اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كما أن معرفة أجزاء أي مجموعة ضرورية للاستفادة منها، فإن رسم خريطة كلية للوجود الإنساني حيوي لتحقيق السعادة والازدهار. يرى ساسان حبيبوند أن وجودنا يشمل أربعة ساحات: الجسدية، والغريزية، والعاطفية، والفكرية.

إذا كنت قد أصبحت للتو مالكاً لمصنع، فلكي تديره بشكل صحيح وتستغله على النحو الأمثل، ستحاول أولاً أن تحصل على معرفة عامة بالمصنع وأجزائه وأقسامه، وأن تتعرف على احتياجات كل قسم ومشكلاته المحتملة. وإذا عُرض عليك منزل للشراء، فسيكون سؤالك الأول هو كم غرفة فيه وما الأجزاء التي يتكون منها، وما هي مرافقه، وما هو مخططه العام. وبالمثل، إذا التحقت بدورة لقيادة الطائرات، فإن أول ما سيعلمونه لك هو التعرف على الأجزاء والمكونات الرئيسية للطائرة ووظيفة وخصائص كل قسم، وبالطبع علاقة الأقسام المختلفة ببعضها البعض. والسبب في كل ذلك هو أن امتلاك معرفة عامة بالأجزاء الرئيسية لأي مجموعة أمر ضروري لاستخدامها الصحيح والاستفادة منها بشكل مفيد، وأي استخدام أو سلوك صحيح معها لا يمكن أن يتم إلا في ظل هذه المعرفة.
لكن هل فكرت يوماً في الأبعاد التي يتكون منها وجودك كإنسان؟ هل حاولت أن ترسم مخططاً كلياً وعاماً لخصائصك واحتياجاتك؟ بالنسبة لي شخصياً، كان هذا السؤال دائماً سؤالاً جذاباً ومهماً، خاصة أنه كما قلنا، فإن امتلاك خريطة عامة لوجودنا سيساعدنا كثيراً في التعرف على احتياجاتنا وقدراتنا، وسيكون له دور محوري في التخطيط لسعادتنا وازدهارنا. في هذا الحديث الذي بين أيديكم، أود أن أشارككم ما توصلت إليه في محاولتي للإجابة عن هذا السؤال. لكن قبل البدء بالمناقشة، هناك بعض النقاط التي يجب أخذها بعين الاعتبار فيما يتعلق بما طُرح في هذا الحديث.
لقد اعتبرت هنا أن الوجود الإنساني يشمل أربعة أبعاد أو أربعة مجالات عامة، وقمت بتعداد خصائص واحتياجات كل مجال. ومع ذلك، قد يُعدد آخرون أبعاد واحتياجات الوجود الإنساني بشكل يختلف عما طُرح هنا، أو يقدمون تقسيمات أخرى لخصائصه، وقد فعلوا ذلك بالفعل، وبطبيعة الحال فإن ما تقرأونه في هذا الحديث هو وجهة نظري ونتيجة أبحاث وتأملات هذا القلم. والنقطة الأخرى هي أنني أعتقد أنه بغض النظر عن الأبعاد والمجالات المذكورة في هذا الحديث، يوجد فينا كبشر مركز يُدعى "الأنا" أو "الذات"، وهذه الخصائص والاحتياجات في الحقيقة كلها تنتمي إليه وتحت إرادته. في الواقع، عندما نتحدث عن "أبعاد وجود الذات"، فإن كلامنا يتضمن إشارة إلى "ذات" تنتمي إليها تلك الأبعاد أو المجالات - رغم أن الخوض في ماهية وجوهر هذا "المركز" ليس موضوع نقاش هذا الحديث.
قد يعرف البعض هذه "الذات" على أنها الروح أو "البُعد الروحاني" لوجودنا ويقولون: إن ما قيل هنا يتناول احتياجاتنا وقدراتنا، بينما هناك بالإضافة إلى كل هذا مجال روحاني ليس جزءاً من الاحتياجات ولا من القدرات، بل يشمل صميم وجود وكينونة الإنسان. وفي الرد على ذلك يجب القول إن مثل هذه النظرة لا تتعارض مع ما قلناه في هذا المقال، بل يمكن اعتبار جوهر الوجود الإنساني روحاً تكون المجالات المذكورة مجموعة من الخصائص المنتمية إليه أو الخاضعة لإشرافه. على أية حال، سواء اعتبرنا هذه "الذات" من جوهر الروح، أم جزءاً من الدماغ، أم مركزاً للوعي في العقل، فإنني أعتقد أنه يصعب المجادلة في وجود مثل هذا المركز المستقل.
المقصود بكلمة "بُعد" أو "مجال" في هذا النقاش هو مجموعة احتياجات الإنسان ورغباته واستعداداته التي يمكن تصنيفها في مجموعة واحدة. وبهذا المعيار، يمكن القول في رأيي إن وجودنا كبشر يشمل بشكل عام أربعة مجالات رئيسية هي: "المجال الجسماني أو الحيوي"، و"المجال الغريزي أو الحيواني"، و"المجال العاطفي أو الإنساني"، و"المجال الفكري أو العقلي". وفيما يلي، سنقوم بشكل موجز بالتعريف بخصائص كل مجال من هذه المجالات الأربعة وشرحها.
الساحة الجسدية أو الساحة الحيوية، هي جسمنا أو فيزياؤنا أو بدننا. الجسد أو الفيزياء، بُعدٌ من أبعاد وجودنا نشترك فيه مع سائر الموجودات، حيةً كانت أم غير حية. أي أن الجسد، تمتلكه الصخرة والحديد والهواء، كما يمتلكه الدب والنمل الأبيض والإنسان وحتى البكتيريا. بهذا المعنى، فإن كل موجود في عالم الوجود له جسد – باستثناء الموجودات فوق الطبيعية من قبيل الله والملائكة وغيرهم ممن ليسوا موضوع بحثنا. بالطبع، نحن البشر ننتمي من الناحية الفيزيولوجية إلى الحيوانات، ومن بينها إلى الثدييات، التي من خصائصها المهمة الذكاء الأكبر وامتلاك الدماغ والجهاز العصبي الأكثر تعقيدًا.
