اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«الفلسفة القارية تصلح للأكاديميا لا لساحة التنوير»؛ حوار صدانت مع سروش وحسين دباغ حول وضع الفلسفة في الخارج والصراع بين التقليدين التحليلي والقاري الذي خفت حدّته في الغرب.

حوار خاص لصدانت مع الدكتور سروش والدكتور حسين دباغ بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الفلسفة القارية تصلح للأكاديميا لا لساحة التنوير!
مجيد خاني: حين عرضتُ اقتراح إجراء حوار مع الدكتور سروش دباغ وحسين دباغ على هذين الأخوين اللذين ينشغل أحدهما في كندا والآخر في إنجلترا بالبحث والدراسة والتدريس، قوبل الاقتراح بصدر رحب و«بمحبة»، وتأكد لي أنهم إن كانوا قد درسوا فلسفة الأخلاق في ميدان النظر، فإنهم في ميدان العمل يتحلون بخلق كريم.
أجاب حسين على الأسئلة كتابةً، أما سروش فقد جلست معه في حوار شفهي عبر سكايب، حوار امتد – رغم وعكة ذلك العزيز – لأكثر من ساعتين ونصف، وجعلني سوء جودة الإنترنت في إيران وانقطاعاته المتكررة أشعر بالحرج تجاهه. لكنه استمع إلى أسئلتي بصبر ووقار، وأجاب بهدوء وتروٍّ وتفصيل وإحاطة. بدأت الأسئلة من وضع الفلسفة خارج البلاد، وبلغ بنا الحديث في منتصفه إلى داوري وسيد جواد طباطبايي وفرديد، وانتهى حوارنا أخيرًا إلى جفاءات «مهرنامه»، وإن كان مودتنا لهم على «نفس الختم والعلامة التي كانت».
تنقسم أسئلة هذا الحوار إلى ثلاثة أقسام: قسم منها يتعلق بفضاء الفلسفة والتفلسف خارج البلاد، والقسم الثاني خُصص للفلسفة في إيران مع التركيز على النزاع التحليلي والقاري، وفي هذين القسمين أجاب الأخَوان على أسئلة متشابهة، أما القسم الثالث فكان أسئلة تتعلق بأعمال الدكتور سروش دباغ وانشغالاته الفكرية، وقد أجاب عنها بطبيعة الحال وحده. آمل أن تتاح لي فرصة أخرى لأجلس مع حسين في حوار حول نشاطاته.
سروش: قبل سفري إلى إنجلترا لمواصلة الدراسة، كانت لدي هذه الصورة نفسها، أعني أن النزاع بين الفلاسفة التحليليين والقاريين، الذي كان يتخذ أحيانًا منحى عدائيًا، كان بارزًا لدي. بعد وصولي إلى إنجلترا وبدء الدراسة، أدركت أن المسألة، على الأقل لدى بعض الفلاسفة، ليست هكذا ولا تُصاغ بهذه الطريقة. يمكن أن نفهم أن هذا النزاع كان موجودًا حقًا في الغرب، خصوصًا في الفضاء ما بين الحربين العالميتين، أي في عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وكان سببه أمران: أحدهما ما جرى على حلقة فيينا[1]، أي حين دوت قصة معاداة السامية في أوروبا؛ على نحو اضطر معه بعض هؤلاء الفلاسفة مثل كارناب[2] وأعضاء آخرين من حلقة فيينا إلى النزوح عن أوطانهم. والثاني الموضوعات التي كان يعالجها الفلاسفة التحليليون، ففي تلك الحقبة، كانت مباحث الفلاسفة التحليليين، سواء أعضاء حلقة فيينا، أو فلاسفة أكسفورد مثل جون أوستن[3]، أو كواين[4] الذي كان يتفلسف في أمريكا، تدور غالبًا حول المعنى والمنطق، وخلافًا للفلاسفة القاريين، كانت مقولات مثل الأخلاق والسياسة والانشغالات الوجودية والنظرة التاريخية أقل حضورًا بينهم؛ ومن هنا شوهد تقابل بين هاتين الجماعتين في تلك الفترة الزمنية.
لكن حين نصل إلى عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، تختلف القصة بعض الشيء. لعدة أسباب: أحدها أن بعض الفلاسفة التحليليين أخذوا يعالجون مقولات مثل السياسة والأخلاق على نحو أكثر جدية. كتاب «نظرية في العدالة[5]» الشهير لجون رولز[6] كان مثيرًا للتأمل وذا نفوذ من هذه الناحية؛ إضافة إلى ذلك، فإن بعض الكتب التي كُتبت عن تاريخ الفلسفة التحليلية، والاهتمام بتاريخ هذه المدرسة الفلسفية والتنبه له، صار محط كلام ونظر الفلاسفة التحليليين. من أهم الكتب التي كُتبت عن تاريخ الفلسفة التحليلية، كتاب «أصول الفلسفة التحليلية[7]» لمايكل دَمِت[8]، أكبر دارسي فريجه في القرن العشرين، والأعمال التي نُشرت في هذا المجال من فلاسفة مثل هانس غلوك[9]، مثل «ما الفلسفة التحليلية؟[10]».
بعبارة أخرى، يمكن تصور الأمر على النحو التالي: بين آباء الفلسفة التحليلية وأولئك الذين عملوا في هذا الحقل خلال العقود الأولى من القرن العشرين، كان هذا الخلاف قائماً؛ وكذلك بين من تبقى من ذلك الجيل، لا يزال هذا الخلاف موجوداً، لكن القصة تختلف بين الأجيال الأحدث. على سبيل المثال، حين كنت أدرس في جامعة واريك[11]، كان ديفيد ميلر[12]، تلميذ بوبر[13]، يُدرّس هناك أيضاً ولم يكن قد تقاعد بعد. كنت أحضر دروسه في المنطق الصوري[14] وفلسفة العلم. وكنت أذهب أحياناً إلى مكتبه ونتحاور معاً. أتذكر أن ميلر لم يكن على وفاق البتة مع هايدغر والهايدغريين، وكان يوجه إليهم نقداً لاذعاً نسبياً؛ وكان يمكن للمرء أن يدرك أن هذا النزاع والخلاف عميق ومتجذر. لكن إذا تجاوزنا النزاعات السابقة، نجد أن القصة قد اختلفت اليوم. فعلى سبيل المثال، في فرع الفينومينولوجيا، هناك قواسم مشتركة بين بعض الأعمال التي يقوم بها اليوم بعض الفلاسفة التحليليين وأعمال بعض الفلاسفة القاريين. وعلى سبيل المثال، حين كنت أكتب أطروحة الدكتوراه خاصتي، كان طالب آخر لدى أستاذي يعمل على أعمال ميرلوبونتي[15] وفيتغنشتاين[16] المتأخر. ومع أن أستاذي كان تلميذاً لمايكل داميت وفيلسوفاً تحليلياً مكتمل العدة، إلا أنه كان منفتحاً على بعض المباحث المطروحة في التقليد القاري ويتأمل فيها. إجمالاً، يبدو أن ذاك التخالف، بل والعداء أحياناً، الذي كان قائماً بين هاتين المدرستين الفلسفيتين في العقود الماضية، قد خفت حدته اليوم.
حسين: كما قد تخمن، فإن الجامعات في إنجلترا، على خلاف أمريكا، وباستثناء قلة منها (مثل ساسكس، واريك، كينغستون، وإلى حد ما بيركبيك وأكسفورد)، لا تعترف إلا بالفلسفة التحليلية وتشجع الطلاب على الدراسة والتدريس في هذا التخصص. لكن هذا لا يعني أن النزاع بين التحليلية والقارية قد خمد تماماً في إنجلترا. بل إن هذا النزاع يوجد بوضوح بين طلاب المرحلة الجامعية الأولى. ففي جامعتي أكسفورد وريدنغ اللتين كانت لي تجربة الدراسة فيهما، كان طلاب الليسانس يسعون دوماً لعقد لقاءات ومؤتمرات وندوات لإبراز هذا النزاع، وكانوا يدعون أساتذة مختلفين من شُعب مختلفة ليزيدوا من تأجيج نار هذا النزاع. أتذكر أنه في إحدى هذه اللقاءات، ألقى الطلاب بـ ... و ... في أتون بعضهما البعض، ونشب نقاش عنيف بالطبع. النقطة المهمة هنا هي أن النزاع بين التحليلية والقارية في إنجلترا، بقدر ما اختبرته، وعلى خلاف ما يجري في إيران، لا يدور حول "الفلاسفة". أي أن الأمر ليس جدالاً بين أحدهم والآخر حول لماذا يُدرّس هيغل[17] أو ماركس[18] أو نيتشه[19] أو هايدغر[20]... إلخ. الجدال يدور حول موضوعات ومنهجية هؤلاء الفلاسفة. حتى الفلاسفة التحليليون يستعينون في تدريسهم بهيغل أو هايدغر، أو هم مكلفون بتوظيف نصوص هؤلاء الفلاسفة. النقطة هنا هي أن الفلاسفة التحليليين يتعاملون مع نصوص الفلاسفة القاريين كنموذج للاستدلال الفلسفي (قوياً كان أم ضعيفاً) تعاملاً نقدياً. ليس المهم ما قاله الفيلسوف الفلاني، بل المهم كيف قاله. أتذكر أنني حين كنت أحضر دروس هايدغر في أكسفورد، لم يكن هناك أثر لرواية أو إعادة سرد ما قاله هايدغر. كل ما كان هناك هو نقد وتشريح لكتاب الوجود والزمان[21]. وكذلك حين كنت أحضر درس الأخلاق من منظور نيتشه، كان الأستاذ يسعى في المقام الأول إلى تقرير حجة نيتشه، ثم يشرع في نقدها.
