اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تبدو الفلسفة خالية من التقدّم قياساً إلى العلم، غير أن نظرية «الناتج الثانوي» ترى نجاحاتها في ميلاد علوم مستقلة. أما بابينو، إذ يعدّ الحقيقة غاية، فيرى الفارق لا في الموضوعات بل في طبيعة المسائل ومناهج البحث.

هل الفلسفة أصعب من العلم فحسب؟[1]
ديفيد بابينو[2]
المترجم: علي مسعودي
ما غاية الفلسفة؟ يرى ألفرد نورث وايتهيد أن الفلسفة ما هي إلا حواشٍ على أفلاطون؛ وهذا الموقف منه مفهوم بالطبع، إذ إننا، على ما يبدو، لا نلمس تقدماً يُذكر في الفلسفة طوال هذه المئتين وخمسمئة عام التي انقضت منذ كتابة محاورات أفلاطون، ولا يزال فلاسفة عصرنا غارقين في كثير من الموضوعات ذاتها التي تصارع معها قدماء الإغريق. مسائل من قبيل: ما أساس الأخلاق؟ كيف يمكن تعريف المعرفة؟ هل ثمة حقيقة أعمق وراء هذا العالم الظاهري؟
وفي هذا السياق، كثيراً ما تُقارن الفلسفة مقارنة سيئة بالعلم، الذي صار، منذ أن اتخذ شكله الحديث في القرن السابع عشر، قصة تكللت بالنجاح. لقد استطاع العلم أن يكشف عن آلية عمل الطبيعة وأن يجلب للبشرية منافع جمة ظاهرة وخفية؛ فقد صارت الميكانيكا والكهرومغناطيسية أساساً للتقدمات التكنولوجية في العالم الحديث، كما قدمت الكيمياء والميكروبيولوجيا خدمات جليلة في سبيل التحرر من جور الأمراض.
بيد أن التناقض بين العلم والفلسفة لم يكن معضلة لدى جميع الفلاسفة. فبالنسبة لبعضهم، تكمن قيمة الفلسفة في العملية، لا في النتيجة والمُنتَج. وهؤلاء المفكرون، تماشياً مع الحكمة السقراطية القائلة: «إن الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش»، يقرون بأن التأمل في المأزق الذي وقع فيه الإنسان هو أمر قيم في حد ذاته، حتى لو لم تكن هناك أية إجابة محددة في الأفق. أما مجموعة أخرى من الفلاسفة فتسير مع ماركس الذي قال: «لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بطرق شتى، في حين أن الهدف هو تغييره». إنهم ينظرون إلى الفلسفة بوصفها محركاً للتغييرات السياسية، وغايتهم ليست التفكير في الواقع، بل تقويضه وتغييره.
ومع ذلك، فإن غالبية الفلاسفة المعاصرين، وأنا منهم، لا يزالون يعتقدون أن الفلسفة طريق للوصول إلى الحقيقة. وفوق هذا، إذا لم يكن الأمر كذلك حقاً، فما معنى ما نقوم به نحن الفلاسفة والمنهج الذي نتبعه؟ إن مقالاتنا مشحونة بدقة جافة متكلفة، ونحن نضع مواد العمل في موضعها تماماً وندعو القارئ إلى تحدي إيجاد أمثلة مضادة. هذه الأعمال غالباً ما تكون غير ممتعة، ومن المؤكد أنها لا تؤثر في الناس كذلك، وإذا كانت كل هذه التحليلات الشاقة لا تساعد في الاقتراب من الحقيقة، فمن المؤكد أنه يمكن للمرء أن يجد طريقة أفضل لتمضية الوقت.
ولكن إذا كانت غايتنا هي الحقيقة، فلماذا لا نرى تقدماً نحوها؟ أليس من المفترض بالفلسفة، بتاريخها العريق، أن تقدم يد العون للعلم بشكل أفضل من هذا؟ أحد الردود على هذا التحدي هو أن الفلسفة كانت مشغولة بهذا العمل منذ زمن طويل. فوفقاً لنظرية «الناتج الثانوي[3]» للتقدم الفلسفي، فإن جميع العلوم الحديثة نشأت في البداية كفرع من فروع الفلسفة، ولم تتمكن من الانتظام كتخصص مستقل إلا بعد أن منحتها الفلسفة الإمكانيات الفكرية اللازمة.
