اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كان عباس كيارستمي «واعياً بالموت»، وفي أعماله مثل «طعم الكرز» صوّر نعم الحياة في ظل الموت؛ مقالة عن علاقة سينماه بشعر سهراب سبهري وإرثه الخالد في الفيلم والصورة والأدب بقلم سروش دباغ.

عباس کیارستمی، المخرج والمصور الفوتوغرافي المعاصر البارز، توفي أمس إثر سكتة دماغية في باريس وحلّق نحو العدم، شعرت بالحزن لسماع هذا الخبر. كنت لا أزال طالباً في المدرسة الثانوية عندما تعرفت على كيارستمي بمشاهدة فيلم «أين يقع منزل الصديق؟»؛ لم أكن أعرف في ذلك الوقت أن سهراب سبهري له قصيدة بالعنوان نفسه في ديوان «الحجم الأخضر».
.
«ومضى إلى شفة اللاشيء/ واستلقى وراء صبر الأنوار/ ولم يفكر أبداً/ أننا وسط تشوش لفظ الأبواب/ لأكل تفاحة/ كم بقينا وحيدين».
عباس كيارستمي، المخرج والمصور الفوتوغرافي المعاصر البارز، توفي أمس إثر سكتة دماغية في باريس وحلّق نحو العدم، شعرت بالحزن لسماع هذا الخبر. كنت لا أزال طالباً في المدرسة الثانوية عندما تعرفت على كيارستمي بمشاهدة فيلم «أين يقع منزل الصديق؟»؛ لم أكن أعرف في ذلك الوقت أن سهراب سبهري له قصيدة بالعنوان نفسه في ديوان «الحجم الأخضر». لاحقاً، عندما التحقت بالجامعة ودرست «الكتاب الثماني» لسبهري بجدية وشاهدت «أين يقع منزل الصديق؟» مرة أخرى، أدركت رقة هذا الفيلم وحميميته وبساطته العميقة والبديعة. وبعد سنوات، بمشاهدة الفيلمين الباهرين والخالدين «طعم الكرز» و«ستحملنا الريح»، رأيت بوضوح التأثير العميق لسبهري على سينما كيارستمي، واستحسنت كثيراً نظرة كيارستمي الشاعرية والروحانية والإنسانية في أعماله، وصرت مهتماً بسينماه. قبل فترة، سررت بمشاهدة «طعم الكرز» مرة أخرى، وتمتمت بهذه المقاطع من قصيدة «حركة الكلمة الحية» لسهراب:
«الحياة تعني: طار زرزور/ ممّ اشتقت؟/ أسباب البهجة ليست قليلة: مثلاً هذه الشمس/ طفل بعد غد/ حمام الأسبوع القادم/ شخص مات الليلة الماضية/ ولا يزال خبز القمح طيباً/ ولا يزال الماء ينسكب إلى الأسفل، تشرب الخيول»[١].