الساحة الغريزية، هي ذلك البُعد من وجودنا الذي لا نشترك فيه إلا مع الكائنات الحية، وبالأخص، بما أننا كبشر أقرب من الناحية البيولوجية إلى الحيوانات، فإن غرائزنا تكون أشبه بالحيوانات منها، على سبيل الفرض، بالحشرات أو النباتات. من جملة غرائز الإنسان يمكن الإشارة إلى غريزة حب الذات أو حب النفس، وغريزة صيانة الذات، وكذلك غرائز الجوع والعطش والخوف والغضب والميل الجنسي. ترتبط ساحتنا الغريزية ارتباطًا وثيقًا باحتياجاتنا الحيوية والبيولوجية. وظيفة الغرائز هي أن تضمن تلبية احتياجاتنا الحيوية، بمعنى أن هذه الميول تدفعنا نحو الأكل والنوم والقتال والفرار والتكاثر، وعلى هذا المنوال، تحرس استمرار بقائنا وبقاء نسلنا. بهذا المعنى، فإن الغرائز، كما يُقال، "مطلوبة لغيرها"، أي أنها وسيلة لتحقيق هدف، وكونها مطلوبة إنما هو من حيث إنها توصلنا إلى ذلك الهدف، ومن البديهي أنه إذا لم يكن ذلك الهدف موجودًا، كان وجود تلك الغريزة لغوًا وبلا معنى. فمثلاً، الجوع يضمن تناول الطعام وحفظ حياتنا، أو الميل إلى الجنس الآخر يضمن تكوين الأسرة وبقاء النوع ونسلنا، كما أن غريزة الخوف تحرس صحتنا وتحفظ وجودنا من الأخطار. بعض الغرائز لها جانب نفسي أكثر، وبعضها الآخر له جانب جسدي. فمثلاً، العطش غريزة جسدية، بينما الغضب أو حب الذات غرائز نفسية. وغريزة مثل الميل الجنسي هي بالطبع مزيج من الخاصيتين معًا. للغرائز، بشكل عام، خصائص عدة: أولاً أنها "موجية" وعابرة، وثانيًا أنها قابلة للإشباع والارتواء، وثالثًا أنها مشتركة مع الحيوانات، وبالأخص مع البهائم.
أ. الموجية
غرائزنا، وبالأخص تلك التي لها جانب جسدي وفيزيولوجي، هي في خدمة إشباع احتياجات ذات طابع موجي وانفعالي أكثر مما هي دائمة ومتصلة. فمثلاً، عندما تقل كمية الطعام في أجسامنا، تنشط غريزة الجوع وتثير فينا الإحساس بالحاجة إلى الطعام أو الشراب، وهذا الإحساس، مثل الموجة، يشتد بسرعة في مدة قصيرة ويطلب إشباعه الفوري. ثم بمجرد أن يُتناول الطعام وتُلبى الحاجة إليه، يخفت ميل الجوع أو العطش ولا يظهر حتى الحاجة التالية إلى الماء أو الطعام. بعبارة أخرى، لا يمكن تأجيل إشباع إحساس الجوع أو العطش، ويجب تلبيته في أسرع وقت. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الحاجة، بعد زوالها، تهدأ، إلى أن تُثار مرة أخرى بعد مدة وتدفع كائننا الحي إلى الحركة لإشباعها.
ب. قابلية الإشباع
علاوة على ذلك، إذا انشغلنا بالأكل أو الشرب أكثر من الحد، فبعد قليل، سنشعر بالضجر بل والنفور من نفس الطعام الذي كنا نطلبه بشدة! افترض أنك حين تكون جائعًا بشدة، يُقدم إليك طعام تحبه كثيرًا، كالكباب مثلاً. بعد تناول وجبة واحدة من الكباب، ستشبع، وبتناول الوجبة الثانية، ستشعر بالضجر من هذا الطعام، وإذا أرغموك على تناول الوجبة الثالثة والرابعة، فقد تصاب بالاشمئزاز بل والغثيان! (في الواقع، في علم النفس، تُعد هذه الطريقة إحدى تقنيات ترك العادات غير المرغوبة، ومنها الإفراط في الأكل وتدخين السجائر). هذا الموضوع نفسه ينطبق على الغرائز الأخرى من قبيل الغريزة الجنسية وغريزة النوم. بهذا المعنى، يمكن القول إن كثيرًا من الغرائز قابلة للشبع بل وقابلة للإشباع. لا يمكنك أن تنشغل بإشباع هذه الاحتياجات أكثر من اللازم ولوقت طويل جدًا (ستتضح هذه الخاصية أكثر بالمقارنة مع احتياجات الساحة التالية، أي الساحة العاطفية).
الغرائز غير الجسدية مثل الخوف والغضب لها أيضًا طبيعة موجية وانفعالية، بمعنى أنها، مثل الموجة، تجعل وجودنا عرضة للانفعال والاضطراب لفترة ثم تسكن وتهدأ بعد ذلك. سيزول الشعور بالخوف بزوال الوضع الخطر، وسينتهي الشعور بالغضب بزوال سبب الغضب. إذا شعرت أثناء عبور الشارع أن سيارة على وشك الاصطدام بك، فمن المحتمل أن تصاب بقلق ورعب مفاجئ، ولكن بمجرد أن يمر ذلك الحادث، كما يُقال، "على خير"، فسيزول عنك الشعور بالخوف أيضًا. حتى لو وقع هذا الاصطدام، لا قدر الله، فإن الشعور بالخوف لن يستمر بعد وقوع الحادث (رغم أنه قد يحل محله مشاعر أخرى غير سارة كالألم أو الغضب مثلاً من سلوك السائق المتهور). وبالمثل، إذا كنت غاضبًا من سلوك جار لا مبالي ترك قمامته في الزقاق، فإن غضبك سيستمر حتى حل الموضوع وسيتوقف بعد ذلك... بهذا المعنى، فإن المشاعر الغريزية غير الجسدية تكون عابرة أيضًا إلى حد ما، ولا يستطيع الإنسان البقاء في تلك الحالات لفترة غير محدودة. وبالطبع، فإن موضوع المخاوف والغضب الخفية والمزمنة التي لها جانب عارض واضطرابي هو مقولة منفصلة ومختلفة.
مجالنا العاطفي خاص بنوعنا كبشر، وسائر الكائنات الحية محرومة منه إلى حد ما. من بين نزعاتنا العاطفية "حب الاستطلاع" (أو "حب المعرفة")، و"الإبداع" (أو "حب الخلق")، و"طلب القوة"، و"الود وحب الود"، و"حب الجمال". بشكل عام، للحاجات العاطفية عدة خصائص رئيسية، منها أنها: لا تشبع، دائمة ومتزايدة، مصدر للإشباع والإقناع النفسي، غير حيوية، وعامل للبقاء الجمعي. إذا انتبهتم إلى الخصائص التي عددناها، فسترون أن خصائص الحاجات العاطفية هي، إلى حد كبير، النقطة المقابلة للنزعات الغريزية. لنر الآن ما المقصود بكل واحدة من هذه الخصائص.
