التعارض مع القيم والإلزامات الأخلاقية التعارض مع ضروريات ومقومات العالم الجديد التعارض مع الجوانب الجيدة والإيجابية والمفيدة للعالم الجديد التعارض مع الوقائع التجريبية التعارض مع أصول الدين التعارض مع أهداف الشريعة ومقاصدها التعارض مع توقع البشر من الدين التعارض مع العرف الجديد (فنائي، 477، 1389هـ.ش). يعترف فنائي، مع تأكيده على أن المعايير المذكورة أعلاه تفنيدية وأنها ناظرة إلى فهم الدين لا إلى الدين نفسه، بأن هذه المعايير تتداخل ويتداخل بعضها مع بعض (فنائي، 478، 1389هـ.ش). ونظراً لمحدودية حجم المقالة، سنحاول أن ندرس كل واحد من هذه المعايير الاثني عشر باختصار:
1_ التعارض مع العقل والعقلانية الحديثة؛
بالنظر إلى أننا ناقشنا سابقاً رأي فنائي حول العقلانية الحديثة والتقليدية، يبدو أنه لا حاجة الآن إلى تكرار ذلك.
برأي فنائي، من أفضل الأمثلة التي يمكن ذكرها لهذا المعيار هي حقوق الإنسان الطبيعية؛ لأن الحقوق الطبيعية هي حقوق فطرية؛ وبالتالي فإن أحد معاني فطرية الدين هو أنه يعترف بإنسانية الإنسان والحقوق الطبيعية المنبثقة عنها (فنائي، 1389، 494). وفي هذا الصدد، فإن أهم ملاحظة تتبادر إلى الذهن هي أنه بغض النظر عن مفهوم الحقوق الطبيعية، كيف يتم تحديد مصاديقها وبواسطة أي مرجع؟ لا شك أن أي قائمة بمصاديق الحقوق الطبيعية أو الأمور الفطرية تستتبع هذا السؤال: على أي أساس ومعنى تم إعدادها؟ أو تواجه باقتراح بضرورة حذف بعض بنودها أو الإضافة إليها؛ لذلك، وقبل أن نعتبر الأمور الفطرية والحقوق الطبيعية معياراً للفصل بين ظرف الدين ومظروفه، من الضروري أن نوضح معيارنا الخاص لكشف الحقوق الفطرية وإثباتها.
يعتقد المؤلف العزيز أن تفسيرنا للنصوص الدينية يصبح «قابلاً للإبطال» استناداً إلى صفات الله، ويمكن إبطال التصورات الظالمة للأحكام الشرعية لمجرد عدم انسجامها مع صفة عدالة الله (فنائي، 1389، 495). هذا المعيار شديد الغموض للأسباب التالية:
أ) يؤدي هذا المعيار إلى نوع من السطحية والتفكك في تفسير الدين؛ فمثلاً، يمكن لأحد أن يرفض الاعتقاد أو الحكم بـ «البغض تجاه أعداء الدين» استناداً إلى كون الله ودوداً أو رؤوفاً أو رحيماً، أو بالعكس، قد يقبل أحدهم الرأفة بالكافرين وغير المسلمين استناداً إلى كون الله قاهراً أو مسيطراً!
ب) يتجاهل هذا المعيار تقدم الصفات أو أولويتها. فمجرد التأكيد على ألوهية الله لا يوضح ما إذا كانت رحمة الله، على سبيل الفرض، تسبق غضبه أم العكس.
ج) كان من الأفضل لو استخدم المؤلف الكريم، بدلاً من عنوان «ألوهية الله»، تعبير «عدالة الله» مثلاً، لكي لا يستتبع هذا المعيار على الأقل المشكلات المذكورة آنفاً.