من المؤكد أن لوجهة النظر هذه ما يسوغها. فالعلم الفيزيائي كما نعرفه تأسس في القرن السابع عشر تحت مسمى «الفلسفة الميكانيكية» على يد ديكارت وآخرين. وبالمثل، تشكل جزء كبير من علم النفس على أساس مبادئ التداعي التي طرحها هيوم أول مرة، كما نما الاقتصاد من تعاليم طورها في البداية مفكرون أطلقوا على أنفسهم اسم فلاسفة. وقد استمرت هذه العملية حتى يومنا هذا، حيث انفصل كل من علم اللغة وعلوم الحاسوب في القرن العشرين عن الفلسفة ليؤسسا تخصصيهما المستقلين.
وعليه، وبناءً على نظرية الناتج الثانوي، فإن عدم تقدم الفلسفة المفترض ليس سوى وهم. [ففي الواقع،] حيثما تقدمت الفلسفة، تكون قد بذرت بذرة موضوع جديد، موضوع لم يعد بعد ذلك جزءاً من الفلسفة وشق طريقه منفصلاً. والحق أن الفلسفة مليئة بالتقدم، لكن هذه التقدمات قد حُجبت تحت ظل التسمية المستمرة لأبنائها الروحيين ولم تعد تُرى.
مع ذلك، فإن نظرية الناتج الثانوي لا يمكنها أن تقدم لنا إجابة إلا إلى هذا الحد. [وعلاوة على ذلك] السؤال هو: ماذا يمكن أن يقال عن تلك المجالات التي ما زلنا نتصارع فيها مع مسائل اليونان القديمة؟ من الواضح أن الفلسفة لم تتنازل بعد عن كل شيء لصالح الكليات الأخرى، وما زالت تحتفظ بأسئلة كثيرة لتدريب طلابها عليها. لكن المشكلة هي أنه يبدو أن الفلسفة لا تملك أي إجابة مسلَّمة على هذه الأسئلة. عندما يتعلق الأمر بموضوعات مثل الأخلاق، والمعرفة، والاختيار، والوعي ونظائرها، لا يزال أساتذة الفلسفة يتحدثون عن طيف من الخيارات المختلفة المطروحة على الطاولة منذ زمن طويل.
لا شك أن بعض الاختلافات بين العلم والفلسفة ناتجة عن مناهج البحث المختلفة التي يستخدمها كل منهما. فبينما تعتمد الفلسفة على التحليل والبرهان، يتعامل العلم مع البيانات، ولهذا السبب عندما يُدعى العلماء لتقديم محاضرات بحثية، لا يُسمح لهم بالتنظير بسهولة، مهما كان ذلك جذابًا. بالنسبة للعلماء، أصبح تقديم النتائج القائمة على الملاحظة ضرورة مهنية، ولهذا إذا لم تكن لديك، بصفتك عالمًا، شرائح باوربوينت تعرض أحدث إنجازاتك التجريبية، فهذا يعني أنه ليس لديك ما تقوله أساسًا.
مع أخذ هذه الفروق في الاعتبار، لن نتفاجأ كثيرًا من أن الاتفاق بين الفلاسفة أقل منه بين العلماء. البيانات[4] هي بيانات. إذا قدمت نتائج تجريبية، فقد حققت أهدافك. لكن الحجج لها نقاط ضعفها ومنافذها الخاصة. على وجه التحديد، الحجج التي يصوغها الفلاسفة تحتوي على أجزاء كثيرة قابلة للتغيير، وكذلك مجال واسع للنقاد الأذكياء لفحص مقدماتها ونتائجها تحت المجهر. وبناءً على ذلك، هناك نقاش ونزاع دائم بين الفلاسفة، بينما العلماء، على العكس، يجب أن يقبلوا كلام بعضهم البعض.