المقصود بكون الرغبات العاطفية "لا تشبع" هو أن هذه الفئة من الحاجات لا تكتفي ولا ترتوي بتحقيقها، ولا تتوقف بإشباعها. فالشخص العالم، مثلاً، لا يسأم أبدًا من تحصيل العلم والمعرفة، بل يظل حتى نهاية العمر راغبًا في الاكتشاف والتعلم والمعرفة (إذا نظرتم إلى حياة الفنانين الذين تعرفونهم أو قرأتم سير عظماء العلم والفلسفة فستدركون هذا الأمر. من المشهور أن أبا الريحان البيروني كان يتحدث في فراش الموت مع صديقه في مسائل علمية ويسأل ويجيب، وعندما اندهش المحيطون به من فعله وسألوه عن سببه أجاب: «أأن أموت عالمًا خير أم جاهلاً؟»). المقصود بـ"استمرارية وتزايد" الرغبات والحاجات العاطفية هو أولاً أن هذه الحاجات، على عكس النزعات الغريزية، ليست محدودة بزمان وموقع معين، وثانيًا أن هذه الفئة من الرغبات، كلما أُشبعت، تتعاظم وتشتد أكثر.
على سبيل الفرض، شعورك بالجوع يزول بتناول شطيرة، وطالما بقي الطعام في معدتك (أو في الواقع كان سكر دمك في مستوى متعادل)، فلن تكون لديك رغبة في الأكل، بينما مثلاً الرغبة التي لديك في فن الشعر والقول به أو إنشاد الألحان الحماسية أو العاشقة، والتي هي شكل من حب الجمال، فهي أولاً ليست محدودة بزمان ومقطع معين، وثانيًا هذا الاهتمام لا يتوقف بقراءة قصيدة جميلة واحدة أو عشر أو مئة، ومع أنك لا تزال تحفظ القصائد السابقة في ذاكرتك، فأنت راغب في قراءة أو سماع أو إنشاد قصائد أكثر وأكثر. بل إن هذه الرغبة تتعمق وتزداد بمطالعة أو إبداع قصائد أفضل وأكثر.
يُشاهد مصداق هذا المبدأ، بشكل خاص، في عمل وحياة كبار المعماريين والفنانين والكتاب. بشكل عام، الأشخاص الذين يرتبط نشاطهم العملي والمهني برغباتهم العاطفية، لا يسأمون أو يملون أبدًا من اكتشاف أراضٍ جديدة في الأدب والفن والإبداع، بل على العكس، كلما تقدموا ازدادوا رغبةً في النشاط والإنتاج في مجالات عملهم، وبالمناسبة، فإن شوقهم والتذاذهم يجدان عمقًا وسعة أكبر باستمرار.
ولكن ما المقصود بتعبيري «الإشباع النفسي والروحي» و«عدم الضرورة الحيوية» فيما يتعلق بالرغبات والحاجات العاطفية؟ المقصود هو أن إشباع هذه الحاجات لا يمثل «ضرورة» للحفاظ على الحياة الجسدية والفيزيائية لشخصنا، والأنشطة المرتبطة بها ليست بالضرورة استجابة لحاجة جسدية وحيوية. أنت لا تتلقى مالاً أو منحة مقابل قراءة قصيدة جميلة أو قصة مشوقة، ولا تمتلئ سلة مئونتك من العزف على الموسيقى في خلوتك الانفرادية، ولا تحصل على قرض سكني من إيصال عابر علق تحت المطر! بل إن سبب الميل إلى القيام بهذه الأعمال هو أن الإنسان ينال منها متعة معنوية وروحية، وهذه اللذة ذاتها هي التي تدفعه نحو هذا الصنف من السلوكيات. بعبارة أخرى، إن الاهتمام بالحاجات العاطفية يكون من أجل اللذة والسكينة الذاتية الكامنتين في إشباعها وإرضائها، وليس بسبب حاجة معينة ترفعها عن حياتنا. بتعبير آخر، فإن متعلَّق الحاجات العاطفية، على عكس الاحتياجات الغريزية، هو كما يُقال «مطلوب لذاته»، أي أن ما تسعى الحاجة العاطفية إلى بلوغه يكون، في حد ذاته، مطلوباً ومرغوباً لدى الشخص الساعي، لا أن يكون وسيلة لتأمين حاجة أو كسب منفعة.
وكذلك الحال بالنسبة لانجذاب الإنسان نحو التعلم والإبداع في المجالات العلمية والأدبية والفنية المختلفة. فقد لا يجني الفرد العالم أو الرسام أو المطعِّم بالفسيفساء أو الموسيقي أو الشاعر أو الكاتب أي ربح مادي أو غريزي من فضوله أو ممارسته للفن أو تعلمه للعلم، ومع ذلك يستمر بشغف في التعلم والإبداع في المجال الذي يهواه. بعبارة أخرى، رغم أنه في حالات كثيرة قد تُطرح كل واحدة من هذه الأنشطة بوصفها مهنة ووسيلة للعيش بالنسبة للشخص، إلا أن الأمر ليس كذلك دائماً. إن الإبداع الفني واكتساب المعرفة لا يقترنان بالضرورة بمنفعة مادية أو متعة غريزية، ولا يؤدي القيام بهما دوراً في الحياة العاجلة للشخص. ومع ذلك، فإن ممارسة الفن والعلم تنمي الذوق والشعور والعاطفة في كيان الإنسان، وتجلب له لذة داخلية وذاتية، لذة كثيراً ما تفوق بكثير، من حيث المستوى والعمق، التلذذات الجسدية والغريزية.
والمقصود بـ«خدمة البقاء الجمعي» هو أن تلبية الرغبات العاطفية، وإن لم تكن ضرورية للحياة العاجلة للشخص، إلا أنها ضرورية ومفيدة لاستمرار بقاء المجتمع الإنساني وتحسين حياته. لا يخفى على أحد أن إبداع الآثار الأدبية والفنية على مر التاريخ قد أضفى على حياة الإنسان عمقاً وغنى وجمالاً، وجعل حضوره في الوجود ممتزجاً بالبهجة والمعنى واللذة، كما أن اكتساب المعرفة وإنتاج العلم قد عمّق ووسّع وعي الإنسان بقدرات كيانه ومجتمعه وحاجاتهما وآفاتهما، وكان سبباً في سيطرة البشر على الطبيعة وارتقاء مستوى الرفاه والأمان والصحة في المجتمع الإنساني. ليس من الصعب تصور أنه لولا وجود هذه الدوافع لظل الإنسان بعد عشرات آلاف السنين يعيش في عصر الكهوف، ولما وطأت ظواهر عظيمة تدعى الثقافة والحضارة والتقدم الحياة البشرية أبداً.
