اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في المناطق التي لا تشرق فيها الشمس ولا تغرب، لا تكون معايير أوقات الصلاة الشرعية ذات جدوى. يكتب أبو القاسم فنائي أن إيجاب الصلاة والصيام في هذه المناطق يستوجب إعادة النظر في منهج الاستنباط الفقهي، لتحل معايير أخرى محل القرآن والسنة.

أبو القاسم فنائي: في الجزء الأول من هذه السلسلة من المقالات، قسّمنا المناطق الجغرافية إلى ثلاث مناطق: (أ)، و(ب)، و(ج). تمتعت المنطقة (أ) بخاصيتين: الأولى أن الشمس تشرق وتغرب فيها، والثانية أن الفرق بين طول النهار وطول الليل في هذه المنطقة لا يُعتد به عرفاً ويمكن التغاضي عنه. كما تمتعت المنطقة (ب) بخاصيتين: الأولى أن الشمس تشرق وتغرب فيها، والثانية أن الفرق بين طول النهار وطول الليل في هذه المنطقة لا يمكن التغاضي عنه عرفاً. أما المنطقة (ج) فكانت لها خاصية واحدة، وهي أن الشمس لا تشرق ولا تغرب فيها.
.
1. طرح المسألة
في الجزء الأول من هذه السلسلة من المقالات، قسّمنا المناطق الجغرافية إلى ثلاث مناطق: (أ)، و(ب)، و(ج). تمتعت المنطقة (أ) بخاصيتين: الأولى أن الشمس تشرق وتغرب فيها، والثانية أن الفرق بين طول النهار وطول الليل في هذه المنطقة لا يُعتد به عرفاً ويمكن التغاضي عنه. كما تمتعت المنطقة (ب) بخاصيتين: الأولى أن الشمس تشرق وتغرب فيها، والثانية أن الفرق بين طول النهار وطول الليل في هذه المنطقة لا يمكن التغاضي عنه عرفاً. أما المنطقة (ج) فكانت لها خاصية واحدة، وهي أن الشمس لا تشرق ولا تغرب فيها.
هذا التقسيم له تطبيق شرعي فحسب، أي أن أهميته تكمن فقط في الدور الذي قد يلعبه اختلاف هذه المناطق الثلاث في تحديد الأوقات الشرعية للصلاة والصيام وفهم الآيات والروايات المتعلقة بهاتين الوظيفتين. وبطبيعة الحال، يمكن تقسيم المناطق الجغرافية إلى فئات مختلفة بناءً على معايير مختلفة ولأغراض مختلفة، ولكننا نعتقد أن التقسيم "المرتبط شرعاً" هو هذا التقسيم تحديداً.
2. تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)
لقد بدأنا بحثنا من المنطقة (ج)، لأن المعايير المذكورة في القرآن والروايات لتحديد الأوقات الشرعية لا تشمل هذه المنطقة. وتتمثل هذه المعايير في طلوع الفجر، وشروق الشمس، وزوال الشمس، وغروب الشمس. ومن بين هذه الظواهر الطبيعية الأربع، لا يحدث في بعض أجزاء المنطقة (ج) سوى زوال الشمس، وهو قابل للرؤية بالعين المجردة أو للقياس بأدوات بسيطة أو علمية.
وكما نعلم، فإن الصلوات اليومية والصيام في الشريعة الإسلامية مقيدان بالزمان، بمعنى أن الصلوات اليومية يجب أن تؤدى في أوقات محددة من اليوم، وأن الصيام يبدأ من وقت محدد ويستمر حتى وقت محدد. فمثلاً، وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى شروق الشمس. والصيام أيضاً يبدأ من طلوع الفجر ويستمر حتى المغرب. لكن أياً من هذه المعايير الطبيعية ليست في متناول أولئك الذين يعيشون في المنطقة (ج).