شروح المؤلف لبيان هذا المعيار عامة جداً وغامضة. يعتقد فنائي أن الحكم أو العقيدة التي لا يمكن جمعها مع إنسانية الإنسان، لا يمكن أن تكون جزءاً من الدين المطلق (فنائي، 1389، 497). برأيه، «الإنسان إنسان»؛ أي أن الإنسان ليس إلهاً، ولا ملاكاً، ولا حيواناً أو شيئاً (فنائي، 1389، 501). الإنسان ليس إلهاً؛ أي أنه لا يمتلك أي إنسان الحقوق والصلاحيات الخاصة بالله، وأن تشخيص وإرادة أي إنسان لا يمثلان معياراً للحق والباطل، والخير والشر، أو الصواب والخطأ، ولا يمكنه أن يعتبر نفسه مقدساً وفوق النقد (فنائي، 1389، 501). الإنسان ليس ملاكاً؛ أي أن الوعد بإقامة الجنة على الأرض هو وعد مستحيل وكاذب، ويجب أن يكون الهدف هو تقليل الذنب وليس استئصاله (فنائي، 1389، 502). الإنسان ليس حيواناً أو شيئاً؛ أي أن الإنسان حيوان أخلاقي أو حيوان عاقل، والعقلانية والأخلاق هما الفصل المميز للإنسان عن سائر الحيوانات، وبالتالي فإن الإنسانية لا تتحقق بدون الحرية والمسؤولية (فنائي، 1389، 502).
أ) أهم إشكال وارد هو أن الفرق الدقيق بينه وبين المعيار 2 (عدم الانسجام مع فطرة الإنسان) غير معلوم.
ب) النقاط التي يوردها فنائي في شرح مقولة «الإنسان ليس إلهاً»، لا يُعلم إلى أي معنى وأي مستوى من الحق والباطل أو الصواب والخطأ تشير. إذا كان مقصوده من الصواب والخطأ هو الصواب والخطأ الأخلاقيان، فيجب القول إن فنائي لا يعتبر تحديد المعيار في هذا المجال من صلاحيات الله حتى، وبالتالي حتى لو كان الإنسان إلهاً (نعوذ بالله) فلن يكون له الحق في تحديد معيار لهذا الصواب والخطأ، وعليه فإن شرح المؤلف المحترم هو شرح زائد وغامض وغير منسجم مع معتقداته الأخرى. أما إذا كان مقصود فنائي من الحق والباطل هو الحق والباطل في تلقي الدين أو تبليغه أو تفسيره، فيمكن القول إن وظيفة الأنبياء (صلوات الله عليهم) والأئمة (عليهم السلام) هي هذا العمل تحديداً، ولا يمكن اعتبار هذه الوظيفة ناقضة للهوية الإنسانية!
ج) شروح فنائي لعبارة «الإنسان ليس ملاكاً»، وإن كانت صحيحة، إلا أنه لا يُعلم في مقام رد أي نظرة أو حكم أو عقيدة في الدين تم تطبيقها، وأي جزء من الدين يعاني فعلاً من هكذا نظرة.
د) ما ذكره المؤلّف بشأن «أنّ الإنسان ليس حيواناً ولا شيئاً»، وإن كان صحيحاً، إلا أنّه شديد الغموض؛ فكون الحريّة وتحمل المسؤولية هما ما يفرّقان الإنسان عن الحيوانات والأشياء، وكون الحريّة شرطاً لازدهار البشر، وكونها حقّاً وحاجةً في آنٍ معاً، كلّها نقاط صحيحة، لكن ما مدى جدوى هذه النقاط كمعيارٍ للفصل بين مظروف الدين وظرفه حقّاً؟ هذه الإيضاحات ناقصة ومُلتبسة إلى درجةٍ يمكن معها، من جهة، تبرير جميع المعتقدات الدينية القائمة استناداً إليها، ومن جهةٍ أخرى، رفضها. فبالإمكان تبرير الإلزامات والقيود تحت عنوان تحمّل المسؤولية، كما يمكن الطعن فيها جميعاً بذريعة الحريّة. هذا المعيار، أكثر من كونه معياراً وضابطاً فارزاً، هو نقطة عامّة وغير قابلة للتطبيق.
يتّخذ المؤلّف المحترم في هذا القسم مثال الرقّ مادّةً لعمله، وهو يسعى، في تحليلٍ جيّد، إلى أن يُبيّن لماذا لا يمكن اعتبار جواز الرقّ من جملة الأحكام المطلقة وفوق التاريخية للدين. النقطة اللافتة في تحليله هي أنّه يُدرج الرقّ تحت عنوان «جواز المعاملة بالمثل»، ويعتبر هذه المقولة أيضاً، بوصفها الحدّ الأدنى لقيم الأخلاق الاجتماعية، جزءاً من الدين المطلق (فنائي، 1389، 504). يحمل هذا الأسلوب في المقاربة معنيين ونتيجتين على الأقل:
أ) يمكن اعتبار حكمٍ ما غير أخلاقي تحت عنوانٍ محدّد، وأخلاقياً تحت عنوانٍ آخر.
