اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حوار بين هدايت علويتبار ومحمد رضا سرغلزائي يستكشف ماهية الفلسفة الوجودية وعلم النفس الوجودي، بدءاً من معنى «الوجود» وصولاً إلى المسار التاريخي لهذه المدرسة وضرورة نشأتها كرد فعل على الفلسفة التقليدية.

سپيده دانايي: مُنذ فترة طُرح في الأوساط العلمية الإيرانية موضوع يُدعى الفلسفة وعلم النفس الوجودي. وبهذه المناسبة، سنحت الفرصة لعقد طاولة مستديرة حول ماهية الفلسفة وعلم النفس الوجودي وسبب الاهتمام بهما، بحضور الدكتور هدايت علوي تبار (أستاذ في قسم الفلسفة بجامعة العلامة الطباطبائي) والدكتور محمد رضا سرغلزايي (طبيب نفسي وعضو هيئة التدريس في جامعة مشهد للعلوم الطبية). هذان المفكران المحترمان، اللذان أمضيا سنوات في البحث والدراسة في مجال الفلسفة وعلم النفس الوجودي، يعبّران في هذه الطاولة المستديرة عن هواجس لم تُطرح على الأرجح في الفضاء الإعلامي الإيراني حتى الآن. هواجس مثل هروب المجتمع الإيراني نحو المباحث الفلسفية والوجودية، وهو أحد الأسباب المهمة لاهتمام مجتمع القرّاء الشديد بأعمال كتّاب مثل إرفين يالوم.
* دكتور علوي تبار، قبل الخوض في الفلسفة الوجودية وعلم النفس الوجودي، تفضلوا وأخبرونا ما معنى كلمة «وجودي»؟
دكتور علوي تبار: «وجودي» في هذه الاصطلاحات هي ترجمة لكلمة existential. كلمة existence مأخوذة من الأصل اللاتيني existere (أن يوجد، أن ينشأ). هذه الكلمة مأخوذة من البادئة ex (خارج) و sistere (يقف) وتعني في المجمل «الوقوف خارجاً»، أي الوقوف خارج العدم. ولهذا السبب فهي تعني في معناها العام الوجود في مقابل العدم. لكن كيركغور، وهو أبو الفلسفة الوجودية أو الوجودية الجديدة، استخدم هذه الكلمة بمعنى الوجود الخاص بالإنسان، وتبعه في ذلك فلاسفة الوجودية في القرن العشرين. يكتب هايدغر هذه الكلمة أحياناً على شكل ex-sistence ليتضح معناها الاشتقاقي بشكل أفضل. ولتوضيح الفرق بين الإنسان والموجودات الأخرى، يقول في عبارته الشهيرة: «الموجود الذي يمتلك وجوداً هو الإنسان. الإنسان وحده يمتلك وجوداً. الحجارة موجودة لكنها لا تمتلك وجوداً. الأشجار موجودة لكنها لا تمتلك وجوداً. الخيول موجودة لكنها لا تمتلك وجوداً. الملائكة موجودة لكنها لا تمتلك وجوداً. الله موجود لكنه لا يمتلك وجوداً.» الإنسان كائن استثنائي منفصل. الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يستطيع أن يقف خارج ذاته. يستطيع أن يخرج من نفسه ويبلغ، عبر القفز نحو إمكانيات المستقبل، من ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون. وبهذا تكون الترجمة الدقيقة للوجودية إلى الفارسية هي «أصالة وجود الإنسان»، مما يُظهر المكانة المحورية للإنسان في هذه المدرسة. طبعاً استخدم فلاسفة الوجودية أحياناً، لأسباب معينة، مصطلحات أخرى في فلسفتهم بدلاً من الإنسان، مثل الدازاين (هايدغر) والوجود-لذاته (سارتر).
إن الاهتمام بالإنسان وقضاياه جعل فلاسفة هذه المدرسة لا يولون اهتماماً كبيراً للحديث عن الطبيعة، وإن ناقشوا ذلك قليلاً فمن جهة علاقة الطبيعة بالإنسان. وهكذا، ينبغي الانتباه، فيما نستخدم تعبير «الفلسفة الوجودية» لاحقاً، إلى ما المقصود بـ «وجودي».
* في الفلسفات الأقدم من الفلسفات الوجودية، كان يُبحث في الإنسان أيضاً. إذن فالبحث في الإنسان وقضاياه ليس جديداً ولا يختص بالفلسفة الوجودية.