يمكن تجاهل الموت الذي سيأتي يوماً ما ويوقعنا في شركه، وعدم رؤيته وإنكاره واتخاذ «الموت الأعمى» ديدناً؛ وكأن الإنسان حي إلى أبد الآبدين ولن يوارى وجهه في نقاب التراب. كما أن كثيراً من الناس يخافون قدوم الموت وهم «مصابون برهاب الموت»؛ هؤلاء ليسوا في مقام إنكار هذا الأمر، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بمرارة وخوف عميقين من تذكر هذه الحقيقة المهمة وهي أنه ينبغي عليهم يوماً أن يتجاوزوا تعلقاتهم وممتلكاتهم وتمتعاتهم ويغادروا مسرح الحياة، فـ«من عاش حلواً مات مراً». إضافة إلى هذين الصنفين، يمكن العثور على أناس «واعون بالموت»، هؤلاء الجماعة ليسوا في مقام إنكار الموت، ولا هم مصابون برهاب الموت؛ بل يرون ثنائية «الحياة/الموت» معاً وفي آن واحد، وقد أدركوا وتذوقوا جيداً عجالة الفرصة الممنوحة لهم ليعيشوا على الكرة الأرضية بضع سنوات ويؤدوا دورهم وزوالها وعبورها، ويسعون إلى اتخاذ حياة أصيلة ومدروسة [٢]، والاستفادة القصوى من كونهم أحياء، وأخذ ثأر الحياة من الموت؛ حتى إذا أتى الموت، لا يخدش الندم وجودهم، ويسلموا للموت أرضاً محروقة [٣]:
كل وقت سعيد يحصل فاغتنمه
لا أحد يعلم ما تكون العاقبة
ارتباط العمر معلق بشعرة فكن واعياً
كن راعياً لنفسك، ما همّ الدنيا
على ما أدرك، كان كيارستمي «واعياً بالموت»، وفي أعمال مثل «الحياة ولا شيء غير ذلك» و«طعم الكرز»، صوّر هذا النوع من مواجهة الموت بشكل جميل. عنده، «للحياة جناح وريشة بسعة الموت»، والموت «في جوهر ليل القرية يتحدث عن الصباح» و«مسؤول عن جمال جناح الفراشة»؛ موت «يأتي إلى الفم مع عنقود العنب» و«يقطف الريحان أحياناً»؛ موت «يسكن في مناخ الفكر اللطيف» و«يجلس أحياناً في الظل ينظر إلينا»؛ لذا لا ينبغي أن نغلق الباب كلياً «في وجه كلام القدر الحي الذي نسمعه من وراء أسيجة الصوت».
في السنوات العشرين الماضية، بالإضافة إلى الأعمال المذكورة أعلاه؛ شاهدتُ من بين أعمال كيارستمي أفلام «قضية الشكل الأول، الشكل الثاني»، و«كلوزاب»، و«تحت أشجار الزيتون»، و«عشرة»، و«نسخة طبق الأصل»، و«شيرين» واستمتعتُ بها كثيراً. إن قول نعم للحياة والارتقاء بها وأخذها على محمل الجد، رغم كل المرارات والبرودات والإخفاقات واللاإنسانيات والرياح المعاكسة التي تهب في حياة كل إنسان، تتجلى خصوصاً في «الحياة ولا شيء غيرها»، و«تحت أشجار الزيتون» و«طعم الكرز» وهي مُعْبِرة ومُبصِّرة وهادية؛ فـ«الحياة ليست شيئاً يُنسى على رف العادة». برواية كيارستمي، المُسِرّات ليست قليلة: طفل بعد غد، حمام الأسبوع القادم، لا يزال خبز القمح طيباً، ولا تزال الخيول تشرب الماء. يمكن ألا نطلب رزقاً لم يُقدَّر ونُضرم النار في القلق والندم ونبحث عن «قلب آخر» [٤] ونرضى «بتفاحة» و«باستنشاق زهرة بابونج»، يمكن أن نقتنع «بمرآة، برباط طاهر» ونجلس لنتفرج على «زقزقة السنونو من سقف الربيع» ونقترب «من بداية الأرض» ونجس «نبض الأزهار» وننال السكينة والطمأنينة وهكذا نذهب لملاقاة الطبيعة المأساوية للوجود ونمنح حياتنا معنى.