نقطة أخرى ينبغي أن أذكرها هنا هي أن الفلسفة التحليلية والقارية قد تقاربتا كثيراً في السنوات الأخيرة من حيث الموضوع (وليس المنهج). فعلى سبيل المثال، إذا كان الفلاسفة القاريون يكثرون من الكتابة حول موضوعات وجودية (كالموت، الوحدة، معنى الحياة...)، فإن الفلاسفة التحليليين الآن أيضاً ينشرون كتباً حول هذه الموضوعات نفسها، ولكن بمنهج مختلف بالطبع.
سروش: يمكن القول ذلك إلى حدٍّ ما، لكن ثمّة تفسيرات أخرى أيضاً. حتى اليوم، في بعض أقسام الفلسفة في إنجلترا أو أستراليا وأمريكا، لا يألف كثير من الفلاسفة ودارسي الفلسفة الفلسفةَ القارية، بمعنى أنهم لا يعملون في ذلك الحقل، لا أن ثمة خصومة وعداء. دعوني أضرب مثلاً بجامعة تورنتو حيث أعمل باحثاً الآن. هنا في قسم الفلسفة، وخصوصاً في مرحلة البكالوريوس، يدرس الطلاب مقررات متعددة يتعرفون من خلالها على الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية معاً. فعلى سبيل المثال، يُعقد مقرر بعنوان «مدخل إلى الوجودية[22]» يتناول نيتشه وهايدغر وسارتر[23] وياسبرس[24] وفرانكل[25]، ويدرس الطلاب أيضاً مقررات في «فلسفة الذهن[26]» أو «الفلسفة التحليلية المبكرة[27]» التي ينصبّ التركيز فيها غالباً على أعمال راسل[28] وفيتغنشتاين وفريغه[29] ومور[30]. أود التأكيد على أن أعضاء الهيئة التدريسية الذين تكونوا في التقليدين التحليلي والقاري قد تجاوزوا مرحلة الخصومة المتبادلة، وعلى الرغم من الاختلاف (بمعنى التباين) الموجود في مجالاتهم البحثية، وأن المباحث الوجودية لا تزال أقوى في الفلسفة القارية مثلاً؛ إلا أن الفلاسفة المهتمين بكلٍّ من هذين المذهبين يعملون جنباً إلى جنب ولا وجود للمرارة والعداء بينهم. لقد حالفني الحظ بأن كان نصف أعضاء الهيئة التدريسية في قسم الفلسفة بجامعة واريك متبحرين في الفلسفة القارية، والنصف الآخر متخصصين في الفلسفة التحليلية. كنت أحضر محاضرات كلا الفريقين، فشاركت في دروس نيتشه وهايدغر وفينومينولوجيا هوسرل وتحاورت مع أساتذتها. في إنجلترا، الفلسفة التحليلية هي السائدة في أقسام الفلسفة، لكن في جامعة واريك وقسم أو قسمين آخرين للفلسفة، تسير الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية معاً. أتذكر أنني كنت أحضر محاضرات أستاذ يدرّس «الكينونة والزمان». وعلى الرغم من كونه باحثاً في فكر هايدغر وشديد الألفة بفلسفته، كان يقول بصراحة: ارتكب هايدغر أخطاء سياسية كبرى، مثل قبوله رئاسة جامعة فرايبورغ أو الوشاية بالطلاب اليهود... وقد نُشرت وثائق ذلك؛ لكن هذا الأمر لا ينتقص من عظمته الفلسفية. أوردت هذه الذكرى لأؤكد أن مواجهة متخصص في هايدغر لما خلّفه هايدغر كانت مواجهة موضوعية غير أيديولوجية؛ لم يكن يريد أن يتكلف عناء تبرئة هايدغر. كان يعتقد أن للمباحث السياسية والتاريخية موضعها، وللمباحث الفلسفية موضعها. لا ينبغي الخلط بينهما ولا تعميم أحكام أحدهما على الآخر.
لذا ينبغي النظر إلى ذلك النزاع الذي وقع في العقود الأولى من القرن العشرين وفهمه في سياقه. وكما أرى، فقد ابتعدنا اليوم عن تلك الأجواء واتخذت النقاشات منحى أكثر تخصصاً ومعرفية.
سروش: في إيران، تتحول الأفكار الفلسفية وآراء الفلاسفة الجدد في بعض الأحيان إلى موضة. وكأن آخر الأقوال والأفكار ينبغي أن تدخل السوق بأسرع ما يمكن لأنها أحدث صرعة[35]، تماماً كأحدث موديلات السيارات أو الهواتف المحمولة التي تصل إلى السوق، ومن الأفضل للمرء أن يحدّث نفسه. هناك فئة لديها هذا التصور الخاطئ. قد يهتزّ طرباً أولئك المفتونون بالمظاهر والساعون وراء الموضة الفلسفية عند سماعهم كلاماً جديداً، لكن أهل النظر يعلمون أن المهم في وادي الفلسفة هو الاستدلال الذي يُقام على الدعاوى، لا قِدَم الدعوى والاستدلال زماناً ومكاناً.
بخصوص أغامبِن ودولوز اللذين أشرت إليهما، أنا لا أعرف فرنسا، لكنني رأيت في جامعة تورنتو أنه في دورات الماجستير والدكتوراه التي تُدرَّس فيها «النظرية السياسية» تُخصَّص بضع جلسات لأغامبِن ودولوز؛ وقد حضرت بعض هذه الصفوف أحياناً. لكنهما بطبيعة الحال لا يمتلكان، من الناحية الفلسفية، أهمية فلاسفة كبار مثل كانط[36] وهيغل وهايدغر وفتغنشتاين.