ب) حتى لو شاع الرقّ في العالم الجديد لأيّ سببٍ كان، فبالإمكان إحياؤه مجدّداً من باب المعاملة بالمثل.
يرى فنائي أنّ هذا الأسلوب في التعامل مع حكم الرقّ وجوازه هو مصداق للترجمة الثقافية، لكنّ الإشكال هنا أنّه يعدّ فجأةً جميع الفروق بين المرأة والرجل أو المسلم وغير المسلم مصاديق لأحكامٍ غير أخلاقية دخلت الدين إمّا بسبب التحريف أو الفرض أو التعميم، وليست جزءاً من الدين المطلق. يكمن الغموض في أنّ المؤلّف الكريم، أولاً، كيف يريد أن يُثبت لا أخلاقية هذه الفروق؟ وثانياً، كيف يريد أن يُجري عليها «ترجمةً ثقافية»؟ بالطبع، حجّة فنائي هي أنّه بما أنّ القيم الأخلاقية مطلقة وقابلة للتعميم، وللشريعة إطار أخلاقي، فإنّ التدين واللادينية، أو كون المرء رجلاً أو امرأة، أو فقيهاً أو غير فقيه، لا يوجب تخصيص الأحكام الأخلاقية أو تقييدها، وأنّ أيّ تمييز قائم على هذه الأمور هو في الواقع تعميم لأحكام الدين التاريخي على الدين فوق التاريخي ومصداق للبدعة (فنائي، 1389، 505). إذا أراد فنائي أن يبقى ملتزماً بما قاله ولوازمه، فينبغي له منطقياً أن يعتبر الفروق الناشئة عن أمور مهمّة كالمواطَنة أو التخصّص وما إلى ذلك غير أخلاقية أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، ما هو الفرق الحاسم بين التمايزات الحقوقية الناشئة عن مقولتي «المواطَنة» والديانة، ممّا يجعل فنائي يعتبر الأولى أخلاقية، بينما يعتبر الأخرى غير أخلاقية ومبتدَعة؟
يعتبر فنائي، في معرض بيانه لمصداق الحريّة والمساواة، الحياد الأيديولوجي للحكومات من ضروريات العالم الجديد (فنائي، 1389، 507). توجد في هذا الشأن عدّة أسئلة أساسية:
أ) ما المقصود بالعالم الجديد؟ إذا كان العالم الجديد هو في الواقع الذهنية والعقلانية الجديدتان، فإنّ هذا المعيار ليس سوى المعيار 1 (التعارض مع العقل والعقلانية الحديثة)، ولكن إذا كان قصد المؤلّف المحترم من العالم الجديد جزءاً من التاريخ وحيزاً جغرافياً خاصّاً كحقبة ما بعد عصر النهضة أو العالم الغربي، فينبغي القول إنّه على ما يبدو قد عمّم قراءة الفلاسفة السياسيين الليبراليين للحريّة والمساواة والديمقراطية على تاريخ الغرب الحديث برمّته. فالحياد الأيديولوجي ليس من مقوّمات العالم الجديد، بل هو من مقوّمات النظام السياسي لبعض البلدان الغربية وبعض الفلسفات السياسية في العقود الأخيرة.
ب) يحقّ لفنائي أن يكون ليبرالياً، وله ذلك، لكن لا ينبغي له أن يجعل الفلسفة السياسية الليبرالية، بكلّ نقاط قوّتها وضعفها، معياراً لتمييز ظرف الدين عن مظروفه، أو الدين المطلق عن الدين المطبَّق.
