اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينبع معاناة الإنسان من أنماطه الذهنية وانفعالاته السلبية، كما تجسّد شخصية ستيبان تروفيموفيتش في رواية الشياطين. ويرى إبيقور أن الفلسفة ينبغي أن تكون كالطبيب، دواءً لهذا الألم الباطني وكاسرةً لحلقته المفرغة.

يُقدِّم دوستويفسكي في إحدى رواياته التي تحمل عنوان الشياطين شخصيةً جمعت في طياتها سماتٍ تستحق التأمل. هذه الشخصية التي يُشار إليها في الرواية المذكورة باسم ستيبان تروفيموفيتش، هي شخصية متعلمة نسبياً، أنجزت تعليمها في فرنسا، أو بالأحرى في أوروبا، ويمكن ملاحظة ذلك طوال مجرى الرواية في حديثه المليء بالجمل الفرنسية. ومع ذلك، أي على الرغم من امتلاكه مظهراً لائقاً كعالمٍ حكيم في روسيا تلك الحقبة، فإن هذا الفرد لم يتمكن عملياً في حياته قط من إنجاز أي عمل، وهو في حياته ومعاشه معتمد على أرملةٍ أرستقراطية تسيطر على جميع جوانب حياته، وهذا الرجل كالطفل بين يديها. يلاحظ القارئ في الرواية أن ستيبان تروفيموفيتش يتذمر كالأطفال، وهو سريع التأثر، قليل الصبر، وأتفه الأمور تثير اضطرابه؛ وفي الوقت نفسه يُلاحظ أن المحيطين به ينظرون إليه بين الحين والآخر على أنه عالمٌ جرّب الأيام. وهو أيضاً يرى نفسه شخصاً يحمل للعالم كلاماً طريفاً من شأنه أن يُحدث تغييراتٍ جوهرية، لكن كلما تقدمت الرواية، قلّ أثره، وفي النهاية يلفظ أنفاسه الأخيرة كرضيعٍ مشوه الخلقة ارتبط مصيره منذ الأزل بالعذاب والألم.
يُعد هذا النموذج في تاريخ الأدب، من النماذج الجوهرية التي تُظهر ارتباط الحياة بالمعاناة. مصير شخصيات القصة الآخرين ليس أفضل حالاً بكثير من ستيبان تروفيموفيتش، وجميعهم في النهاية يعانون بشكلٍ ما. بإلقاء نظرة على هذا النموذج الأدبي يمكن طرح سؤال: هل حقاً ينبغي للإنسان أن يكون في معاناة دائمة هكذا؟ هل الإنسانية مرتبطة بالمعاناة؟ هل ثمة طريق يمكن بالاستعانة به والاستمداد منه التغلب على سلسلة المعاناة المؤلمة هذه والانتصار عليها؟ الحرب، والمجاعة، والمرض، والكوارث الطبيعية هي من الثيمات المعتادة في حياة الإنسان. لم ينجُ الإنسان طوال التاريخ ولو للحظة من هذه المخاطر. وقبل فترة وجيزة فقط، في بلدنا إيران، أذاقت الكوارث الطبيعية الناس الويل وجلبت الموت والخراب والحرمان. صحيح أن هذه الحالات لا ترتبط بحالة ستيبان تروفيموفيتش، لكن الثيمة الأساسية فيها هي المعاناة، سواء أكانت معاناة داخلية أم معاناة خارجية. إذاً، إلى جانب المعاناة الخارجية، توجد أيضاً معاناة داخلية.