نقطة أخرى هي أنه من حسن الحظ أن العديد من أعمال الفلاسفة الكلاسيكيين قد تُرجمت إلى الفارسية حتى الآن. يمكن مناقشة جودة الترجمات وتقييم بعضها نقدياً. آمل أن يزداد هذا العمل بيننا وأن ندرك عياناً أن عالم الفلسفة ليس عالَم الموضة. إذا ما قُرئ فيلسوف واحد أو عدة فلاسفة قراءة جيدة، وأُنتجت حولهم أدبيات أولية[37] وثانوية[38] جيدة، فإن ذلك يثري رصيدنا. على سبيل المثال، تُرجمت بعض الأعمال الكلاسيكية كأعمال هيغل إلى الفارسية، وهناك ثلاث ترجمات متاحة لكتاب "الكينونة والزمان" لهايدغر[39]. ومن حسن الحظ أن فيتغنشتاين كان محظوظاً أيضاً من هذه الناحية، فترجمتي لـ"رسالة منطقية-فلسفية"[40] التي ستنشر قريباً إن شاء الله، و"تحقيقات فلسفية"[41] لها ترجمة مقبولة نسبياً، وأعمال فيتغنشتاين الأخرى التي نشرها مالك حسيني هي ترجمات جيدة جداً. ظهرت مؤخراً في السوق عدة ترجمات لأعمال فلاسفة كلاسيكيين تجريبيين[42] مثل لوك[43] وهيوم[44]. في رأيي، ليس من الضروري أن نواكب ظهور الفلاسفة الجدد فنتحدث عن جيجك[45] وأغامبين وأمثالهم؛ خاصة إذا كان المرء يرى لنفسه رسالة تنويرية. وكما ذكرت في بعض كتاباتي، بما أننا نعيش في مجتمع لم تستقر فيه المؤسسات الحديثة بعد، فعلينا قبل كل شيء أن نسير في هذا الاتجاه ونسعى إلى ترسيخ هذه المؤسسات. في الحقيقة، لا أرى أن لفّ ونشر الأفكار والمسائل ما بعد الحداثية هو ما يمهد الطريق. لا أقول إنه لا ينبغي مناقشتها في الأكاديميات، ولا أقول إنه لا ينبغي طرحها في الجامعات؛ ولكن إذا كان المرء يرى لنفسه رسالة تنويرية وليس مجرد أكاديمي بحت، فلا أعتقد أن ثمة فائدة تُرتجى من طرح هذه المقولات. وسبب ذلك واضح؛ فكل ما يسمى بـ"مشروع الحداثة غير المكتمل"، وكل الانتقادات التي وُجهت إلى العقل الحديث، إنما تنظر إلى مجتمعات استقرت فيها المؤسسات الحديثة وتربع فيها العقل النقدي على سدة التشريع؛ سواء نسخته من عصر التنوير والقرن الثامن عشر أو نسخته من القرنين التاسع عشر والعشرين. أما مجتمعنا، وهو مجتمع يمر بمرحلة انتقالية، فهو بحاجة قبل كل شيء إلى ترسيخ المؤسسات الحديثة. فمن يرى لنفسه رسالة تنويرية وينشغل ببسط الأفكار ما بعد الحداثية، فإنه يسير في الطريق الخطأ:
يظن الخواجة أنه في طاعة غافلاً عن أن ما يفعل معصية
مشكلتنا في بلدنا هي عدم ترسخ البرلمان، وعدم ترسخ القانون، وعدم ترسخ الآليات الديمقراطية وبعض هذه الأمور التي هي من مقتضيات المجتمع الحديث. لي قرابة أربع سنوات أعيش في أمريكا الشمالية، وقبل ذلك عشت بضع سنوات في أوروبا وفي إنجلترا، وقد رأيت رأي العين في هذه السنوات أن خصائص هذه المجتمعات تبعد عن مجتمعنا أميالاً شاسعة؛ ينبغي لنا أن نفكر في صياغة مشكلاتنا وتقديم حلول لها، لا في المشكلات الزائفة.[46] في مجتمعات مثل إنجلترا وكندا التي تبتعد عنا كثيراً من الناحية الاقتصادية والمعيشية أولاً، وحُفظت فيها الحقوق الأساسية للإنسان ورُسخت على نحو أغلبي ثانياً، ثمة بالطبع مفكرون لديهم نقد للعقلانية والمؤسسات الحديثة، وهو أمر جيد جداً في محله. لكننا، ونحن نفتقر إلى المقدمات، ينبغي أن نركز أصابع التأكيد على هذه الأمور بالذات. مشكلات مجتمعات مثل كندا وإنجلترا وألمانيا والسويد والدنمارك... حيث ترسخ الرفاه والحدود الدنيا للعيش وتأمنت الحقوق الأساسية، لا تقارن بمشكلاتنا. لنتذكر أن تشكل هذه المؤسسات كان كله نتاج العقل الحديث، والآن بعد أن تشكلت ظهرت بالطبع نواقص ومشكلات، وأي إملاء كُتب دون خطأ؟ إن طرح معضلات ونواقص أفكار من قبيل كونية[47] العقل الحديث، وعلى حد تعبير هابرماس[48] مشروع الحداثة غير المكتمل... إلخ، كان ناظراً إلى مشكلات تلك المجتمعات. والواقع أن المفكرين الغربيين لم يأتوا ليأخذوا مشكلات البلدان الإفريقية أو شرق آسيا؛ بل ترعرعوا في صلب تقاليدهم ورأوا في الوقت نفسه إشكالاتها؛ ونحن أيضاً ينبغي أن نحل مشكلاتنا. أؤكد مرة أخرى أن مشكلتنا الأساسية هي عدم ترسخ الأوليات؛ وعندما تتشكل هذه الأوليات وتترعرع هذه المؤسسات، يمكن حينئذ نقدها أيضاً. ينبغي أن نعطي قيمة لمشكلاتنا المحلية. يجب أن يوضع التفاعل مع تقاليدنا وإعادة قراءتها في جدول الأعمال، لا المشكلات المستوردة. بعض النقاط التي طُرحت في السنوات الأخيرة باستعارة أفكار ما بعد الحداثة، إن كانت بقصد تقرير أفكار تنويرية، فلن تؤدي إلى نتيجة. مشكلاتنا هي مشكلات هنا والآن الخاصة بنا، لا النقد الهدام للعقل الحديث.
حسين: انظر، إن تعبير "مهجور" و"غير مهم" مبهم بالنسبة لي بعض الشيء. أعرف فلاسفة كثيرين ليسوا مهجورين في أوروبا بل هم مطروحون إلى حد ما، لكنهم في اعتقادي غير مهمين. خذ مثلاً سلافوي جيجك. إنه في اعتقادي فيلسوف غير مهم بكل ما في الكلمة من معنى، لكنه طُرح في أوروبا (وليس في إنجلترا) منذ مدة. قد يكون هذا قاسياً بعض الشيء على البعض، لكنني أعتقد أنه يصعب إطلاق تعبير "فيلسوف" عليه. حسبما فهمت، تُرجمت بعض أعماله في إيران. ومن جهة أخرى، هناك فلاسفة مطروحون في إيران وتُرجمت أعمالهم لكنهم لا يحظون باهتمام كبير في الغرب. على سبيل المثال، دون كيوبت من هذا النوع من الفلاسفة.
أما إذا سألت عن الفلاسفة المهمين والمطروحين الذين لم تجد أعمالهم بعد صدى في إيران، فيجب أن أقول إن كثيرين ينطبق عليهم هذا الحكم. من الطبيعي أنني لا أستطيع تقديم كل هؤلاء الفلاسفة. من بين أولئك الذين كان لهم دور بارز خاصة في مجال الأخلاق والدين والسياسة، والذين تشرفت بالتلمذة عليهم (مباشرة وغير مباشرة)، يمكنني أن أشير إلى ديريك بارفيت، وتيم سكانلن، وجون بروم، وجوزيف راز، وجوناثان دانسي، وجون كوتينغهام، وروبرت أودي... إلخ. صحيح أن بعض أعمال هؤلاء الكبار تُرجمت في إيران، لكنها لم تجد أي صدى يُذكر في أقسام الفلسفة.
فيما يتعلق بالمسائل والموضوعات، أعتقد أننا متأخرون جداً في نظرية المعرفة (خاصة الدين والأخلاق)، وفلسفة الدين (خاصة المباحث اللاهوتية)، وفلسفة الأخلاق (خاصة علم النفس الأخلاقي والأخلاق التطبيقية). أي أن ما يتعلمه طلابنا في إيران يبعد بمسافة فلكية عما يُدرس مثلاً في إنجلترا. طلاب الفلسفة لدينا لا يقرؤون طوال فترة دراستهم (خاصة البكالوريوس) سوى تاريخ الفلسفة. لا شك أن قراءة تاريخ الفلسفة مهمة للغاية، لكن للأسف تكتفي كثير من الجامعات في إيران بهذا الحد. حتى في مرحلة الماجستير، يطرح الأساتذة عموماً تاريخ الفلسفة بشكل موضوعي فحسب.
جامعاتنا في تدريس الفلسفة ليست متخلفة جداً في عرض المسائل فحسب، بل إنها ضعيفة جداً في منهجية تدريس الفلسفة أيضاً. لقد نسي أغلب أساتذة الفلسفة أن الفلسفة تهدف إلى تقوية أسلوب التفكير والاستدلال المنطقي. كثيرون منهم يعتبرون الفلسفة مجرد محفوظات. لو سألت طالب بكالوريوس أو ماجستير، من جامعة الشهيد بهشتي مثلاً، أن يدلي برأيه في معضلة النفس والبدن، فلن يعبّر عن شيء تقريباً سوى القراءة الديكارتية لها. وكأنهم لم يعلّموه أن رأي ديكارت هو رأي واحد وقد يكون باطلاً بالكلية. إن تكرار آراء الفلاسفة لا يؤثر في صدق آرائهم أو كذبها. تماماً مثل بعض رجال الدين لدينا الذين حين يواجهون سؤالاً، يتصورون أنهم إذا عبّروا عن اقتباس بالعربية كان ذلك بمثابة دليل. في حين أن الاقتباس أو رواية رأي فيلسوف ما قد تكون مغلوطة تماماً. ما تكون له الغلبة هو استدلال الشخص نفسه. ينبغي لأقسام الفلسفة أن تشجع الطلاب على بناء استدلال في أذهانهم، وبعد طرحه بين الطلاب، يشرعون في نقده وتعديله وتنقيحه. هذا هو العمل الفلسفي.
سروش: إذا أردت أن أضرب مثلاً من المصطلحات الفنية، فإن مصطلح المعيارية[49] يُستخدم كثيراً اليوم في الفلسفة التحليلية الجديدة، لم يكن هذا المصطلح موجوداً من قبل؛ وهو اليوم لا يُستخدم في مجال فلسفة الأخلاق فحسب، بل يُستخدم أيضاً في مجال فلسفة الذهن وفلسفة اللغة وغيرهما. وأتذكر أيضاً عن ديفيد ميلر أنه كان متذمراً جداً من هذا المصطلح، وكان يقول إن فتغنشتاين لم يستخدمه ولو مرة واحدة، لكن شرّاحه يستخدمونه كحلوى السكر في كل سياق. في الواقع، إن قسماً من هذه المصطلحات الفلسفية الجديدة تُصاغ نتيجة للتقدم والتوسع الحاصل في الأفكار والمفاهيم.
