اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى أبو القاسم فنائي أن النموذج الفقهي السائد لتحديد الأوقات الشرعية في المناطق ذات النهار الطويل غيرُ كافٍ، ويعتبر إصلاحه مدخلاً لمراجعة الحكم في مناطق أخرى. وهو يعدّ الفتوى الشائعة بشأن الصوم والصلاة قائمةً على أخطاء منهجية وتجريبية.

أبو القاسم فنائي: حتى الآن، كان نقاشنا منصبًّا على تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج). والسبب في أننا بدأنا نقاشنا بفحص الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) هو أننا أردنا أن نبين أن النموذج السائد في الفقه التقليدي لتحديد الأوقات الشرعية في هذه المنطقة لا يفي بالغرض ويفتقر إلى الفعالية. ولا يمكن حل مشكلة الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) على نحو لائق إلا بالتخلي عن هذا النموذج وإصلاحه، لكن عواقب قبول النموذج الجديد لا تقتصر على هذا الحد، بل إن هذا النموذج يفتح الطريق لإعادة النظر في الأوقات الشرعية في المنطقتين (أ) و(ب) أيضًا. إن عدم الاستسلام للتناقض يقتضي أن نلتزم بعواقب هذا النموذج في أماكن أخرى أيضًا.
.
1. طرح المسألة
في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة من المقالات، قسمنا المناطق الجغرافية إلى ثلاث مناطق: (أ)، و(ب)، و(ج). كانت للمنطقة (أ) خاصيتان: الأولى أن الشمس تشرق وتغرب فيها، والثانية أن الفرق بين طول النهار وطول الليل في هذه المنطقة كان، عرفًا، غير ذي أهمية وقابلًا للصفح عنه. وكانت للمنطقة (ب) أيضًا خاصيتان: الأولى أن الشمس تشرق وتغرب فيها، والثانية أن الفرق بين طول النهار وطول الليل في هذه المنطقة لم يكن، عرفًا، قابلًا للصفح عنه. أما المنطقة (ج) فكانت لها خاصية واحدة، وهي أن الشمس لا تشرق ولا تغرب في هذه المنطقة.
حتى الآن، كان نقاشنا منصبًّا على تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج). والسبب في أننا بدأنا نقاشنا بفحص الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) هو أننا أردنا أن نبين أن النموذج السائد في الفقه التقليدي لتحديد الأوقات الشرعية في هذه المنطقة لا يفي بالغرض ويفتقر إلى الفعالية. ولا يمكن حل مشكلة الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) على نحو لائق إلا بالتخلي عن هذا النموذج وإصلاحه، لكن عواقب قبول النموذج الجديد لا تقتصر على هذا الحد، بل إن هذا النموذج يفتح الطريق لإعادة النظر في الأوقات الشرعية في المنطقتين (أ) و(ب) أيضًا. إن عدم الاستسلام للتناقض يقتضي أن نلتزم بعواقب هذا النموذج في أماكن أخرى أيضًا. في الجزء الماضي، أشرنا إلى خمسة من المكونات الأساسية للنموذج القديم التي تؤدي إلى عدم فعالية هذا النموذج، والمكونات البديلة لها في النموذج الجديد.
2. الفتوى السائدة بشأن الأوقات الشرعية في المنطقتين (أ) و(ب)
سنتحدث في هذا القسم عن الأوقات الشرعية في المنطقتين (أ) و(ب). على حد علمي، فإن جمهور فقهاء الشيعة لديهم فتوى واحدة بشأن تحديد الأوقات الشرعية في هاتين المنطقتين، ويقدمون معيارًا واحدًا لتحديد هذه الأوقات للمسلمين القاطنين في هاتين المنطقتين. هذا المعيار هو طلوع الفجر، وشروق الشمس، وزوالها، وغروبها في الأفق المحلي. وفيما يتعلق بالصوم، فالفتوى المشهورة هي أن الذين يعيشون في هاتين المنطقتين، إذا كانوا قادرين على الصوم، يجب عليهم أن يصوموا، حتى لو كان طول النهار في شهر رمضان 23 ساعة أو ساعة واحدة، وإذا لم يكونوا قادرين، فلا يجب عليهم صوم شهر رمضان، بل يجب عليهم قضاء ذلك الصوم خارج شهر رمضان، حتى لو كان طول النهار خارج شهر رمضان أقل من 12 ساعة، مثلًا 4 أو 5 أو حتى ساعة واحدة.
من وجهة نظر هؤلاء الفقهاء، فإن اختلاف وجهة النظر العرفية بشأن كون الفرق بين طول النهار وطول الليل قابلًا للصفح عنه في المنطقة (أ) وغير قابل للصفح عنه في المنطقة (ب) لا يلعب أي دور في فهم الأحكام المتعلقة بالصلاة والصوم وتحديد الأوقات الشرعية في هاتين المنطقتين. في الحقيقة، لا يعترف هؤلاء الفقهاء بالفصل بين هاتين المنطقتين عن بعضهما، أي أنهم يعتقدون أنه لا يترتب أي أثر شرعي على هذا الفصل. ودليلهم لتبرير وجهة النظر هذه من الناحية الفقهية هو أن العلامات الطبيعية/الجوية المذكورة في القرآن والروايات ليست خاصة بالمنطقة (أ)، وهي متاحة أيضًا في المنطقة (ب).
لكن يبدو أن هذه الفتاوى تستند إلى خطأين منهجيين وخطأ تجريبي واحد. هذه الأخطاء الثلاثة هي:
(1) الفهم الخاطئ للأصول والقواعد التي تشكل أساس التواصل اللغوي بين العقلاء، و
(2) إخراج الآيات والروايات ذات الصلة من سياقها وسياقها النصي،
(3) تجاهل هذه الحقيقة التجريبية المتمثلة في أن بعض هذه المعايير، مثل طلوع الفجر وطلوع الشمس، لم تعد اليوم متاحة بسهولة لعامة الناس حتى في مكة والمدينة، وأنهم مضطرون، في استخدامهم لهذه المعايير، إلى الاعتماد على الحسابات الرياضية والفلكية.
لكن قبل شرح هذا الادعاء والاستدلال لصالحه، من الضروري أن ننتبه، على سبيل المقدمة، إلى بضع نقاط.
3. المرحلتان المزدوجتان للاستنباط في النموذج التقليدي للاجتهاد
الطريقة الشائعة في الاستنباط الفقهي هي طريقة ذات مرحلتين. في المرحلة الأولى، يسعى الفقهاء إلى العثور على آية أو رواية معتبرة تزيل شكهم وتوضح حكم الموضوع. فإن كانت مثل هذه الآية أو الرواية متوفرة، يحق للفقيه/ يجب عليه أن يصدر الفتوى بناءً عليها. أما إن لم تكن مثل هذه الآية أو الرواية متوفرة، فإن الفقهاء مضطرون للانتقال إلى المرحلة الثانية. في هذه المرحلة، يحق للفقيه/ يجب عليه أن يصدر الفتوى بناءً على «الأصول العملية».
لكن، كما رأينا، فإن المشكلة التي يواجهها الفقه التقليدي في هذا الشأن هي أنه لتعيين الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)، لا تتوفر آية أو رواية، ولا يمكن التمسك بالأصول العملية. فمن جهة، نظراً لعدم وجود العلامات الطبيعية/ الجوية المذكورة في الآيات والروايات في هذه المنطقة، فإن هذه الآيات والروايات لا تحمل أي دلالة في هذا الشأن. ومن جهة أخرى، في هذه الحالة الخاصة، فإن التمسك بالأصول العملية أمر مستحيل.
4. طبيعة وجوب الصلاة والصوم ودوره في تعيين الأوقات الشرعية
إحدى الافتراضات المسبقة التي تحول دون فاعلية النموذج التقليدي للاجتهاد في الحل اللائق لمشكلة الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)، هي القول بـ«بساطة» وجوب الصلاة والصوم. لكن حتى لو تخلينا عن هذا القول وقبلنا بأن وجوب الصلاة والصوم «مركب»، فإن هذا الافتراض المسبق الجديد لن يتيح لنا سوى إمكانية إثبات أصل وجوب الصلاة والصوم في المنطقة (ج)، لكن مشكلة تعيين أوقات الصلاة والصوم ستبقى قائمة في مكانها. لحل هذه المشكلة، نحن مضطرون إلى إعادة النظر في النموذج القائم العاجز عن حلها، وإحلال نموذج جديد محله.
لذلك، فإن بساطة الوظيفة أو تركيبها تلعب دوراً مهماً هنا، رغم أنها ليست سوى جزء من المشكلة المطروحة، وأن حلها رهن بهذا الافتراض المسبق. إذا كان وجوب الصلاة والصوم «بسيطاً»، ففي هذه الحالة يكون الفقهاء مكلفين بالعمل بأصل البراءة، وبناءً عليه يفتون بعدم وجوب الصلاة والصوم في المنطقة (ج). لأنه في هذا الفرض، سيكون وجوب الصلاة ووجوب الصوم وظيفة بسيطة لها شروط، ونظراً لامتناع تحقق تلك الشروط في المنطقة (ج)، يجب أن نقول إن الآيات والروايات المعبرة عن هاتين الوظيفتين لا تشمل المسلمين القاطنين في هذه المنطقة.
