اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يصف رامين جهانبغلو عصرنا الراهن بأنه عصر «تفكيك الحضارة» المتجذر في مشروع هيمنة الرأسمالية والتكنولوجيا؛ وهو ينقد نظرية «صدام الحضارات» ويرى في العودة إلى فكر غاندي وطاغور سبيلاً للخروج من الأزمة.

لعل عالمنا كان هكذا دوماً، مشوشاً وشديد اللامعنى أحياناً. لطالما سعت الظلمة للتغلب على النور، والفوضى كامنة في صميم هذا الوجود. من هذا المنظور، لا يتميز زماننا عن الأمس أو الغد. لكن رامين جهانبغلو يرى في كتابه الأحدث فوضى العالم هذه من زاوية فريدة، ومن خلال تناوله لسمات عالم اليوم كالهجرات الواسعة، والعولمة، والرأسمالية، والتكنولوجيا المتقدمة، وهيمنة الفكر النفعي، يسعى لتقديم إجابة عن ماهية هذه الفوضى والأزمات الخاصة بعصرنا الراهن.
ولهذا الغرض، يضع مفهوم اجتثاث الحضارة في مقابل الحضارة، ويطلق على العصر الحالي عصر اجتثاث الحضارة، ومن أسبابه «تفريغ السياسة من معناها» و«الامتناع عن التفكير والتساؤل»، ومن بعض أعراضه داعش وتدمير الطبيعة. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار كتاب جهانبغلو الجديد عملاً تشاؤمياً وتحذيرياً، لكنه حين يتحدث عن غاندي وتاغور وضرورة إعادة قراءة فكرهما، يرى أن الظروف قابلة للتغيير، تماماً كما تجلت هذه الضرورة في عنوان كتابه: «أفول الحضارة ولماذا يجب أن نعود إلى غاندي وتاغور».(*)
نشرت دار «ألف بوك» هذا الكتاب باللغة الإنجليزية في الهند قبل شهرين، وقد لقي خلال هذه الفترة أصداء إيجابية في وسائل إعلام ذلك البلد. تقرأون حوار راديو فردا مع الكاتب الفيلسوف رامين جهانبغلو.
نشر صامويل هنتنغتون عام 1993 مقالته الشهيرة «صدام الحضارات» في مجلة فورين أفيرز. والآن، حيث يبدو أن أحد التحديات الكبرى في العالم هو نمو الجماعات الجهادية والقراءات الراديكالية للإسلام، ترى أنت ساحة الصراع بشكل مختلف وتقول إن المعركة الحقيقية ليست بين الحضارات، بل بين الحضارة وتيارات تعمل على اجتثاث الحضارة. هل التحليل القائم على نظرية صدام الحضارات لأحداث العالم اليوم يقود إلى خطأ؟
برأيي، تعاني نظرية «صدام الحضارات» من قصور كبير. سعى هنتنغتون بعد انهيار جدار برلين في مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى بلورة نموذج إرشادي جديد لحقبة ما بعد الحرب الباردة، لكن ثغرات كثيرة تشوب هذا النموذج. إحدى الثغرات الكبرى في عمله أنه يخلق كتلاً أحادية البعد ثقافياً بناءً على الأديان المختلفة، وبالتالي يتجاهل التنوع الموجود داخل كل دين وثقافة من هذه الأديان والثقافات. فعلى سبيل المثال، حين يعتبر الثقافة الغربية كتلة واحدة، فهو لا يأخذ في الاعتبار الفروق الكثيرة القائمة اليوم بين الأمم الغربية وأنماط حياتها، بل يلتفت فقط إلى أسسها العامة. وبالمثل، لا يولي أهمية كبيرة للتفاصيل بشأن البلدان الإسلامية. يثير هذا النهج إشكاليات كبرى.
في الأساس، يغفل هنتنغتون في تناوله لمقولة الحضارة عن مسألتين مهمتين. الأولى، أنه في نقاش الحضارة كانت هناك دوماً قضايا مثل التعاطف والمواساة والشفقة، لكن هذه الجوانب الأخلاقية ليست مهمة البتة بالنسبة لهنتنغتون، وهو يعتبر نفسه واقعياً لا يأبه بالأخلاق. والثانية، أنه لا يأخذ بعين الاعتبار جانب التعددية أو الكثرة الموجود في مفهوم الحضارة.