وهنا، وبحصر منطقي، توجد ثلاثة طرق أمام الفقهاء. الأول أن يقولوا: "المسلمون الذين يعيشون في المنطقة (ج) مكلفون بالهجرة من هذه المنطقة والذهاب إلى المنطقة (أ) أو (ب) حيث تتوفر هذه المعايير الطبيعية ليتمكنوا من أداء واجباتهم الدينية في أوقاتها المحددة". والثاني أن يقولوا: "إن وجوب الصلوات اليومية وصيام شهر رمضان يختص بالمسلمين المقيمين في المنطقة (أ) والمنطقة (ب)، ولا يشمل المسلمين المقيمين في المنطقة (ج)". والثالث أن يقولوا: "الصلوات اليومية وصيام شهر رمضان واجبة أيضاً على هؤلاء المسلمين، لكن ينبغي عليهم تحديد أوقاتهم الشرعية بناءً على معيار آخر"؛ معيار لم يرد ذكره صراحة في القرآن والروايات.
3. نقد الفتاوى الشائعة حول تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)
لكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة إشكالاته الخاصة. إشكال القول الأول أنه لا ينسجم مع القاعدة العقلية/المنطقية المسلَّمة القائلة بأن المكلَّف لا يتحمل أي مسؤولية تجاه شروط وجوب الوظيفة. فإذا كانت وظيفة ما مشروطة بشروط، فإن تلك الوظيفة لن تقع على عاتق المكلَّف إلا بعد تحقق تلك الشروط، وليس المكلَّف مكلَّفاً بتهيئة تلك الشروط ليصبح مشمولاً بخطاب تلك الوظيفة. والقول الثاني لا يتسق مع الأهمية الفائقة للصلوات اليومية وصوم شهر رمضان. أما إشكال القول الثالث فهو أنه لا يمكن تبرير هذا القول في إطار الفقه الشيعي التقليدي وبناءً على منهج الاستنباط السائد في هذا الفقه. ذلك أن منهج الاستنباط هذا لا يسمح للفقهاء البتة بالعدول عن المعايير المذكورة في القرآن والسنة لتحديد الأوقات الشرعية أو بتجاوزها.
ولكي نتجاوز هذه المعايير، لا مناص لنا من إعادة النظر في منهج الاستنباط الحالي. والواقع أن الفقهاء القائلين بالقول الثالث مضطرون أولاً إلى التخلي عن بعض مُسلَّماتهم ومقدماتهم التي يدّعونها في أصول الفقه وفلسفة الفقه، حتى يتسنى لهم تبرير هذا القول من الناحية الفقهية. إن علم الفقه ليس علماً بديهياً. بل لو كانت الأحكام الشرعية من البديهيات، لما احتاج المسلمون إلى علم الفقه وتقليد المجتهد. فعلم الفقه علم نظري، بمعنى أن القضايا والعبارات التي تُبحث وتُحقق في هذا الحقل العلمي ليست بديهية، بل هي نظرية، ويجب الاستدلال عليها لتبريرها، والاستدلال الفقهي، شأنه شأن أي استدلال آخر، يقوم على مجموعة من المقدمات والمُسلَّمات الصورية والمضمونية.
فيمكن القول مثلاً إن أصل وجوب الصلاة والصوم والحج، وكون هذه الوظائف موجودة في الجملة في الشريعة الإسلامية، هو أمر «بديهي»، ولكن ما إذا كان المسلمون القاطنون في المنطقة (ج) مشمولين بهذه الوظائف أم لا، وما هي الأوقات الشرعية التي ينبغي أداء هذه الوظائف ضمن حدودها، وبأي معيار ينبغي اكتشافها أو قياسها، فهذه مسائل نظرية/ قائمة على الاستدلال.
٤. طبيعة الاستدلال الفقهي ومنهج نقده
وعليه، فإن وراء كل فتوى فقهية استدلالاً واحداً أو أكثر، ومن ثم يمكن إظهار بطلان تلك الفتوى من خلال نقد ذلك الاستدلال/تلك الاستدلالات. وهذا ما يفعله الفقهاء حين ينقد بعضهم بعضاً؛ طبعاً، نقد الفتوى عبر نقد الاستدلال الذي تستند إليه يختلف عن نقد الفتوى عبر نقد/تخريب شخصية المفتي.[1] وسر اختلاف الفقهاء في الفتوى يعود إلى هذا أيضاً. فقد يرى فقيه أن رواية ما ضعيفة فيرفضها. وقد يراها فقيه آخر معتبرة. كما قد يفسر فقيه آية أو رواية على نحو، ويفسرها فقيه آخر على نحو آخر.