من الواضح أنه إذا كان الوجوب المبحوث عنه بسيطاً، فحيث لا أثر لطلوع الفجر ولا لطلوع الشمس وغروبها، فإن الآيات والروايات التي قُيد فيها وجوب الصلاة والصوم بطلوع الفجر وطلوع الشمس وغروبها، لن تحمل أي دلالة على وجوب الصلاة والصوم. مثلاً، الآية التي تقول: «... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ...» (البقرة/ 187)، والتي تبين وقت بدء الصيام وانتهائه، لن تشمل سكان المنطقة (ج) نظراً لعدم تحقق هاتين الظاهرتين الطبيعيتين/ الجويتين فيها. لذلك، في المرحلة الأولى من طريقة الاستنباط الشائعة في الفقه، لا يمكن تعيين الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)، ويكون الفقيه مكلفاً بالانتقال إلى المرحلة الثانية ليرى ما يقتضيه الأصل العملي في هذه المسألة.
من بين الأصول العملية، يمكن تطبيق أصلي «البراءة» و«الاستصحاب» على هذه الحالة. فبعد سقوط هذين التكليفين البسيطين عن عاتق المسلمين المقيمين في المنطقة (ج)، نشك في ما إذا كان هؤلاء مكلفين بوظيفة أخرى مماثلة تطلب منهم أداء الصلاة والصيام دون تلك الشروط أم لا. هذا الشك هو شك في أصل وجود تكليف بسيط جديد، وفي حالات الشك في أصل التكليف، يكون أصل البراءة هو الحاكم. لكن إجراء أصل البراءة في هذه الحالة، والقول بأن الصلاة والصيام غير واجبين أصلاً على المسلمين المقيمين في المنطقة (ج)، يتنافى مع الأدلة الدالة على الأهمية الفائقة للصلاة والصيام، ومع قاعدة اشتراك المكلفين في الأحكام، ومع القاعدة العقلية/العقلائية «الميسور» التي سنتحدث عنها لاحقاً. لذلك، لا يمكن التمسك بأصل البراءة في هذه الحالة. كما أن سائر الأصول العملية الأخرى غير قابلة للتطبيق هنا، لأن موضوعها أو شرطها غير متحقق هنا، أو لأن نتيجتها، كأصل البراءة، وهي البراءة من التكليف، غير مقبولة. في الحقيقة، يمكن القول إن الأدلة الدالة على أهمية الصلاة والصيام تدفع الفقهاء إلى التخلي عن فرضية بساطة وجوب الصلاة والصيام والقبول بأن الوجوب في هذين التكليفين «مركب».
أما إذا قبل الفقيه بأن الوجوب الذي نتعامل معه في هذه الحالة مركب، بمعنى أن أصل وجوب الصلاة والصيام تكليف واحد، ووجوب أداء هذين التكليفين في أوقات محددة تكليف أو تكاليف أخرى، ففي هذه الحالة يمكنه الادعاء بأن الآيات والروايات المتعلقة بوجوب الصلاة تدل على تكليفين، لا على تكليف واحد، وأن الآيات والروايات المتعلقة بوجوب الصيام تدل على ثلاثة تكاليف، لا على تكليف واحد. وفيما يخص الصلاة، هذان التكليفان هما:
(1) أصل وجوب الصلاة، و
(2) وجوب الصلاة في أوقات محددة.
وفيما يخص الصيام، هذه التكاليف الثلاثة هي:
(1) أصل وجوب الصيام،
(2) وجوب بدء الصيام من طلوع الفجر، و
(3) وجوب استمرار الصيام حتى غروب الشمس.
في هذه الحالة، إذا أصبح امتثال التكليفين (2) و(3) غير ممكن لمجموعة من المسلمين، كالمقيمين في المنطقة (ج)، فإن أصل وجوب الصلاة والصيام (= التكليف (1)) سيبقى قائماً، لأن ذلك الجزء من الآيات والروايات الذي يدل على أصل وجوب هذين التكليفين سيشمل المقيمين في المنطقة (ج) أيضاً، وإن كان الجزء الآخر من هذه الآيات والروايات الذي يدل على وجوب الصلاة والصيام في أوقات معينة لا يشملهم. لكن في هذا الفرض، نضطر إلى تحديد الأوقات الشرعية للصلاة والصيام في المنطقة (ج) بمعايير لا ذكر لها في القرآن والسنة. وتحديد هذه المعايير يحتاج إلى تغيير وتعديل النموذج الفكري السائد في الاجتهاد.
لكن نتائج قبول هذه الفرضية المسبقة ـ أي كون وجوب الصلاة والصيام مركباً وقابلية انحلال هذه التكاليف إلى تكليفين أو ثلاثة تكاليف متميزة ـ لن تقتصر على المنطقة (ج)، بل ستترتب عليها نتائج بالغة الأهمية أيضاً في فهم «أوقات» و«كيفية» الصلاة والصيام في المنطقتين (أ) و(ب). لأنه لا يمكن القول إن وجوب الصلاة والصيام مركب في المنطقة (ج)، ولكنه بسيط في المنطقتين (أ) و(ب). وبالمثل، فإن نتائج الاعتراف بالنموذج الفكري الجديد لن تقتصر على مسألة تحديد الأوقات الشرعية بشكل عام أو مسألة تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) بشكل خاص.
5. بعض نتائج انحلال وجوب الصلاة والصيام
إذا انحل وجوب الصلاة إلى تكليفين متميزين ووجوب الصيام إلى ثلاثة تكاليف متميزة، فإن مثل هذا الانحلال سيترتب عليه منطقياً النتائج التالية:
(1) يجب تحديد أوقات الصلاة والصيام في المنطقة (ج) بناءً على معايير أخرى، غير طلوع الفجر وطلوع وغروب الشمس في الأفق المحلي.
(2) المعايير المذكورة في القرآن والروايات لتحديد الأوقات الشرعية ليست لها «موضوعية»، بل لها «طريقية»، وهي ليست «ذاتية» للشريعة، بل هي من «عَرَضياتها». ما له موضوعية في هذا الشأن هو (1) «الفاصل» بين هذه الأوقات و(2) «ارتباط» الصلاة والصيام بالنشاط النهاري والراحة الليلية؛ وهذا الفاصل والارتباط يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بفلسفة تشريع الصلاة والصيام. لذلك، فإن الأهداف الأخلاقية والروحية التي قصدها الشارع المقدس من تشريع الصلاة والصيام، ودورهما في البناء الأخلاقي والروحي، والتغيير الذي يُفترض أن يُحدثاه في كيفية الحياة من الناحية الأخلاقية والروحية، يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تحديد الأوقات المناسبة لهاتين العبادتين العظيمتين.
(3) أوقات الصلاة والصيام في المنطقة (أ) و(ب) يمكن/يجب تحديدها بناءً على معايير أخرى.
(4) إذا لم يستطع المكلف أن يصوم حتى غروب الشمس، فعليه أن يصوم بالمقدار الذي يستطيعه، ويكون صومه صحيحاً، بشرط أن يكون ذلك المقدار من الإمساك عن المفطرات الذي في وسعه مصداقاً عرفياً للصوم، وألا يقل من الناحية العرفية عن الحد الأدنى اللازم للصوم في يوم واحد (= الإمساك الأدنى). لأنه في هذه الفرضية، سيسقط عنه وجوب استمرار الصوم حتى غروب الشمس فحسب، ولكن سيبقى على عاتقه وجوبان آخران، هما (1) أصل وجوب الصوم و(2) وجوب البدء به من طلوع الفجر.
(5) إذا لم يستطع المكلف أن يبدأ صومه من طلوع الفجر، فعليه أن يبدأ من أي وقت يستطيعه، ويكون صومه صحيحاً، بشرط أن يكون ذلك المقدار من الإمساك عن المفطرات الذي في وسعه مصداقاً عرفياً للصوم، وألا يقل من الناحية العرفية عن الحد الأدنى اللازم للصوم في يوم واحد. لأنه في هذه الفرضية، سيسقط عنه وجوب البدء بالصوم من طلوع الفجر فحسب، ولكن سيبقى على عاتقه وجوبان آخران، هما (1) أصل وجوب الصوم و(2) وجوب الاستمرار به حتى المغرب.
(6) إذا لم يستطع المكلف أن يبدأ صومه من طلوع الفجر ويستمر به حتى غروب الشمس، فعليه أن يبدأ من أي وقت يستطيعه، ويستمر إلى أي وقت يستطيعه، بشرط أن تكون المدة الزمنية التي يكون فيها الإمساك عن المفطرات في وسعه مصداقاً عرفياً للصوم، وألا تقل من الناحية العرفية عن الحد الأدنى اللازم للصوم في يوم واحد. لأنه في هذه الفرضية، سيسقط عنه وجوب البدء بالصوم من طلوع الفجر ووجوب استمراره حتى المغرب فحسب، ولكن سيبقى أصل وجوب الصوم على عاتقه.