على أية حال، لطالما أوجدت الحضارة عبر التاريخ حالة بين-حضارية أيضاً، بمعنى أن الحضارات المختلفة أخذت سمات من بعضها البعض، وفي الأساس، كل حضارة تقوي إرثها الخاص من خلال النظرة التي تتبناها تجاه الحضارات الأخرى. إذا درسنا الحضارات القديمة، كإيران القديمة والصين القديمة واليونان القديمة مثلاً، نجد أن كلاً منها امتلكت علاقات قوية جداً عبر الثقافات. يقول هيرودوت عن الإيرانيين في العصر الأخميني إنهم شعب متعدد الثقافات لأنهم يقتبسون أشياء كثيرة من المصريين والليديين والأقوام الأخرى، كلباسهم وجيشهم وأسلوب تنظيمه وأمور أخرى كثيرة. هذه نقاط جرى تجاهلها في نظرية «صدام الحضارات». مسألتنا الأساسية هي كيف نريد أن ننظر إلى الحضارة؛ هل ما زلنا نريد أن نرى الحضارات ككتل كبيرة منفصلة عن بعضها، أم أننا نعتبر الحضارة سيرورة تشكل الوعي البشري؟
النقطة الأخيرة التي أود طرحها تتعلق بالفارق بين مفهومين يستخدمهما هيغل في علاقتهما بالحضارة، وهما Volksgeist بمعنى الروح القومية، وBildung بمعنى التشكّل والتعليم والتعلم الذاتي للوعي. فعندما يناقش هنتنغتون صراع الحضارات، بدلاً من أن يولي مزيداً من الاهتمام للوعي الذاتي البشري، يتحدث عن أرواح قومية مختلفة تتقابل وتنشغل بالنزاع، وقد يقضي أحدها على الآخر. لكني أرى أن هذه النظرة ليست صحيحة على الإطلاق.
ما فهمته من رسالتكم هو أنكم لا ترون بداية نزع الحضارة في أزمات هذه السنوات الأخيرة التي تجلت في أشكال كداعش، بل تبحثون عنها في تاريخ أبعد وأطول، في عصر الاستعمار وفي الحقبة ذاتها التي راود الغرب فيها حلم تحضير المجتمعات الشرقية. أين كان مكمن الخلل حتى انتهى ذلك المسار المزعوم للتحضير إلى نزع للحضارة؟
ذلك المشروع الذي انطلق مع ظهور الرأسمالية والعلم الحديث والتكنولوجيا المتقدمة والسياسة الحديثة في العالم الغربي، كان يسعى أساساً إلى الهيمنة؛ الهيمنة على العالم، والهيمنة على الطبيعة، والهيمنة على الإنسان. وكان الاستعمار جزءاً من هذا المشروع الذي يدخل المشهد منذ القرن السابع عشر، وقضيته هي الهيمنة على العالم، إذ يرى نفسه كقوة قادرة على أن تكون فاتحة للبلدان وأن تستولي على الأقاليم الأخرى. فهو يريد من جهة أن يكتشف هذه الأقاليم، ومثال ذلك مشروع كريستوفر كولومبوس عام 1492، ومن جهة أخرى يريد أن يغزو هذه الأقاليم، كغزو وإبادة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية. والعلم يعمل بالطريقة ذاتها؛ يسعى إلى الاكتشاف، لكنه في الوقت نفسه يغزو الطبيعة، وبغزوها يتجه نحو تدميرها.
ترون هذا المشروع في مذهبين كبيرين من القرن التاسع عشر، استمرا في الحياة في القرن العشرين في قوالب أيديولوجية. أحدهما مذهب النفعية الذي طرحه بنتام وآخرون، والآخر هو الوضعية عند أوغست كونت الذي يقول إنه ينبغي نبذ الدين والفلسفة، لأن لدينا بدلاً منهما علماً وضعياً جديداً ننظر من خلاله إلى المجتمع والعالم. وهنا يبرز تناقض كان موجوداً دوماً في النظرة الكونية الحديثة.
لقد أنتجت النظرة الكونية الحديثة منظورين كليين للبشرية، أحدهما العقلانية الأداتية والآخر العقلانية النقدية. وأهم ممثلي العقلانية الأداتية هما التكنولوجيا والعلم الحديث من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى، وهما يهيمنان على عالمنا، والبشر اليوم أسرى هذه العقلانية الأداتية.