إذا اشترك فقيهان في المُسلَّمات نفسها واجتهدا في ظل «براديغم»[2] واحد، كأن يعتبرا مثلاً خبر الواحد الثقة حجة، فلن يستطيعا نقد فتوى أحدهما الآخر إلا في إطار تلك المُسلَّمات، وهذا هو الغالب. لكن نقد الفتوى عبر نقد البراديغم الذي أنتجها ممكن أيضاً. وإذا كان هذا البراديغم، الذي هو بذاته مجموعة من المُسلَّمات، عقلياً أو عقلائياً أو عرفياً، فسيحق لغير الفقهاء أيضاً أن يناقشوا فتوى الفقهاء، التي هي نتاج ذلك البراديغم، من خلال نقده.
مثلاً إذا أخطأ فقيه في تشخيص الشروط العرفية اللازمة لصحة العقود التجارية وأصدر فتوى بناءً على هذا التشخيص الخاطئ، فمن حق خبير اقتصادي أن يناقش فهم ذلك الفقيه وتلقيه لتلك الشروط العرفية، ومن ثم أن يشكك في فتواه. إن نقد فتوى فقهية، لا سيما إذا كانت معللة، لا يتضمن نقد الحكم الشرعي الذي تعبر عنه تلك الفتوى. أو إذا توصل أحد علماء نظرية المعرفة إلى أن الشروط التي يذكرها الفقهاء في أصول الفقه لاعتبار «المعرفة بالشهادة»[3] تختلف عن العادة أو التقليد أو العقد الاجتماعي للعقلاء في هذا الشأن، وأن الفقهاء قد أخطأوا في فهم «سيرة العقلاء» في هذه المسألة، فمن حقه أن يشكك في اعتبار النتائج الفقهية المبنية على هذه الفرضية المعرفية الخاطئة. وبالمثل، إذا استطاع فيلسوف أخلاق أن يبرهن على أن «الأخلاق سابقة على الدين»، وأن «الفقه ليس بديلاً عن الأخلاق»، بل إن اعتبار الاستنباطات الفقهية من النصوص الدينية رهين بتوافق هذه الاستنباطات مع القيم الأخلاقية فوق الدينية، فمن حقه أن ينقد فتوى فقهية معينة لا تنسجم مع هذه القيم.
5. منابع تغذية الفقه
تُستمد المواد الخام/مقدمات الاستدلالات الفقهية من مصدرين رئيسيين: أحدهما النصوص الدينية (= القرآن والسنة) والآخر المصادر فوق الدينية، كالعقل والعرف والتجربة البشرية. يقوم كل استدلال فقهي على عدد معتد به من الفرضيات. وبطبيعة الحال، فإن اعتبار نتيجة أي استدلال رهين باعتبار مقدمات ذلك الاستدلال وفرضياته. تنقسم هذه الفرضيات إلى صنفين: (1) الفرضيات «المنهجية»[4] و (2) الفرضيات «المحتواية»[5]. ولا بد لأي فقه من أن يستعير هذه الفرضيات من خارج الفقه ويستخدمها فيه.
لا قداسة لهذه الفرضيات، بل هي معرضة للنقد والتمحيص والإصلاح، وقد يخطئ الفقيه في فهمها. وعلم أصول الفقه لا يتناول بالبحث سوى طائفة من هذه الفرضيات. فإذا كانت هذه الفرضيات عقلية أو عرفية، فمعنى ذلك أن جميع عقلاء العالم لهم الحق والأهلية لإبداء الرأي بشأنها. لا يشير الفقهاء عادةً، في معرض حديثهم مع مقلديهم، إلى مقدمات فتاواهم وفرضياتها، بل يبلغون أتباعهم فحسب نتيجة اجتهادهم القائم على تلك الفرضيات في قالب الفتوى. وحتى في كتب الفقه الاستدلالي التي يُذكر فيها مبنى كل فتوى، لا يُشار إلا إلى بعض هذه الفرضيات. وهذا أمر طبيعي بالطبع. ومن المؤسف أنه لا يوجد في ثقافتنا الإسلامية تخصص يُدعى فلسفة الفقه، تُعالج فيه الفرضيات التي يستخدمها الفقهاء في استدلالاتهم الفقهية، وإن كانت بعض هذه الفرضيات تُبحث وتُناقش في علم أصول الفقه.