دکتر علوی تبار: همان طور که اشاره کردم کی یرکگور، متفکر قرن نوزدهم، را پدر اگزیستانسیالیسم جدید دانسته اند. زیرا گرچه تفکر او مکتبی را پایه گذاری کرد که در قرن بیستم اگزیستانسیالیسم نامیده شد اما موضوعات و مسائل مطرح در این مکتب در گذشته سابقه داشته است. در حقیقت اگزیستانسیالیسم ریشه هایی به قدمت وجود خود انسان دارد و آنچه در این مکتب مورد بحث قرار می گیرد با وضعیت دایمی وجود انسان مرتبط است. بنابراین می توان گفت اگزیستانسیالیسم در طول تاریخ رشدی جنینی را طی کرده و در عصر معاصر پا به عرصه ی هستی گذاشته است. اگر به دوره ای بازگردیم که انسان تفکر اسطوره ای داشت و حقایق زندگی خود را به صورت نمادین بیان می کرد می بینیم که ذهن او با مسائلی درگیر بود که امروزه از موضوعات اصلی اگزیستانسیالیسم است. او از وجود خود و از راز وجود پرسش می کرد و می کوشید تا خودش را به عنوان موجودی آزاد و متناهی بشناسد و برای تناقض های موجود در وجودش پاسخی بیابد. اگر به فیلسوفان باستان توجه کنیم می توانیم در سقراط نقطه ی عطفی را در جهت تکوین تفکر اگزیستانسیالیستی مشاهده کنیم زیرا در فلسفه ی او توجه از طبیعت به انسان انتقال یافت.
با ظهور مسیحیت فهم جدیدی از انسان عرضه شد که در عهد جدید، در تعالیم عیسی و قدیس پولس، بیان شده است. ما در این دوره با آیین گنوسی نیز مواجهیم که در آن بر تنهایی و گم گشتگی انسان در جهانی بیگانه و پهناور تأکید شده است. در دوره ی آباء کلیسا به قدیس آگوستین می رسیم که یکی از مهم ترین افراد در بحث ریشه شناسی اگزیستانسیالیسم است. او انسان را موجودی عمیق و رازی پایان ناپذیر می دانست و بر بی قراری انسان و میل او به فراتر رفتن از خود تأکید می کرد. در دوره ی قرون وسطی ریشه ی اگزیستانسیالیسم را نه در تفکر عقل گرای مدرسی که در نقطه ی مقابل آن یعنی تفکر عرفانی کسانی مانند مایستر اکهارت باید جستجو کرد. در دوره ی نهضت اصلاح دینی با لوتر مواجه می شویم. از نظر او ایمان به معنای پذیرش چند اعتقاد دینی نیست بلکه رابطه ای شخصی میان انسان و خدا است. عصر رنسانس شاهد ظهور اومانیست هایی مانند اراسموس بود که بر آزادی و مسئولیت انسان تأکید می کردند. پاسکال که از مهم ترین ریشه های اگزیستانسیالیسم قلمداد شده است در قرن هفدهم یعنی پس از انقلاب کوپرنیکی در نجوم می زیست. از نظر او اطمینانی که انسان از قرار داشتن در مرکز عالم احساس می کرد جای خود را به وحشت مواجهه با سکوت فضاهای نامتناهی داده است. شلینگ در نیمه ی اول قرن نوزدهم در درس هایش در دانشگاه برلین «فلسفه ی مثبت» را مطرح کرد که با وجود انضمامی سروکار دارد. یکی از شرکت کنندگان در این درس ها کی یرکگور بود.
خلاصه اینکه موضوعات اگزیستانسیالیستی سابقه ی طولانی داشته است اما چون جسته و گریخته و پراکنده مطرح شده بود به صورت یک مکتب درنیامد. ولی در قرن بیستم متفکران بزرگی تحت تأثیر کی یرکگور در یک عصر به این موضوعات پرداختند و مکتب اگزیستانسیالیسم یا فلسفه ی وجودی را شکل دادند.