قد تظن أن الاختلاف في مناهج البحث ناتج عن الاختلاف في الموضوعات التي يدرسها العلم والفلسفة، وأنه بينما تُحسم مسائل الفيزياء والكيمياء دائمًا بالتحقيقات التجريبية، فإن المناهج التجريبية لا تساعد في حل مسائل الأخلاق أو الاختيار مثلاً. لكن تشخيصك هذا قد يكون خاطئًا، لأنه توجد في صميم العلم أيضًا مسائل كثيرة لا يمكن ضبطها وإدارتها تجريبيًا، خذ مثلاً تفسير ميكانيكا الكم أو تطور غريزة الإيثار. نعم، هذه أسئلة تجريبية، لكنها لا تستسلم بسهولة للحلول التجريبية. المشكلة هي أنه على الرغم من أن لدينا كل الحلول التجريبية التي نريدها، إلا أننا لا نستطيع التوصل إلى نظرية متماسكة للتوفيق بينها. وهكذا تبرز المسائل الفلسفية داخل العلم، تمامًا كما تبرز خارجه.
التمييز الحقيقي بين العلم والفلسفة لا يتعلق بمجال موضوعاتهما، بل بطبيعة المسألة قيد النقاش. المسائل الفلسفية تُطرح عادةً في قالب تناقض. على سبيل المثال، يمكن للأفراد أن يتأثروا بالأخلاقيات، بينما الحقائق الأخلاقية ليست جزءًا من نظام سببي. أو مثلاً، الاختيار لا يتوافق مع الحتمية[5]، لكنه لا يتوافق أيضًا مع مبدأ الصدفة. نحن نعلم أننا نجلس حول طاولة حقيقية، لكن أدلتنا لا تستطيع أن تنفي فرضية أننا لا نجلس حول هذه الطاولة في محاكاة حاسوبية على غرار الماتريكس[6]. في مواجهة مثل هذه المعضلات، نحتاج إلى مناهج فلسفية لفك عقدة أفكارنا. أحيانًا يكون هناك خلل ما، لكننا لسنا متأكدين أين تكمن المشكلة، عندها يلزمنا تدوين افتراضاتنا، التي غالبًا ما تتضمن أشياء كنا غافلين عنها، وإخضاعها للتحليل النقدي.
السبب في أن المسائل الفلسفية يمكن أن تظهر أيضًا في المجالات العلمية هو أن النظريات العلمية نفسها يمكن أن تعاني من التناقض. الحزمة الموجية الكمومية يجب أن تنهار، لكن هذا يخالف قوانين الفيزياء. الإيثار لا ينبغي أن يستمر في التطور، لكنه يفعل. وهنا تُستدعى المناهج الفلسفية. علينا أن نفهم أين يسير تفكيرنا في الطريق الخاطئ، ثم نتمكن بعد ذلك من غربلة افتراضاتنا النظرية وإيجاد مواطن القصور.
يجب الإقرار بأن العلماء لا يُحسنون الصنع في هذا الأمر كثيرًا، وغالبًا ما يكتفون بما يسميه توماس كون «العلم الاعتيادي»، وهو علم يعمل ضمن «نماذج إرشادية» (بارادايمات) تمثل مجموعة مقبولة من الفرضيات والتقنيات التي تتيح للعالم التركيز على مسائل قابلة للحل والحسم بواسطتها. معظم العلماء حين يواجهون لغزًا نظريًا حقيقيًا، يغضون الطرف ويأملون أن تزول المشكلة من تلقاء نفسها.
من أكبر فضائح الحياة الفكرية الحديثة أن الفيزيائيين طوال القرن العشرين حاولوا كنس مشكلات ميكانيكا الكم تحت البساط. لقد ظل الفيزيائيون، بقيادة نيلز بور و«تفسير كوبنهاغن» المناهض للعلم لميكانيكا الكم، يكررون لأجيال من الطلاب أن التناقضات الفادحة التي تظهر في النظرية لا تعنيهم. وكان الرد النمطي على أي طالب تسول له نفسه الجرأة على السؤال عن متانة النظرية هو: «اخرس وابدأ بالحساب». (نُسبت هذه العبارة المأثورة بأشكال مختلفة إلى بول ديراك وريتشارد فاينمان وغيرهما، وعدم التيقن من إسهام كل واحد في استخدام هذه العبارة هو بحد ذاته دليل على شيوع هذه النظرة).