6. لزوم مراجعة براديغم الاجتهاد وشروطه
يقتضي مبدأ المحافظة في نظرية المعرفة أن يجتهد الفقهاء في إطار «البراديغم» القائم ما دام قادراً على حل المسائل الجديدة. لكن إذا واجه فقيه مسألة جديدة لم يستطع أن يجد لها جواباً مرضياً في ظل البراديغم القائم، فإنه يضطر إلى القيام «بنقلة براديغمية»[6]، أي أن يراجع ذلك الإطار، ويُعدل فرضياته الكبرى بحيث يتمكن من تقديم جواب مناسب للمسألة أو المسائل المطروحة.
وبالطبع، ينبغي أن ننتبه أيضاً إلى أن ليس كل جواب هو جواب. فأحياناً يكون البراديغم القائم قادراً على تقديم جواب لمسألة جديدة، لكن ذلك الجواب ليس لائقاً، بل هو شبه جواب. فمثلاً، القول بأن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق يبلغ طول النهار فيها 23 ساعة مكلفون بصيام الـ 23 ساعة كاملة، وإذا كان ذلك فوق طاقتهم سقط عنهم وجوب الصوم من باب العسر والحرج، أو القول بأنه يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يسافروا ويقضوا صومهم في الشتاء، هو شبه جواب ينسجم مع البراديغم الفقهي القائم، لكنه ليس الجواب أو الجواب اللائق.
أما الحل الثاني، فيشبه أن نوصي المكلفين بأن يتعمدوا إمراض أنفسهم كي يُرفع عنهم واجب الصوم. «إذا كان هناك طريقان للفرار من الصوم، فلماذا يُوصى بأحدهما؟». وإذا كان المقصود بالمريض في آية الصوم هو من مرض صدفةً، لا من تعمّد المرض ليفطر، فلماذا لا نقول في شأن المسافر إن المقصود به أيضاً من كان على سفر صدفةً أو لضرورة مهنية أو نحوها في شهر رمضان، لا من سافر عمداً فراراً من الصوم؟ أما الحل الأول فهو شبه جواب، لا جواب لائق ومعقول، إذ لا معنى لأن يضع شارع حكيم حكماً أولياً على عاتق جماعة من الناس، ثم يرفعه عن عاتق أكثرهم بحكم ثانوي بسبب العسر والحرج.
وعليه، فإن مجرد الإمكان العقلي للإجابة عن سؤال لا يبرر الإصرار على الحفاظ على البراديغم القائم ومقاومة مراجعته. فكل جواب عن مسألة فقهية ينبغي أن يكون منسجماً مع صفات الله، من حكمة وعدل ورحمة، ومع الوسع العقلي والنفسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والبدني لعموم المكلفين أو أغلبيتهم. وبناءً على هذا يمكن القول إن الحالات التي تستوجب مراجعة البراديغم الفقهي القائم لا تقتصر على المسائل التي لا يملك البراديغم القائم أي جواب عنها، بل تشمل أيضاً المسائل التي يجيب عنها هذا البراديغم، لكن جوابه ليس لائقاً ومعقولاً.
7. تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) رهن بمراجعة براديغم الاجتهاد
في ظن الكاتب أن إحدى هذه المسائل التي تضطر الفقهاء إلى مراجعة البراديغم القائم هي مسألة تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) ذاتها.[7] وهذه المسألة تزيد البصيرة من جهتين: الأولى أنها تبين أن البراديغم القائم لا يمتلك القدرة اللازمة للإجابة عن هذه المسألة ويحتاج إلى مراجعة، والثانية أنها، خلافاً لادعاء بعض الفقهاء والمجددين الدينيين، تبين أن المشكلات التي لا يمكن إيجاد جواب مُرضٍ عنها في إطار البراديغم القائم في الفقه التقليدي لا تختص بباب المعاملات (= العلاقات الاجتماعية/ الدنيوية بالمعنى العام للكلمة)، بل إننا نواجه مشكلات مماثلة في باب العبادات أيضاً.
من الواضح أن الاتساق المنطقي يقتضي أنه إذا راجع فقيه براديغم اجتهاده، أن يلتزم بلوازم ونتائج هذه المراجعة في المسائل الفقهية الأخرى. فمثلاً، إذا اضطر فقيه، لحل المسألة المبحوثة، أي تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)، إلى الاعتراف بحجية الأدلة الظنية العقلية والتجريبية، فإنه مضطر إلى الاعتراف بحجية هذه الأدلة في مسألة تحديد الأوقات الشرعية في المنطقتين (أ) و(ب) أيضاً. أو إذا اضطر فقيه، لحل مسألة خاصة، إلى الاعتراف بضرورة تقسيم محتوى الشريعة إلى ذاتي وعرضي، وبالتالي ضرورة الترجمة/ التفسير الثقافي للنصوص الدينية، فلا يمكنه إنكار الفصل بين الذاتي والعرضي في مواضع أخرى، وجواز أو مشروعية الترجمة/ التفسير الثقافي في حالات أخرى. وبالمثل، إذا تمسك فقيه في حالة خاصة بالتجربة الفقهية (= الشم الفقهي/ الذوق الفقهي) لحل مسألة، فلا يمكنه أن يشكك في اعتبار هذه التجربة في حالات أخرى وينكرها.
8. بعض مكونات البراديغم الجديد ونقد البراديغم التقليدي
بدأنا بحثنا من تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) وبينا أنه في إطار البراديغم السائد في الفقه، لا سند للفتاوى الموجودة بشأن الأوقات الشرعية في هذه المنطقة من داخل الدين. ولذا فإن السبيل الوحيد المتبقي هو مراجعة هذا البراديغم والانتقال إلى براديغم جديد يمكن في ظله إيجاد جواب لائق ومُرضٍ لهذه المسألة. البراديغم البديل الذي اقترحناه يستبدل عدة افتراضات كبرى بالافتراضات التي تشكل جزءاً من بنية البراديغم القائم.
تتضمن القائمة التالية عدداً من هذه الافتراضات:
(1) الفصل بين الذاتي والعرضي في الشريعة،
(2) ضرورة الترجمة/ التفسير الثقافي لذلك الجزء من النصوص الدينية الذي يعبر عن عرضيات الشريعة،
(3) إمكان تحول الشريعة وتغير الأحكام الشرعية بعد رحلة النبي الكريم (ص)،
(4) ضرورة بسط التجربة الفقهية النبوية بوصفها أحد السبل التي يمكن من خلالها اكتشاف تحولات الشريعة بعد رحيل النبي الأكرم (ص)، و
(5) حجية الأدلة العقلية والتجريبية الظنية.