* چه ضرورتی برای شکل گیری این مکتب وجود داشت و متفکران این مکتب چه طرح نویی درانداختند که گذشتگانی مانند افلاطون و ارسطو از آن غافل بودند؟
دکتر علوی تبار: فلسفه ی وجودی واکنشی به فلسفه ی سنتی بود. از نظر فیلسوفان وجودی یکی از اشکال های فلسفه ی سنتی این است که در آن، فاعل شناسایی یا سوژه در یک طرف گذاشته می شود و متعلق شناسایی یا ابژه در طرف دیگر و بدینسان جدایی و شکافی برطرف نشدنی میان آنها ایجاد می گردد. در این حالت سوژه و ابژه بیرون از یکدیگر و در برابر هم قرار دارند. به گمان فیلسوفان سنتی این شکاف برای اینکه شناخت جهان خارج ممکن شود لازم است و سوژه برای اینکه به شناخت عینی تری دست یابد باید هر چه بیش تر خود را از ابژه جدا کند. اما فیلسوفان وجودی این شکاف را برمی دارند و اظهار می کنند که ارتباطی تنگاتنگ و بنیادی میان انسان و جهان وجود دارد به طوری که این دو از هم انفکاک ناپذیرند. فیلسوفان وجودی هستی-در-جهان (being-in-the-world) را امری بنیادی می دانند، همان طور که هستی-با-دیگران (being-with-others) برای آنان بنیادی است. آنان به جای «من هستم» دکارت «من-با-دیگران-در-جهان-هستم» را می گذارند.
من نتائج رفض الفصل بين الذات والموضوع انعدام الثقة بالمعرفة العقلية والنظرية والتجريدية. لقد حاول الفلاسفة التقليديون أن يتحرروا من العالم المتغير والعابر، وأن يجلسوا في برجهم العاجي مستخدمين عقلهم وحده لتفسير العالم وحل مسائله بصورة قطعية، غافلين عن أن الحقيقة الفلسفية لا يمكن إدراكها عبر العقل النظري، بل ينبغي أن تُعاش في الممارسة العملية. كان نقد كيركغور لفلسفة هيغل هو أنه لا يمكن العيش بهذه الفلسفة. يرفض الفلاسفة الوجوديون التفكير التجريدي لأنه لا يتناول سوى المفاهيم الكلية لا المصاديق الجزئية. أما التفكير العيني الذي تنشده الفلسفة الوجودية، فعندما يبحث في الإنسان لا يعتبره نوعًا كليًا، بل يلتفت إلى البشر الجزئيين والفرديين الذين يعيشون في العالم ويعانون من المسائل والمشكلات. ينتقد الفلاسفة الوجوديون الميتافيزيقا التقليدية، لأنه وإن كان البحث فيها يدور حول الوجود، إلا أن هذا الوجود تجريدي، وبالتالي تبقى الميتافيزيقا في عالم المفاهيم ولا تلج ميدان الوجود العيني.
بما أن الفلسفة التقليدية تقيم تمييزًا بين الذات والموضوع، وتتحقق المعرفة فيها عبر التفكير العقلي والتجريدي، فإن الفلاسفة التقليديين ينظرون إلى المشاعر والعواطف والرغبات والتجارب بوصفها عوائق يمكن أن يؤدي تدخلها إلى الإخلال بالمعرفة العقلية. ولذلك يؤكدون على أن الإنسان، لكي يبلغ المعرفة الموضوعية، يجب أن ينفصل تمامًا عن هذه الأمور ليسلم من تأثيرها المخرّب. ترى الفلسفة التقليدية أن بحث المشاعر والعواطف من شأن علم النفس، لا الفلسفة التي تتعامل مع العقل. أما الفلسفة الوجودية، كما قلت، فتنطلق من الوجود-في-العالم والوجود-مع-الآخرين بوصفهما أمورًا أساسية. الإنسان في تفاعل جوهري مع العالم ومع البشر الآخرين، ولهذا السبب ليس كائنًا مفكرًا فحسب، بل يتمتع إلى جانب العقل بالمشاعر والإرادة والرغبة، ويُقدم على الفعل. ومجموع هذه الأمور هو ما يُشكّل الإنسان.
الوجودية فلسفة تأخذ في الاعتبار جميع جوانب الوجود الإنساني وتوليها جميعًا دورًا. وهذه الفلسفة، على عكس الفلسفة التقليدية، لا تعتقد أن الحقيقة الفلسفية لا تُدرك إلا عبر العقل، بل تعتقد أن المشاعر أيضًا يمكنها أن تكشف حقيقة الوجود بشكل عام، والوجود الخاص للإنسان، شريطة أن تكون مشاعر حادة واستثنائية وتعمل مقترنة بالعقل. الإنسان لا يفكر بدماغه فحسب، بل يفكر أيضًا بلحمه ودمه. وعلى حد تعبير أونامونو: «لا يتفلسف الفيلسوف بعقله فحسب، بل بإرادته ومشاعره ولحمه وعظامه، أي بكل نفسه وكل جسده». لا يدرك الإنسان الحقيقة بانفصاله عن العالم وتفكيره التجريدي فيه، بل يختبرها بالحياة في العالم. ولكي يبلغ الحقيقة، عليه أن يشارك في العالم ومع الآخرين، لا أن يتصدى لتفسير العالم والآخرين من الخارج. إن بحث مشاعر الإنسان وعواطفه جعل الفلسفة الوجودية تشابه، إلى حد ما، علم النفس. بل يمكن القول إن كثيرًا من الموضوعات الوجودية هي الموضوعات النفسية نفسها، بُحثت بالمنهج الفلسفي.