ومن جهة أخرى، كانت لدينا العقلانية النقدية التي تشكلت مع فكر عصر النهضة والتنوير، وأخيراً الفكر النقدي والفلسفي في القرن العشرين، وهي تطرح قضية وعي الفرد بحريته وتحرره من نير العبودية.
جميع الحركات الاجتماعية، من حركة العمال إلى الحركة النسائية والحركة الطلابية، هي نتيجة لهذه العقلانية النقدية. لكن هذا المسار ينتهي بعد الحرب العالمية الثانية. وآخر حركة اجتماعية كبرى كانت نتاجاً للفكر النقدي الأوروبي هي حركة طلاب مايو 1968، التي لم تكن تسعى فقط إلى رفع الشعارات واحتلال الشوارع، بل أرادت أن تحدث ثورة في القيم وأن تغير القيم.
وقبل ذلك، كانت أهم حركة شهدناها في أمريكا وانتهت هي حركة السود ومارتن لوثر كينغ، التي كانت تُعتبر حركة سياسية وقيمية في آنٍ معاً، لأن لوثر كينغ تحدث عن ثورة القيم وأراد تغيير قيم المجتمع الأمريكي.
لقد باءت هاتان الحركتان بالفشل، ونحن نعيش اليوم وضعاً أسمّيه اجتثاث الحضارة، وضعاً صرنا فيه من جهة ضحايا للامعنى واللافكر، أي أننا لم نعد نطرح أسئلة حول وضعنا الاجتماعي؛ ليس لدينا مواطنٌ متسائل في أي مكان من العالم، وبدلاً منه لدينا أفراد، كما يقول جان جاك روسو، يذهبون كل أربع سنوات مرة واحدة للإدلاء بأصواتهم ويعتقدون أن هذا التصويت علامة على الحرية، ثم لا يفكرون في حريتهم طيلة السنوات الأربع التالية، بل لا يهتمون إلا بمسألتهم الاقتصادية ورفاههم الاجتماعي. ومن جهة أخرى، نواجه صعود الفردانية القائمة على اللذة، التي جلبت معها طفولة فكرية. يطرح فيلسوف مثل هايدغر هذه الطفولة الفكرية بشكل جميل جداً ويقول إنه في عالم اليوم لم يعد لدينا شيء اسمه فكر وتفكير، بل صارت لدينا فقط عقائد وآراء. الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى مثال ساطع على هذا الموضوع. الكل لديه رأي والكل يدلي برأيه، وهذا ما أسميه وقاحة الفكر، أي أنه ليس فكراً، بل هو أمر وقح يطرح نفسه على أنه فكر، وهو في النهاية ليس أكثر من رأي، وهو ما كان يسميه الإغريق دوكسا Doxa، ولا بحث فيه عن الحقيقة.
هذا هو وضع اجتثاث الحضارة الذي وقعنا في أسره، وللأسف فإنه يتفاقم بسبب تراجع حساسية المواطنين إزاء القضايا السياسية. لقد تحولت السياسة في أيامنا هذه إلى مجرد وسيلة للتسلط والطموح. حتى أننا في الماضي كنا نملك غاية لحياتنا الاجتماعية تُظهر إلى أين تتجه البشرية، أما الآن فقد فقدنا هذه الغاية، ولم تعد البشرية تملك لنفسها بوصلة أخلاقية وسياسية.
أليست ظروف اجتثاث الحضارة هذه التي تشرحها عبثية جداً، بل ورؤيوية؟ عالم يُفرغ من كل الفضائل، من كل تلك الخصائص الحضارية، وتحل فيه النفعية والفردانية القائمة على اللذة محل التعاطف والمواساة.
رؤيوية ليست على الإطلاق، لأنها لا تحمل أي وجه ديني أو معادي. ثمة عبارة جميلة لأورتيغا إي غاسيت، الفيلسوف الإسباني في القرن العشرين، أستخدمها في هذا النقاش. يقول: «نحن لا نعرف ما الذي يجري لنا، وما يجري لنا هو بالضبط عدم معرفة ما الذي يجري لنا». المشكلة التي نواجهها اليوم هي أننا لا ننتبه في أي عالم نعيش، وكيف تقودنا خصائص هذا العالم نحو اللامعنى واللافكر، وإلى أي مدى تسبب هذا اللامعنى واللافكر في سقوطنا الحضاري. لهذا السقوط الحضاري أعراض مختلفة. انظر مثلاً إلى الوضع في تركيا، حيث يضع أردوغان كل الإنجازات التي حققتها البلاد في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين قوسين، فقط بسبب طموحاته الشخصية، ويغلق الطريق أمام العلمانية والحداثة والليبرالية.