ومن الأمثلة الأخرى على مبدأ «المساعدة على البقاء الجمعي»، الميل الذي يكنه البشر للمحبة والشفقة تجاه الناس والكائنات الأخرى. إن دعم شخص محتاج، رغم أنه، كما قلنا، قد لا ينطوي على أي ربح مادي أو حيوي للشخص المساعد، إلا أنه بنظرة كلية، يعد هذا الميل إلى التعاطف والدعم ضرورياً ولازماً لاستمرار بقاء المجتمع وراحته. حتى إنقاذ حيوان متألم أو نوع نباتي مهدد بالانقراض يساعد على بقاء البيئة والحفاظ على الطبيعة الحية، الطبيعة التي تحتاج جميع الكائنات، ومنها الإنسان، إلى العيش في أحضانها. لو امتنع الناس عن أي عمل أو فعل لا يعود عليهم بمنفعة حيوية وغريزية، وأقدموا على الفعل فقط حيثما تكون مصالحهم الشخصية متدخلة، فإن المجتمع الإنساني سيتجه تدريجياً نحو الأفول والدمار، لأنه من الواضح أن العيش المشترك المقرون بالسعادة والأمن يستلزم الشعور بالتفاعل والترابط والدعم المتبادل بين الناس. إن جميع المشاهد الجميلة للمودة والتضحية والإيثار التي تحدث في المجتمع الإنساني نابعة من ميل البشر إلى المحبة والرأفة، ميل لولاه لانحط المجتمع البشري إلى مستوى غابة غير آمنة يسعى فيها كل حيوان فقط وراء إشباع حاجاته الغريزية. هذه هي الخصائص التي تميز الرغبات العاطفية عن سائر الميول والاحتياجات في وجود الإنسان، وتفصل مثلاً الميل الغريزي عن الحاجة العاطفية. وبهذا المعيار، سنتناول في ما يلي، باختصار، شرح وبحث كل واحدة من الجواذب العاطفية المذكورة.
أ. حب العلم
البشر بطبيعتهم ميالون إلى المعرفة والاكتشاف، وإلى ما يُصطلح عليه بـ"فهم" الأشياء، وغالباً ما يطلبون العلم لذات العلم (تأملوا الإحساس الكامن وراء تعبير "فهم" الشيء: وكأن الإنسان باكتشافه لمجهولٍ ما، يُخرج رأسه من فضاء خانق أو مظلم، ويتنفس الصعداء!). هذه السمة هي ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات، إذ لا يسعى أي حيوان إلى اكتساب العلم وتحصيل المعرفة. ومع أنه يمكن ملاحظة أشكال بسيطة من الفضول لدى الدلافين أو صغار القطط مثلاً، إلا أن هذا الميل لديها، أولاً، محدود وبدائي للغاية، وثانياً، لا تُقارَن شدته بعمق وجدية طلب العلم لدى النوع البشري.
لا شك أن إزاحة الستار عن وجه مجهولات العالم من قبل البشر، وتوسيع نطاق معرفتهم بالأبعاد المختلفة للكون، قد مهدت طريقهم نحو حياة أكثر أمناً وراحةً بل وأطول عمراً، ومع ذلك، نعلم جميعاً جيداً أن رغبة الناس في الاكتشاف والتعلم والمعرفة ليست بالضرورة من أجل منفعة ستؤول إليهم عاجلاً أم آجلاً من تلك المعرفة. فكثير ممن يشتغلون بالبحث والتفكر في العلوم، ويتعمقون في شتى المجالات الأدبية والعلمية والتاريخية والفلسفية، بل وينفقون أحياناً أعمارهم وأموالهم في هذا السبيل، لا يجنون أي "نفع" خاص من هذه الممارسة المعرفية. بل إنهم يبحثون ويفكرون لأن المعرفة والتعلم بحد ذاتهما أمر جذاب وممتع بالنسبة لهم. وبهذا المعنى، فإن الفضول وحب العلم هما جزء من حاجاتنا العاطفية، والاشتغال بهما أمر مرغوب وجذاب بذاته.
ثمة خاصية أخرى في الميل إلى حب العلم، ألا وهي عدم قابليته للإشباع. فالإنسان، مهما بلغ من اكتشاف المزيد من النقاط في المجالات التي تهمه، لا يشبع من الفهم والتعلم فحسب، بل تزداد نار شوقه إلى المعرفة اشتعالاً. فعلى عكس الحاجات الغريزية كالجوع، التي يؤدي إشباعها سريعاً إلى التخمة والشبع، بل وإلى النفور والاشمئزاز إن تجاوزت حدها، فإن نزعةً كحب العلم لا تُشبَع أبداً بالمعرفة والفهم. فمثلاً، لو أن شخصاً مهتماً بعلم الفلك قرأ مئة كتاب عن السماء والنجوم، ثم قيل له إن هناك كتاباً أو محاضرة أخرى تتضمن مطالب جديدة عن المجرات، فسيسعى فوراً للحصول على ذلك الكتاب الجديد أو الاستماع إلى تلك المحاضرة الجديدة. وكذلك الأمر لو أن أستاذاً للرسم قضى عمره في دراسة وتحليل روائع الرسم في العالم، وعلم بوجود معرض جديد تُعرض فيه لوحات لم يرها من قبل، فعلى الأرجح ستجده في الصباح الباكر من الغد أول الواقفين في صف مشتري تذاكر المعرض!
من الخصائص الأخرى لحب العلم، ما فيه من متعة روحية ونفسية. فمن يسعى لطلب العلم والمعرفة، بإشباعه لفضوله، لا يلبي حاجة جسدية، ولا ينال لذة فيزيقية بدنية. بل إن الإحساس الذي يعود عليه من التعلم والمعرفة هو متعة فكرية ونفسية. وهذا الأمر مألوف جداً، خاصة لدى أهل العلم والبحث. فلو ألقينا نظرة على المكتبات، لرأينا أفراداً كثيرين يسعون للعثور على كتب أو مجلات وشرائها، لا يريدونها غالباً لاستخدام وظيفي أو مادي معين، بل لمجرد المتعة الكامنة في قراءة ذلك الكتاب أو المجلة، وبالطبع فإن كثيراً منهم ينفقون المال والماديات بسخاء بالغ أحياناً في سبيل الوصول إلى المعشوق. يُروى في التاريخ أن هرقليطس، الفيلسوف الإغريقي القديم، كتب رداً على رسالة داريوش، ملك إيران، التي استدعاه فيها إلى بلاطه: "لذة اكتشاف حل مسألة ما، بالنسبة لي، تفوق لذة الاستيلاء على ملك إيران بأسرها." (انظر "تاريخ الفلسفة الغربية"، مصطفى ملكيان. ج 1- هرقليطس).