أما بالنسبة للموضوعات، فلها مجال رحب ولا أستطيع الآن أن أقول بالضبط أي مسألة أو موضوع هو الأكثر تداولاً؛ لأن لدينا فروعاً مختلفة للفلسفة. بطبيعة الحال، يشتغل فلاسفة الأخلاق على بعض الموضوعات، وفلاسفة اللغة على مسائل أخرى وهكذا... لكن في مجال فلسفة الأخلاق الذي عملت فيه، أستطيع القول إن المجالات التطبيقية[50] أصبحت أكثر جدية بكثير، مثل أخلاقيات البيئة[51]، والأخلاقيات الطبية[52]، والمشاريع المشتركة التي يشارك فيها فيلسوف وعالم نفس ومتخصص في الشؤون الطبية. وهناك مؤسسات مختلفة تنشط في هذا المجال، مثلاً في جامعة تورنتو، أُنشئ مركز لدراسات الأخلاق. وأنا أحضر بعض جلساته، حيث تُطرح للنقاش هناك موضوعات فلسفية بحتة، مثل «لماذا ينبغي أن نكون أخلاقيين؟»، ومسائل تطبيقية أيضاً. إجمالاً، يبدو أن هناك شغفاً واهتماماً أكبر بالمباحث الملموسة والتطبيقية في هذه المجالات.
وهناك مجموعة تعمل بشكل تخصصي على موضوعات ومباحث فلسفية. على سبيل المثال، هناك باحث في هايدغر أو فتغنشتاين يتابع أدبيات هذا البحث باستمرار ويشارك ويسهم في تطويرها. آخر مرة شاركت فيها في المؤتمر السنوي لفتغنشتاين كانت عام 2012 في فيينا. كنت أرى هناك بعض الباحثين المهمين والبارزين في فلسفة فتغنشتاين، وقد جاؤوا من جميع أنحاء العالم، يرصدون بدقة ما يُنتج من مواد في مجال دراساتهم ولا شأن لهم بما هو خارج هذا المجال. يقرؤونهم ويكونون متخصصين في هذا الحقل وينشرون أعمالاً جديدة في هذا السياق، مثلاً حول شأن المنطق والأخلاق والرياضيات في التراكتاتوس أو أعمال تاريخية مثل كيفية تشكل النصوص الأولى من مخطوطات فتغنشتاين... هذه الأمور هي من جملة الأنشطة التي يقوم بها الباحثون في هذه المجالات.
حسين: إذا أردت أن أنقل ما يجري في أكسفورد، فعلي أن أقول إنه في حقل إبستمولوجيا الدين حظيت مؤخراً مقولة الغموض (Vagueness) والتبرير عبر التعدي البراغماتي (Pragmatic Encroachment) باهتمام خاص. وكذلك في فلسفة الأخلاق، هناك اهتمام خاص بمباحث الأخلاقيات العصبية (Neuroethics) والتعزيز البشري (Human Enhancement) والرفاه (Well-Being) وأخلاقيات الحيوان (Animal Ethics). كما أن البحث في معنى الحياة، الذي يُناقش تحت فلسفة الأخلاق وفلسفة الدين معاً، قد وجد أنصاراً كثيرين أيضاً.
سروش: أولاً، ما تذكره يعود إلى أوائل القرن العشرين، وحتى في ذلك الحين، لم يكن جميع الفلاسفة التحليليين على هذا النحو. أنت تقصد تحديداً حلقة فيينا التي كانت تؤمن بمبدأ التحقق[54] وكان لديها فهم خاص للعلاقة بين العلم والفلسفة. ومن آباء الفلسفة التحليلية، كان لدى فريجه وفيتغنشتاين المبكر نفس الرأي حول العلاقة بين العلم والفلسفة. لكن راسل في ذلك الزمان لم يكن كذلك، وكان يرى العلم والفلسفة امتداداً لبعضهما. وبعد راسل، سار كواين في منتصف القرن العشرين على النهج نفسه ومضى قدماً.
ثانياً، في العقود الأخيرة تغيرت القصة تماماً، فقد سقط طشت الوضعية المنطقية[55] من على السطح، ولم يعد كثير من الفلاسفة التحليليين يفكرون بهذه الطريقة. بدءاً من مقالة "عقيدتان دوغمائيتان للتجريبية[56]" التي كتبها كواين نقداً للوضعية المنطقية عام 1950، وصولاً إلى الأعمال المتأخرة التي أنجزها فلاسفة الدين. ومن ثم، فإن القول بأن الدعاوى الميتافيزيقية والدينية بلا معنى هو موقف له معارضون ونقاد كثر. ترى اليوم في مجال فلسفة الدين ظهور الكثير من الفلاسفة، مثل جون هيك[57]، وريتشارد سوينبرن[58]، وألفين بلانتينغا[59] أو ويليام ألستون[60]، وهم فلاسفة دين مؤمنون بالله[61] ويواصلون أبحاثهم الفلسفية. ما أعنيه هو أن النقاشات الفلسفية في هذا الباب محتدمة؛ حول التجربة الدينية، وتبرير التجارب الدينية، والعلاقة بين المعرفة الدينية والإيمان الديني، والبحث في التصورات المختلفة عن الله... إلخ. هذه مباحث تُناقش بتفصيل في هذه الأدبيات، وتُنشر أعمال متعددة في هذا المجال. هذه الأمور قائمة تماماً، ولا تدور المباحث حول مسألة كون الدعاوى الدينية بلا معنى والدعاوى الميتافيزيقية بلا معنى التي أشرت إليها. هذه المسائل تنتمي إلى أوائل القرن العشرين، ولم تعد محورية الآن. هناك من لا يزال يحمل مثل هذه المعتقدات، لكن، على حد علمي، لا يحظى هذا التوجه بالمحورية والمركزية.
حسين: تعبير أن الفلاسفة التحليليين يسعون إلى تبرير العلم ليس صحيحاً في نظري أصلاً. كيف يرتبط سعي كثير من الفلاسفة التحليليين في الدين والأخلاق والسياسة إلى إقامة الاستدلالات بتبرير العلم! بالطبع، لا يعير كثير من الفلاسفة التحليليين اهتماماً لنوع الفلسفة التي لا مكان فيها للاستدلال، ولا يعتبرونها فلسفة إلى حد ما. ومع ذلك، فهم ليسوا معارضين حتى لهذا النوع من الفلسفات، بل يرونها على شكل قصص، بل ويستعينون بهذه القصص أحياناً.
الفلاسفة التحليليون، في اعتقادي، هم الذين بذلوا، من قبيل الصدفة، أقصى جهد في سبيل جعل الأسئلة الفلسفية الأصيلة أكثر معنى. حتى استدلالات الوضعيين والعاطفيين القائلة بأن الدين والأخلاق بلا معنى (مثل قضايا: الله موجود، أو الوفاء أمر حسن)، قد روّجت، دون قصد، سوق جعل هذا النوع من الأسئلة الأساسية أكثر معنى.