إذا سألتني، فسأقول إن عدم حسم المناقشات الفلسفية بشكل خاص لا يقلل من أهمية هذا التخصص. إنها النتيجة الطبيعية للمهمة التي تواجهها الفلسفة. معظم الناس لا يستمتعون بمكابدة المفارقات المزعجة. إنه عمل شاق، لكن لا بد لأحد من القيام به. وبأخذ هذا في الاعتبار، لن نستغرب بعد الآن من أن المسائل الفلسفية لا تُحل بسهولة. إن صعوبة الفلسفة ليست نتاجًا لموضوعاتها الخاصة أو قصور مناهجها، بل هي في الواقع نابعة من حقيقة أن الأسئلة التي تعالجها الفلسفة بالغة الصعوبة.
إن تقدم الفلسفة، حتى بمعزل عن التخصصات الفرعية التي نشأت عنها، ربما يكون أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. في الظاهر يبدو كما لو أن المسائل في الفلسفة لا تُحسم أبدًا، لكن خلف هذا الظاهر، لم تكن الفلسفة عاجزة عن التقدم البتة. بيت القصيد هو أنه كلما اتضحت أوجه قصور الآراء المستقرة، تسعى الفلسفة إلى البحث في مجالات جديدة. خلال القرن التاسع عشر، كان جميع الفلاسفة تقريبًا يعتقدون أن العالم ذو بنية ذهنية، لكن يصعب عليك اليوم أن تجد أمثال هؤلاء المثاليين. في منتصف القرن الماضي، ذاعت تصريحات «العاطفية»[7] حول الأحكام الأخلاقية ذيوعًا كبيرًا، لكن لم يعد أحد الآن يدافع عن هذه العاطفية التبسيطية. قد يكون تقدم الفلسفة بطيئًا ومحل جدل، لكن هذا لا يعني أنه غير موجود. الفلسفة، بالنظر إلى صعوبة العمل المنوط بها، ربما تكون قد أحرزت من التقدم بالقدر الذي يمكن توقعه منها.
.
ما الغرض من الفلسفة؟ وصفها ألفريد نورث وايتهيد بأنها سلسلة من الهوامش على أفلاطون. ويمكن تفهم وجهة نظره. فظاهريًا، لا يبدو أننا أحرزنا تقدمًا كبيرًا خلال الألفين ونصف عام منذ أن كتب أفلاطون محاوراته. لا يزال فلاسفة اليوم يصارعون العديد من القضايا نفسها التي شغلت الإغريق. ما أساس الأخلاق؟ كيف يمكننا تعريف المعرفة؟ هل هناك واقع أعمق وراء عالم الظواهر؟إن مقارنة الفلسفة بالعلم في هذا الصدد لا تصب في صالحها. فمنذ أن اتخذ العلم شكله الحديث في القرن السابع عشر، كان قصة نجاح طويلة. لقد كشف عن آليات عمل الطبيعة وجلب فوائد لا تُحصى للبشرية. تدعم الميكانيكا والكهرومغناطيسية التقدم التكنولوجي للعالم الحديث، بينما فعلت الكيمياء وعلم الأحياء الدقيقة الكثير لتحريرنا من طغيان المرض.