ب. الإبداع
إذا تجاوزنا سلوك التعشيش المثير للاهتمام لدى الطيور والحشرات، وهو نشاط بيولوجي، فمن غير المرجح أن نرى حيوانًا منهمكًا في خلق عمل فني أو أدبي! قد يكون هذا راجعًا إلى المستوى المنخفض لقوة الفكر والتخيل لدى الحيوانات، ولكن على أي حال، فإن هذا الميل خاص بالهومو سابينس أو "الإنسان العاقل"، وهو، على حد علمنا، غير موجود لدى سائر الكائنات. علاوة على ذلك، فإن الإبداع بالنسبة للإنسان هو في حد ذاته نشاط مرغوب وممتع. انظر إلى مختلف الأعمال الفنية والأدبية. بالطبع، يُنتج الكثير منها بقصد البيع وكسب الدخل، لكن العديد من أبرز اللوحات الفنية، والتماثيل الحجرية أو الفخارية الجميلة، والأشعار الرشيقة والعميقة، والأعمال الأدبية والقصصية العظيمة والخالدة، هي فقط وليس إلا ثمرة حب مبدعيها للصنع والصياغة والخلق، ولم تُخلق بقصد جني الربح أو المنفعة.
ما السبب؟ السبب هو أن الميل إلى الخلق والإبداع هو من النزعات الذاتية للإنسان، وتنميته، شأنه شأن الميول العاطفية الأخرى، هي في حد ذاتها مُرضية ومبهجة له. يستمتع الإنسان بالخلق والإنماء والبناء، ويلبي بهذا الفعل حاجة روحية وداخلية عميقة. ما قيل عن الميل لحب العلم ينطبق أيضًا على الميل للإبداع. فالفنان أيضًا، بخلقه المزيد من الأعمال الأدبية أو الفنية، لا يشبع أو يسأم أبدًا من النشاط الذي انخرط فيه، بل على العكس، كلما تقدم في هذا المسار، ازداد تفكيره في خلق أعمال جديدة، وازداد اهتمامه بفتح أراضٍ مجهولة في الفن والعلم والأدب وحتى الصناعة (التي هي نوع من الفن). إن نظرة في حياة الفنانين والأدباء والصناعيين والكتاب البارزين والمؤثرين في العالم ستشهد على هذا الميل الذي لا يشبع.
ج. حب القوة
غالبًا ما تقترن كلمة "حب القوة" في أذهاننا بمفهوم السيطرة والاستبداد، لكن الواقع هو أن التمتع بالقوة ضروري أولًا لبقاء وحياة كل كائن حي، وثانيًا، فإن الميل إلى القوة لا يعني بالضرورة الاهتمام بالسيطرة أو إيذاء الآخرين. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن مفهوم القدرة والقوة لا ينبغي أن يُفهم بمعنى القوة الفيزيائية أو السياسية أو العسكرية فحسب، بل إن القوى والمهارات الفكرية والعقلانية هي أيضًا نوع من القوة: كلنا نحفظ عن ظهر قلب هذا البيت من سعدي، الشاعر والمفكر الإيراني الكبير: "توانا بود هر که دانا بود" (القوي هو من كان عالمًا)... حتى القدرة على خلق الأعمال الأدبية والفنية والعلمية، التي تتيح للشخص المبدع إمكانية إحداث التغيير والتحول في العالم والبشر، تُعتبر نوعًا من القوة والقدرة، قدرة تكون حتى أنواع القوة الأخرى معلولة وتابعة لها - لقد تمتع القادة الفكريون والروحيون والفلسفيون الكبار في العالم في المقام الأول بهذا النوع من قوة النفوذ والتأثير. علاوة على ذلك، فإن الإنسان، بنموه الجسدي والعقلاني، يتطور شاء أم أبى ليصبح كائنًا أقوى وأقدر، وجوهر مفهوم النمو والكمال يحمل في طياته معنى أن يصبح المرء أكثر قوة وأكثر قدرة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الميل إلى القدرة - الذي يُعد الميل إلى المعرفة شكلًا منه - هو ظاهرة ذاتية في وجود الإنسان. فالإنسان مضطر لاكتساب القوة والقدرة للتغلب على التحديات المتنوعة واللامتناهية التي يضعها عالم الوجود أمامه منذ الولادة. على الرغم من أن جميع الكائنات الحية تسعى، في صراع البقاء، إلى أن تصبح أقوى وحتى إلى السيطرة على أعدائها أو فرائسها، إلا أنه يبدو أن حب القوة بمعنى إرادة القوة لذات القوة، هو خاص بالنوع البشري. وبالأخص إذا نظرنا إلى القوة والقدرة بالمعنى الواسع المذكور، فيجب القول إن الميل إلى النمو والقوة لدى الإنسان هو اهتمام دائم لا يشبع. يستمتع الإنسان بالازدهار والقوة واكتساب القدرة، ولا يحب الشعور بالضعف والعجز، ولا يُتصور لهذا الميل لديه نقطة نهاية، وهذا أمر تؤكده حدوسنا العينية تمامًا.
د. العدالة
بطبيعة الحال، لا يكاد يوجد اتفاق رأي قاطع حول المعنى الدقيق للعدل والعدالة، وليس من السهل تقديم تعريف متفق عليه لمفاهيم كالعدالة، كما أن معنى ومصداق نقيضها، أي الظلم والجور، لا يحظيان بإجماع كبير أيضاً. ومع ذلك، يمكن القول بكل جرأة إنه لا يوجد إنسان يبغض ما يعرفه، ولو بشكل غامض، باسم "العدالة"، أو يعشق ما يعتبره "ظلماً"! فالبشر، على الأقل في خلواتهم، جميعهم تواقون إلى العدالة وكارهون للظلم، حتى لو تغاضوا عن هذا الاعتقاد في الممارسة العملية، سعياً لتحقيق مصالح خاصة أو بسبب الغفلة وعدم الاكتراث. وفي الحياة الجمعية أيضاً، كان طيبُ العدالة وقبحُ الظلم معنى معروفاً ومتفقاً عليه دوماً. وأوضح شاهد على ذلك هو أنه حتى لو حُكم على شخص ظالم بالعقاب، فإنه يضطر، دفاعاً عن نفسه، إلى التوسل بمفهوم العدل والإنصاف، ومن ذلك أنه ومحاميه يحاولون تصوير الحكم الصادر بحقه على أنه غير عادل. علاوة على ذلك، لا يمكن إنكار أن ميل البشر إلى العدالة، وكرههم للظلم، حتى في المواضع التي لا تكون فيها مصلحتهم الشخصية مطروحة، هو أمر ثابت ودائم. وبهذا المعنى، ينبغي القول إن المطالبة بالعدالة والنفور من الظلم، بل ومناهضة الظلم أيضاً، هي من جملة النزعات الفطرية والإنسانية لدى البشر.