(7) بما أننا في مورد الصوم نتعامل مع ثلاثة تكاليف متميزة، لا مع تكليف بسيط واحد، ففي الحالات الثلاث المذكورة أعلاه، لن يرفع العسر والحرج والضرر جميع التكاليف الثلاثة عن عاتق المكلف، بل سيرفع عنه فحسب إما وجوب استمرار الصوم حتى المغرب (= النتيجة رقم (4))، أو وجوب البدء به من طلوع الفجر (= النتيجة رقم (5))، أو كليهما معاً (= النتيجة رقم (6)). ولكن في جميع الفرضيات الثلاث، سيبقى أصل وجوب الصوم على حاله، لأن أصل وجوب الصوم في هذه الفرضيات الثلاث لا يستلزم عسراً وحرجاً حتى يُرفع عن عاتق المكلف بسببهما.
(8) العسر والحرج يرفعان أصل وجوب الصوم عن عاتق المكلف عندما يكون الإمساك الأدنى مستلزماً للعسر والحرج بالنسبة له. والمقصود بالإمساك الأدنى هو الإمساك الذي يكون ما دونه من الناحية العرفية ليس مصداقاً للصوم في يوم واحد.
(9) ما دام أصل وجوب الصوم باقياً على عاتق المكلف، فإنه بامتثال هذا التكليف لا يجب عليه القضاء ولا الفدية.
(10) «المريض» و«المسافر» و«الذين لا يطيقون الصوم»، الذين ذُكروا في آيات القرآن كاستثناءات من وجوب الصوم في شهر رمضان، هم الأشخاص غير القادرين على الإمساك الأدنى. فليس كل مرض موجباً لسقوط الصوم، ولا كل سفر.
إن كون وجوب الصلاة والصوم مركباً له نتائج أخرى سنشير إليها في الأجزاء اللاحقة. ونكتفي هنا بشرح وتوضيح بعض النتائج المذكورة أعلاه.
6. تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (أ) و(ب) بناءً على النموذج الإرشادي الجديد
في الجزأين الأول والثاني من هذه السلسلة من المقالات، قمنا بدراسة النتيجة رقم (1). والآن نتناول النتائج اللاحقة. ليس ثمة شك في هذه الحقيقة التجريبية المتمثلة في أن غالبية المسلمين اليوم، حتى أولئك الذين يعيشون في مكة والمدينة، لا يستخدمون المشاهدة الحسية للعلامات الطبيعية/الجوية لتحديد أوقاتهم الشرعية. فمن جهة، أتاح تقدم العلوم التجريبية والتكنولوجيا القائمة على هذه العلوم للمسلمين إمكانية استخدام الحسابات الفلكية والرياضية والساعة في تحديد الأوقات الشرعية لصلاتهم وصيامهم، ومن هذا المنطلق استبدلوا معيارًا جديدًا بالمعايير المذكورة في القرآن والسنة. ومن جهة أخرى، أدى وجود موانع طبيعية، مثل الضوء الاصطناعي والمباني الشاهقة، إلى فقدان المعايير المذكورة في القرآن والسنة فعاليتها عمليًا حتى في مكة والمدينة؛ فقد سلب وجود الضوء الاصطناعي والمباني الشاهقة في المدن الكبرى المسلمينَ إمكانية مشاهدة الأفق وقت طلوع الفجر وتمييز بياض الصبح عن سواد الليل وطلوع الشمس وغروبها. هذه المعايير تكون فعالة في مجتمع بسيط يفتقر إلى الإمكانات الحديثة.
لكن الفقهاء لم يعترفوا بعد بهذا الاستبدال اعترافًا كاملًا، وإن كانوا لا يعارضونه. فالمهم من وجهة نظرهم هو أن يحصل المسلمون القاطنون في المنطقتين (أ) و(ب) على اطمئنان عرفي بالنسبة لطلوع الفجر، وطلوع الشمس وزوالها وغروبها، سواء حصل هذا الاطمئنان عن طريق المشاهدة الحسية بالعين المجردة، أم عن طريق الحسابات الفلكية والرياضية التي يجريها المنجمون. إن المعايير المذكورة في القرآن والسنة لتحديد الأوقات الشرعية هي حوادث تقع في الطبيعة في المنطقتين (أ) و(ب). وما له موضوعية هنا هو العلم بوقوع هذه الحوادث، لا طريق حصول هذا العلم.
ومع ذلك، يمكن أن نتساءل: لو افترضنا أن النبي الأكرم (ص) بُعث اليوم، فهل كان سيتم التأكيد في الوحي المنزَّل عليه على نفس هذه المعايير الواردة حاليًا في القرآن والسنة لتحديد الأوقات الشرعية، ولكن يُطلب من المسلمين أو يُسمح لهم بأن يترجموا هم بأنفسهم هذه المعايير إلى الساعة بالاعتماد على الحسابات الفلكية والرياضية، أم أن الشارع المقدس كان سيستبدل أساسًا وفي القرآن نفسه ساعاتٍ محددة من اليوم والليلة بالمعايير الطبيعية/الجوية المذكورة، ويرفع عن كاهل المسلمين عناء الحسابات الفلكية والرياضية؟
7. الأوقات الشرعية ومقتضيات الحياة اليومية في العالم الحديث
إن الفصل بين الذاتي والعرضي في الشريعة وضرورة الترجمة/التفسير الثقافي للنصوص الدينية يخبرنا بأن الشريعة التي بُنيت على اليسر والسهولة، ستكون معاييرها لتحديد الأوقات الشرعية على أكبر قدر من التلاؤم والانسجام وأقل قدر من الاحتكاك والتنافر مع المعايير التي يستخدمها الناس لتحديد أوقاتهم العرفية. إذا كانت الحياة اليومية للبشر في العالم الجديد، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، تدور على مدار الساعة، لا على مدار طلوع الفجر وطلوع الشمس وغروبها، فلماذا ينبغي أن تدور حياتهم الدينية على مدار آخر وتنتظم وفق معيار آخر؟
في الحقيقة، الادعاء هو أن ذكر المعايير الطبيعية/الجوية المذكورة في القرآن والسنة لم يكن لأن هذه المعايير لها «موضوعية»/«تعبّدية»، وتكمن خلفها حكمة غيبية وأخروية، بل لأن هذه المعايير كانت أفضل وأبسط المعايير المتاحة في زمن نزول القرآن وقرونًا بعد ذلك. وبالطبع، فإن احتمال وجود مناط غيبي وأخروي قائم دائمًا، وخلافًا لادعاء بعض المجددين الدينيين، فإن هذا الاحتمال لا يختص بباب العبادات، بل هو موجود في باب المعاملات أيضًا، لكن مجرد هذا الاحتمال لا يكفي لتبرير التفسير التقليدي والحرفي للآيات والروايات ذات الصلة وقبوله وترجيحه على التفسير الثقافي لهذه الآيات والروايات. وكذلك، وكما سنرى قريبًا، فإن الفصل بين باب المعاملات وباب العبادات لا يمكن تبريره من هذه الناحية.
في النموذج السائد في الفقه التقليدي تُسمّى هذه الاعتبارات «الاستحسان». والاستحسان هو نوع من الدليل/ الاستدلال العقلي/ التجريبي الظنّي الذي لا حجية له بسبب ظنيته، ويُعتبر العمل به حراماً. لكننا أوضحنا سابقاً أن الفقهاء الذين يجتهدون في ظل هذا النموذج يضطرون، من أجل تحديد الأوقات الشرعية في المنطقة (ج)، إلى نقض هذا النموذج والاعتراف بحجية الأدلة العقلية والتجريبية الظنية. ناهيك عن أن عموم المسلمين القاطنين في المنطقتين (أ) و(ب) يعتمدون على الساعة لتحديد أوقاتهم الشرعية، حتى لو لم يحصلوا بذلك على العلم والاطمئنان.
كذلك فإن السؤال عن حجية نوع معين من الدليل أو عدم حجيته هو سؤال معرفي (إبستمولوجي) وليس سؤالاً فقهياً، وبالتالي فإن الحديث عن الحرمة أو الجواز الشرعي في هذا المقام لا معنى له.[1] وبتعبير آخر، عندما يحين وقت العمل بالأدلة الظنية، لا يوجد من وجهة نظر العقل والعقلاء فرق بين «الأدلة العقلية والتجريبية» و«الأدلة النقلية» يبرر التمييز المعرفي بين هذه الأدلة. ولأن حكم العقل أو تواضع العقلاء في هذا الشأن قائم على معيار عام موجود في الأدلة الظنية النقلية كما هو موجود في الأدلة الظنية العقلية والتجريبية، ـ وهذا المعيار هو الأقربية إلى الواقع/ وكون احتمال الصدق أرجح من احتمال الكذب ـ فإن الشارع المقدس لا يمكنه أن يتجاهل هذا المعيار العام المشترك فيعترف بحجية الأدلة النقلية وينفي حجية الأدلة العقلية والتجريبية.