هذا أيضاً نوع من اللامعنى، حيث لم نعد نصف السياسة بأنها فن تنظيم المجتمع، بل تصبح السياسة مسألة شخصية لأولئك الموجودين في السلطة.
لا نجد هذا في الأنظمة الأوتوقراطية والشمولية فحسب، بل نشهده أيضاً في الأنظمة الليبرالية، لأن الأنظمة الليبرالية لم تعد ديمقراطية، بل تحولت إلى أوليغارشيات اقتصادية وسياسية، وكل يوم يمضي يزيد الناس اغتراباً عن واجباتهم ومسؤولياتهم كمواطنين، لدرجة أن الناس في الغرب لا يفكرون كثيراً في السياسة.
أضحت السياسة لعبة حزبية. إما أن أنتخب شخصاً من هذا الحزب أو من ذاك الحزب، أو أذهب إلى شخص جديد وأنتخبه، كما حدث في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا. لكن هذا لا يجيب عن مسائلنا اليوم. مسألتنا هي أن نرى بأي معنى تُطرح السياسة اليوم. السياسة ليست بمعنى المناورات السياسية. لقد اختزلنا السياسة اليوم إلى مستوى المناورات السياسية، ونسينا تماماً فن تنظيم المجتمع. الأزمات التي نشأت اليوم ناجمة عن هذا التدبير الخاطئ للمجتمع البشري وعن عدم تساؤلنا، أزمات مثل الاحتباس الحراري وتدمير الطبيعة الناجمين عن الرأسمالية والتكنولوجيا المتقدمة. وبتعبير آخر، ستعيش الأجيال القادمة، أي أبناؤنا وأحفادنا وأبناء أحفادنا، في عالم اختفى فيه على الأرجح جزء كبير من نباتاته وحيواناته وعدد كبير من بحيراته. لم نعد نحن البشر نجيد طرح الأسئلة حول وضع حياتنا الاجتماعية.
لكن أحد مصاديق هذا التفكيك الحضاري هو داعش والجماعات المماثلة التي تناولتها أنت أيضًا في كتابك. هذه الجماعات لديها نزعات أخروية.
داعش هي بالضبط أحد أعراض هذا التفكيك الحضاري. إذا نظرت إلى أفراد داعش، ترى أن قسمًا منهم مسلمون نشأوا في الغرب، سواء كانوا عربًا أم باكستانيين أم صوماليين؛ نشأوا في كندا، إنجلترا، فرنسا، لكنهم تحولوا إلى أشخاص مدمرين ومخربين. ماذا يدمرون؟ التراث الإنساني. أي أنهم قبل أن يصبحوا قتلة، هم أساسًا يعادون الحضارة.
السؤال الذي أطرحه على نفسي في هذا الكتاب هو: لماذا يقوم الدواعش، أينما ذهبوا، بتدمير المتاحف والمباني التاريخية أولاً، ولماذا هم ليسوا بنائين، بل مجرد مخربين؟
لدينا في التاريخ أن بعض الأقوام الغازية أحرقت مكتبة الإسكندرية أو دمرت جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، مثلاً أحرق الإسكندر تخت جمشيد أو خلف المغول دمارًا واسعًا. لكن السلالات التي تتشكل بعد هذه الاجتياحات، مثل السلالة السلوقية أو الإيلخانيين، جميعها بناءة، ففتح البلاد بالنسبة لهم لا يعني فقط التدمير ونزعة أخروية، بل يحمل معه معنى حضاريًا أيضًا. ورويدًا رويدًا يذوبون في تلك الثقافة التي غلبوها استراتيجيًا وعسكريًا، كما ذاب جزء من البيت العباسي بوجود وزراء في الثقافة الإيرانية، أو ذاب المغول في ثقافة الصين والبابريون في ثقافة الهند. يذهب المسلمون إلى الهند ويحكمون أربعمائة عام. بينهم أمير اسمه دارا شكوه يترجم الأوبانيشاد إلى الفارسية. هذا نموذج لأناس يقفون بين ثقافتين ويلعبون دورهم الوسيط بين الثقافات.