هـ. المحبة
الإنسان وليد المودة والمحبة. ولادته هي ثمرة تقارب إنسانين، ونموه الفكري والعاطفي، بل والجسدي، المنشود لا يتسنى إلا بالتمتع بأحضان الوالدين والأسرة الدافئة. القسم الأعظم من الاضطرابات الروحية والسلوكية، يرجع بشكل ما إلى نقص المحبة أو عدم اكتراث المحيط بالشخص، وعلاجها يكمن في المحبة للذات وللآخرين. لذلك ينبغي القول إن المحبة واللطف والإيثار، لدى البشر، هي نزعات ذاتية وفطرية منسوجة في نسيج كيانهم. ولا عجب أن الناس غالباً ما يتألمون لألم بعضهم البعض ويفرحون لفرحهم. فهم يهرعون لمساعدة بعضهم في الكوارث والمصاعب والحوادث، ويسعون في أوقات الحرب والفيضانات والزلازل والمصائب إلى تلبية احتياجات بعضهم وتخفيف آلامهم. في أغلب الحالات، لا تنطوي هذه المودة والدعم على أي نفع مادي للفاعلين، ومع ذلك، هناك نزعة ذاتية وباطنية تمنع البشر من عدم الاكتراث بمعاناة بعضهم البعض وتدفعهم إلى الشفقة والرأفة ببعضهم.
من الواضح بالطبع أنه في كثير من الأحيان، تتعرض هذه السجية والفعلة المفعمة بالمحبة للخدش، وتضمحل المحبة والتعاون بين البشر، بل وقد يحل محلها الحقد والعداء وإيذاء الآخر، وهذا هو ما نطلق عليه اسم الظلم والفرقة والأنانية. لكن يبدو أن مثل هذه المكاره هي أشبه بآفة تصيب حاجة البشر الذاتية إلى المودة والمحبة، لا بوصفها قانوناً يُظهر الوضع الطبيعي لشعور البشر وحاجتهم. حتى أكثر الناس عنفاً وقبحاً في أفعالهم غالباً ما يرفعون شعار المحبة والإنسانية ويشكون من السلوك الفاقد للمودة بحقهم، لأنهم يعلمون جيداً أن الإيمان بالمودة والإنسانية بين البشر هو مبدأ مقبول وبديهي. ولهذا السبب نرى أن مثل هذه الآلام لم تستطع أبداً أن تقتلع شجرة المحبة والإيثار الباسقة من كيان الفرد أو المجتمع الإنساني. ولهذا السبب أيضاً، ينبغي اعتبار الميل إلى المودة والإيثار من جملة الحاجات والنزعات الذاتية العاطفية لدى البشر، وهي نزعة لطالما كان دوام الفرد والمجتمع وبقاؤهما رهناً بتقويتها واستمرارها.
نحن البشر، بفضل جهازنا العصبي المعقد ودماغنا المتطور، نمتلك قوة التفكير والاستدلال والمحاكمة. فنحن بالرجوع إلى الذاكرة من جهة، ومعالجة وتحليل المعلومات المختلفة من جهة أخرى، نمارس أشكالاً مختلفة من التعقل والتفكير: نستنتج من الشواهد المتاحة، ونخطط للمستقبل، وندير الظروف لصالحنا، بل ونكبح، عند اللزوم، ملذاتنا ونلجم عواطفنا. كل هذا ناتج عن قابلية في كياننا يمكن تسميتها "الساحة العقلانية". وبالطبع، فإن قابلية الشعور والتعقل ليست أمراً حصرياً بالإنسان، فالعصفور والحوت ودودة الأرض والشجرة وزهرة دوار الشمس وحتى البكتيريا، جميعها تتمتع بأشكال من قوة الإدراك والشعور، غير أن هذه الخاصية لدى الإنسان تتمتع بكَمّ وكيف أشد تعقيداً وتطوراً بكثير من سائر الكائنات الحية.
يتمتع مجالنا العقلي بعدة مزايا كبرى على المجالات الثلاثة الأخرى: أولها أن العقل قادر على تشخيص وتأمين احتياجات المجالات الأخرى، في حين أن تلك المجالات، بذاتها، لا تتمتع بمثل هذه القدرة. فعلى سبيل المثال، ألم الأسنان ليس سوى إحساس، وهو بذاته غير قادر على حل مشكلة السن المتآكل. إن العقل هو الذي ينبغي عليه أولاً أن يتعرف على هذا الإحساس بوصفه "ألم أسنان"، ثم يدفع الكائن الحي نحو حل تلك المشكلة. وبالطبع، فإن عملية حل المشكلة تتم أيضاً بفضل دراية قوة الفكر والتأمل. وبالمثل، فإن الإحساس بالجوع أو العطش هو في حد ذاته إحساس أعمى، ويحتاج إلى عامل آخر يدركه، ويتعرف على الحاجة التي يمثلها ذلك الإحساس ويلبيها، وهذا العامل الواعي والمُشخِّص والمُلبِّي هو العقل والفكر ذاته.
ومهمة إدراك الرغبات العاطفية وتلبيتها تقع أيضاً على عاتق العقل والحكمة. فالرغبة في الجمال والإبداع، التي تشكل أساس الأنشطة الفنية، هي التي يقوم العقل بمعرفتها ورعايتها والتخطيط لها، وتكون النتيجة أن يشرع الإنسان في صنع الأدوات والآلات الفنية كالآلات الموسيقية ولوحات الرسم وأقلام الخط، أو أن يقدم الشخص المتذوق للفن على أنواع الأنشطة اللازمة لتعلم الفن: فيسجل اسمه لدى أستاذ فنان، ويشتري لوازم العمل الفني، وينهمك في دراسة وتعلم أصول الفن والأدب. وبالمثل، فإن حاجة الإنسان إلى القوة والقدرة، يتم التعرف عليها بواسطة قوة الإدراك والتوجيه لدى العقل، ومن ثم تلبيتها عبر ممارسة الرياضة أو تحصيل العلم واكتساب المهارات المختلفة.