ليس كل الفلاسفة منزعجين من هذا التباين. بالنسبة للبعض، تكمن قيمة الفلسفة في العملية، لا في الناتج. وتماشيًا مع مقولة سقراط – "الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش" – يرون أن التأمل في المأزق البشري قيّم في حد ذاته، حتى لو لم تظهر إجابات محددة. ويتخذ آخرون قيادتهم من ماركس – "لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم، لكن المهمة هي تغييره" – وينظرون إلى الفلسفة كمحرك للتغيير السياسي، غرضها ليس عكس الواقع، بل زعزعته.ومع ذلك، فإن غالبية الفلاسفة المعاصرين، وأنا منهم، ربما لا يزالون يعتقدون أن الفلسفة طريق إلى الحقيقة. ففي النهاية، لن تكون الأساليب التي نستخدمها ذات معنى كبير بخلاف ذلك. تطمح أوراقنا البحثية إلى الدقة المتناهية. نطرح أطروحاتنا بعناية، ونحشد المواد الداعمة، ونتحدى قراءنا لإيجاد أمثلة مضادة. في معظم الأحيان، لا يكون الأمر ممتعًا كثيرًا، وبالتأكيد لا يفعل الكثير للتأثير على الناس. إذا لم يساعدنا كل هذا التحليل الدقيق في الاقتراب من الحقيقة، لكان بإمكاننا بالتأكيد إيجاد أشياء أفضل لنفعلها بوقتنا.ومع ذلك، إذا كانت الحقيقة هي الهدف، فأين التقدم؟ ألن يكون من الأفضل للفلسفة أن تسلم الأمور ببساطة للعلم، بسجله الحافل المثبت؟ حسنًا، أحد الردود على هذا التحدي هو أن الفلسفة كانت تفعل ذلك بالضبط لبعض الوقت. وفقًا لنظرية "الانبثاق" للتقدم الفلسفي، تبدأ جميع العلوم الجديدة كفروع للفلسفة، ولا تصبح تخصصات مستقلة إلا بعد أن تورثها الفلسفة الوسائل الفكرية اللازمة للبقاء بمفردها.هناك بالتأكيد شيء لهذه القصة. الفيزياء كما نعرفها تأسست على "الفلسفة الميكانيكية" لديكارت وآخرين في القرن السابع عشر. وبالمثل، يعتمد الكثير من علم النفس على مبادئ التداعي التي وضعها ديفيد هيوم لأول مرة، ونما الاقتصاد من مذاهب طورها أولاً مفكرون أطلقوا على أنفسهم فلاسفة. وتستمر العملية في العالم المعاصر. خلال القرن العشرين، تحرر كل من علم اللغة وعلوم الكمبيوتر من مراسيهما الفلسفية ليؤسسا نفسيهما كتخصصين مستقلين.وفقًا لنظرية الانبثاق، إذن، فإن الافتقار المفترض للتقدم في الفلسفة هو وهم. فكلما أحرزت الفلسفة تقدمًا، أنتجت موضوعًا جديدًا، لم يعد يُحتسب بعد ذلك جزءًا من الفلسفة. في الواقع، الفلسفة مليئة بالتقدم، لكن هذا يحجبه إعادة التسمية المستمرة لنتاجها الفكري.غير أن نظرية الانبثاق لا تأخذنا إلا لمسافة معينة. ماذا عن تلك المجالات حيث لا نزال نبدو وكأننا نكافح مع القضايا نفسها التي شغلت الإغريق؟ لم تقم الفلسفة بتعهيد كل شيء لأقسام جامعية أخرى، ولا تزال تحتفظ بالكثير من أسئلتها الخاصة لتدريب طلابها. المشكلة هي أنها لا تبدو وكأن لديها أي إجابات محددة.