أما الدواعش فهم أعراض تفكيك حضاري لأنهم في نفس الحضارة التي نشأوا فيها، أي الحضارة الغربية، لم يأخذوا أيًا من قيم ونماذج تلك الحضارة، ولا يحملون معهم شيئًا سوى الحقد على هذه الحضارة الغربية. ومن الجهة الأخرى، إذا نظرنا، فإن الشيء الوحيد الذي أخذوه من الإسلام هو جانبه العنيف والأخروي.
الكثير من مواطنينا يعتقدون خطأً أن داعش عدو إسلاموي وبالقضاء عليه تحل المسألة. لا، داعش مجرد عرض من أعراض هذا التفكيك الحضاري، وحتى لو تم القضاء عليه اليوم، فطالما استمر ذلك الفراغ من المعنى والتفكير السائد في العالم، فسوف يبرز دواعش آخرون.
دعنا نحدد شيئًا. كل ما يؤدي إلى التفكيك الحضاري، يمكننا وفقًا للقاعدة أن نسميه قوى الشر. أنت تذكر فقدان السياسة للمعنى في عالم اليوم كعامل من عوامل هذا التفكيك الحضاري، والتمييز بين «نحن» و«الآخرين» لأن الحضارة نتاج الكينونة معًا وليس الفصل، وهيمنة الثقافة النفعية وكذلك العولمة. دعنا نتحدث عن هذا العامل الأخير. هل العولمة شر محض؟
الشر من المقولات التي كانت دائمًا مع البشرية وليس بالضرورة شيئًا نشأ مع التفكيك الحضاري.
المسألة التي أطرحها هي أن المجتمع المفكك حضاريًا فقد قدرته على نقد ذاته وواجه أزمة لم نجد لها حلاً بعد لأننا أساسًا لا نسأل عنها. نحن أمام شر سياسي وفكري لا نستطيع أن نجد له إجابة أخلاقية. اليوم، العولمة تؤجج هذه المسألة لأنها تريد الإجابة على أزمة عبر خلق أزمات جديدة. العولمة رؤية لا تقوم للأسف على أساس التعاطف والتضامن والتفاهم، بل على أساس التنمية والتسريع والاستيلاء.
النزوع نحو التنمية والتسريع والاستيلاء كان موجودًا منذ البداية في الرأسمالية والتكنولوجيا. أساسًا، مسألة التكنولوجيا هي التنمية والتسريع لكنها لا تسأل نفسها أين حدود التقدم والتطور.
هذا المجتمع الأحادي البعد، أو كما يسميه ماركوزه الإنسان ذو البعد الواحد، الذي جعل حياته كلها قائمة على محور التكنولوجيا والرأسمالية، كيف يريد أن يدير نفسه، وما أهمية «الآخر» بالنسبة له؟ جدلي هو أننا في حالة التفكك الحضاري لا نولي أي اهتمام لغيرية «الآخر». هذا «الآخر» يمكن أن يكون النباتات والحيوانات أو البشر أنفسهم. لامبالاتنا هذه هي منبع الشر. لم نعد نكترث لذلك الفلاح الهندي الذي قد لا يستطيع، بسبب العولمة، إدارة أرضه فيُضطر إلى الانتحار. انتحاره ليس مشكلة بالنسبة لنا، بل يتحول ببساطة إلى إحصاء. الآن في عالمنا تحول كل شيء إلى إحصاءات، وكل يوم نسمع هذه الإحصاءات والأرقام في التلفزيون وهي بلا معنى بالنسبة لنا، مثلاً في نقطة ما من العالم حدث فيضان وقُتل بضعة آلاف، مات مئة ألف من الجوع، قُتل مئتا طفل في قصف سوريا. لماذا نحن غير مبالين إلى هذا الحد بهذا الموضوع؟ وما الذي جعلنا غير مبالين؟
أود العودة إلى جزء من كتابك تنقل فيه عن غرامشي أن النظام القديم يحتضر والنظام الجديد لم يتشكل بعد. سؤالي هو، لماذا لم تستطع الأفكار الكبرى والمثالية مثل الاتحاد الأوروبي أن تشكل هذا النظام الجديد وتمنحه التماسك؟
ما يتحدث عنه غرامشي هو وضع بيني، ما هو قديم يموت وما هو جديد لم يولد بعد. ونحن أيضاً في مثل هذا الوضع. لكن ما أركز عليه أكثر في هذا الجزء من كتابي هو أن الحضارة في الماضي كانت عملية، وهذه العملية الحضارية كانت دائماً تفصل نفسها عن «الآخر» وكان «الآخر» يمثل مفهوماً بالنسبة لها، مثل الإغريق الذين كانوا عندما يتحدثون عن البرابرة يميزون هذا الفرق بينهم وبين الآخرين ويفكرون بشأنهم. أما اليوم فنحن لا نفكر في هذا الموضوع.