سروش: في العقد السادس من القرن الشمسي كان هناك خلاف في الرأي الفلسفي، بمعنى أن هذين المفكرين تربيا في تقليدين فلسفيين مختلفين، لكني أتصور أن السياسة طغت تمامًا على الفلسفة وأصبحت المسألة سياسية للغاية. برز أناس، خصوصًا بدافع العداء والنزاع مع بوبر، باعتباره他们认为ه رمزًا لليبرالية والديمقراطية وربما الغرب ومقولات من هذا القبيل. استمرت هذه القصة حتى أواخر العقد السابع. ومنذ العقد الثامن فصاعدًا، اتخذت المسألة لونًا ورائحة أخرى، إذ تُرجمت أعمال كلاسيكية لفلاسفة قاريين؛ فمثلاً، دخل سوق الكتاب في العقد الثامن كتاب "الكينونة والزمان" لهايدغر بثلاث ترجمات، أو أعمال لفلاسفة مدرسة فرانكفورت وغيرهم... ولحسن الحظ صار اتجاه النقاشات أكثر فلسفية. لكن في العقدين السادس والسابع كانت المباحث ذات لون ورائحة سياسية بالكامل. تلاحظون أن للفعل السياسي معنيين. لو سألتم أشخاصًا مثل مراد فرهادبور، فهو، اقتفاءً لأدورنو ومدرسة فرانكفورت، يرى دائرة "الأمر السياسي" واسعة في الأفعال الإنسانية ويعتبر كثيرًا من الأفعال الإنسانية سياسية. لكن هذا المعنى للأمر السياسي يختلف عن الأمر السياسي الذي هو منظور نظري هنا، بمعنى سياسة اليوم[62]. في العقد السادس، كانت المسألة هي سياسة اليوم لإقصاء جناح وطريقة تفكير من الميدان. وقفت بعض الصحف والأجهزة مثل صحيفة كيهان خلف هذه الأقوال، وسُخّرت هذه الأفكار للتقليل من شأن الآلية الديمقراطية وشتم الغرب واعتباره رمزًا أو موطنًا للإنسانية والإباحية والنفسانية. هذه مصطلحات صكها المرحوم فرديد واستعارها بعض تلامذته مثل رضا داوري وقرعوا على هذا الطبل. هذا النزاع، على قدر ما أفهم، كان أولاً وبالذات سياسيًا وليس معرفيًا. حقًا لا يزال غير قابل للفهم لدي كيف يمكن لإنسان أن يعادي فيلسوفًا ليس من وطنه ولا شأن له به. تقرأ بعض الشتائم والسباب التي وجهها داوري لبوبر فتصيبك الحيرة. يمكن للمرء في نهاية المطاف أن يختلف في الرأي مع فيلسوف، لكن لماذا الشتم والسباب؟ وفي مواضع عدة قال إن بوبر ليس فيلسوفًا مهمًا. عدم التعاطف مع أفكار فيلسوف ما أو عدم إيلاء منزلة كبيرة لفيلسوف آخر أمر مفهوم، لكن لا أستطيع هضم توجيه الشتائم لفيلسوف.
لحسن الحظ، ذهبت هذه الأمور اليوم في خبر كان، ولم يعد لمثل هذه البحوث والمناقشات رواج، وطُرحت مباحث أكثر تمهيدًا للطريق. الأعمال المتعددة التي تُرجمت وكُتبت في هذه السنوات، سواء في التقليد التحليلي أو التقليد القاري، ساعدت على طرح المباحث على مستوى أكثر جدية، لا بشكل أيديولوجي وسياسي.
حسين: دعوني أقول رأيي بصراحة. باعتقادي أن التفلسف غير ممكن إلا باللجوء إلى الفلسفة التحليلية. ما يجعل الفلسفة القارية جذابة هو الموضوعات والبصائر التي يوظفها الفلاسفة في هذا المجال. لكن إذا لم تُدلّل هذه الموضوعات والبصائر بالحجج فلا قيمة لها البتة. الفلاسفة القاريون في الواقع لا يمارسون التفلسف. ليس بلا سبب أن البعض يعتبرون الفلسفة القارية نوعًا من الفلسفة الأدبية. دعوني أضرب مثلاً بفتغنشتاين الذي أسر قلب الفلاسفة التحليليين والقاريين معًا. في كتاب "تحقيقات فلسفية"، يعبر فتغنشتاين أحيانًا عن قضايا بشكل منفصل. الفلاسفة القاريون مفتونون بأفكاره ويقتبسون منه هنا وهناك. لكن الفلاسفة التحليليين حاولوا تدليل الاقتباسات نفسها لتصبح قابلة للتصديق. قول فتغنشتاين "لا تفكر، بل انظر" هو بالطبع قضية جذابة، لكن ما معناه؟ ما لم يمكن إيجاد معنى محصل لهذه القضية، فإن مجرد الاقتباس لن يحل مشكلة.
التقابل بين سروش وداوري، باعتقادي، لا علاقة له البتة بتفلسف هذين العَلَمين. إنه لجور في حق الفلسفة إذا اعتبرنا التقابل بين سروش وداوري تقابلًا بين نظرتين إلى الفلسفة. إذا استطعنا، بشيء من التساهل، أن نعتبر سروش ممثلاً للفلسفة التحليلية، فلا يمكن البتة اعتبار داوري ممثلاً للفلسفة القارية. في ذلك النزاع المشؤوم، كان داوري في الواقع ممثلاً للحكومة القائمة بلا منطق، المستعدة للجوء إلى أي نوع من العنف الكلامي للقضاء على الخصم. مع كامل الاحترام للدكتور داوري، لكن باستثناء ترجمات قليلة، لا تكاد توجد له أعمال في سبيل بسط وترويج الفلسفة القارية.
سروش: لا بد من الإنصاف، فلقد نشر السيد جواد طباطبايي مؤلفات عديدة وبذل جهدًا؛ وإن كان، كما أشرت في مقال «فرديد الثاني؟[63]»، حادّ اللسان ويستخفّ كثيرًا بفلان وعلّان. وللأسف، يسير بعض مريديه على النهج والمنوال نفسه؛ فبعد نشر ذلك المقال شنّوا عليّ هجمات حادّة. قال لي داريوش آشوري قبل فترة إنه حين قرأ هذه المطالب أصابه الذهول؛ كان يظن أن زمن هذه الأمور قد ولّى، ولكن يبدو أن في عالم الفكر والتنوير، يظهر بعض الأشخاص كأتباع الجهّال قديمًا، وتصدر عنهم سلوكيات حادّة وطائشة. طباطبايي باحث ومتبحّر؛ ومع ذلك، لم ينشر عنه الكثير حول فلسفة هيغل، تحديدًا وتطبيقًا؛ ولهذا كتبت في ذلك المقال «مطّلع على فلسفة هيغل». يشتهر عنه أنه هيغليّ، وقد وجّه نقدًا كثيرًا لهذا وذاك، لكنه قام بأعمال إيجابية أقل حول هيغل. أما بالمقارنة مع السيد داوري، فأعماله أكثر جدّية وتعمّقًا. علاوة على ذلك، في عقدَي الستينيات والسبعينيات الشمسيين، ورغم أن الدكتور داوري حظي بتلك الامتيازات، إلا أن الدكتور طباطبايي طُرد من الجامعة.
أما مسألته مع التنوير الديني وتيار الإصلاح الديني؛ فهو لا يعترض على سروش فحسب، بل لديه إشكال أيضًا مع بازركان وشريعتي، ويعتقد أن هذه التنقيبات لا تؤدي إلى نتيجة. كما أن له لسانًا لاذعًا ومريرًا ليس مستساغًا البتة. وكما أوردت في مقال «فرديد الثاني؟»، لا أعتقد أن مشروعه يمثل طريقًا مفتوحًا أو يؤدي إلى نتيجة. ما فهمته في نهاية المطاف أن خلاصة كلامه هي أننا لم نغرب، لقد حدث أمر سيئ وهو أننا لم نغرب ولا نستطيع أن نغرب. حقًا لا أفهم كيف يمكن المضي قدمًا دون إعادة قراءة التراث؟ لا أفهم مفاهيم مثل «تصلّب التراث» و«امتناع الفكر». على حدّ فهمي، إن إعادة القراءة النقدية للتراث الإيراني-الإسلامي هي التي تحمل عنا العبء في هذا السياق. نعم، لكل نسق فكري نواقصه ومحدودياته، وفيه بعض ما لم يُفكّر فيه، لكن القول بأن تراثًا ما قد تصلّب بالكلية ولم يتقدم، أو أن التفكير فيه قد امتنع، هو قول غير مبرر في نظري. ومن هنا، فإن مشروع الإصلاح الديني متوقف على إعادة القراءة النقدية للتراث الديني، وهو يفكر في قلب التراث ولا يؤمن بتصلّبه، ويستعين لإنجاز هذه المهمة بكل المكوّنات والأدوات المعرفية.
حسين: النزاع بين سروش وطباطبايي، مثله مثل النزاع بين سروش وداوري، ليس ناشئًا عن نوع تفلسفهما. فعلى سبيل المثال، أي نقد وجّهه طباطبايي لسروش كان متأثرًا بنظرته القارّية؟ كونه يصف سروش بناقل المثنوي!؟ لا شيء من ذلك. إضافة إلى ذلك، واستنادًا إلى أعمال جواد طباطبايي، يصعب وصفه بالفيلسوف القارّي. فبتدريس هيغل لا يصير المرء فيلسوفًا قارّيًا. للنزاع بين طباطبايي وسروش أسباب نفسية أخرى، الخوض فيها خارج عن نطاق البحث العلمي.
حسين: لا شك أن فتغنشتاين يحظى في الغرب بأهمية أكبر من بوبر. والسبب واضح: لقد كتب بوبر فقط في فرعَي فلسفة العلم والسياسة، بينما تحدث فتغنشتاين تقريبًا في كل المجالات، من الأخلاق والدين إلى العقل ونظرية المعرفة والعلم. أما لماذا اكتسب بوبر أهمية في عقد الستينيات، فيجب بحث ذلك من منظور سوسيولوجي-سيكولوجي، وأنا عاجز عن القيام بذلك. لعل أحد الأسباب هو ارتباط اسم بوبر بسروش والأجواء الماركسية السائدة آنذاك.