* دكتور سرغلزايي، يبدو مما قاله الدكتور علوي تبار أن سبب نشوء الفلسفة الوجودية بين سائر المدارس الفلسفية هو أن موضوع المدارس الأخرى كان علاقة الإنسان بالله والطبيعة وما إلى ذلك، بينما تنشغل الفلسفة الوجودية بالإنسان وحده. ولكن في علم النفس، الذي موضوعه الإنسان تحديدًا، لماذا نشأ علم النفس الوجودي؟
د. سرغلزايي: ينبغي أن أذكر أنا أيضًا بعض المقدمات. طبعًا، بما أن في المقدمات أجزاء فلسفية، وأنا هاوٍ في الفلسفة وقد أخطئ في بعض المواضع، فإن للدكتور علوي تبار ولاية من جانبي لتحرير الجزء الفلسفي من حديثي.
أعتقد أنه يمكن القول إن علم النفس الوجودي بدأ من التحليل النفسي؛ أي أن العديد ممن نعتبرهم تقليديًا محللين نفسيين كانوا، بتعبير ما، علماء نفس وجوديين. فمثلًا، يطرح إريك فروم في كتابه «الامتلاك أو الوجود» نقاشًا وجوديًا، ويناقش فيه أن الأفراد يواجهون المشكلات على نحوين؛ تارة يواجهون مشكلة مع «الامتلاك»، وتارة أخرى مع مشكلة «الوجود». حين يفقد المرء حبه أو لا يُقبل في الجامعة؛ فهذه مسائل يجدها الناس في مجال الامتلاك. أما المسألة التالية فهي الوجود؛ أي أنه بمعزل عن شهادتي الدراسية، وعملي، ووضعي الاجتماعي، وعلاقاتي وانتماءاتي، ثمة أمور أخرى تشغلني. لذا، حين يتحدث إريك فروم عن الامتلاك أو الوجود، فهو في الحقيقة يطرح مسألة وجودية، بينما نعرفه نحن كمحلل نفسي وفيلسوف. أو حين يقول كارل غوستاف يونغ في تعريفه للعصاب: «العصاب هو أن نرغب في حل مسألة جمعية بشكل فردي»، فهو يطرح مسألة وجودية؛ أي الانشغال بالمعنى، والحرية والإرادة، والموت، والوحدة الوجودية. فمقصود يونغ هو أن الشخص العصابي هو من يريد حل مسألة وجودية بمفرده؛ أي أنه لا ينتبه إلى أننا وحيدون لأننا نقف أمام كون صامت لا يجيبنا. يظن العصابي أنه إن شعر بالوحدة فذلك لأن شخصًا ما قد هجره، وبإمكانه بمفرده، عبر الكفاح في علاقة عاطفية، أن يتخلص من شعور الوحدة الوجودية العميق.
يمكن القول إن المحللين النفسيين، الذين كانوا غالبًا من الناطقين بالألمانية (إريك فروم، كارين هورناي، فيكتور فرانكل، كارل غوستاف يونغ)، كانوا في الغالب تحت تأثير أولئك الفلاسفة الظواهريين الألمان مثل إدموند هوسرل وكارل ياسبرس، والذين كانوا بدورهم ذوي منظور وجودي. لكننا، ولأسباب تاريخية وتقليدية في الغالب، نعرفهم كمحللين نفسيين، غير أنهم هم أنفسهم مَن بدأوا علم النفس الوجودي، ومن المثير للاهتمام أن منهجيتهم أو طريقتهم في البحث كانت شديدة الشبه بمنهجية الفلاسفة الوجوديين، وكانت منهجيتهم هي الظواهرية.