بالمناسبة، الاتحاد الأوروبي هو نوعاً ما استمرار للمقاربة التي كانت لدى الحضارة الإغريقية. الأوروبيون بعد الحرب العالمية الثانية حين قرروا أن يقفوا إلى جانب بعضهم سياسياً واقتصادياً ويؤسسوا الاتحاد الأوروبي، ميزوا بينهم وبين الآخرين. وجدوا في استمرار مسارهم مشروعاً مشتركاً يختلف بالطبع كلياً عما يقوله هنتنغتون، لأن الأوروبيين في تلك الفترة كانوا قد قبلوا بالتعدد الثقافي واختلافاتهم. وفي الوقت نفسه كانوا ولا يزالون يعتقدون أن الأنظمة الليبرالية لا تدخل في حرب مع بعضها، وبالتالي يمكن أن يكون لها نوع من التعايش السياسي دون أن تدخل في حروب جديدة. هذه أسس فكرية مهمة جداً لأوروبا الجديدة.
لكن جزءاً من المشروع الأوروبي قد فشل، وهذا يرتبط أكثر بسقوط جدار برلين. كانت أوروبا في وضع الحرب الباردة منقسمة إلى معسكرين: الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية، ولكن مع سقوط الجدار، اندمجت هذه الدول معاً. هنا لا يكتسب اندماجها الاقتصادي أهمية بقدر ما يكتسب اندماجها الروحي والنفسي أهمية. مثلاً، كل الأقليات التي كانت مجتمعة قسراً تحت مظلة دولة يوغوسلافيا، انخرطت بعد سقوط الجدار في نزاع مع بعضها، ولم يتوقع أوروبا الفرنسيين والألمان والإنجليز إطلاقاً أن هذه الثقافات تنفي بعضها بعضاً. وبنفس الطريقة نشبت حرب يوغوسلافيا التي كانت حرباً مدمرة ولم تُحل بالكامل بعد.
أعتقد أن أوروبا، رغم المشروع الذي عرفته، لم تستطع أن تُنشئ شيئاً اسمه المواطن الأوروبي، أي ألا يرى الفرنسي نفسه فرنسياً فحسب، وأن يؤكد أصلاً، قبل أن يقول أنا فرنسي، على أوروبيته. البريكست يدل على فشل مشروع المواطن الأوروبي، لأن ذلك الفرد الإنجليزي يقول: أولاً إنجلترا، ثم أوروبا.
من جملة الأزمات الأخرى التي لم تستطع أوروبا أن تجد لها حلاً، أزمة المهاجرين، وليس فقط المهاجرين الذين فروا من حرب سوريا، بل المهاجرين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا منذ ثلاثة أجيال. لم تتنبأ أوروبا إطلاقاً كيف تريد استيعابهم. وهذا أحد الفروق الأساسية بين عالم اليوم والعالم القديم.
في العالم القديم كانت هناك ثقافةٌ مهيمنة، وكان على كل من أراد العيش في تلك الثقافة أن يذوب فيها، أما في هذه المجتمعات متعددة الثقافات فلا يحدث هذا الأمر. فالجميع أشبه بذراتٍ منفصلة، كلٌّ يسير في اتجاهه وينمو في أطره الخاصة. يبقى الإيراني في ألمانيا إيرانياً، والمغربي مغربياً. لم تمنحهم أوروبا ثقافتها تلك، بل منحتهم جواز سفر فحسب. هل يقرأ الإيرانيون في ألمانيا توماس مان أو يعرفون من كان شوبنهاور؟ كلا، إنهم يستمعون إلى غوغوش. ويمكن تلمس هذا النهج نفسه على مستوى كارثي لدى الدواعش. فالدواعش أيضاً كانوا يذهبون إلى المسجد فحسب ويحافظون على عقليتهم المنغلقة والدوغمائية، لكننا نراهم في الوقت نفسه قد وُلدوا وترعرعوا في أوروبا أصلاً. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الأزمة الرئيسية في أوروبا اليوم هي أزمة هوية.