8. حكمة الله وعقلانيته ودورهما في استنباط الأحكام الشرعية
ناهيك عن أنه يمكن الادعاء بوجود أدلة نقلية أيضاً لصالح الدعوى المبحوثة، ومن جملتها الأدلة التي تؤكد على أن الشريعة سهلة سمحة، والآيات والروايات التي تشير إلى الحكمة بوصفها إحدى صفات الله. من يعتقد بأن «الله حكيم» يضطر إلى الاعتراف بالحكمة بوصفها «إطار» الشريعة في اللوح المحفوظ. فالله الحكيم حكيم في التكوين كما هو حكيم في التشريع. ومن يعترف بهذا الإطار يضطر إلى قبول نتيجته المعرفية. «الشريعة في إطار الحكمة» تستلزم «الفقه في إطار الحكمة». وهذه النتيجة هي: «قابلية تفاسير الفقهاء للنصوص الدينية للإبطال في ضوء الحكمة». إذا كان الشارع حكيماً، فإن الفقيه الذي يريد اكتشاف حكم هذا الشارع يجب أن يكون حكيماً أيضاً. وإلا فسيخطئ في اكتشاف وفهم حكم الشارع الحكيم. ومعنى هذا الكلام أنه إذا كان تفسير ما للنصوص الدينية والفتوى المبنية عليه غير منسجمين مع حكمة الله، فإن عدم الانسجام هذا يكفي لبطلان ذلك التفسير وتلك الفتوى وعدم اعتبارهما. إن الوظيفة المعرفية والأخلاقية للفقهاء تقتضي أن يزنوا فهمهم للقرآن والروايات وفتاواهم المبنية على هذه الأفهام بميزان الحكمة والعقلانية ويوازنوها.
في النموذج السائد للاستنباط في الفقه التقليدي، يُعترف بأصل هذا الاستدلال. لكن اعتبار نتيجته يُحصر في الحالات التي نملك فيها «قطعاً» و«يقيناً» بعدم انسجام تفسير ما والفتوى المبنية عليه مع حكمة الله. وحيث إن مجرد الاحتمال العقلي المنافس، مهما كان ضعيفاً، يمنع من حصول القطع واليقين بالنتيجة، فإن هذا الاستدلال سيفقد عملياً فعاليته ولن يكون له أي تطبيق في الاستنباط الفقهي.
فمثلاً في ما نحن فيه يُقال إنه ربما توجد حكمة غيبية وأخروية تقتضي أن تُحدد الأوقات الشرعية دائماً بناءً على المعايير الطبيعية/ الجوية الموجودة في القرآن والسنة، لا بناءً على معيار مصطنع وتواضعي كالساعة، ومجرد هذا الاحتمال كفيل بإبطال هذا الاستدلال القائل بأن حكمة الله تقتضي أن تُحدد الأوقات الشرعية في العالم الجديد من الأساس بناءً على الساعة.
لكن النموذج الجديد الذي شُرح وبُسط في القسم السابق من هذه السلسلة من المقالات يقول: في مسألة انسجام تفسير معين للنصوص الدينية، والفتوى المبنية عليه، أو عدم انسجامه مع حكمة الله وعقلانيته، يكفي مجرد الظن الأقوى ولا حاجة إلى حصول القطع واليقين.
وسبب ذلك هو أننا حين يكون ذلك التفسير والفتوى المبنية عليه قائمَيْن، في أفضل الأحوال، على دليل/أدلة ظنية، فلماذا ينبغي لنا أن نطالب بالقطع واليقين لإبطالهما/العدول عنهما؟ ولماذا لا يكفي مجرد وجود دليل ظني أقوى ضد ذلك التفسير وتلك الفتوى في هذه الحالة؟ يقول النموذج التقليدي في الاجتهاد: إذا كان الدليل الظني الأقوى نقلياً، فمن حقنا أن نعدل استناداً إليه عن الدليل الظني الأضعف. أما إذا كان عقلياً أو تجريبياً، فليس لنا الحق في ذلك. في حين أن هذا التمييز المعرفي بين الأدلة الظنية النقلية والأدلة الظنية العقلية والتجريبية لا يتسق مع حكم العقل في نظرية المعرفة (= الحدوس المعرفية)، ولا مع العقد الاجتماعي للعقلاء وسلوكهم في حياتهم اليومية.
9. ضرورة استبدال معيار تحديد الأوقات الشرعية بمعيار جديد
وعلى هذا الأساس، يمكن الادعاء بأن النبي الأكرم (ص) لو بُعث نبياً اليوم، لأرشد المسلمين إلى معيار آخر لتحديد الأوقات الشرعية، ألا وهو معيار «الساعة».[2] ذلك لأن تنظيم الأوقات في الحياة اليومية، حتى في مكة والمدينة، يتم اليوم باستخدام الساعة. ولهذا المعيار ميزة إضافية، وهي أنه متاح وسهل الاتباع في جميع المناطق الثلاث (أ) و(ب) و(ج). والواقع أن من يقبل هذا المعيار، فإن الفصل بين هذه المناطق الثلاث يفقد ضرورته وصلته بالموضوع أيضاً. ولكن لاستخدام هذا المعيار، ينبغي مراعاة الفارق بين الأوقات الشرعية في مكة أو المدينة، لأن لهذا الفارق موضوعية.
ومعنى هذا الكلام أنه بدلاً من أن يقوم المكلفون والمقلدون، مقام العمل بالأوامر الدينية، باستبدال معايير أخرى بالمعايير المذكورة في القرآن والسنة، فإن الفقهاء مكلفون، عنايةً بمقتضيات الحياة اليومية واختلاف «السياق»[3] العرفي الذي نعيش فيه عن السياق العرفي الذي نزل فيه القرآن وصدرت فيه الروايات، بأن يترجموا/يفسروا النصوص الدينية ذات الصلة ترجمةً/تفسيراً ثقافياً.
هذه النقطة مقبولة لدى جمهور الفقهاء التقليديين، وهي أن الدين والشريعة السماويين المقدسين يضطران إلى استعارة «لغة» المخاطبين الأولين منهم، وعرض تعاليمهما النظرية والعملية على مخاطبيهما في قالب هذه اللغة. والواقع أنه بسبب قبول هذه المفترضة المسبقة، فإن معرفة اللغة العرفية السائدة في عصر النزول تشكل ركناً أساسياً في الاستنباط الفقهي من القرآن والسنة.
لكن الفقهاء التقليديين لا يعترفون بهذه النقطة، وهي أن الدين والشريعة السماويين المقدسين، إضافة إلى استعارتهما «للغة» المخاطبين الأولين، يضطران أيضاً إلى استعارة «الثقافة» و«التاريخ» و«الجغرافيا»، ومن جملتها المعايير التي كانوا يستخدمونها في تنظيم أوقاتهم وتسيير حياتهم اليومية، منهم.
لم يكن طلوع الفجر، وطلوع الشمس وزوالها وغروبها معايير جديدة كلياً وغير مألوفة اخترعها الشارع المقدس من عنده وأتى بها، بل كانت معايير معروفة ومتاحة عاش بها الناس آنذاك، وكانوا ينظمون على أساسها حياتهم اليومية ونومهم ويقظتهم ونشاطهم وراحتهم. وكان هذا هو المعيار الوحيد والأمثل المتاح زمن نزول الوحي ولقرون تلت. أما الآن، وحيث أن هذه المعايير ليست متاحة بسهولة، وحياة عامة الناس اليومية لم تعد تدور في فلكها، ويتوفر معيار آخر يستفيد منه الجميع لمعرفة الأوقات وتنظيمها وتسيير حياتهم، فلماذا لا يغير الشارع المقدس رأيه؟ الشارع المقدس ليس مقدساً فحسب، بل هو حكيم وعاقل أيضاً. فأي دليل حكيم لدى هذا الشارع لأن لا يستبدل عَرَضيات شريعته التي استعارها من مخاطبيه الأولين بالعرضيات التي يعيش بها مخاطبوه الحاليون؟ وأي دليل بيد هذا الشارع ليضفي على تلك العرضيات قداسةً وخلوداً ويفرضها على أناس لا يتعاملون معها في حياتهم اليومية؟
10. لماذا تُعد الأوقات الشرعية من عرضيات الشريعة لا من ذاتياتها؟
إن استعارة الشارع المقدس للأمور العرفية لا تجعل تلك الأمور العرفية مقدسة، وهذه القاعدة تنطبق على الأوقات العرفية أيضاً. وكما أن اللغة العربية ليست مقدسة وكان يمكن أن تحل محلها لغة أخرى، فإن ثقافة مكة والمدينة وتاريخهما وجغرافيتهما ليست مقدسة أيضاً وكان يمكن أن تحل محلها ثقافة وتاريخ وجغرافية أخرى (شرف المكان بالمكين). إن ثبات الشريعة وخلودها إنما هو بثبات ذاتياتها وخلودها، لا بثبات وخلود الأمور التي استعارها الشارع المقدس من مخاطبيه الأولين. إن القشرية تؤدي إلى السلفية.