عندما يتعلق الأمر بموضوعات مثل الأخلاق والمعرفة والإرادة الحرة والوعي وما إلى ذلك، لا يزال المحاضرون يناقشون مجموعة من الخيارات المطروحة منذ زمن طويل.لا شك أن بعض الاختلافات بين الفلسفة والعلم تنبع من اختلاف مناهج البحث التي يستخدمانها. فبينما ترتكز الفلسفة على التحليل والحجاج، يكرّس العلم نفسه للبيانات. عندما يُدعى العلماء لإلقاء محاضرات بحثية، لا يُسمح لهم ببساطة بالوقوف والتنظير، مهما كان ذلك شيقًا. ثمة مطلب مهني يقضي بأن يقدموا نتائج رصدية. إذا لم تكن لديك أي شرائح باوربوينت تعرض أحدث نتائجك التجريبية، فلن يكون لديك محاضرة.بالنظر إلى هذا التباين، فليس من المستغرب أن يختلف الفلاسفة أكثر من العلماء. البيانات هي بيانات. إذا عُرضت عليك بعض النتائج التجريبية، فحسنًا، هذا هو الأمر. لكن الحجج فيها ثغرات. على وجه الخصوص، تميل الحجج التي يبنيها الفلاسفة إلى احتوائها على أجزاء متحركة كثيرة، مع متسع كبير للنقاد الأذكياء للتشكيك في المقدمات. لذا هناك دائمًا متسع كبير للفلاسفة كي يختلفوا مع بعضهم البعض، بينما يتعين على العلماء، على النقيض من ذلك، قبول ما يُقال لهم.قد تظن أن الاختلاف في مناهج البحث يعود إلى اختلاف الموضوعات التي يدرسها العلم والفلسفة. فمسائل الفيزياء والكيمياء يمكن حسمها دائمًا بالبحث التجريبي، في حين أن المناهج التجريبية لا تجد لها قبضة على الأخلاق والإرادة الحرة. لكن ذلك سيكون تشخيصًا خاطئًا. فالكثير من المشكلات المستعصية تجريبيًا تنشأ داخل العلم نفسه. خذ مثلًا تأويل ميكانيكا الكم، أو تطور الغرائز الإيثارية. هذه مسائل علمية بلا شك، لكنها لا تقبل حسمًا تجريبيًا بسيطًا. المشكلة هي أننا، رغم حصولنا على كل النتائج التجريبية التي قد نرغب فيها، لا نستطيع اكتشاف نظرية متماسكة تستوعبها. المشكلات الفلسفية تنشأ داخل العلم كما تنشأ خارجه.الفرق الحقيقي بين الفلسفة والعلم ليس في مجال الموضوع، بل في نوع المشكلة المطروحة. القضايا الفلسفية تتخذ عادة شكل مفارقة. فالناس يمكن أن يتأثروا بالأخلاق، على سبيل المثال، لكن الحقائق الأخلاقية ليست جزءًا من النظام السببي. الإرادة الحرة لا تتوافق مع الحتمية، لكنها لا تتوافق مع العشوائية أيضًا. نحن نعلم أننا نجلس إلى طاولة حقيقية، لكن أدلتنا لا تستبعد أننا نجلس في محاكاة حاسوبية كتلك الموجودة في فيلم 'ماتريكس'. في مواجهة مثل هذه المعضلات، نحتاج إلى مناهج فلسفية لفك تشابك تفكيرنا. هناك خطب ما، لكننا لسنا متأكدين ما هو. نحتاج إلى فهرسة افتراضاتنا، وغالبًا ما يشمل ذلك افتراضات لم نكن نعلم أننا نحملها، وإخضاعها لتحليل نقدي.لهذا السبب يمكن أن تنشأ المشكلات الفلسفية في مجالات علمية أيضًا. النظريات العلمية يمكن أن تصاب هي نفسها بعدوى المفارقة. الحزمة الموجية الكمومية يجب أن تنهار، لكن هذا ينتهك القانون الفيزيائي. الإيثار لا يمكن أن يتطور مطلقًا، لكنه يتطور. هنا أيضًا تُستدعى المناهج الفلسفية. نحتاج أن نكتشف أين يضلنا تفكيرنا، وأن نغربل افتراضاتنا النظرية المسبقة ونحدد مواطن الخلل.ينبغي القول إن العلماء ليسوا بارعين جدًا في هذا النوع من الأمور. هم أكثر سعادة بما سماه توماس كون 'العلم الاعتيادي'، أي العمل ضمن 'بارادايمات' من الافتراضات والتقنيات المستقرة التي تسمح لهم بالتركيز على قضايا يمكن حسمها تجريبيًا. عندما يواجهون لغزًا نظريًا حقيقيًا، يغمض معظم العلماء أعينهم ويأملون أن يزول.