يمتدح كابوشتشينسكي في محاضراته الفيينية في ديسمبر 2004 التعددية الثقافية ويراها تقدماً كبيراً في العلاقات بين «نحن» و«الآخرين»، حالةً جديدة في الحضارة البشرية. لكنكم تتخذون موقفاً نقدياً من هذا الموضوع. ألم تستطع التعددية الثقافية اليوم المساعدة في خلق فضاء منفتح وقدرة على تقبل الاختلافات؟ إذن ما الذي يجري الآن في مكان مثل الولايات المتحدة؟
برأيي، التعددية الثقافية أمر مزيف تماماً، لأنها ليست من صُنع ثقافةٍ ما، بل من صُنع الرأسمالية والعولمة التكنولوجية. فالبشر يُوضعون جنباً إلى جنب دون أن يعرفوا شيئاً عن اختلاف بعضهم البعض ودون أن يهمهم ذلك. كثير من هؤلاء الأجانب الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا هم مهاجرون من الجيلين الثالث والرابع، لكن باستثناء بعض الحالات الخاصة، لم يستطع أي منهم أن يكون ممثلاً لتلك المجتمعات. بمعنى أن الحلم الفرنسي أو الألماني أو الأمريكي لم يتجسد لهم إلا في المال والرفاه الاجتماعي والحياة المريحة. لكن المجتمعات لا تُبنى بحب الراحة والرفاه. لو كان الأمر كذلك لكان ينبغي أن تكون كل المجتمعات قد دُمِّرت الآن.
إن الثالوث الذي يصون أي حضارة هو من جهة الدين والروحانية، ومن جهة الفلسفة والحكمة، ومن جهة أخرى الفن. لكن أياً من ممثلي التعدد الثقافي هؤلاء الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا ليسوا حاملين للثقافة والفن والفكر والروحانية الأوروبية والأمريكية. قد يصبحون مسيحيين، لكنهم لا يعرفون بالضرورة شيئاً عن الروحانية المسيحية، يعرفون فقط أنه ينبغي الذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد أو تقديم الصدقات.
أعتقد أن الإشكال الكبير يكمن في أن التعددية الثقافية أو التعدد الثقافي في هذه البلدان لا تكتسب أبداً حالة بين-ثقافية، أي أنه لا يزال يعيش في هذه البلدان ملايين الإيرانيين والهنود والصينيين الذين لا يتبادلون ثقافياً مع ذلك العرق الأبيض المهيمن، وثقافة أي منهم ليست مهمة للآخر. هذا هو فشل التعددية الثقافية، ومن رحم هذه الإخفاقات يخرج داعش. وقد يصبح الأمر أسوأ من هذا. إحدى الصدامات التي يُخشى أن تقع في أمريكا الشمالية هي من النوع القَبَلي، ذلك أن المهاجرين المختلفين الذين ذهبوا إلى هناك، يعيش كل منهم حصراً في مجتمعه الثقافي الخاص، بمن فيهم الإيرانيون. وإذا تحولت هذه الذهنية إلى قبَلية أو هوياتية تعصبية، فإن هذه الثقافات ستتصادم فيما بينها.
يمكن اعتبار كتابكم أثراً شديد التشاؤم، لكنكم حاولتم أن تكون لديكم بعض التفاؤلات. اقتراحكم هو قراءة فكر طاغور وغاندي. حقاً، كيف يمكن لطاغور وغاندي مساعدتنا في هذه الظروف التي تصفونها؟ غاندي هو نفسه من أهم منتقدي الحضارة الحديثة والغرب. أي تغيير يمكن أن يُحدثه هو وطاغور في القيم؟
تشاؤمي من النوع النظري، مثل تشاؤم شوبنهاور وأدورنو. لكن يمكن للمرء أن يكون متشائماً ويفكر في تفاؤل عملي، شريطة ألا يكون هذا التفاؤل ساذجاً أو أيديولوجياً.