وللتصديق على هذه النقطة يكفي أن نفترض أن النبي الأكرم (ص) كان يعيش في الزمان نفسه، لكن مكان سكناه لم يكن مكة والمدينة، بل القطب الشمالي. في هذا الفرض، كانت لغة القرآن ستتغير، وكذلك الثقافة التي تحملها هذه اللغة، ومعيار تحديد الأوقات الشرعية. لكن جوهر/ ذاتيات دين الإسلام كانت لتبقى على حالها. لو كان النبي الأكرم ساكناً في القطب الشمالي، لبقيت الصلاة والصيام على حالهما، لكن لم يكن من الممكن أن يعرّف الله طلوع الفجر وطلوع الشمس وغروبها كأوقات شرعية له ومن خلاله لسائر الناس. والآن وقد عرّف هذه المعايير، فلا ينبغي اعتبارها من ذاتيات شريعته، لا سيما مع الانتباه إلى هذه الحقيقة التجريبية الملموسة بأن مقتضيات الحياة في العالم الحديث قد أرغمت أكثر المسلمين على التخلي عملياً عن هذه المعايير، والعمل وفق معايير أخرى.[4]
وعلى هذا الأساس يمكن الادعاء بأن ما له موضوعية ومطلوبية هو «طول» الصيام و«الفاصل الزمني» بين الصلوات اليومية، لا المعايير المذكورة في القرآن والسنة لتشخيص هذا الطول والفاصل الزمني. وكما رأينا في الأقسام السابقة، فإن بعض الفقهاء التقليديين يعترفون بهذا الادعاء بالنسبة للمنطقة (ج)، ويحددون الأوقات الشرعية في المنطقة (ج) بناءً على طول الفاصل الزمني بين الأوقات الشرعية في مكة والمدينة. لكنهم لا يقبلون اعتبار هذا المعيار وقابليته للتطبيق على المنطقة (أ) و(ب).
إن المعايير المذكورة في القرآن والسنة لتحديد الأوقات الشرعية لها ثلاث خصائص: الأولى أنها كانت في زمن نزول القرآن ولقرون بعده في «متناول» عموم المسلمين بسهولة. الثانية أن هذه المعايير كانت «متعارفاً عليها»، ولم يكن اتباعها يفرض مشقة على المسلمين الأوائل، والثالثة أن حياتهم اليومية كانت تدور في فلك هذه المعايير ذاتها، ولم يكن اتباعها يعطل الحياة اليومية للمسلمين ولا يخلط أوقات عملهم وراحتهم ونومهم ويقظتهم. كان نمط الحياة الديني في انسجام تام مع نمط الحياة العرفي الذي كانت تفرضه عليهم طبيعة وجغرافية مكان نزول الوحي. إن تأكيد القرآن المتواصل، ومنه في الآيات الناظرة إلى وجوب الصيام، على أن الله لا يريد لكم العسر ويريد بكم اليسر، يعني بالضبط أن التوافق والتطبيق بين هذين النمطين من الحياة هو حد أقصى، لا حد أدنى. ويمكن للمسلمين أن يتبعوا أوامر دينهم بسهولة مع أقل تغيير لازم في نمط حياتهم اليومية. إن سهولة الدين هي بسهولة اتباع أوامره.
إذا قيل للمسلمين في ذلك الزمان إن وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فبالنظر إلى أن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية اليومية كانت تبدأ أيضاً في هذه الساعات ذاتها، وأن مواعيد الناس واتفاقاتهم لإنجاز الأعمال الجماعية كانت تنظم على هذا الأساس أيضاً. وإذا قيل لهم صوموا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فبالنظر إلى أن طول النهار في تلك المنطقة كان «متعارفاً» ويمكن التغاضي عن اختلافه مع طول الليل من الناحية العرفية، وأن مثل هذا الصيام لا يستلزم عسراً وحرجاً لعموم الناس. وإلا لكان المسلمون قد قاموا باعتراض أو عصيان مدني، أو كما يقول القرآن، لخانوا أنفسهم، ولخفف الله عنهم. أليس الله الذي، بسبب تخلف بعض المسلمين وعدم امتناعهم عن الجماع في شهر رمضان، مستعد لأن يغفر لهم ويحل الجماع طوال الليل، الذي كان ممنوعاً/ حراماً من قبل،[5] مستعداً أن يخفف من طول الصيام في الأيام الطوال الصيفية بسبب شدة الحر، كي لا يترك خلق كثير من الصائمين الصيام بالمرة وينضموا إلى صفوف المفطرين؟
11. اختلاف نمط الحياة الحوزوي عن نمط حياة الناس العاديين ودوره في استنباط الأحكام الشرعية
أحد الفروق المهمة بين نمط حياة رجال الدين ونمط حياة عامة الناس، والذي أعتقد أنه يمكن تتبع أثره في فهم النصوص الدينية وتفسيرها، هو أن نمط حياة رجال الدين «مرن» ويتبع نظاماً «تلقائياً» و«متغيراً». أولاً، الحوزات العلمية معطلة في شهر رمضان، ويسافر الطلاب والأساتذة إما للتبليغ وإما للراحة وقضاء العطلة في مناطق ذات طقس لطيف، مثل مشهد ودموند وخونسار وكلبايكان، أو إلى مدنهم وديارهم. أما الذين يبقون في قم ويرغبون في مواصلة الدرس والبحث فينقلون ساعات عملهم من النهار إلى الليل وبعد الإفطار، وينقلون ساعات نومهم وراحتهم إلى النهار.[6]
على عكس الحياة اليومية لعامة الناس، فإن الحياة اليومية وساعات العمل لدى طلاب وأساتذة الحوزة تُضبط عادةً بناءً على الأوقات الشرعية. فعلى سبيل المثال، تُضبط ساعة بدء الدروس والمناقشات وانتهائها بحيث لا تتعارض مع أوقات فضيلة الصلوات اليومية. ولهذا السبب لا يرضى بعض العلماء عن تغيير الساعة الشتوية إلى الساعة الصيفية الذي يُجرى بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، ولا يعترفون به.[7] وعند تحديد ساعة بدء الدروس تُستخدم تعابير مثل «بعد ساعة من شروق الشمس»، أو «قبل ساعة من الظهر الشرعي» أو «قبل ساعة من المغرب». ومن الطبيعي أن يظن الذين يعيشون نمط حياة مرناً كهذا، دون وعي، أن الآخرين يمكنهم أيضاً أن يعيشوا بالنمط نفسه، أي أن عامة الناس قادرون أيضاً على ضبط حياتهم العرفية بناءً على الأوقات الشرعية أو نقل نشاطهم اليومي إلى الليل في شهر رمضان. في حين أن تعميم نمط الحياة هذا على المجتمع بأسره سيؤدي إلى الفوضى والاختلال في نظام الأمور.
ولهذا السبب وأسباب مشابهة، تبدو فتوى الفقهاء أحياناً غير معقولة وغير مقبولة في نظر عامة الناس. هل من المعقول أن يفتي فقيه بأن: «من لا يستطيعون الصيام لمدة 18 ساعة، لا يجب عليهم الصوم، ولكن يجب عليهم قضاؤه». ثم يضيف: «برأيي أن مثل هذا الصوم يستلزم العسر والحرج الشديدين لعامة الناس».[8] أي شارع حكيم هذا الذي يضع، بحكمه الأولي، تكليفاً على عاتق جماعة، ثم يضطر بعد ذلك أن يرفعه، بحكمه الثانوي، عن عاتق عمومهم؟ «أين تذهبون؟» و«ما لكم كيف تحكمون؟». هل لو كنتم أنتم المشرّعين لكنتم ترضون أن ينسب إليكم أحد حكماً كهذا تنسبونه أنتم إلى الشارع المقدس؟
لماذا بدلاً من أن نقول: «إذا كنتم لا تستطيعون الصيام لمدة 18 ساعة في أيام الصيف الحارة، فصوموا 9 ساعات في أيام الشتاء الباردة، حتى لو لم يفرض عليكم هذا الصوم أي رياضة، ولم يحمل أي ثمرة معنوية وأخلاقية»، لا نقول: «إذا كنتم لا تستطيعون الصيام لمدة 18 ساعة في أيام الصيف الحارة، ولكنكم تستطيعون الصيام لمدة 12 ساعة، فصوموا ولا تحرموا أنفسكم من فضيلة وبركات الصوم المعنوية والأخلاقية في شهر رمضان؟».
وفيما يتعلق بأوقات الصلاة، فالمشكلة الموجودة هي أنها لا تتوافق ولا تتناغم مع ساعات النوم واليقظة والحياة اليومية في العالم الحديث. الآن تفوت صلاة الصبح كثيراً من المسلمين ولا يقضيها أحد. لماذا بدلاً من أن نصدر فتوى لا يتبعها عملياً خلق كثير من المكلفين وتفوتهم صلاتهم، ونحسب ذلك على ضعف إيمانهم والتزامهم الديني، لا نأخذ بنظر الاعتبار منذ البداية نمط الحياة اليومية لأتباعنا ونقول لهم: «أنتم الذين تنهضون من النوم الساعة 7 صباحاً وتذهبون إلى العمل الساعة 8 صباحاً، صلوا صلاتكم في هذه الفترة الزمنية نفسها»، بدلاً من أن نقول لهم: «انهضوا من النوم بين الساعة 4 و5 صباحاً وصلوا صلاتكم وأنتم ناعسون ثم عودوا إلى النوم، وإن لم تستيقظوا للصلاة فلا بأس، فلديكم حتى آخر العمر وقت لتقضوا صلاتكم». هذا هو لف اللقمة حول الرأس، ومن المستبعد أن يصدر مثل هذا الحكم عن الشارع الحكيم.