سروش: السيد موقن هو بالطبع مترجم في المقام الأول، ولم أرَ منه سوى الترويج لأفكار كاسيرر من خلال الترجمة، وقلما رأيت له أعمالاً تأليفية. أما بخصوص الدكتور ميرسباسي، فنعم، هو متأثر بفلسفة البراغماتية[64] لريتشارد رورتي[65]. وقد قرأت آخر أعماله المنشورة بالإنجليزية عام 2014، وهو في مجال العالم الإسلامي ويركز على نقد أمثال طلال أسد. ليس لديه مشكلة مع الفلسفة القارية، بل مع القراءات الأيديولوجية للفلسفة القارية في الشرق، وخصوصاً في إيران. كما يعتقد أن لدينا مثقفين هم رواة لليأس ومثقفين هم رواة للأمل. ويرى أن علينا التحرك نحو مأسسة المؤسسات الحديثة؛ وليس من المفترض أن يدور الكثير من البحث والفحص الفلسفي في هذا الشأن. وهو من هذه الناحية يتشابك وينتقد الطباطبائي وآرامش دوستدار وبعض أهل الفلسفة الآخرين الذين يرون المسائل المحيطة فلسفية بقوة. في هذا الصدد، وكما أسلفت في هذا الحوار، أنا متفق مع الدكتور ميرسباسي؛ بمعنى أن مشكلتنا الرئيسية هي عدم تحقق المؤسسات الحديثة. وفي الوقت نفسه، لا أرى التشابك مع الفلسفة القارية بارزاً كثيراً في أعماله؛ فهو يعارض أكثر القراءات المحلية لهذه الفلسفات.
أما بخصوص الدكتور مرديها، فلأنني لم أقرأ كتاب «فلسفههاى روانگردان»، لا أستطيع إبداء الرأي. ميرسباسي مفتون أكثر بالبراغماتية الأمريكية؛ في حين أن مرديها أكثر اهتماماً بالتقليد التجريبي الإنجليزي.
أنا شخصياً لست في مقام التقليل من شأن الفلسفة القارية أو الخصومة معها؛ بل أفضل التعايش السلمي بين هذين المذهبين الفلسفيين معاً؛ فلا فائدة من الدخول في صراع. ثمة نقاط لطيفة في أعمال الفلاسفة القاريين، كما هو الحال في أعمال الفلاسفة التحليليين. وكما أن الفلسفة التحليلية لا يمكن اختزالها إلى حلقة فيينا، فالفلسفة القارية أيضاً لا يمكن اختزالها إلى الأفكار الفاشية المنبثقة عن فلسفة هايدغر. ليفيناس[66]، الذي أكن له اهتماماً كبيراً، هو مفكر فرنسي من التقليد القاري. وفي أعمال هايدغر أيضاً توجد بعض النقاط اللطيفة. برأيي لا ينبغي الوقوع في مغالطة الكنه والوجه واختزال جميع أبعاد المسألة إلى وجه واحد منها. يمكن نقد الماركسية المؤدية إلى اللينينية، ولكن في أعمال ماركس، خصوصاً ماركس الشاب، وبالأخص مبحث الاغتراب، توجد بصائر جيدة. مؤخراً قرأت كتاباً لفروم حول ماركس الشاب، فرأيت بصائر كثيرة في أعماله. الستالينية فشلت، لكن الأفكار الاشتراكية لم تندثر بعد وأعيد إنتاجها في نظام الديمقراطية الاجتماعية. ومن قبيل الصدفة، لست على وفاق مع الليبرالية الجامحة الممزوجة بالرأسمالية. في البلدان التي تكون فيها دولة الرفاه[67] قائمة، مثل البلدان الإسكندنافية، تم الجمع بين الحرية الفردية والرفاه الاجتماعي بشكل مقبول.
حسين: أنا متفق مع النتيجة التي توصل إليها هؤلاء الكرام. لكنني لا أعرف استدلالهم. أعتقد أنه حيثما يتوقف الاستدلال، ينشأ الخطر. سواء أكانت فلسفة قارية أم طباً. لا شك في أنه يمكن تقديم تلقي للفلسفة القارية يتضمن ممارسة الاستدلال. ليست لدي مشكلة مع هذا التقرير. لكن للأسف، لا يرى معظم الفلاسفة القاريين أنفسهم بحاجة إلى الاستدلال، وهذا يعني موت الفلسفة. حتى أن بعض ما بعد الحداثيين اليساريين ذهبوا إلى حد القول إن الاستدلال ينتمي إلى النظام الرأسمالي، واستخدامه يصب في مصلحة العدو. هذا الوهم في نظري مؤسف حقاً.
سروش: في رأيي أنهم يقدّمون خدمة في بسط أفكار هايدغر والترويج لها وترسيخها، وهو أمر جيد ومفيد في موضعه. لقد نسيتم ذكر اسم الدكتور رشيديان؛ فقد بذل جهداً كبيراً في مجال الترجمة والتأليف في فرع الفينومينولوجيا؛ وكذلك صديقنا العزيز الدكتور مسعود عليا الذي بذل جهوداً مضنية في ترجمة وتحرير بعض هذه الأعمال. وكلما ازدادت هذه الأعمال، ابتعدنا أكثر عن ذلك الجو الأيديولوجي.
حسين: إن ترجمة الأعمال الكلاسيكية لعظماء الفلسفة هي حقاً عمل يستحق الإعجاب، وهو بالطبع عمل صعب. لقد سمعت أن جلسات لقراءة نصوص "الكينونة والزمان" تُعقد أيضاً في إيران. لكن عليّ أن أعترف أن هذه ليست سوى البداية. فما دمنا نكتفي بترجمة النصوص وقراءتها دون أن نسأل أنفسنا لماذا قال فيلسوف ما كذا وكذا، فإن التفلسف لم يبدأ بعد. دعوني أضرب مثالاً لأتحدث بشكل أوضح. لقد تابعتُ أحياناً أعمال الدكتور عبد الكريمي حول هايدغر. وهو ينقل عن هايدغر باستمرار قوله إن كانط كان يفكر بشكل خاطئ. لماذا؟ لأن كانط لم يكن يفكر مثل هايدغر! انظروا، هذه هي نتيجة أسلوب التفلسف القاري. المهم هو لماذا كان كانط يفكر بشكل خاطئ، وليس أنه لم يكن يفكر مثل هايدغر.
سروش: مضى قرابة أربع سنوات على مغادرتي إيران، ومعظم ما أعرضه هنا نابع من تجربتي خلال خمس سنوات من تدريسي في إيران، ومن تواصلي عبر طرق مختلفة خلال هذه السنوات الأربع مع الطلاب والزملاء، حيث استمعت إلى أحاديثهم وقرأت كتاباتهم. لحسن الحظ، أصبح تعليم الفلسفة التحليلية أكثر جدية، وبعض زملائنا الذين عادوا من الخارج وهم خريجو هذه التخصصات منهمكون في العمل بجدية بالغة في هذه المجالات؛ والأعمال المتعددة التي تُنشر تساعد في بسط أفكار الفلسفة التحليلية وترسيخها. شخصياً، خطوت خطوات صغيرة في هذا الطريق؛ فمقالات كتابيّ "الصمت والمعنى" و"اللغة وصورة العالم" كُتبت بالنظر إلى مركبات مختلفة من فلسفة فيتغنشتاين. وكذلك أعمال "الأمر الأخلاقي، الأمر المتعالي"، و"دروس في فلسفة الأخلاق" و"العام والخاص في الأخلاق" تتوجه نحو مباحث فلسفة الأخلاق وفلسفة اللغة وفلسفة الدين في التقليد التحليلي. وآمل، كما كتب لي مسؤولو نشر هرمس، أن تُنشر خلال الأسابيع القادمة، بعد ثلاث سنوات ونصف، ترجمتي وشرحي لـ"رسالة منطقية-فلسفية" لفيتغنشتاين، وهو ما يُعد خدمة صغيرة أخرى للمجتمع الفلسفي الإيراني.
من ناحية أخرى، بما أنني أرى أناساً يمارسون التفلسف بجدية، فأنا متفائل بالمستقبل. وفي الوقت نفسه، يجب أن ننتبه ألا نصاب بالتخمة الفلسفية. فنحن في مجال العلوم الإنسانية بحاجة أيضاً إلى علم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد... إلخ. كما يجب أن يكون هناك توازن في المجتمع بين خريجي العلوم الإنسانية والتخصصات الأخرى، وأن يُقال للمهتمين بهذه التخصصات منذ البداية إن سوق العمل فيها ليس مناسباً جداً، أو ليس بسهولة التخصصات الأخرى، خصوصاً تخصصات العلوم الطبية والهندسة. خلال هذه السنوات، سألني كثيرون: نحن أطباء، صيادلة، مهندسون... إلخ، ونرغب في دراسة تخصصات العلوم الإنسانية، ما رأيكم؟ كنت دائماً أنصحهم بأن يأخذوا قصة المعيشة والوظيفة على محمل الجد، لأن العثور على وظيفة في هذه التخصصات ليس بالأمر السهل. وقد حاولت أن أشرح لهم صعوبة العمل والمعيشة في هذه التخصصات، سواء داخل البلاد أو خارجها. ومع ذلك، فإن أولئك الذين لديهم هوى في رؤوسهم وعشق وافر في قلوبهم لا يقومون بهذا النوع من الحسابات، وينطلقون لتحقيق "أسطورتهم الشخصية" ويمارسون التفلسف.