يطرح أبيقور، الفيلسوف اليوناني، سؤالاً صائباً، ويرى الكاتب، بصفته طالباً للفلسفة، نفسه ملزماً في هذا المقام بطرح هذا السؤال؛ صحيح أن الفلسفة لا تستطيع أن تفعل شيئاً حيال الطوفان، ولا تستطيع أن تعالج الأمراض المهلكة، ولا أن تمنع الزلازل، ولكن ألن يكون بوسعها أن تفعل شيئاً لأولئك الذين يأتون بعد الطوفان، والذين يأتون بعد الزلزال، وكذلك لأمثال ستيبان تروفيموفيتش؟ لقد قال أبيقور: كما أن الطبيب لا يكون ذا نفع إن لم يستطع أن يداوي ألم الجسد ويشفيه، فإن الفلسفة أيضاً لن تكون ذات نفع إن لم تستطع أن تداوي «ألم الباطن» أو πάθος.[1] حسناً، السؤال هو: كيف يمكن أن نعرف ألم الباطن على نحو أفضل؛ كيف يمكن أن نتعرف على مصاديقه بشكل أفضل حتى نتمكن، بناءً على ذلك، من توقع أن تقدم الفلسفة حلاً. إذا ما نظرنا جيداً، فسنرى أن ألم الباطن مرتبط أساساً بمجموعة خاصة من الانفعالات؛ بمعنى أن الفرد المتألم يمر بانفعالات تكون ثقيلة عليه وتتسبب في عذابه. لم يكن ستيبان تروفيموفيتش قد أصابه طوفان أو قحط، ولكن كأنما كانت تجري في عالمه الداخلي أحداث تهوي به، مثل عرض تراجيدي دائم، إلى هاوية «الخطأ».[2] إنه يعاني من هذه الأحداث، وهو يعيش في الوقت نفسه نوعاً من التنعم والنعيم والرفاهية. الألم الذي يعيشه ستيبان تروفيموفيتش هو ألم الروح،[3] وهو الشيء نفسه الذي اعتبر أبيقور أن مهمة الفلسفة هي مداواته وطرده. إذا ما عدنا إلى الرواية، فسنراه يعاني من انفعالات مثل الغضب، والاشمئزاز، والنفور، والحرمان، والنبذ؛ وكأنه شخص يبحث باستمرار عن تأييد الآخرين، وكأنه يسعى دوماً إلى أن يؤكد لنفسه أنه شخص ذو قيمة بالنسبة لهم وأنهم لن ينبذوه، في حين أنه هو نفسه قد تخلى عن ابنه. يبدو أن ألم باطنه أو روحه ناتج عن انفعالات وعواطف استحوذت عليه لدرجة أنه لا يستطيع حتى أن يحب ابنه، بل إنه يخاف منه أيضاً، ويحاول بين الحين والآخر إبعاده عنه.
إذا قبلنا بأن أذهاننا تقوم باستمرار «بترميز»[4] البيئة المحيطة، فإن الانفعالات التي تنشأ نتيجة هذه الترميزات هي حصيلة التصور والفكرة اللذين نحملهما عن العالم من حولنا. لكي يتضح هذا الأمر قليلاً، ينبغي أن نقوم بإعادة بناء تصويرية لانفعالات ستيبان تروفيموفيتش. هو الآن رجل في منتصف العمر، لكن سلوكياته وتعلقه الشديد وانفعالاته التي يبديها تدل على طفولة معذبة. في هذا التصوير يمكننا أن نشبهه بطفل تعرض لأضرار جسيمة من والديه، ولم يتمكن في اللحظات الأولى من حياته من تلقي الأمان العاطفي الكافي، فنتج عن ذلك نوع من سوء الظن بالعالم ممتزج بالضعف. لقد تشكل لديه هذا التصور؛ فهو لا يستطيع الانفصال عن الآخرين، لأنه إن فعل ذلك فسيستولي الرعب على كيانه بالكامل؛ وهذا ما حدث له في النهاية؛ وهذا الرعب والعجز عينه هو الذي أرداه.
إن أذهاننا، وبطريقة استعارية تماماً، عبر تحويل تأثراتها من الفضاء المحيط والعالم الذي نعيش فيه إلى صور ذهنية، تخلق مادة أولية لصياغة العالم من حولنا. هذه الصور تثير فينا انفعالات إيجابية أو سلبية. لإثبات صحة هذا الادعاء، يكفي أن تغمض عينيك وتتصور يوماً ساحراً تماماً، يوماً لم يزعجك فيه شيء ووجدت فيه كل ما تحب إلى جانبك. والآن تصور أن تنيناً ضخماً (أو شيئاً أو شخصاً تخافه أشد الخوف) يصل فجأة ويحرق سعادتك كلها؛ ماذا حدث؟ في دقيقة واحدة انتقلت من السعادة والسرور إلى الحزن والخوف والغضب؟ والآن تصور أن هذه التصورات بقيت في أذهاننا لسنوات طويلة، فإنها ستتحول إلى سلوك حياتنا. ما كان يسبب ألم ستيبان تروفيموفيتش هو هذه التصورات الخبيثة بعينها. لقد تحولت هذه التصورات إلى أنماطه الذهنية لصياغة الأمور وفهمها، وصارت كنغمة ثابتة تُعزف وتُسمع في جميع أجزاء حياته المختلفة.