إذا كانت الحكمة والعلة من تعيين المعيار هي أن نتمكن من تمييز الأمور المختلفة بعضها عن بعض على نحو أفضل، فينبغي القول إن هذا المعيار يفتقر في الواقع إلى هذه الحكمة ويزيد من غموض المطلب. ما هو حقاً تعريف فنائي للجانب الجيد والإيجابي؟ أي جانب جيد ومفيد من العالم الحديث اعترض عليه الدين؟ وبالتحديد، ينبغي القول في تحليل هذا المعيار:
أ) يعتبر فنائي الكثير من الأعراف السائدة في العالم الحديث، أو بتعبير آخر شريعة العرف، مصداقاً لهذه الجوانب الجيدة التي بقيت مغفولاً عنها (فنائي، 1389، 510)، لكن عرفيات الغربيين ليست بأي حال من الأحوال نتاجاً محضاً وخالصاً للأخلاق أو العقلانية الحديثة، وهي بالإضافة إلى التجارب والمعطيات العقلانية، خليط من تاريخ الغرب والمسيحية وتأثيرات بعض الحوادث؛ لذلك، لماذا ينبغي أن نعتبر كل ما كان من الدين غير منسجم مع عرف الغربيين مصداقاً للدين المكيّف وخارجاً عن نطاق الدين الحقيقي؟
ب) يكرر فنائي هذه المطالب نفسها في قالب المعيار الثاني عشر (غير المنسجم مع عرف الزمان)، ولا يذكر تحت المعيار السابع أي مثال غير العرف أو شريعة العرف؛ لذلك، ليس من الواضح ما هو الإصرار على فصل المعيار السابع عن الثاني عشر.
يبدو أنه في شرح هذا المعيار، أورد فنائي نكته ومثاله الفرعيين في المتن، ونكته ومثاله الرئيسيين في الهامش! إنه يعتقد: إذا أمكن بالدلائل التجريبية أن نبيّن أن بعض الأحكام الجزائية للدين لو نُفذت في العالم الحديث فإنها لن تحقق أهداف الدين وتتنافى مع فلسفة العقاب، ففي هذه الحالة، استناداً إلى تلك الدلائل، ينبغي التخلي عن الدلائل النقلية التي تدل، بافتراض وجودها، على أبدية تلك الأحكام (فنائي، 1389، 516).
في هذا الشأن ينبغي القول أولاً، إن اكتشاف أهداف الدين ليس بالأمر اليسير ويجب تحديد منهج اكتشافها؛ ثانياً، إن إثبات أن الحكم (أ) قد جُعل في سبيل تحقيق الهدف (ب) لا غير، يحتاج إلى تبيين وتحديد منهج ومعيار منضبط؛ ثالثاً، إن رجحان الكثير من العقوبات الحديثة لم يثبت على أساس الدلائل التجريبية حتى نرغب نحن، بناءً على دلائل تجريبية محضة، في نبذ بعض العقوبات الدينية واستبدال عقوبات حديثة بها؛ مثلاً، العقوبات البدنية (من قبيل الجلد) لم تُحذف من قاموس النظام الجزائي الحديث بدلائل تجريبية، وإذا كان أحد يظن أن الأمر ليس كذلك، فمن الأفضل أن يقدم دلائله ومستنداته؛ لأن هذه التغييرات كانت ناشئة عن تغير النماذج الحقوقية أكثر مما كانت ناشئة عن أبحاث تجريبية محضة.
يعرض فنائي تحت هذا العنوان مباحث بشكل إجمالي، أهمها هو هذه النكتة: إنه وإن كانت فروع الدين في مقام الثبوت أو في اللوح المحفوظ تابعة لأصول الدين، إلا أن فهم المتدينين للفروع في مقام الإثبات ليس بالضرورة متناسباً مع أصول الدين وتابعاً لها. ويضرب مثلاً لدعواه بالتوحيد بصفته أحد أصول الدين، ويعتقد أن أي شكل من أشكال تقديس الروحانيين أو تقديس القائد هو مصداق من مصاديق الشرك في العبودية. والمثير أن المؤلف الكريم يرى حتى الظن القوي كافياً لإبطال الاستنباطات غير المنسجمة مع أصول الدين، ولا يعلق هذا الأمر على اليقين (فنائي، 1389، 518). بصدد هذا المعيار يمكن الإشارة إلى عدة نكات مهمة: أ) الاستنباط أو الحكم أو الفتوى غير المتناسبة أو المخالفة لأصول الدين لا يمكن أن تكون جزءاً من الدين المكيّف أصلاً، فكيف بها أن تُعتبر جزءاً من الدين المطلق وما وراء الزماني. ب) لا يحدد فنائي معنى أصول الدين ومعيار فصلها عن الفروع.