إحدى الفضائح الكبرى في الحياة الفكرية الحديثة هي الطريقة التي كنس بها الفيزيائيون مشكلات ميكانيكا الكم تحت البساط طوال القرن العشرين. بقيادة نيلز بور وتأويله الظلامي 'تأويل كوبنهاغن' لميكانيكا الكم، قالوا لأجيال من الطلاب إن التناقضات الصارخة الظاهرة في النظرية ليست من شأنهم.كان شعار «اخرس وابدأ بالحساب» هو الرد النمطي على أي طالب جامعي تسول له نفسه التشكيك في تماسك النظرية. (نُسب هذا الشعار بشكل مختلف إلى بول ديراك، وريتشارد فاينمان وآخرين. إن عدم حسم مسألة نسبه هو بحد ذاته شهادة على شيوع هذا الموقف.)إذا سألتني، فإن اللا حسم النسبي للنقاش الفلسفي لا ينتقص من قيمة هذا التخصص البتة. إنه النتيجة الطبيعية للمهمة التي تواجه الفلسفة. معظم الناس لا يستمتعون بضرب رؤوسهم بالمفارقات الشائكة. إنها مهمة قذرة، لكن على أحدهم القيام بها. ونظراً لهذا، فليس من المستغرب ألا تكون المشكلات الفلسفية سهلة الحل. إن صعوبة الفلسفة لا تنبع من موضوعها الخاص أو قصور مناهجها، بل ببساطة من حقيقة أنها تتصدى للأسئلة الصعبة.ربما يكون هناك تقدم في الفلسفة أكثر مما يبدو للوهلة الأولى، حتى بصرف النظر عن التخصصات المتفرعة عنها. قد يبدو على السطح وكأن شيئاً لم يُحسم قط. لكن خلف المظاهر، الفلسفة ليست عاجزة البتة عن التقدم. يتم كشف أوجه القصور في الآراء الراسخة، وتمضي الفلسفة قدماً لاستكشاف مناطق جديدة. طوال القرن التاسع عشر، اعتقد جميع الفلاسفة تقريباً أن العالم هو نوع من البناء الذهني، لكنك ستجد صعوبة بالغة في العثور على أي مثالي من هذا القبيل اليوم. كانت نظرية «مرحى-خسئاً» في الأحكام الأخلاقية رائجة جداً في منتصف القرن الماضي، لكن لم يعد أحد يدافع عن هذه الانفعالية الساذجة. قد يكون التقدم بطيئاً ومحط جدال، لكن هذا لا يعني أنه غير موجود. ربما تحقق الفلسفة من التقدم بالقدر المتوقع فحسب، بالنظر إلى صعوبة مهمتها.ديفيد بابينو كتابه الجديد هو معرفة النتيجة: كيف تعلمنا الرياضة عن الفلسفة (والفلسفة عن الرياضة)
.
[1]. https://www.the-tls.co.uk/articles/public/philosophy-simply-harder-science/
[2]. David Papineau
[3]. spin-off
[4]. data
[5]. determinism
[6]. منظور فيلم سينمائي ماتريكس است.
[7]. boo-hurrah theory
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ظرفیت رویش هر جامعه ای در گرو رویش فکری اندیشمندان ژرف ـ فراخ نگر آن است ؛ اندیشمندانی که کوشیده اند تا می توانسته اند ، همه دانسته ها را گرد آورند ، پالایش و ویرایش کنند و در ساختاری منسجم و هماهنگ درآمیزند و تدوین کنند ، کاری که به گسترش افق فکر ، دقت در زبان ، پیدایش و رویش شاخه های نوین دانش و پژوهش و .... انجامیده است . نام این کار را چه فلسفه بگذاریم ، چه ایدئولوژی ، چه نظریه پردازی ، مدیریت دانایی ، گفتمان سازی ... ؛ رجوع به دانایان آمیزنده حوزه های دانش در سطوح مختلف ، گواه نیاز همگانی به آن است ، به ویژه در روزگار ما که روزانه میلیون ها نفر در حال تولید خبر و سخن ـ ریسی و گفت ـ بافی اند . فلسفه دانش دانش هاست و اندیشیدن به اندیشیدن .