إشارتي إلى غاندي وطاغور لها سبب واضح. شخصية مثل طاغور تتحدث باستمرار عن هذه الصلات بين الثقافات، وهو، على نحو ما، مثل غاندي، ناقد للحضارة الحديثة. لكن نقده يختلف عن غاندي. نقد طاغور للحضارة الحديثة هو نقد ثقافي وفني وروحي. أما غاندي فعندما يتناول الحضارة الحديثة في كتابه «استقلال الهند» (Hind Swaraj)، يقول إن هذه الحضارة لا أخلاق لها، وطالما أن قضيتها هي النفعية والهيمنة على العالم، فلا يمكنها أن تدوم أو أن تطرح نفسها كحضارة.
ما آخذه من طاغور وغاندي هو أن عالمنا يحتاج إلى بوصلة أخلاقية، وأنا لا أساوي بين الأخلاق والأخلاقوية. الأخلاق هي بالتحديد الاهتمام بغيرية الآخر، أما الأخلاقوية فهي فرض القيم على الآخر. نحن بالأخلاقوية نملي باستمرار على الآخر كيف يرتدي ملابسه، وكيف يتصرف، وكيف يفكر. لكن الأخلاق تقوم على التعاطف والمواساة والشفقة. لقد فقدنا البوصلة الأخلاقية في عالم اليوم، ولهذا السبب فإن ذلك التوازن والتعادل الذي كان قائماً في الحضارة البشرية، والذي كان يجعل الثقافات المختلفة تتعاطف فيما بينها، قد زال. كل شخص لا يسعى إلا لمصالحه الخاصة.
لكن تشاؤمي النظري هنا يقترن بتفاؤل عملي. في الحقيقة، أنا لا أقول إننا فقدنا كلياً قابليتنا على التفكير وإضفاء المعنى على الحياة، بل أقول إننا إذا عدنا إلى الاستفادة من كلاسيكياتنا ومن هذا الإرث المتبقي منذ خمسين قرناً، حينها ستصبح قضية مثل الحرية مجدداً جزءاً من وعينا التاريخي. أما إذا ظلت قضيتنا هي الرفاهية وتسخير العالم فقط، وواصلنا على هذا النحو تدمير الطبيعة، فسندمر أنفسنا أيضاً. هذه القضية ليست نهاية العالم ولا شعوذة. إنها قاعدة بسيطة: إذا فقدنا الأسس الحضارية، فلن نعود قادرين على إيجاد معنى للحياة، وعندها سنتحول إلى أشخاص مثل شخصيات فيلم «فهرنهايت 451» لتروفو، الجالسين أمام شاشات التلفزيون الكبيرة، لا تربطهم أي صلة ببعضهم البعض، لا يقرؤون الكتب، وهم في الوقت نفسه مطيعون جيدون لأن عقولهم لا تعرف أي تمرد، ولم يعودوا قادرين أساساً على طرح أي سؤال.
أختم حديثي بهذه النقطة. يستخدم غوته مفهوماً شيقاً جداً نحن بأمس الحاجة إليه اليوم، وهو «الأدب العالمي». لماذا يطرح غوته مسألة الأدب العالمي؟ لأن الذي يعيش في ألمانيا يمكنه أن يقرأ حافظ، أو الذي في إيران يمكنه أن يقرأ توماس مان وغوته. أما إذا استبدلنا بهذه النظرة العالمية التي يتحدث عنها غوته، العولمة التي لا تعنى إلا بالمنتجات التجارية والتكنولوجية، فلن نحصل على أي نتيجة بناءة. في حين أن ما كان يقوله غوته هو أمر بناء تماماً، وقد بنى حضارات متنوعة على مدى خمسين قرناً، وبهذا الشكل تأثرت الحضارات ببعضها البعض وساعد بعضها بعضاً حتى لا يتمكن هذا اللامعنى والامتناع عن التفكير من التغلب علينا. يقول فرويد إن لازمة الحضارة هي العدالة. ويمكن أن نضيف أن لازمة الحضارة هي التساؤل والبحث عن المعنى.
* The Decline of Civilization: Why We Need to Return to Gandhi and Tagore
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام لطفا فایل های صوتی یا تصویری از سخنرانی ها و مصاحبه های قدیم و جدید رامین جهانبگلو را به صورت صوتی برای دانلود در صدانت بگذارید با سپاس