12. علاقة نمط الحياة الديني والروحي بنمط الحياة اليومي وانفصال الفقه عن الأخلاق والروحانية
ينبغي لنمط الحياة الديني والروحي أن يكون في أقصى درجات التلاؤم والانسجام مع مقتضيات الحياة اليومية للأفراد، كي لا يؤدي التصادم بينهما إلى نفور الناس من الدين والروحانية. صلاة الفجر غايتها أن تصون المصلين من الفساد والرذيلة حتى الصلاة التالية، وتصدهم عن ترك المعروف وارتكاب المنكر، وتديم حضور الله في أذهانهم وضمائرهم وحياتهم. إن النظرة الحقوقية البحتة إلى الآداب والمناسك الدينية تفرغ هذه الأمور من محتواها الروحي والأخلاقي، وتقيم قشر الدين مقام لبه. انفصال الفقه عن العرفان والأخلاق كارثة. ومن دواعي الأسف الشديد أن كثيرًا من الفقهاء هم أعداء للعرفان، وهم في الوقت ذاته يختزلون الأخلاق في المستحبات والمكروهات. والقلة القليلة منهم ممن يألفون العرفان والأخلاق ويأنسون بهما، يقيمون بين الفقه والعرفان والأخلاق جدارًا لا يُخترق. وهؤلاء أيضًا حين يدخلون ميدان الفقه ويشتغلون باستنباط الأحكام الشرعية، يتجاهلون الاعتبارات الروحية والأخلاقية، ويولون شكل الأعمال وصورتها وظاهرها أهمية تفوق مضمونها وباطنها. انفصال الفقه عن الأخلاق هو ما يمنح الفقهاء الرخصة لتعليم المسلمين في رسائلهم العملية أو مواقعهم الإلكترونية «السفر بقصد الفرار من الصوم».
إن الجمود على القشور والنزعة الإخبارية والنظر إلى الظواهر في تفسير النصوص الدينية، والإصرار على التفسير الحرفي للنصوص الدينية، وفصل «أحكام الشريعة» عن «مقاصد الشريعة»، وعدم الالتفات إلى التزايد المطرد في أعداد المسلمين الذين لا يصومون ولا يصلون، وجهل الفقهاء بمقتضيات الحياة في العالم الحديث واختلافها عن العالم ما قبل الحديث، كل ذلك يؤدي بهؤلاء إلى الإصرار على فهمهم التقليدي للنصوص الدينية، وإرجاع نفور الناس من الدين إلى ما يسمونه الغزو الثقافي للأعداء ومساعي المفكرين المسلمين الجدد.
في حين أن التبيين الصحيح يظهر أن أحد أسباب نفور الناس من الدين، على الأقل، هو أن اتباع الأوامر الدينية بالأسلوب التقليدي يعطل حياتهم اليومية. فأي معنى لأن يُنصح عامل المخبز أو سائق التاكسي أو الفلاح الذي يضطر للعمل في شهر رمضان لكسب قوته، بأن يستخدم إجازته في شهر رمضان إن استطاع، أو أن يسافر، أو أن يغير مهنته، ليتمكن من الصيام؟ لنفترض أن هؤلاء الأشخاص أخذوا إجازة أو سافروا أو غيروا مهنهم. ألا ينبغي لشخص آخر أن يملأ الفراغ الذي تركه هؤلاء؟ وهل وضع هذا الشخص الجديد أفضل من الوضع السابق؟ وهل يمكن إسداء النصيحة ذاتها إليه؟ أليس من الأفضل للفقهاء، بدلًا من البحث عن مثل هذه الحيل الشرعية/الحيَل الحقوقية غير العملية، أن يقضوا يومًا واحدًا من عمرهم إلى جانب ذلك الخباز أو سائق التاكسي أو الفلاح، أو إن كانوا يرون ذلك خلاف المروءة، أن يستخدموا على الأقل قوة مخيلتهم ويفترضوا أنفسهم مكان هؤلاء الأشخاص، ثم يسعوا في ضوء هذه التجربة والذهنية إلى تفسير القرآن والروايات؟ ينبغي لمرجع تقليد الخبازين إما أن يكون خبازًا هو نفسه، وإما أن يكون قد مر بتجربة حقيقية أو متخيلة لهذا العمل. هل كان الإله الرحيم الحكيم العاقل، الذي لا يريد أن يشق على الناس في دينه، يراعي فقط أحوال مسلمي صدر الإسلام، وهل كانت رحمته وحكمته وعقلانيته تشملهم وحدهم؟
13. شأن الفقهاء هو كشف الأحكام الشرعية، لا جعل الأحكام الشرعية
صحيح أن عمل الفقهاء هو «كشف» الحكم الشرعي، لا «جعله»، لكن طريقة كشف الحكم الشرعي تُستعار من عقلاء العالم، وطريقة كشف سيرة العقلاء غير طريقة كشف الحكم الشرعي وهي مقدمة عليها. وصحيح أيضًا أن العبادات توقيفية وتعبدية، لكن طريق معرفة العبادات وطريقة كشف حدودها وثغورها وشروطها ليس تعبديًا. الكلام هو أن العبادات، مع كونها توقيفية وتعبدية، لها إطار عقلاني ومضمون روحي، ولكل عبادة ذاتيات وعرضيات. وهذه العرضيات ليست توقيفية ولا تعبدية، بل هي مستعارة من ثقافة وطبيعة وتاريخ وجغرافيا محل نزول الوحي.
لذا، فإن الفقهاء في مقام استنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات وشروطها وحدودها وثغورها مكلفون بأن يأخذوا بعين الاعتبار أيّاً من هذه الشروط والحدود والثغور «ذاتي» وأيّاً منها «عرضي» و«محلي». فانعدام طلوع الفجر وطلوع الشمس وغروبها في المنطقة (ج)، وكون طول النهار غير مألوف في المنطقة (ب)، وما يترتب على ذلك من كون الصوم حرجياً وعسيراً في أيام الصيف الطوال بالنسبة لعموم سكان هذه المنطقة، وعدم انسجام هذا المعيار مع المعيار الذي ينظم عليه عموم البشر حياتهم اليومية في العالم الحديث، كلها أدلة تجريبية وعقلية قوية لصالح الدعوى القائلة بأن هذه العلامات الطبيعية هي من عرضيات الصلاة والصوم، لا من ذاتيات هاتين العبادتين. ولكن لكي نتمكن، استناداً إلى هذه الأدلة التجريبية والعقلية، من رفع اليد عن ظاهر الآيات والروايات، نحن بحاجة إلى مراجعة البراديغم السائد في الاجتهاد الفقهي. فهذا البراديغم لا يمتلك القدرة اللازمة لأخذ هذه الاعتبارات في الحسبان، ولا يضع تحت تصرفنا أساساً عقلانياً ومنهجياً لحل تحديات العصر الجديد والمسائل المستحدثة.
لقد قال الدكتور كديور في إحدى محاضراته الأخيرة: "العبادات والمناسك توقيفية وتعبدية. توقيفية بمعنى أن أصل تشريعها وتعريف حدودها وثغورها وشروط قبولها متوقف على إرادة الشارع. والشارع هو الله ورسوله. فليس للفقيه ولا للعارف ولا للمتكلم ولا للحكيم ولا لعالم الأخلاق، وبشكل عام ليس لعالم الدين، حق جعل العبادة."[9]
هذه التصريحات قابلة لسوء الفهم، وهي كلمة حق قد يُراد بها معنى باطل. صحيح أن الشارع هو الله ورسوله، لكن الله ورسوله «حكيمان» و«عاقلان» أيضاً، والحكمة والعقلانية هما «الإطار» لتشريعاتهما. فإذا كانت هذه الفرضية المسبقة صحيحة، وهي كذلك، فإن معناها هو تقدم الحكمة والعقلانية على الدين/الشريعة، وبالتالي تقدم العرفان والأخلاق والفلسفة على الفقه وعلم الدين/علم الشريعة. وهذا التقدم هو بالطبع تقدم «معرفي»، ويعني أنه في الاستنباط الفقهي، وفي مقام استكشاف الأحكام الشرعية، سواء كانت أحكاماً عبادية أم غير عبادية، تلعب الحكمة والعقلانية دوراً «إبطالياً».
وبتعبير آخر، إذا كان الله ورسوله حكيمين وعارفين وأخلاقيين وروحانيين، فإن الفقيه الذي يريد استكشاف حكم شارع بهذه الخصائص يجب أن يكون هو الآخر حكيماً وعارفاً وأخلاقياً وروحانياً، وأن يستفيد من الحكمة والعرفان والأخلاق والروحانية في فقهه لتصحيح فهمه واستنباطاته من النصوص الدينية. فالحكمة والعرفان والأخلاق والروحانية لا تنفع فقط في «جعل» الأحكام الشرعية، بل هي أيضاً عون ومرشد في مقام «استكشاف» هذه الأحكام.
الحكمة والعقلانية تخبراننا بأن العبادات الدينية كالصلاة والصوم، شأنها شأن سائر أجزاء الدين، لها ذاتيات وعرضيات، ولما كان الأمر كذلك، فإن الفقهاء بحاجة إلى براديغم يساعدهم في تمييز الذاتيات عن العرضيات. فالبراديغم القائم لا يعترف بفصل الذاتيات عن العرضيات في الشريعة، ولا يضع تحت تصرف الفقهاء منهجاً لاستكشاف العرضيات وفصلها عن الذاتيات.