في البراديغم القائم، لا تُفصل ذاتيات الشريعة عن عرضياتها، وتُعتبر جميع الأحكام الشرعية من ذاتيات الشريعة. وبطبيعة الحال، لا يُعترف في هذا البراديغم بالترجمة/التفسير الثقافي للنصوص الدينية، لأنه لا ينطوي على معنى محصّل. كما تُغَلّ يد الله في هذا البراديغم عن التشريع، بمعنى أن أحد مكونات البراديغم القائم هو أنه لن يطرأ أي تغيير أو تحول على الشريعة بعد رحيل النبي الخاتم (ص)، وأن الشريعة التي جاء بها النبي (ص) تحتوي على آخر الأحكام وأكملها التي كان بإمكان الله أن يشرّعها إلى الأبد. ونحن نعتقد أن هذا الادعاء غير معقول وغير مقبول لأسباب متعددة.[8]
من الواضح أنه إذا قبل شخص ما هذه الفرضية المسبقة، فسيستغني عن استخدام العقل والتجربة في فهم الشريعة واكتشاف الأحكام الشرعية. بالنسبة لمثل هذا الشخص، ستكون المنقولات (= الآيات والروايات) هي السبيل الوحيد لاكتشاف الأحكام الشرعية. وبالطبع، يُعتبر العقل والإجماع في أصول الفقه القائم، إلى جانب القرآن والسنة، من المصادر الأربعة للشريعة/الأدلة الأربعة، لكن النظرة المتفحصة تُظهر أن الإجماع ليس مصدراً أو دليلاً مستقلاً، وإنما هو معتبر فقط كطريق لاكتشاف السنة، وذكره في هذه القائمة له جانب هوياتي فحسب، أي لكي لا يظن أحد أن المذهب السني أكمل من المذهب الشيعي، كما أن حضور العقل في هذه القائمة له جانب تزييني وهوياتي فحسب. بمعنى أنه، وإن كان الفقهاء الأصوليون يعترفون بحجية العقل، فإن هذه الحجية ليست مطلقة، بل مشروطة بأن تكون النتيجة المتحصلة من الاستدلال والبحث العقلي قطعية ويقينية. لكن مثل هذه النتائج نادرة جداً في مقام العمل، والنادر كالمعدوم.
9. منزلة الظنون العقلية والتجريبية في البراديغم التقليدي
أحد المكونات الكبرى للبراديغم القائم يتمثل في حرمة الإفتاء بناءً على الأدلة العقلية والتجريبية الظنية. في الواقع، إحدى الفرضيات المعرفية المسبقة المفترضة في هذا البراديغم هي التمييز المعرفي بين الأدلة النقلية من جهة، والأدلة العقلية والتجريبية من جهة أخرى.[9] وبناءً على هذا التمييز، تُشترط حصول القطع واليقين لاعتبار الأدلة العقلية والتجريبية، بينما لا يُشترط مثل هذا الشرط لاعتبار الأدلة النقلية.
في هذا البراديغم، تُعتبر الظنون النقلية/الأدلة الظنية النقلية معتبرة، وترتقي منزلتها إلى منزلة القطع واليقين، بينما تُعتبر الظنون العقلية والتجريبية/الأدلة الظنية العقلية والتجريبية غير معتبرة، وتنحط منزلتها إلى مرتبة الشك. يترتب على هذا الموقف المعرفي عدة نتائج مصيرية:
(1) النتيجة الأولى هي أنه لا ينبغي للفقهاء، في مقام استنباط الأحكام الشرعية، أن يعيروا الظنون العقلية والتجريبية اهتماماً، بل عليهم أن يعاملوا هذه الظنون نفس معاملة الشك. في إطار البراديغم القائم، إذا لم يجد الفقيه، بعد الفحص والبحث عن الأدلة الظنية النقلية، أي دليل لصالح حكم شرعي أو ضده، فإنه مكلف بالرجوع إلى الأصول العملية.
(2) النتيجة الثانية هي أن تعارض الأدلة الظنية النقلية مع الأدلة الظنية العقلية والتجريبية يجب أن يُحل دائماً لصالح الأدلة الظنية النقلية، حتى لو كانت الأدلة الظنية العقلية والتجريبية تتمتع بقوة أعلى بكثير وتولد ظناً أقوى في ذهن المُدرِك.
(3) النتيجة الطبيعية الثالثة لمثل هذا الموقف المعرفي هي أنه لن يبقى عملياً فرق بين الأصوليين والإخباريين؛ أي أن كلا المجموعتين تصلان، من طريقين مختلفين، إلى نتيجة متشابهة إلى حد ما، ألا وهي تعطيل العقل والتجربة أمام النقل. لقد تغلغلت الروح الإخبارية في نسيج الفقه الشيعي، حتى لو انقرض الإخباريون كمجموعة اجتماعية ذات هوية معروفة.