حسين: أسمع باستمرار أن الفلسفة التحليلية لا تحظى بإقبال كبير في إيران. ولو كان الأمر خلاف ذلك لدهشت. ففي اعتقادي أن قراءة الفلسفة التحليلية وتطبيقها لهو عمل شاق ومرهق حقاً. إن تدريب المرء لذهنه وسعيه إلى تقديم الحجج على دعاواه مهمة معقدة، وهي مهمة تكاد لا توجد في الفلسفة القارية. ذلك أن الفلسفة عند الفلاسفة القاريين تعني تاريخ الفلسفة. ومن جهة أخرى، للفلسفة القارية موضوعات جذابة تجتذب إليها أعداداً كبيرة من الناس، لا سيما وأن كثيراً من موضوعاتها تتناسب وأحوال المجتمع الإيراني المسيّس الذي تغلب فيه العواطف على التعقل. ولهذا السبب نجد بعض مفكرينا وسياسيينا، إذ لا يرون حاجة إلى تقديم الأدلة، يمتطون موجة العواطف ويمضون قدماً في تحقيق غاياتهم. ومع ذلك، وكما أشرت آنفاً، فإن موضوعات الفلسفة التحليلية والقارية تقترب شيئاً فشيئاً من بعضها البعض، وهذا حدث مبارك.
كنت أثناء ترجمتي لـ"الرسالة المنطقية-الفلسفية" منهمكاً في كتابة شرح لها أيضاً؛ شرح كان نتاج خمس سنوات من تدريس التراكتاتوس، إضافة إلى المشاركة في مؤتمرات فلسفية عديدة في إنجلترا والنمسا. عقدت ما يربو على ثلاثين إلى أربعين جلسة مع صديقي العزيز مالك حسيني، وفي هذه الجلسات تمت مقابلة ترجمتي للنص الإنجليزي مع النص الألماني. آمل أن يُنشر هذا الأثر الفلسفي قريباً ويفيد دارسي الفلسفة عموماً ودارسي فيتغنشتاين خصوصاً. ليس لدي حالياً عمل آخر قيد الترجمة؛ أما في مجال التأليف، فلدي كتاب آخر بعنوان "دروس في الفلسفة التحليلية" أنتظر حصوله على الترخيص؛ بقي الكتاب في "الإرشاد" أكثر من ثلاث سنوات. هذا الكتاب هو الصيغة المنقحة لدروس ألقيتها في جامعة المفيد بقم في مرحلة الماجستير. يجدر بي هنا أن أشكر طالبين ممتازين بذلا جهداً كبيراً لإخراج هذا الكتاب في صورته النهائية. لدي في هذه الأيام مشروع كتابي آخر؛ وحين يبلغ غايته، قد أشرع في ترجمة كتاب آخر.
كما تعلم، غادرت إيران منذ بضع سنوات؛ وخلال هذه المدة لم يُتابع هذا المشروع. في الفترة التي كنت فيها هناك، تُرجم ونُشر كتاب "الأخلاق بدون أنطولوجيا" لهيلاري بوتنام[68] بقلم الدكتور مسعود عليا، وكذلك كتاب في مجال فلسفة الذهن بقلم الدكتور حسين شيخ رضائي، وكتاب في مجال معنى الحياة بقلم الدكتورة أعظم بويا. إن شاء الله إذا سنحت الفرصة وامتد العمر ووافق التقدير التدبير وعدتُ إلى إيران، ستستأنف مؤسسة معرفت وپژوهش هذا المشروع.
لم أقم بالمقابلة بنفسي، لكنها ترجمات سلسة، غير أن كلام الدكتور موحد قد يكون وجيهاً أيضاً. فهو على كل حال لم يدرس الفلسفة؛ فبعض صفحات النص التي تتناول نقاشاً تقنياً، قد يزلّ فيها المرء من حيث المبدأ إن لم يكن ملماً إلماماً جدياً بالمباحث ولم يكن متخصصاً في هذه المجالات. دعك من السيد بزرگمهر الذي قدّم خدمة بلا شك بنقل أعمال إلى الفارسية وكان من رواد الترجمة في هذا الحقل، فحتى دارس للفلسفة كالمرحوم محمود عباديان، حين شرع في ترجمة «رسالة منطقية-فلسفية»، لكونه لم يتخصص في الفلسفة التحليلية ولم يألف المصطلحات الفلسفية التقنية، ترجم كلمة object إلى «موضوع» وهي ترجمة خاطئة ناجمة عن غفلة عن الشأن الأنطولوجي[69] لهذا المصطلح وعلاقته بـ thing و state of affairs و totality of fact ومقولات من هذا القبيل في المنظومة الفلسفية لـ«الرسالة المنطقية-الفلسفية». حين نلج غمار النصوص الكلاسيكية، وحتى المؤلفات الثانوية التي كُتبت حولها، في المواضع التي يصبح فيها النقاش تخصصياً، قد يزلّ المرء إن لم يمتلك الخلفية المعرفية اللازمة. أما بشأن المرحوم بزرگمهر، فلأنني لم أقابل النصوص بنفسي، لا أعلم إن كان قد زلّ أم لا؛ لكنني شهدت حالات عديدة أخطأ فيها لأنه لم يمتلك المهارة الكافية والإلمام اللازم في هذا المجال. المرحوم سهراب علوي نيا مثال ناجح في هذا الصدد؛ فقد كان يجيد الإنجليزية ودرس الفلسفة في آن معاً. ترجم عملين ممتازين حول فلسفة فتغنشتاين. آمل أن تُنشر أعمال أكثر من هذا القبيل؛ أعمال يكون المترجم فيها متمكناً من الكتابة بالفارسية بمستوى جيد، وفي الوقت ذاته يمتلك إلماماً كافياً بهذه المقولات والمباحث التقنية ويكون متخصصاً في هذه المجالات؛ لا سيما حين يريد أن يشرع في ترجمة النصوص الكلاسيكية.
هذه الأنشطة لا تقتصر على الجمهور المقيم في أمريكا الشمالية. أتلقى رسائل بريد إلكتروني ورسائل كثيرة من داخل البلاد بخصوص هذه الملفات الصوتية. إن إعادة القراءة النقدية لأعمال المفكرين تفتح الآفاق وتقدم العبر وتنمي الحكمة. منذ سنتين أو ثلاث حددت لنفسي هذا المشروع، وهو أن أشرع، إلى جانب عملي في البحث والتأليف في مجالات الفلسفة والدين والعرفان، وفي حقل الفكر المعاصر، في إعادة قراءة الإرث الفكري الثري الذي خلّفه السابقون؛ ولهذا وضعت هذا الأمر على رأس أولوياتي. إن إعادة قراءة ما حدث حتى الآن هو مصباح ينير طريق المستقبل ويرينا أي الدروب سلكنا، وأي الدروب ليس لنا أن نسلكها، وكيف نمضي في بقية الطريق بالوقوف على أكتاف العمالقة. وكما أدرك، لا مناص ولا محيد عن هذا العمل؛ ولن يتحدد مسار المستقبل ولن يُمهّد إلا بإعادة قراءة الإرث الماضي قراءةً تعاطفية نقدية. هذا العمل هو نوع من العرفان بالجميل لعظماء خطوا في هذا الدرب قبلنا، وهو في الآن ذاته استقاء للدروس من الطريق الذي قُطع. علينا أن نرى إلى أي مدى كانت مشكلاتنا اليوم هي مشكلاتهم هم؛ فإن كان الجواب الذي قدموه يفتح الآفاق أخذنا به، وإلا وضعناه جانباً وقدمنا جواباً جديداً.
لقد أوليت كل هذه العناصر عنايتي. قصداً للاعتبار، وتتبعاً لسير تطور الأفكار عبر التاريخ، وانتفاعاً بها كي لا نسلك المسار المسلوك من قبل. ولهذا السبب اخترت شخصيات أعتقد أنها كانت مهمة ومؤثرة. خصصت ست عشرة جلسة لعلي شريعتي، وعشرين جلسة لعبد الكريم سروش، واثنتي عشرة جلسة لداريوش شايغان. أما جلسات المطهرشناسي فقد عُقد منها حتى الآن عشر جلسات ومن المقرر أن تستمر حتى ست عشرة جلسة. سأتناول بعدها المرحوم بازركان، ثم المجتهد شبستري.