14. ضرورة الفصل بين الإسلام التاريخي والإسلام الروحاني في باب العبادات وكيفيته
يفصل الدكتور كديور في باب المعاملات «الإسلام الروحاني» عن «الإسلام التاريخي»، لكنه لا يعترف بمثل هذا الفصل في باب العبادات، ويرى أن العبادات وشروطها وحدودها وثغورها هي من صميم النواة الصلبة للتدين.[10] ولكننا نرى أنه لا فرق من هذه الناحية بين العبادات والمعاملات. ففي كلتا الحالتين نحن أمام مزيج من الأحكام التأسيسية والإمضائية، والدائمة والمؤقتة، والمطلقة و«السياقية».[11] والبراديغم السائد في الاجتهاد لا يعترف مطلقاً بمثل هذه الفصول، لا في باب العبادات ولا في باب المعاملات.
لحل هذه المعضلة يوجد حلان.
(1) الحل الأول، الذي يؤيده الدكتور كديور، هو الحفاظ على البراديغم التقليدي وادعاء القطع واليقين بالنسبة لعرضية/تاريخية العرضيات/الأمور التاريخية، ويبدو أن مثل هذا القطع واليقين من وجهة نظره متاح فقط في باب المعاملات. فالبراديغم التقليدي يسمح للفقهاء برفع اليد عن ظاهر الأدلة النقلية في حال حصول القطع واليقين. ولكننا نرى أن ادعاء القطع واليقين في هذه الموارد هو ادعاء لا سند له، لأن الأدلة الموجودة لصالح حقوق الإنسان والديمقراطية وأمثال هذه الأمور لا تفيد القطع واليقين.
(2) الحل الثاني هو الحل الذي يقترحه الكاتب، ويتمثل في مراجعة النموذج التقليدي والاعتراف بحجية الظنون العقلية والتجريبية / الأدلة الظنية العقلية والتجريبية. من الواضح أن هذه الأدلة ليست مقصورة على باب المعاملات، بل هي متاحة وقابلة للاستناد إليها في باب العبادات أيضاً. ليس للنموذج التقليدي للاجتهاد أي قداسة أو أصالة. هذا النموذج ليس جزءاً من الدين، بل هو طريق لمعرفة الدين. هذا النموذج هو في الحقيقة إعادة بناء وصياغة لسلوك العقلاء في حياتهم اليومية من قبل الفقهاء بناءً على فهمهم وتصورهم لسلوك العقلاء، ثم تطبيق ذلك على مجال الدين والشريعة. ونحن نعتقد أن الفقهاء قد أخطأوا في إعادة البناء والصياغة والفهم والتصور هذه، وهذا الخطأ هو منبع إخفاق النموذج القائم في الاجتهاد وعدم كفاءته في الإجابة عن الأسئلة العملية للمسلمين في العالم الجديد.[12]
وَالحَمدُ للّهِ اَوَّلاً و آخِراً
يتبع
.
.
[1]. انظر في هذا الشأن: أخلاق الدينشناسي.
[2]. المقصود بالساعة هنا هو الساعة كمعيار مستقل، وليس الساعة كمعادل لطلوع الفجر، وشروق الشمس وزوالها وغروبها.
[3]. context
[4]. قد يقول قائل إن المسلمين لم يتخلوا عن هذه المعايير، بل استبدلوا بالطريقة السابقة طريقة جديدة فقط في مقام تشخيص هذه المعايير وإحرازها. والجواب هو: أولاً، كما رأينا، في المنطقة (ج) هذه المعايير نفسها، بغض النظر عن طريقة تشخيصها، ليست في المتناول، والمسلمون المقيمون في هذه المنطقة مضطرون للتخلي عن هذه المعايير. ثانياً، إذا كان الأمر يدور مدار الجمود على الظواهر، فلماذا لا نقول إن طريقة تشخيص هذه المعايير، أي المشاهدة الحسية المباشرة وبالعين المجردة، لها موضوعية أيضاً، كما يقول بعض الفقهاء في شأن إثبات هلال الشهر، حيث يرون أن هلال الشهر الجديد لا يثبت إلا إذا شوهد بالعين المجردة. وبتعبير آخر، صحيح أن ما ورد في النصوص الدينية هو طلوع الفجر نفسه، لا طريق اكتشافه، لكن في مثل هذه الحالات لا يمكن التمسك بالإطلاق الظاهري لكلام الشارع، لأن الشارع المقدس لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة، ولم يكن لدى المخاطبين تصور عن الطرق الأخرى التي ظهرت لاحقاً لاكتشاف طلوع الفجر. وعليه، فإن الظرف والسياق الذي نزلت فيه هذه الآيات لا يسمح لنا بالقول إن المشاهدة الحسية لا موضوعية لها، وإن طريق اكتشاف طلوع الفجر يمكن تعميمه ليشمل الطرق الجديدة أيضاً. وبناءً على هذا يمكن القول إن المسلمين، باختيارهم الساعة كمعيار لتحديد الأوقات الشرعية، قد استبدلوا في الحقيقة هذا المعيار بالمعايير المذكورة في القرآن والسنة، ولا مفر لهم من ذلك، لأن المعايير المذكورة في القرآن والسنة لم تعد في متناولهم بهذا القدر وبسهولة.
[5]. (البقرة/187). يعتقد كثير من المفسرين أن هذه الآية تنسخ حرمة الجماع في ليالي شهر رمضان، الذي كان من مفطرات الصوم قبل نزول هذه الآية. وتبين الآية سبب هذه المراجعة أيضاً، وهو تجاهل بعض المسلمين لهذا الحكم.
[6]. شخصياً كنت أحضر بعض الدروس التي كانت تُعقد طوال شهر رمضان بعد الإفطار في منزل بعض المراجع.
[7]. أتذكر أنه في الأيام التي كنت أعيش فيها في قم، إذا أراد شخص أن يحدد موعداً مع آخر في أيام الصيف، كان عليه أن يحدد ما إذا كان يقصد التوقيت القديم (الشتوي) أم التوقيت الجديد (الصيفي)، لأن كثيراً من الناس لم يكونوا يضبطون ساعاتهم على التوقيت الرسمي. ولم تكن مخالفة التوقيت الرسمي هذه تسبب أي اختلال في حياتهم اليومية.
[8]. انظر على سبيل المثال في هذا الشأن رد الدكتور محسن كديور على أسئلة حول الأوقات الشرعية وكيفية الصوم في الأيام الطوال على الموقع التالي:
http://kadivar.com/?p=11145يكتب الدكتور كديور: "في المناطق غير الاستوائية حيث يطول النهار جداً في جزء من السنة، عندما يحل شهر رمضان المبارك في الصيف فإن الفترة بين السحر والمغرب إذا تجاوزت 16 ساعة تسبب الحرج والمشقة لكثير من الصائمين، وإذا تجاوزت 18 ساعة يمكن القول إنها تصبح كذلك لعامة الصائمين في الأغلب. وهذا بالطبع تشخيص موضوعي مني. ومن الواضح أن النقاش يدور حول الأراضي القريبة من القطب حيث يوجد ليل ونهار في كل 24 ساعة ولو بشكل غير متساوٍ، وليس القطب نفسه حيث الليل ستة أشهر والنهار ستة أشهر وله حكم مختلف... والمقصود بالسحر والمغرب هو الأفق المحلي (وليس أفق مكة والحجاز). ولا موضوعية لزمان مكة والحجاز في حساب أوقات الصلاة والصيام... ففي مناطق من نصف الكرة الشمالي أو الجنوبي حيث طول النهار مثلاً 20 ساعة صيفاً و8 ساعات شتاءً على سبيل الفرض، لا يمكن الصلاة أو الصيام بحجة قصر النهار أو طوله وفق أفق مكة. فمن كان في منطقته ساعات تختلف عن مكة (بفارق 10 ساعات مثلاً) إذا صلى أو صام وفق أفق مكة فصلاته وصيامه باطلان... ومراعاة طول نهار مكة بين 12 و14 ساعة في مناطق أخرى من الكرة الأرضية لا موضوعية له في أمر الصيام، ويفتقر إلى أي دليل شرعي معتبر... والإفطار قبل المغرب بحجة طول فترة الصيام أو تجاوزها 14 ساعة (ما يعادل أقصى صيام في المناطق الاستوائية ومكة) هو استحسان بلا دليل... ومن ناحية أخرى، فالصيام في المناطق القريبة من القطب صيفاً بأيام تبلغ نحو 20 ساعة هو تكليف بما لا يطاق ويسبب حرجاً أو مشقة شديدة لأغلب المؤمنين. وهذا لا ينسجم مع نص 'يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ' (البقرة 185)... والجمع بين مختلف وجوه الأدلة يقتضي أنه في مثل هذه المناطق (ذات النهار الطويل جداً الذي يزيد تقريباً عن 18 ساعة وأقل من 24 ساعة) حيث يسبب صيام كل أيام رمضان أو بعضها حرجاً ومشقة شديدة لغالب الناس، يسقط تكليف صيام الأداء، لكن يبقى صيام القضاء في ذمة المكلف ليؤديه قبل رمضان القادم، دون أن يكون مكلفاً بدفع كفارة... ولنضع في الاعتبار أن سكان هذه المناطق القريبة من القطب وإن كانوا يعانون هذه المشكلة في رمضانات الصيف، إلا أن صيامهم في رمضانات الشتاء يكون بالمقابل أقل من 12 ساعة. وهم في أوقات الصيام ذات السبع أو الثماني ساعات ليسوا ملزمين بمراعاة 12 ساعة مكة، وسيفطرون وفق الأفق المحلي... ودليل عدم تكليف الصيام للمناطق التي تزيد عن 18 ساعة (من السحر إلى المغرب) هو القاعدة الثانوية للعسر والحرج والمشقة الشديدة المقبولة لدى عموم فقهاء الفريقين. ورقم 18 ساعة له طريقية وليس موضوعية. وهو تشخيص موضوعي مني بأن الصائمين في الأغلب يقعون في المشقة بعد هذه الساعات. فإذا وقع شخص في المشقة بأقل من هذه الساعات سقط عنه تكليف الصيام وكان صيام القضاء في وقت مناسب (قبل رمضان القادم) في ذمته. وبعبارة أخرى، تشخيص العسر والحرج والمشقة أمر شخصي ويقع على عهدة المكلف نفسه." (المصدر نفسه، والتأكيدات أضافها الكاتب).