10. البراديغم الجديد وتحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) بناءً عليه
في البراديغم الجديد، يُعترف بحجية الأدلة العقلية والتجريبية الظنية، وتُزال الفجوة المعرفية المصطنعة بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية والتجريبية. وبناءً على ذلك، يمكن للفقيه، في مقام استنباط الأحكام الشرعية، أن يستند إلى الظنون العقلية والتجريبية أيضاً. وفي هذا البراديغم، تُحل مسألة تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) على النحو التالي:
أما النموذج الجديد الذي أشرنا هنا إلى بعض مكوناته فلا يترتب عليه أي من هذه النتائج غير المقبولة. ففي هذا النموذج تتمتع الأدلة الظنية بمرتبة واحدة من الاعتبار والقيمة المعرفية؛ أولاً، لا يتمتع أي من هذه الأدلة بمنزلة القطع واليقين ولا ينبغي معاملتها معاملة القطع واليقين، وثانيًا، ليس أي منها عديم القيمة تمامًا من الناحية المعرفية ولا ينبغي معاملتها معاملة الشك. وعند تعارض هذه الأدلة، فإن واجبنا العقلاني/الأخلاقي يقتضي أن نتبع الدليل الأقوى، أي أن نجعله قرينة للتصرف في الدليل المقابل.
يتيح هذا النموذج للفقهاء حل مسألة تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) على نحو لائق ومعقول. وبرأي الكاتب فإن الطريق الأكثر معقولية لتحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) هو استخدام الصيغة التالية:
الأوقات الشرعية في أي نقطة من المنطقة (ج) تعادل الأوقات الشرعية في نقطة لها نفس خط الطول الجغرافي لتلك النقطة من المنطقة (ج) وخط عرض مكة.
وعليه، فإن خط عرض مكة هو المعيار في تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)، أما خط طولها فليس معيارًا. فمثلاً، الأوقات الشرعية في غرينلاند تعادل الأوقات الشرعية لنقطة بخط طول غرينلاند وخط عرض مكة.
من الواضح أن الأوقات الشرعية في أي نقطة من المنطقة (أ) تُحسب بناءً على خط الطول وخط العرض الجغرافيين لتلك النقطة ذاتها. وبالطبع فإن نتيجة هذه الحسابات قابلة للرؤية عبر المشاهدة الحسية في حال عدم وجود موانع. والمشكلة القائمة بخصوص المنطقة (ج) هي أن الأوقات الشرعية في هذه المنطقة لا يمكن تحديدها وتشخيصها لا من خلال المشاهدة الحسية ـ لأن العلامات الطبيعية/الجوية المذكورة في القرآن والروايات، بحسب الفرض، غير موجودة في المنطقة (ج) ـ ولا يمكن حسابها من خلال خط الطول وخط العرض الجغرافيين لهذه المنطقة نفسها.
لحل هذه المشكلة، إما أن نصرف النظر عن خط العرض الجغرافي للمنطقة (ج)، أو نصرف النظر عن خط الطول وخط العرض معًا. ولكن برأينا، يكفي أن نصرف النظر عن خط العرض الجغرافي، ولا حاجة لأن نصرف النظر عن خط الطول الجغرافي أيضًا.
وبتعبير أشمل، فإن الترجمة الثقافية للنصوص الدينية بخصوص الأوقات الشرعية تقتضي أن نترجم العلامات الطبيعية المذكورة في هذه النصوص إلى خطوط الطول والعرض الجغرافية والحسابات الفلكية المبنية على هذه الخطوط، وهذا ما يفعله حتى المسلمون المقيمون في مكة والمدينة في العصر الحالي. أي أنهم بدلاً من إحراز طلوع الفجر وطلوع الشمس وغروبها من خلال المشاهدة الحسية بالعين المجردة، يحددون الأوقات الشرعية لمحل إقامتهم من خلال الحسابات الفلكية.