أما الخاصية الثانية المثيرة للاهتمام والفريدة للمجال العقلي، فهي أن هذا البُعد من وجودنا قادر بذاته على معرفة احتياجاته الخاصة، وعلى رعاية وجوده وتنميته. فلا أيٌّ من المجالات الثلاثة: "الحيوي" و"الغريزي" و"العاطفي" قادر على تنمية ذاته أو تأمين احتياجاته الخاصة، فهي فقط راغبة وطالبة للاهتمام بها، وهي من هذه الناحية محتاجة ومعتمدة على قوة خارجة عنها. أما وضع العقل فمختلف. فالعقل يعرف حاجته إلى الاهتمام والنمو والتقويم، كما أنه قادر على التخطيط والتحرك نحو تقوية ذاته وتربيتها وإنمائها. بل إن العقل قادر على اكتشاف نقاط ضعفه وأخطائه، والسعي في سبيل التعرف عليها وإزالتها.
عندما ترى طائرة في السماء، فإن ما تنقله إليك عيناك هو أن "ذلك الطائر بحجم علبة كبريت" (وهذا على الأرجح ما يتصوره الرضيع)، ولكن عقلك هو الذي يؤكد لك أن ذلك "الطائر الصغير" هو في الواقع أكبر بمئات المرات من عقاب. وعندما تفكر في الأمس أو في العام الماضي، وتستعرض في ذهنك الخيارات والسلوكيات التي قمت بها في ذلك الوقت، فإنك تصادف سلوكيات وقرارات عديدة، وبمعيار عقلك ووعيك اليوم، تقيّمها بأنها خاطئة وبعيدة عن الحزم وبُعد النظر، وهذا بفضل قدرة العقل والفكر على نقد وتقييم ذاته.
كذلك، فإن سبب سعي الناس لاكتساب المعرفة والمهارات في مختلف التخصصات العلمية والفنية والتقنية ليس إلا أن حَكَماً يُدعى العقل والفكر قد حكم بأن معارفهم ومهاراتهم الذهنية والعقلية في مجال ذلك العلم أو الفن تحديداً تعاني من ضعف وقصور، وبالتالي فإن فكرهم وتأملهم في ذلك الحيز بحاجة إلى تقوية وتعليم. إن تشخيص نقاط الضعف والأخطاء الفكرية والعقلية بواسطة العقل نفسه له أمثلة لا تُحصى، وفي الأساس فإن نشوء فرع يُسمى "نظرية المعرفة" أو "الإبستمولوجيا" في الفلسفة، وكذلك مبحث المعرفة والخطأ في علم النفس، هو نتيجة لهذه القدرة العقلية على كشف وتحديد نقاط ضعفه وأخطائه وميله إلى إزالة هذه الأخطاء. وهذا في حين أننا لا نجد قوة "الاستبطان" و"التنقية الذاتية" هذه في أي ساحة أخرى من ساحات الوجود البشري. وهنا نضطر إلى الاستطراد قليلاً ونضيف أنه توجد بالطبع قدرة على إصلاح الذات أو ترميمها في جسد وفيزيولوجيا جميع الكائنات الحية، فمثلاً يرمم الجسد أثر الجرح، ويطرد المواد الضارة، ويحارب المرض في حدود طاقته، ولكن أولاً، إن طبيعة سير هذه الأعمال هي في الغالب آلية وغريزية. وثانياً، هذه القابليات "شبه الواعية" والغريزية ليست كافية وحدها لحفظ بقاء الإنسان - لاحظ أن الطفل البشري، على عكس الكائنات الحية الأخرى، يظل معتمداً لفترة طويلة جداً على رعاية وتربية وتعليم والديه، وهو غير قادر على مواصلة حياته دون الاتكاء على العقل وتشخيص الكبار. ونحن نعلم أن تأمين الحاجة إلى الدواء والعلاج ومعرفة الأمراض وتجنب المخاطر، الذي يحدث على مستوى أسمى بكثير من الغريزة، يقع على عاتق المجالات العلمية مثل الهندسة والعمارة وخصوصاً الطب، التي تدين جميعها بولادتها لنمو وخصوبة الساحة العقلية للإنسان. والأمر الآخر هو أنه يجب الانتباه إلى أن النظام الجسدي والفيزيائي يقوم هو الآخر بعمل الرعاية والترميم لنفسه بالاعتماد على نوع من الوعي والحكمة الذاتية، ولو لم تكن هذه "الغريزة العاقلة" تحكمه لما كان قادراً على القيام بهذا العمل، ويمكن اعتبار هذه الحكمة والتشخيص جزءاً من الساحة العقلانية نفسها، لأن قابلية الوعي والإدراك ليست شيئاً مقتصراً على الدماغ، ونحن بالطبع لم نقل شيئاً كهذا.
بالنظر إلى القابليات الهائلة والفريدة للساحة العقلانية، فمن الطبيعي أن تكون إدارة الساحات الأخرى وتأمين احتياجاتها على عاتق العقل والحكمة. إن العقل هو الذي ينبغي أن يعرّفنا باحتياجاتنا المتنوعة، ويتعرف على قابلياتنا الجسدية والروحية، ويقوم بالتدبير والتقييم لإدارة الاحتياجات وإزدهار جوانب وجودنا المختلفة. معنى هذا الإدراك هو أن العقل، بقدر ما ينمو ويتربى، سيكون مديراً كفؤاً وحكيماً يستطيع أن يميز صواب أو خطأ كل سلوك، ومناسبة أو عدم مناسبة كل ميل، وأن يخطط لتأمين كل واحد من الاحتياجات بما يتناسب مع أهميته وأولويته، وأن يعطي كل ساحة نصيبها كفايةً وجدارة. إن وجودنا أرضٌ حاكمها هو العقل والحكمة والفكر، وبالنظر إلى هذه المهمة الكبيرة والخطيرة، ينبغي تنمية العقل والفكر وتقويتهما إلى أقصى حد ممكن، وحفظهما من الخطأ والانحراف، لكي يقودا حياتنا الفردية والجماعية بأكثر الوجوه فائدة، ويوصلانا إلى الراحة والازدهار.