برأي الكاتب، لو أن الدكتور كديور وسائر الفقهاء المحترمين الذين يفكرون مثله ويؤمنون بفاعلية النموذج التقليدي، حاولوا أن يجدوا لفتواهم بشأن الأوقات الشرعية في القطبين الشمالي والجنوبي 'مستنداً شرعياً' كي يمتنعوا في ظل تلك المستندات عن إصدار الفتوى بناءً على 'دليل استحساني' في هذه المسألة، ثم فكروا مع أنفسهم: 'ما الفرق بين القطبين الشمالي والجنوبي وبين المناطق القريبة منهما الذي يجعل التمسك بالأدلة الاستحسانية جائزاً في الأولى وغير جائز في الثانية؟'، و'ما الدليل على أن الله يطلب في يوم محدد من السنة من المسلمين ساكني المناطق الاستوائية وما جاورها وكذلك المسلمين ساكني القطبين الشمالي والجنوبي أن يصوموا 15.5 ساعة كحد أقصى، بينما يطلب من المسلمين الذين يعيشون بين هاتين المنطقتين أن يصوموا 18 إلى 23 ساعة؟'، لربما امتنعوا عن إصدار مثل هذه الفتاوى غير المعقولة والمنافية للعقل.
موضوع قاعدة العسر والحرج هو أيضاً حالات ومصاديق استثنائية، لا حالة أو مصداق يكون فيه التكليف بالنسبة لأغلب الناس، أو لعموم الناس، أو لنوع الناس مستلزماً للعسر والحرج. فإذا كان الصيام لأكثر من 16 أو 18 ساعة، وفقاً لقولهم، مستلزماً للعسر والحرج لعموم الناس أو لأغلبهم، وهو كذلك، فإن معنى ذلك أن إطلاق أدلة وجوب الصوم لا يشمل هذا الصوم من البداية، لا أنه يشمل هذا الصوم، ثم يُرفع وجوبه عن كاهل عموم المكلفين بقاعدة العسر والحرج. والعسر والحرج المشار إليه في آيات الصوم يعني أن الصوم الذي أوجبته الآيات السابقة ليس فيه عسر ولا حرج، وأن عموم المكلفين يمكنهم أن يصوموا هذا الصوم بسهولة، ولا يستلزم صومه لهم عسراً وحرجاً. والعسر والحرج المذكور في هذه الآيات يختلف عن العسر والحرج الذي تتحدث عنه قاعدة العسر والحرج. هذه قرينة «متصلة»، لا «منفصلة»، وتمنع انعقاد الإطلاق في وجوب الصوم. وبتعبير آخر، فإن العسر والحرج المذكور في آيات الصوم ليس «حكماً ثانوياً» مترتباً على «عنوان ثانوي»، بل هو تعبير عن طبيعة الحكم الأولي المذكور في الآيات السابقة. ومن هنا يمكن أن نستنتج جيداً أن:
(1) الفاصل الزمني بين طلوع الفجر وغروب الشمس في مكة والمدينة والمناطق المشابهة لهما هو المعيار، لا طلوع الفجر وغروب الشمس في الأفق المحلي، الذي يستلزم في المنطقة (ب) عسراً وحرجاً لعموم المكلفين، و
(2) ليس هناك دليل يمكن الادعاء بناءً عليه بأن الحد الأقصى لطول الصوم الواجب على المسلمين الذين يعيشون في نقاط أخرى من العالم هو أكثر من طول الصوم في نفس اليوم من السنة في مكة أو المدينة.
قال الدكتور كديور: «مراعاة طول اليوم في مكة بين 12 إلى 14 ساعة في المناطق الأخرى من الكرة الأرضية في أمر الصوم لا موضوعية له البتة، ويفتقر إلى أي دليل شرعي معتبر.... والإفطار قبل المغرب بحجة طول الصوم أو زيادته عن 14 ساعة (ما يعادل الحد الأقصى للصوم في المناطق الاستوائية ومكة) هو استحسان بلا دليل».
أقول في الجواب إن الأمر ليس كذلك أبداً، بل على العكس من ذلك فإن قوله في هذا الشأن مبني على تعميم بلا دليل. وبملاحظة مجموع الآيات يمكن القول إن الآيات ذات الصلة لا تدل إطلاقاً على أن طول الصوم الواجب على المسلمين ساكني سائر نقاط الكرة الأرضية هو أكثر من طول الصوم الواجب على المسلمين ساكني مكة والمدينة. وقاعدة اشتراك المكلفين في الأحكام تقتضي أيضاً أن يكون طول الصوم لجميع المسلمين متساوياً تقريباً. وعليه، فإننا نحتاج إلى دليل لتبرير هذا الادعاء القائل بأن «المسلمين ساكني المنطقة (ب)، مقارنة بالمسلمين ساكني مكة والمدينة، مكلفون بصوم أطول بكثير»، وفي غياب هذا الدليل يحكم أصل البراءة. وأقل ما في الأمر أن هذه القرينة توجب إجمال الآيات ذات الصلة.
وبالمثل، فإننا نحتاج إلى دليل لتبرير هذا الادعاء القائل بأن «المسلمين ساكني المنطقة (ب)، مقارنة بالمسلمين ساكني مكة والمدينة، يجوز لهم ألا يصوموا في شهر رمضان في الصيف، وأن يصوموا بدلاً منه في الشتاء، حتى لو كان طول اليوم في الشتاء في هذه المنطقة أقصر بكثير من طول اليوم في مكة والمدينة»، وفي غياب هذا الدليل تحكم الآيات والروايات الدالة على وجوب الصوم. فإذا كان هذا الصوم الأقصر بكثير بديلاً مناسباً عن الصوم في شهر رمضان، فلماذا لا يُسمح لهم بأن يصوموا هذا الصوم الأقصر في نفس شهر رمضان كي لا يُحرموا من البركات المعنوية والأخلاقية للصوم في شهر رمضان.
[9]. http://kadivar.com/?p=11919
[10]. المصدر نفسه. الفصل بين الإسلام المعنوي والإسلام التاريخي يعادل الفصل بين الذاتي والعرضي.
[11]. contextual
[12]. لمزيد من التوضيح في هذا الشأن، انظر إلى أخلاق الدينشناسی، وبالأخص الفصول 2 و3 و4.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
نویسنده محترم فرموده اند: "برای تصدیق این نکته کافی است فرض کنیم که پیامبر اکرم (ص) در همان زمان میزیست، اما محل سکونت او مکه و مدینه نبود، بلکه قطب شمال بود. در این فرض هم زبان قرآن عوض میشد و هم فرهنگی که این زبان حامل آن است و هم معیار تعیین اوقات شرعی. اما گوهر/ ذاتیات دین اسلام همچنان بر جای خود باقی میماند. اگر پیامبر اکرم ساکن قطب شمال بود، نماز و روزه بر جای خود باقی میماند، اما امکان نداشت خداوند طلوع فجر و طلوع و غروب آفتاب را به عنوان اوقات شرعی به ایشان و از طریق ایشان به سایر مردم معرفی کند. " اولا، بر چه اساسی اینقدر قاطعانه می گویند که اگر پیامبر (ص) در قطب شمال مبعوث شده بودند، نماز و روزه همچنان جزو احکام شرعی میبود؟ چه بسا احکام دیگری و یا عبادت و امساک به طریق دیگری جایگزین میشد! ثانیا، حال که اذعان کرده اند اگر پیامبر (ص) در قطب شمال مبعوث شده بودن، زبان و فرهنگ دین عرضه شده توسط ایشان متفاوت میبود، آیا دلالت بر نقض جهانی بودن دین اسلام ندارد؟!
این دو اشکال در یک سطح نیستند یکی قابل تامل است: اینکه واقعا اگر پیامبر در قطب مبعوث می شد چه دینی داشت. ما نمی دانیم امااین را می دانیم که به ذاتیات ادیان الاهی ملتزم بود. من جمله اوصاف حکمت خداوند و اینکه جزافا تشریع نکند. و کلام دکتر فنایی ناظر به این چارچوب های اتفاقا پذیرفته شده در فقه سنتی است. اشکال دوم وارد نیست زیرا ایشان دقیقا همین را می خواهد بگوید که دین یک جنبه ی غیر جهانی دارد و آن زبان بیانی و رنگ و بوهای فرهنگی است نه چارچوب های عقلانی مانند حکمت یا معنویت و...