الفرق بين المنطقة (ج) والمنطقة (أ) هو أن العلامات المذكورة في القرآن والسنة غير موجودة في المنطقة (ج) لكي تُترجم إلى خط الطول وخط العرض الجغرافيين لهذه المنطقة نفسها. ولهذا السبب يجب استبدال خط العرض الجغرافي للمنطقة (ج) بشيء آخر، ونعتقد أن أفضل بديل له هو خط عرض مكة.
كما رأينا في المقال السابق، اقترح بعض المجتهدين ثلاث طرق مختلفة لحساب الأوقات الشرعية في المنطقة (ج): الأولى حساب الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) بناءً على خط الطول وخط العرض الجغرافيين للمدينة (أو أي نقطة من المنطقة (أ)). والثانية حساب الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) بناءً على خط الطول وخط العرض الجغرافيين للوطن الأصلي للمكلف. والثالثة حساب الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) بناءً على خط الطول وخط العرض الجغرافيين لأقرب نقطة من المنطقة (ب) إلى المنطقة (ج).
لكن أولاً، لا يمكن تبرير أي من هذه الطرق الثلاث في إطار النموذج التقليدي للاجتهاد وليس لها مستند شرعي، لأنه لم يرد ذكر لهذه المعايير في القرآن والسنة، ولا يمكن تبرير مثل هذه المعايير باستخدام الأصول العملية.
ثانياً، في إطار النموذج التقليدي للاجتهاد في الفقه، فإن إحلال الحسابات الرياضية والفلكية محل العلامات الطبيعية المحسوسة والقابلة للرؤية بالعين المجردة في المنطقة (أ) يعاني من محذور أيضاً، ناهيك عن المنطقتين (ب) و(ج). هذا الاستبدال رهن بالتخلي عن المعنى الظاهري للآيات والروايات ذات الصلة، وللتخلي عن المعنى الظاهري للآيات والروايات نحتاج إلى قرينة، والقرينة الوحيدة المتوفرة في هذا الشأن هي القرينة العقلية/التجريبية؛ وهي قرينة ظنية لا قطعية ويقينية.
وَالحَمدُ للّهِ أَوَّلاً و آخِراً
.
.
[1]. مثلاً، لا يمكن لأي فقيه أن يتهم فقيهاً آخر بالتلاعب بدين الناس، لمجرد أن فتوى ذلك الفقيه لا تتوافق مع الفتوى التي يقبلها هو. إذا كانت فتوى الفقيه الثاني صحيحة، فإن مضمون هذه الفتوى هو عين الدين الذي لا ينبغي التلاعب به. وبتعبير آخر، فإن اتهام الفقهاء الآخرين بالتلاعب بدين الناس هو بذاته مصداق للتلاعب بدين الناس.
[2]. paradigm
[3]. في الثقافة الإسلامية، تُقسم العلوم إلى فئتين: «العلوم النقلية» و«العلوم العقلية». في هذه الثقافة، يُطلق على المعرفة عن طريق الشهادة اسم «المعرفة النقلية»/«المعرفة المنقولة»، في مقابل «المعرفة عن طريق الدليل/المعرفة عن طريق الاستدلال» التي تُسمى «المعرفة العقلية»/«المعرفة المعقولة». لمزيد من التوضيح حول المعرفة عن طريق الشهادة، واختلافها عن المعرفة عن طريق الدليل، وشروط اعتبارها، انظر مقال «في الخلط بين الدافع والدوافع» بقلمي. هذا المقال متاح على الموقع التالي:
http://neeloofar.org/phocadownload/fanaei/about-motivation-and-motivated.pdf
[4]. methodological/procedural
[5]. substantive
[6]. paradigm-shift
[7]. نظير هذه المسألة هو حكم المسافر الصائم الذي يتحرك بالطائرة من الشرق إلى الغرب، وكذلك حكم رائد الفضاء الصائم الذي يدور حول الأرض بمركبة فضائية.
[8]. أوردت قسماً من هذه الأدلة في كتاب أخلاقيات فهم الدين.
[9]. لنقد الأسس المعرفية للفقه التقليدي، انظر كتاب أخلاقيات فهم الدين، وخاصة الفصول الأول والثالث والرابع.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.