بضع نقاط مهمة
في الختام، هناك بضع نقاط حول التصنيف الذي أوردناه في هذا الحديث جديرة بالذكر. الأمر الأول هو أن المخطط الذي رسمناه هنا لساحات وجودنا واحتياجاته ليس ترسيماً لحدود قاطعة ودقيقة، بل هو تصنيف عام وتقريبي. الواقع هو أنه من جهة، لا يمكن تعريف حد فاصل واضح بين الكثير من ميول الإنسان واحتياجاته، ومن جهة أخرى، فإن الكثير من سلوكياتنا نحن البشر تلبي في آنٍ واحد حاجتين أو أكثر، سواء كانت احتياجات غريزية أم عاطفية أم عقلانية. تأمل نشاطاً اسمه العمل وكسب الدخل. هذا النشاط يستلزم نمو وتنمية القدرات الفكرية والعاطفية وهو عامل فيها في آنٍ واحد؛ إنه فعل لتأمين احتياجاتنا الغريزية والحيوية من مأكل ومسكن، ورد فعل لميلنا العاطفي للتفاعل الاجتماعي والتحرك نحو النمو والإبداع والقدرة. وكذلك فإن مهنة مثل تعليم الفن، تُشبع من طرف ميل الفنان إلى الجمال والإبداع وحتى المحبة، وتؤمن من طرف آخر احتياجاته المادية والمعيشية.
حتى الفصل الدقيق بين المجالات الأربعة بعضها عن بعض مهمة شاقة، ولا يمكن القول إن ماهية هذه المجالات منفصلة ومستقلة حقاً عن بعضها البعض. فتحصيل العلم والمعرفة مثلاً، يُشبع رغبة الإنسان في الفضول، ويُنمّي مجاله العقلي، ويلبي حاجته إلى الشعور بالقدرة والقيمة. ومن ثم لا يمكن القول إن ثمّة مجالاً محدداً يعمل بمفرده في عملية الكشف والتعلّم. النقطة الأخيرة هي أنه يمكن لكل مجال من المجالات التي ذكرناها، أن نتعرف على حاجات أخرى ونحصيها، بل ويمكن أن نتناقش ونتحاور حول عددها وكيفيتها، وهو أمر لا يتسع له مقال واحد، ولهذا اكتفينا هنا بتصوّر عام وموجز.
ثمّة نقطة أخرى جديرة بالذكر، وهي التناسب والتداخل القائم بين التصوّر المطروح هنا وهرم ماسلو الشهير، بمعنى أن المجالات الأربعة التي نوقشت في هذا المقال يمكن، بشكل متقابل، اعتبارها منطبقة على "هرم الحاجات" لماسلو. نعرف أن أبراهام ماسلو، عالم النفس الأمريكي المؤثر في القرن العشرين، قسّم في هرمه الشهير حاجات الإنسان إلى خمس مجموعات، وهي من قاعدة الهرم إلى قمته: 1. "الحاجات الفسيولوجية"، وتشمل الحاجة إلى الطعام والنوم والرغبة الجنسية، 2. "الحاجة إلى الأمن"، وتشمل الحاجة إلى الصحة وتجنب الخطر، 3. "الحاجة إلى الحب والانتماء"، ومنها الحاجة إلى الصداقة والعطف والقبول، 4. "الحاجة إلى التقدير"، وتشمل الحاجة إلى الاحترام وعزة النفس، و5. "الحاجة إلى تحقيق الذات"، التي يعرّفها ماسلو بأنها "تحويل كيان المرء إلى أفضل صورة ممكنة" وتشمل تنمية الإبداع، والعيش بأخلاقية، وقبول الحقائق، ونبذ التعصب والأحكام المسبقة.
في هذه المقارنة، يمكن القول بشكل عام إن حاجات المستويين 1 و2 في هرم ماسلو، ترتبط بمجالينا الجسمي والغريزي، وحاجات المستويات 3 إلى 5 تنتمي إلى مجالينا العاطفي والعقلي. ومن المثير للاهتمام بشكل خاص، أن ماسلو سمّى حاجات المستويات الأربعة الأولى من الهرم "حاجات النقص"، وحاجات المستوى الخامس أو الأخير "حاجات النمو"، بمعنى أن حاجات المجموعة الأولى، كالجوع والعطش، هي احتياجات تعرض للإنسان نتيجة نقص وخلل، وتلبيتها ضرورية لتجنب الألم والاضطراب. في المقابل، فإن حاجات الفئة الأخيرة، ومنها الرغبة في الكمال والازدهار، لا تحرّك كيان الإنسان بفعل الإحساس بالألم والانزعاج، بل نتيجة الشوق إلى النمو والارتقاء. وهذا هو الفرق ذاته الذي يمكن تلمّسه بين المجالين الجسمي والغريزي من جهة، والمجالين العاطفي والعقلي من جهة أخرى.
المطلب الأخير هو أنه من هذا التصوّر العام نفسه يمكن استخلاص مفهوم البهجة والرضا والسعادة، بمعنى أنه في الكيان البهيج والمزدهر، يجلس على سدّة الإدارة عقلٌ يقظ وقوي، يعرف حاجات هذا الكيان على نحو صحيح، ويقود وجود الشخص بشكل مفيد ومنسجم نحو تلبيتها. وبقدر ما تحظى أبعاد ومجالات الكيان الإنساني المختلفة بالاهتمام والتلبية، يكون وجوده أكثر ازدهاراً وحياته أكثر ديناميكية وسعادة. وفي المقابل، بقدر ما يتعرض أي بعد من أبعاد هذا الكيان للإهمال أو الكبت أو الانحراف، يصاب وجود الشخص بالضعف والنقص والذبول والتعاسة.
هذا المبدأ لا يصدق فقط على مستوى الحياة الفردية، بل هو صادق عيناً وعملياً في ميدان الحياة الجمعية للبشر أيضاً. فبقدر ما تحظى الحاجات الحيوية والعاطفية والعقلية للناس في مجتمع ما بالاهتمام ويُستجاب لها على النحو الصحيح، يكون ذلك المجتمع كلاً صحيحاً مزدهراً وسعيداً، والعكس بالعكس، فبقدر ما تتعرض الرغبات الطبيعية والمطالب الذاتية للأفراد للكبت أو الإنكار أو الإفراط والتفريط، يسقط ذلك المجتمع في هاوية عدم النضج والغضب والإحباط – هذا المطلب الأخير، أي علاقة تلبية مجالات الوجود بالسعادة، ناقشته بالتفصيل في كتاب "لغز السعادة" الذي هو قيد النشر.
.
.
1- Abraham Maslow (1908-1970)
2- Deficiency Needs
3- Growth Needs
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
حکیم ابوالقاسم فردوسی : توانا بود هر که دانا بود به دانش دل پیر برنا بود