دون أن نرغب في الدخول في تفاصيل النقاش، يبدو أنه إذا أجاب المؤلف الكريم عن السؤالين التاليين وبيّنهما، فعندئذ يمكن اعتبار هذا المعيار معياراً حقاً وليس عاملاً مثيراً للغموض. أ) كيف تُعرف مقاصد الشرع؟ ب) إذا كانت الوسائل قابلة للتغيير، فلماذا ينبغي بالضرورة افتراض ثبات الأهداف؟
يعتقد فنائي أن توقعات البشر من الدين، شريطة أن تكون «معقولة» و«منطقية»، تُعد معايير مناسبة للفصل بين الظرف والمظروف، ولا يمكن اعتبار أي توقع غير معقول أو غير منطقي من الدين جزءًا من نطاق الدين. وفي ظنه، فإن التوقعات المعقولة والمنطقية من الدين تشكل في الحقيقة ذات أهداف الله من إنزال الدين (فنائي، 524، 1389). إذا كان فنائي يعتقد حقًا بهذه النقطة، فيمكن القول إن هذا المعيار لا يختلف كثيرًا عن المعيار السابق، فضلًا عن أن الإبهام الأساسي للمعيار الحادي عشر هو أنه ليس، في حد ذاته وبشكل مستقل، مميزًا وفاصلًا بين الظرف والمظروف، بل أ) التوقع المعقول والمنطقي يعني في الواقع أن يكون مطابقًا ومتناسبًا مع مقتضيات العقل وعقلانية العصر (متناسبًا مع المعيار الأول)؛ ب) مفهوم التوقع من الدين ونطاقه ومعنى كونه معقولًا ومنطقيًا ينطوي على مباحث واسعة النطاق لا يمكن بدون تبيينها الاستفادة من مفهوم التوقع من الدين كمعيار إرشادي.
يُطلق الكاتب المحترم اسمًا آخر على هذا العنوان هو «كون الحكم الشرعي إمضائيًا» (فنائي، 528، 1389)، وهو يعتقد أن قبول الشارع لعرف صدر الإسلام أو سكوته إزاء هذا العرف لا يعني تقديسه ووجوب فرضه على جميع الأزمنة المتأخرة (فنائي، 529، 1389). وبشكل عام، توجد عدة ملاحظات مهمة في هذا الباب:
أ) هل أمضى الشارع وأقر جميع أعراف عصره أم بعضها؟ إذا كان قد أقر بعضها، فهذا يعني أن الشريعة ليست تابعة بشكل محض للعرف، ويمكن القول في النهاية إن قوانين الدين الأبدية تدخل أو ينبغي أن تدخل في حوار وعملية جدلية مع الأعراف.
ب) ما المقصود الدقيق بالعرف؟ الآن، وبعد مرور قرون على تطبيق القوانين الدينية بشكل أو بآخر، فإن الفصل بين الأعراف والشرائع ليس بالأمر اليسير، إلا إذا كان مقصودنا بالعرف كل ما جاء من الغرب الحديث أو كل ما لا يندرج في التقاليد الإسلامية.
ج) مع تنوع القوانين والعمليات العرفية في البلدان أو المناطق المختلفة داخل بلد واحد، ما العمل؟
خلاصة النقاط والأسئلة الأساسية المتعلقة بنقد الكتاب
1_ فيما يخص المسائل الشكلية للأثر، ينبغي القول إن توجيه اللوم لمؤلف كتاب أخلاقيات علم الدين في مواضع شتى من هذا النقد بسبب عدم ذكر المصادر أو عدم ذكرها بدقة، لا يعني بالضرورة أو بسبب كذب هذه الإسنادات، بل بسبب عدم مراعاة أخلاقيات البحث في أثر يدّعي الأخلاق والبحث. إن كتاب أخلاقيات علم الدين، على الرغم من الادعاء الوارد في عنوان الكتاب وعلى الرغم من بعض المديح المبالغ فيه لكاتبه، 1 أولًا، ليس أفضل حالًا من حيث أخلاقيات البحث وآدابه من مستوى الكتب المتداولة في الساحة الإيرانية، بل إنه تصرف أحيانًا بمستوى أدنى من البحوث الرائجة؛ ثانيًا، لا يمكن اعتبار هذا الكتاب أساسًا بحثًا جادًا ومنهجيًا أو مصدرًا موثوقًا وقابلًا للاستناد لمعرفة العقلانية التقليدية أو حتى الحديثة؛ ذلك أن آراء أي من الحكماء والفلاسفة والفقهاء والأصوليين البارزين لم تخضع للتمحيص في هذا الأثر، وغالبًا ما يُعرض الانطباع الكلي للمؤلف عن نهج أو مدرسة أو ظاهرة مع الحد الأدنى من الإحالة والاستناد.