قرأتُ مؤخراً مقدمة داريوش شايغان لمجموعة صور كيارستمي الفوتوغرافية بعنوان «أبواب البيوت المهجورة» في كتاب بحثاً عن الفضاءات المفقودة. شروح شايغان حول أبواب كيارستمي في هذه المجموعة من الصور، والتي هي جميعاً أبواب متعبة خربة متقشرة عتيقة بالية من الزمن [٥]، دفعتني إلى التأمل والتوقف عند مفاهيم الزمن والاضمحلال والفناء وجعلتني أجوب الآفاق البعيدة. أنا متشوق لأرى مجموعة الصور هذه في أول فرصة وأستفيد من فن كيارستمي في التصوير الفوتوغرافي بالإضافة إلى الإخراج السينمائي. وإلى جانب الإخراج السينمائي والتصوير الفوتوغرافي، اختبر كيارستمي موهبته في مجال الأدب أيضاً ونشر أعمالاً مثل حافظ برواية كيارستمي وسعدي يصرخ من يدي نفسه؛ وقد أثار نشر حافظ برواية كيارستمي نقداً عالماً من بعض الباحثين في حافظ وأهل الثقافة مثل داريوش آشوري. [٦]
كان كيارستمي من بين السينمائيين الإيرانيين القلائل ذوي الأسلوب المتميز الذين حظوا بشهرة ومكانة وإقبال دوليين؛ لقد جعل اسم الثقافة والفن الإيرانيين يتردد في العالم وأضفى على السينما الإيرانية اعتباراً، وبسفره الذي لا عودة منه، ترك اسماً طيباً وإرثاً خالداً. رحمه الله. أتقدم بأحر التعازي في رحيله إلى أسرة كيارستمي المحترمة، وإلى الوسط السينمائي، وإلى أبناء وطني الأعزاء محبي الفن:
دو چیز حاصل عمر است نام نیک و صواب وز این دو در گذری کل من علیها فان
.
.
[۱] . تعبير «طفل بعد غد» في قصيدة سبهري هذه، يستدعي هذه العبارة البليغة لرابندرانات طاغور، الشاعر الهندي: «كل طفل يأتي إلى العالم برسالة مفادها أن الله لم ييأس بعد من البشر».
[۲] . في مقالة «الموت يجري في ذهن الأقاقيا: مخطط للعرفان الحديث ٦»، باستعارة مفاهيم «الموت الأعمى»، و«رهاب الموت»، و«التفكر في الموت»، و«الوعي بالموت»، أوضحت أربعة أنواع من مواجهة الموت بروايتي الخاصة. انظر: سروش دباغ، فلسفة سبهري اللازوردية، طهران، صراط، ۱۳۹۴، الصفحات ۱۴۶-۱۲۹.
[۳] . التغلب على الخوف من الموت من خلال العيش الأصيل والعميق وترك الأرض محروقة أمام «الموت»، قد شُرح بشكل جيد في أعمال إرفين يالوم، الطبيب النفسي الشهير، والأستاذ المتقاعد في جامعة ستانفورد ومؤسس مدرسة «العلاج النفسي الوجودي». على سبيل المثال، انظر: إرفين يالوم، التحديق في الشمس: التغلب على رعب الموت، ترجمة مهدي غبرائي، طهران، نيكونشر، ۱۳۹۴.
[٤] . إشارة إلى أحد أبيات مولوي الآسرة في ديوان شمس:
بروای تن پریشان، تو و آن دل پشیمان
که ز هر دو تا نرستم، دل دیگرم نیامد
[٥] . داريوش شايغان، «أبواب البيوت المهجورة»، بحثاً عن الفضاءات المفقودة، طهران، فرزان روز، ۱۳۹۲، الصفحات ۱۷۵-۱۷۱.
[٦] في رأيي، إن الحق في هذا الأمر مع آشوري، وعلاقة وارتباط مقولة رامبو «يجب أن نكون محدثين مطلقاً» التي استشهد بها كيارستمي، بقراءته للشاعر حافظ وأبحاثه حوله، ليست واضحة على الإطلاق. لقد كان كيارستمي مخرجاً سينمائياً من الطراز الأول، ولكن نشر هذا العمل لم يضف إلى مكانته؛ ولا يمكن اعتبار «حافظ برواية كيارستمي» سوى نوع من التذوق الفني فحسب. وعلى هذا المنوال، فعلى الرغم من أن أحمد شاملو كان شاعراً من الطراز الأول، فإن نشر ديوان حافظ بتحقيقه لم يضف إلى قدره ومنزلته أيضاً، وقد كشف النقد العالِم لبهاء الدين خرمشاهي عن أخطائه الفادحة في هذا العمل.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.