مما سبق يمكننا أن نستنتج أنه إذا كان ثمة انفعال سلبي فينا، كالقلق المزمن، أو الخوف من الرفض، أو الفقد، أو الفشل، أو المرض، أو الإفلاس، أو الإخفاق، فكل ذلك يعود إلى أنماط تحولت إلى جزء من آليتنا المعرفية. أشبه باللبِنة الأولى التي وضعها المعمار مائلة، فيميل البناء كله إلى الثريا. ويشير أبيقور إلى النقطة ذاتها بأن غياب الاضطراب الفكري والجسدي هو ما يحقق السعادة.[5] أي أننا إن كنا قد شيدنا في معرفتنا بنىً غير فعالة وشاذة ومشوهة، فهي ذاتها ما يجعلنا نواجه فقدان المعنى، وألا نشعر بالرضا في عملنا وعلاقاتنا الشخصية، فنصاب نتيجة لذلك بالضجر من الحياة. ولأن نمطنا الذهني المشوه ظل فينا زمناً طويلاً وأثر دوماً في حياتنا، فإننا نعتبره هو المعيار الطبيعي، لأنه لقي تأييداً مستمراً في الخارج. فمثلاً، إن كنا نرى أننا أشخاص منبوذون وأن الجميع سيتخلون عنا؛ فالشخص الذي يحمل هذا الفكر في ذهنه، إما أنه يختار دوماً أشخاصاً يتخلون عنه، أو أنه بسلوكه ذاته يتسبب في أن يتخلى عنه الآخرون. عندئذٍ يطفو ذلك النمط الذهني إلى السطح ويعطي الشخص إشارة: «أرأيت، لقد كنت على حق؛ أنت منبوذ!» وعادة ما يتقبل الشخص ذلك ولا يرتاب أبداً في أنه ربما لا يمتلك فهماً صحيحاً للأحداث. بالتأكيد حدث في حياة كل منا أن تسبب سوء فهم واحد في إفساد أمور كثيرة.
إن الآلية التي تحدثنا عنها أعلاه، نسميها «الدورة المعيبة للمعاناة». تتكون هذه الدورة المعيبة من ثلاثة أجزاء: 1. الخطأ المعرفي، 2. الانفعال السيئ، و3. العذاب. معنى هذه الدورة هو أنه إن وجد خطأ معرفي فينا (مثل الشعور بالرفض)، فإنه يخلق انفعالاً سلبياً (مثل الحزن أو الغضب)، وهذان معاً، يداً بيد، يتسببان في معاناتنا. وهنا بالضبط تدخل الفلسفة وتقطع الخطأ المعرفي. وعندما يُحذف الخطأ المعرفي من هذه الدورة، فلن ينشأ بالضرورة الشعور السلبي وستختفي المعاناة. ونتيجة لذلك، يمكن للفلسفة أن تقوم بثلاثة أمور في هذا المجال:
1_ تمنح الفلسفة مخاطبها أدوات يستطيع بواسطتها تشخيص كيفية امتلاك معرفة صحيحة، أي معرفة تكون على أكبر قدر من التلاؤم مع الموقف، وكيف يمكننا مراجعة المعارف التي يمنحنا إياها الآخرون، وإن كانت خاطئة، ألا نتقبلها كي لا نقع مجدداً في دائرة المعاناة؛ كمفهوم السعادة أو معنى الحياة مثلاً؛ نشهد اليوم نماذج كثيرة تغرق السعادة في قطبي التفريط والإفراط، وهذا بذاته يسبب معاناة كبيرة؛ فعلى سبيل المثال، يُعطى الشخص معرفة أن السعادة هي قطع الصلة بكل الماديات، أو بالعكس أن السعادة هي العمل الدائم وتكديس المال، وفي كلتا الحالتين تُنتزع من الإنسان فرصة العيش بهناء.
2_ إضافة إلى ما سبق، تستطيع الفلسفة أن تقدم للإنسان استراتيجيات تمكنه من التنقيب في ذاته؛ وفي هذا التنقيب سيجد الإنسان طريقه إلى أنماط حياته القديمة وسيكتشف مثلاً أن تسويفه ناشئ عن أي نوع من المعرفة والتفكير في حياته، أو من أين أتت معاييره الصارمة في الحياة وما الذي يسببها.
