اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
المثقف بنقده لمؤسسات السلطة يحول دون الفساد، أما أشباه المثقفين فلا يتجاوزون التذمر؛ فالنقد قائم على الإشكاليات ويتطلب المعرفة والشجاعة، بخلاف التذمر القائم على الانفعال. المثقفون مفعمون بالأمل، يبنون التنظيمات ولا يعتزلون المجتمع.

بالأمس قال صديق لي كلاماً جعلني غارقاً في التفكير. قال صديقي: أنا أحب المثقفين لكنني لا أطيق المتظاهرين بالثقافة. ولأن موضوع الجلسة كان شيئاً آخر، لم أتابع هذا الحديث، لكنني أجريت حواراً مع نفسي حوله، وها أنا أشارككم خلاصته. يعتبر «إدوارد سعيد» الذي ألّف كتاباً بعنوان "من هو المثقف؟ ما هي الثقافة؟" أن مهمة المثقف هي "نقد مؤسسات السلطة". ثمة مبدأ مهم أثبتته التجربة عبر التاريخ وعبر الجغرافيا، وهو أن السلطة بلا نقد تجلب الفساد. حتى أكثر الناس أخلاقاً، حين يجلسون على قمة سلم السلطة، إن لم تتم مراقبتهم ونقدهم بجدية، يصابون بـ"النرجسية" ومن ثم ينزلقون إلى مستنقع "الأيديوقراطية" (أي "دين حماية السلطة")، وبعدها يصبح كل ما هو مكروه ومحرم على الآخرين مباحاً لـ"السلطان". لهذا السبب، يمارس المثقف في المجتمع النقد، ويواصل النقد، لتبقى مؤسسات السلطة "سليمة". من السمات التي تميز المثقف عن "شبيه المثقف" أو "المتظاهر بالثقافة" أن المتظاهر بالثقافة لا "ينقد" بل "يتذمر". النقد ليس عملاً سهلاً. لكي تنقد إدارة نظام ما، يلزمك أن تعرف تاريخ هذا النظام وسيرورة عمله، وأن تراجع الإحصائيات والأرقام المتعلقة به، وأن تكون على دراية بعملية تحليل المعلومات. إذن، النقد يتطلب تخصصاً ومهارة وبذل وقت وطاقة. أما التذمر فيمكنك أن تتذمر من أي شيء دون أن تقضي أقل وقت في دراسته والبحث فيه! "التذمر" عملية "انفعالية المركز". أي أننا بالتذمر نهدأ، ونشارك الآخرين غضبنا وحزننا، و"نفضفض"، لكن "النقد" عملية "مسألة المركز"، فنحن حين ننقد لا نُفرّغ أنفسنا، بل نقوم بـ"تشريح" المسألة وتقليبها. "التذمر" ليس له جمهور محدد، يكفي أن تجد أذناً صاغية، حينها يمكنك أن تبدأ بالتذمر، أما النقد فله جمهور محدد. جمهور المثقف هم أولاً مؤسسات السلطة نفسها، ثم الخبراء، والمجموعات المعنية، ووسائل الإعلام، وسائر الناقدين. النقد، بالإضافة إلى حاجته للمعرفة والمهارة وبذل الوقت والطاقة، يحتاج إلى جرأة وشجاعة، شجاعة دفع الثمن! يمكنك أن تتذمر في أي حفلة تجلس فيها وأي سيارة أجرة تركبها، لا أحد يلتفت إليك! لكنك إن أرسلت نقدك إلى مؤسسات السلطة ووسائل الإعلام، فعليك أن تكون مستعداً لدفع الثمن أيضاً، لذا فإن إحدى السمات الأخرى للمثقفين التي تميزهم عن المتظاهرين بالثقافة هي "الشجاعة". بالطبع، من الضروري هنا أن أوضح بخصوص مجموعة من المثقفين الذين يضطلعون بمهمة أصعب، ألا وهي توعية جماهير الناس. الشخص الذي سيقوم بتوعية الجماهير، عليه من جهة أن يمتلك معرفة ومهارة النقد، ومن جهة أخرى أن يكون قادراً على التحدث بلغة غير متخصصة. هذا العمل يشبه "المشي على الحبل". إن تحدث بلغة أكثر تخصصاً قليلاً، لن يفهمه جمهوره، وإن تحدث بلغة أكثر شعبوية قليلاً، سرعان ما يقع في "الشعبوية"! كثير من المثقفين الذين ولجوا هذا المجال سقطوا إما من هذا الجانب أو ذاك. ومع ذلك، لا ينبغي ترك هذا المجال المحفوف بالمخاطر شاغراً، لأننا بتركه شاغراً نفسح المجال لـ"الشعبويين الحقيقيين"، أولئك الذين بدلاً من كتابة كلمة "أفعى" يرسمون شكل "الأفعى". السمة المهمة للمثقفين هي أنهم يُكوّنون التنظيمات والشبكات، المثقف ليس من أهل العزلة والانطواء. هو لا يقاطع المجتمع ولا يصيبه اليأس، لأنه منذ البداية لم يكن يتوقع تغييرات دراماتيكية. المتظاهرون بالثقافة يائسون ومحبطون. ربما كان بعضهم مثقفين كانت لديهم توقعات كبيرة من الناس والمجتمع، كانوا يبحثون عن "اليوتوبيا" - المدينة الفاضلة - وقد خاب أملهم. المثقف يأمل في الحركة الدائمة والتدريجية للمجتمع، لذا يحافظ على اتصاله بالمجتمع ويُكوّن الفريق والتنظيم. لا أعني بالتنظيم الصالون، بل المؤسسات المدنية، المؤسسات المدنية ذات الهوية التي تنمو بشكل دائم وتتواصل مع المجتمع خارجها، تؤثر وتتأثر.
حاشية: صدرت ثلاثة كتب قيّمة جداً حول المثقفين الإيرانيين: "هوية انديشان وميراث فكري أحمد فريد"، و"نو انديشان ديني"، و"غونه شناسي روشنفكران إيراني". الكتابان الأولان من تأليف محمد منصور هاشمي، والكتاب الثالث لنظام بهرامي كميل. وقد نشرت دار كوير للنشر الكتب الثلاثة.
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
علم النفس
علم النفس
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
خیلی عالی بود واقعا لذت بردم از مطالب جالبتان و فرق فیلسوف وانواع آنرا به خوبی فهمیدم درود بر شما