2_ فيما يتعلق بالمقولات المحورية والمحتوى للكتاب، يمكن طرح أهم المسائل في قالب عدة أسئلة ونقاط:
- ما تم بيانه بخصوص المسائل الشكلية للكتاب، وإن كان ينفي بالتأكيد كون الأثر بحثيًا، إلا أنه لا يعني أبدًا إنكار كونه حافلًا بالنقاط المثيرة للتفكير. إننا بقراءة الكتاب نفكر في مسائل كثيرة ونتعلم نقاطًا جديرة بالاهتمام ونرى أمورًا بديهية ظاهريًا عديدة تدخل في غمار السؤال والتحدي.
- كيف يعتقد فنائي أنه «لا يمكن ولا ينبغي فصل ثمار الحداثة عن جذورها» (فنائي، 117، 1389)، ولكن يمكن بل ينبغي فصل ثمار الإسلام عن جذورها وقطعها؟ كيف أن «الذبح الإسلامي للحداثة» يجفف دم الحياة في عروقها (فنائي، 119، 1389)، «لكن الذبح الحديث للإسلام» لا يميت روحه وجوهره؟
- الإيمان بكون حقوق الإنسان ذاتية وتقدمها على حق الله أو الدين قول، والإيمان بكون المصاديق المدعاة لهذه الحقوق وموادها وتفاسيرها المتنوعة ذاتية قول آخر؟
- لماذا للحداثة جوهر، وهذا الجوهر هو الأخلاق والعقلانية الحديثة، وهذه الأخلاق والعقلانية مطابقة تماماً للقراءة التي يقول بها فنائي ويراها؟
- لماذا لا نعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصداقاً لحقوق الإنسان المطبَّقة على العالم الحديث، ولماذا لا يحق لنا أن نشكك في طريقة هذا التطبيق وفي صوابه؟ حتى لو نظرنا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبعض الإعلانات التكميلية التي أُقرت في إطار الاتحاد الأوروبي بوصفها مصحفاً مقدساً، فإنه يحق لنا مع ذلك أن نُحلِّل، من النواحي الاقتصادية والسياسية والسوسيولوجية والسيكولوجية وحتى الإعلامية، سياق وزمان وكيفية وسبب الإقبال على بعض المبادئ المدرجة فيها والتوصل إليها.
- كما أشير في موضعه، فإن معايير فنائي الاثني عشر للفصل بين وعاء الدين ومظروفه هي في الغالب غير فعّالة، وهي تخلق الغموض أكثر مما تزيله؛ وذلك أولاً لأن معظمها هو في الواقع بيان تفصيلي وأكثر جزئية للمعيار الأول (مقتضيات العقل والعقلانية الحديثة)؛ وثانياً لأنها، بدلاً من أن تكون دليلاً وهادياً، هي نفسها بحاجة إلى حلول توضح معناها.
نقطة أخيرة
إنني وإن كنت، بناءً على ما قيل، أجد مؤلف كتاب أخلاقيات علم الدين أكثر علمانية بكثير من سائر المثقفين والمفكرين الدينيين الجدد، إلا أنني لا أريد أبداً، استناداً إلى هذا النقد أو أي سبب آخر يبدو علمياً، أن يكون ذلك ذريعة ليُسد الطريق - لا قدر الله - أمام حضوره الأكاديمي والعام في إيران. إن صاحب هذا القلم لا يسعى إلا إلى الحوار وبسط حرية الفكر والعقلانية، لا إلى اختبار القوة والتمهيد لخلق قيود. إن ظني المتواضع هو أن السيد فنائي مسلم مفكر ومتخلق، يفكر ويكتب هكذا بنية حسنة، وأن الثورة الإسلامية لم تأت للارتداد إلى الوراء، بل للارتقاء الفكري، وإن المفروض علينا نحن السالكين درب الإسلام والثورة ألا نرغب أبداً في غير ذلك، وألا نسلك غير هذا السبيل.
.
.
على سبيل المثال، راجع حديث السيد مصطفى ملكيان في حوار تحت عنوان «العيش الأخلاقي دون تدخل الدولة»، مجلة انديشه بويا، العدد 15
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.