في مجال الشعر أيضًا، تناولتُ سهراب سبهري وفروغ فرخزاد؛ لستُ متخصصًا في الأدب، رغم أنسى العميق بالأدب الكلاسيكي والمعاصر، وأقرأ سهراب وفروغ مرارًا وتكرارًا منذ أكثر من عشرين عامًا. وكذلك الأعمال الفارسية الكلاسيكية مثل المثنوي، وديوان شمس، وديوان حافظ، وبوستان وكلستان لسعدي، ومنطق الطير للعطار. إن تناوُلي لسبهري وفروغ ليس ذا طابع أدبي محض، بل أتناولهما من منظور وجودي، وهما بالطبع من شعرائي المفضلين. في كتابي «في فضاء سبهري» الذي صدر مؤخرًا، تناولتُ المضامين الوجودية التي وردت في شعر سهراب، مثل الحزن، والموت، والأمر المتعالي، والريح، والمطر... وما يترتب عليها من لوازم وتوابع عرفانية وروحية. إن مشروع «مخطط للعرفان الحديث» الذي أعمل عليه منذ سنتين أو ثلاث، متأثر بأفكار سبهري وأشعاره. على أية حال، فإن تناوُلي لهذين الشاعرين المعاصرين يأتي في سياق جزء من مشروعي الفكري الذي يتمثل في صياغة السلوك الروحي في عالمنا الحالي المنزوع السحر. وبالطبع، عالمي أقرب إلى عالم سهراب بكثير منه إلى عالم فروغ، وأشعر بتعاطف وجودي أكبر مع سبهري؛ وفي الوقت نفسه أحب فروغ أيضًا؛ من الناحية الأدبية وبسبب الهموم الإنسانية العميقة التي تموج في أشعارها. مقالتي «عجز الأيدي الإسمنتية: تأمل في أشعار وأحوال فروغ فرخزاد[70]» التي نُشرت لي العام الماضي، هي نتاج تأملي الطويل في أشعارها. عنوان المقالة التي كتبتها عن أصناف الإيمان مأخوذ من فروغ فرخزاد: «طهارة صوت المياه[71]». كما أنني عددتُ أشعار ديوان «ولادة أخرى» لفروغ أحد مصاديق الشق الرابع من الإيمان الذي أسميته «الإيمان التمني». أوضحت هذا لأقول إن تناوُلي لهذين الشاعرين يندرج أيضًا ضمن أنشطتي الفكرية.
لا يبدو أن المناخ مهيأ حاليًا لإصدار مثل هذه المجلة. إذا ما سنحت الفرصة في الحكومة الجديدة، فسنبذل الهمة بالتأكيد لإصدارها.
في هذا الشأن، كتبتُ سابقًا مقالتين؛ «إلى أين هذا الإسراع» و«في طريقتنا الكفر هو التألم». النقاط التي ينبغي أن أقولها أوردتها هناك؛ وفي مقابلة نُشرت لي مؤخرًا تحت عنوان «إعادة قراءة مشروع التنوير الديني[72]» في أحد المواقع الداخلية، أكدتُ على تلك النقاط. آمل أن يتراجع أصدقاؤنا هؤلاء عن النهج الذي سلكوه. عندما قرأتُ مقابلة السيد قوجاني وإبراهيم فياض مع إحدى وكالات الأنباء[73]، شعرتُ بالأسف حقًا على قوجاني. لم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى حد مقارنة الإصلاح الديني والحركات التنويرية بداعش وأمثالها. آمل ألا يستمروا في هذا النهج الباطل أكثر من ذلك. ليس من الإنصاف والمروءة أن تنشروا كل هجوم على شخص عندما تكون يده قصيرة ولا يملك إمكانية الرد. يجب أن ننصف، فبعض الأعمال الجيدة تُنشر في «مهرنامه» أيضًا؛ لأن نسختها الإلكترونية تصلني وأقرأ أقسامها المتعددة. آمل ألا تُنشر مثل هذه المواد المغرضة والمهينة في هذه المجلة بعد الآن. أنتم تعلمون أنكم لا تستطيعون نشر ردود المجددين الدينيين، لكنكم تنشرون الهجمات المعرفية وغير المعرفية الحادة عليهم؟!! هذا لا يليق بصون الأخلاق الصحفية. آمل أن ينبذ جماعة «مهرنامه» هذا النهج، وأن يواجهوا منتقديهم الفكريين مواجهة علمية غير سياسية. لا أحد من أصدقائنا ورفاقنا يعارض النقد؛ من الواضح أن كلامنا ليس وحيًا منزلًا، لكن حساب النقد منفصل عن حساب التحقير والإهانة وتلفيق الملفات. المواجهة السياسية قد تصلح لأغراض ما، لكنها لا قيمة معرفية لها عادةً؛ قد تصلح لإرضاء عمرو وزيد، لكنها لا وزن لها في ميزان البحث ولا تجد قبولًا لدى أهل المعرفة. تلقيتُ رسائل عديدة في العامين الأخيرين اعتراضًا على نهج ومرام القائمين على «مهرنامه». وصل الأمر إلى حد أن صوت جناب المجتهد شبستري، وهو رجل حليم وصبور، قد ارتفع وغضب هو الآخر. آمل أن تتبنى هذه الجماعة نهجًا آخر في مواجهة المنتقدين.
[1] Vienna circle
[2] Rudolf Carnap (1891 – 1970)
[3] J.L Austin (1911 - 1960)
[4] Willard Van Orman Quine (1908 – 2000)
[5] A theory of Justice (1971)
[6] John Rawlz (1921 - 2002)
[7] The origins of analytic philosophy
هذا الكتاب تُرجم حديثاً بالمواصفات التالية: دامت، مايكل. أصول الفلسفة التحليلية، ترجمة: عبد الله نيكسيرت، طهران: حكمت.
[8] Michael Dummett
[9] Hans Juhann Glock (1960 - )
[10] What is Analytic Philosophy (2008)
[11] University of Warwick
[12] David Miller (1942 - )
[13] Karl Popper (1902 - 1994)
[14] Formal logic
[15] Maurice Merleau-Ponty (1908 – 1961)
[16] Ludwig Wittgenstein (1889 – 1951)
[17] Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770 - 1831)
[18] Karl Marx (1818 - 1883)
[19] Friedrich Nietzsche (1844 - 1900)
[20] Martin Heidegger (1889 - 1900)
[21] Being and Time (1927)
[22] Introduction to existentialism
[23] Jean-Paul Sartre (1905 - 1980)
[24] Karl Jaspers (1983 - 1969)
[25] Viktor Frankl (1905 - 1997)
[26] Philosophy of mind
[27] Early analytic philosophy
[28] Bertrand Russell (1872 - 1970)
[29] Gottlob Frege (1848 – 1925)
[30] G. E. Moore (1873 - 1958)
[31] Michel Foucault (1926 - 1984)
[32] Gilles Deleuze (1925 - 1995)
[33] Giorgio Agamben (1942 - )
[34] Alain Badiou (1937 - )
[35] fashionable
[36] Immanuel Kant (1724 - 1804)
[37] Primary literature
[38] Secondary literature
[39] ترجمات السادة نوالی، وعبد الكريم رشيديان، وسياوش جمادي.
[40] Tractatus Logico-Philosophicus
[41] Philosophical investigations
[42] Empiricist
[43] John Locke (1632 - 1704)
[44] David Hume (1711 - 1776)
[45] Slavoj Žižek (1949 - )
[46] Pseudo-problems
[47] Universality
[48] Jürgen Habermas (1929 - )
[49] Normativity
[50] Apply
[51] Environmental ethics
[52] Medical ethic
[53] Non-sense
[54] Verifiability principle/verificationism
[55] Logical positivism
[56] Two Dogmas of Empiricism
[57] John Hick (1922 - 2012)
[58] Richard Swinburne (1934 - )
[59] Alvin Plantinga (1932 - )
[60] William Alston (1921 - 2009)
[61] Theist
[62] Daily politics
[63] هذه المقالة متاحة على الرابط التالي:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/358.pdf
[64] Pragmatism
[65] Richard Rorty (1931 - 2007)
[66] Emmanuel Levinas (1906 - 1995)
[67] Welfare state
[68] Hilary Putnam (1926 - )
[69] Ontological
[70] هذه المقالة متاحة على الرابط التالي:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/215.pdf
[71] هذه المقالة متاحة على الرابط التالي:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/207.pdf
[72] المقالات الثلاثة المشار إليها متاحة عبر الروابط التالية:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/245.pdf
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/222.pdf
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/322.pdf
[73] المقابلة المشار إليها متاحة عبر الرابط التالي:
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.