3_ وأخيراً، بعد أن يتمكن الفكر من معرفة أخطائه المعرفية هذه، تحول الفلسفة الآن الأسئلة التي طالما أبقت حياة الشخص في طريق مسدود، إلى أسئلة تؤدي إلى تعميق حياته وتساعد على تحسين جودتها؛ فمثلاً، شخص لديه تعلق وارتباط شديد بمن حوله، يتعرف عليه في المرحلتين السابقتين ويقطعه، وهنا يطرح الفيلسوف سؤالاً هو في الواقع صياغة أخرى للتجربة ذاتها، ولكن هذه المرة دون وجود الانفعالات السلبية؛ يمكن أن يكون السؤال كالتالي: «ما هو استقلال البشر؟»، «كيف ننتمي إلى بعضنا البعض؟». هذا السؤال سيساعد البشر بلا شك في معرفة أنفسهم والعالم المحيط بهم أكثر فأكثر. يستطيع الفيلسوف أن يساعد الشخص على طرح أسئلة أخرى، وبمحاولة الإجابة عنها يقوم باستكشاف الذات ومعرفة العالم، وبتعبير الكاتب، «التآلف مع الوجود»، فيصبح أكثر ألفة مع الوجود وحضوره.
في النهاية، ينبغي القول إنه إذا كان العالم يبدو خالياً من المعنى، فلعل هذا الخواء هو نتاج المشاعر السلبية التي نحملها في داخلنا، ولعلها تلك الأنماط المعرفية الخاطئة التي ورثناها ونجرّها معنا كأعرافٍ من هنا إلى هناك. لذا، ينبغي أولاً أن نستيقظ، ثم أن نعرف من جديد، ولعل هذه إحدى المهام التي تقع مسؤوليتها على عاتق الفلسفة. فالفلسفة ستساعدنا في أن تكون لنا صياغة أقل إيلاماً وأكثر فاعلية للحياة.
.
.
[1]. ἐκείνου φιλοσόφου λόγος, ὑφʼ οὗ μηδὲν πάθος ἀνθρώπου θεραπεύεται· ὥσπερ γὰρ
ἰατρικῆς οὐδὲν ὄφελος μὴ τὰς νόσους τῶν σωμάτων ἐκβαλλούσης, οὕτως οὐδὲ φιλοσοφίας,
εἰ μὴ τὸ τῆς ψυχῆς ἐκβάλλει πάθος.
[2] . ἁμαρτία
[3] . τὸ πάθος τῆς ψυχῆς
[4] . Coding
[5] . ἡ μὲν γὰρ ἀταραξία καὶ <ἡ> ἀπονία καταστηματικαί εἰσιν ἡδοναί.
.
.
.
.
.
.
.
.
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
با درود مقاله خوب بود هر چند مرا قانع نکرد، چرا که به نظر من حقیقی ترین چیزها مرگ است که سرنوشت نهایی و مرحله پایانی راه ابناع بشر است، آگاهی از این مساله است که در بهترین شرایطِ جسمی و مادی، زندگی فرد را بی معنا و او را دچار رنجی جانکاه می کند. اینجاست که انسانها برای فراموش کردن این حقیقت تلخ خودشان را مشغول به زندگی و شغل و کسب معاش و غیره می کنند و وقتی اینها نیز نتوانست ذهن آنها را منحرف کند پناه می برند به الکل و مواد مخدر: می گریزند ز خودی در بی خودی یا به مستی یا به شغل ای مهتدی تا دمی از هوشیاری وارهند ننگ خمر و بنگ بر خود می نهند
نوشتار خوبی بود. هر انسانی یک فرشته و یک شیطان درون دارد.اگر فرشته درون انسانی قوی تر باشد همه جهان را علیرغم کاستی ها و رنج هایش ,زیبا و بهشتی می بیند و اما اگر شیطان درونش پرقدرت تر باشد ,همه جهان را رنج و بدبختی و ناامیدی می بیند. ای نسخهٔ نامهٔ الهی که توئی وی آینهٔ جمال شاهی که توئی بیرون ز تو نیست هرچه در عالم هست در خود بطلب هر آنچه خواهی که توئی..