في كتب يونغ ترى أنه يُنظّر غالبًا بناءً على تأملاته حول نفسه وتجاربه. جزء كبير من تنظير يونغ هو من هذا القبيل: يستعرض ذكرياته الفردية، وأحلامه، وتخيلاته، أو يفحص ذلك الأثر (الانطباع) الذي تركه فيه مراجع، وهكذا يُنظّر. حتى فرويد، الذي حاول جاهدًا أن يتحدث بأسلوب علمي قائم على البيولوجيا، ترى أن جزءًا كبيرًا من عمله هو تفسير أحلامه هو نفسه في كتاب «تفسير الأحلام». ونتيجة لذلك، يبدو أساسًا أن المحللين النفسيين كانوا تلك الجماعة في علم النفس التي لم تكن طريقتها علمية على الإطلاق، على عكس علماء النفس التجريبيين مثل فيلهلم فونت الذين أسسوا، بالتزامن معهم، أول مختبر لعلم النفس التجريبي في لايبزيغ.
بصرف النظر عن هذا النقاش التاريخي، في علم النفس الوجودي، وتبعًا لنقاش نمطي الوجود: "العوز" و"الكينونة"، يبدو أننا كبشر نملك وجهًا هو وجه نمط الحياة اليومية أو Daily Life Mode (وقد اقتبستُ هذا المصطلح من كتاب "هبة العلاج" لإروين يالوم). فعلى سبيل المثال، تأخري عن المترو أو علوقي في زحام المرور هو جزء من نمط الحياة اليومية. وهناك وجه آخر نسميه النمط الأنطولوجي أو Ontological Mode، وهو مجال انتباهنا ووعينا الوجودي. إن امتلاكنا لهذا المجال الأنطولوجي يدفع علماء النفس الوجوديين إلى استنتاج أن كثيرًا من هواجسنا التي تقع في نمط الحياة اليومية هي هروب من هاجس رئيسي يُدعى هواجس النمط الأنطولوجي؛ لذا، إذا اعتبرتُ أن مشكلتي الأساسية تكمن في الموت والوحدة، وكنتُ واعيًا بأي هاوية أقف، فإن كثيرًا من حفر الحياة اليومية قد لا تبدو لي جديرة بالاعتبار أصلًا. ومن هذا المنظور، نشأت تيارات مختلفة في علم النفس تساعد الناس على التموضع في النمط الأنطولوجي، وبدلًا من أن تكون هواجسهم في موقع "العوز"، يصبحون في موقع "الكينونة". بعض هذه التيارات ابتعد كثيرًا عن علم النفس التجريبي؛ أي أنه تم خلق ما يشبه ديانة جديدة، ديانة تقوم على أن لكل منا رسالة ميتافيزيقية أُعطيت لنا قبل الولادة، وإذا ما بلغنا النمط الأنطولوجي ووجدنا رسالتنا تلك، فإننا ننظر إلى مسارنا في هذه الحياة وإلى خياراتها من ذلك الموقع. ومن هنا نشأ ما يُسمى بعلم نفس ما وراء الشخصي أو Transpersonal Psychology، أي الموجة الرابعة في علم النفس، حيث ينخرط الناس في تمارين ومقاربات وطقوس ليتموضعوا في ذلك النمط الأنطولوجي وينظروا إلى الحياة من هناك. وهذا بالطبع قابل للنقد تمامًا؛ فإذا أردت النظر إليه من منظور علم النفس العلمي، ترى أن أيا من هذه التنظيرات ليست قائمة على المعطيات؛ أي إنها استنتاجات لا تخضع لأي اختبار أو قابلية للتفنيد، وبالتالي لا تختلف كثيرًا عن سرد القصص، ومن هذا المنطلق، ينفصل علم النفس الوجودي تمامًا عن علم النفس العلمي والتجريبي الذي كانت ثمرته علم النفس المعرفي-السلوكي.
* إذن، قصدكم أن علم النفس الوجودي غير ملتزم بمنهجية علم النفس.
الدكتور سرغلزايي: نعم، تمامًا. في الواقع، هو لا يُلزم نفسه أصلًا بالمنهجية العلمية. فعلى سبيل المثال، يشكك إروين يالوم بكل سهولة في جميع المقالات التي تتحدث عن كون العلاجات المعرفية-السلوكية قائمة على المعطيات. صحيح أن المنهجية العلمية البوبرية وُجهت إليها انتقادات، لكن يبدو أن نقد يالوم لا يستند إلى فلسفة العلم بقدر ما يستند إلى اختياره الشخصي، حيث يقول ضمنًا: لقد اخترتُ الخروج من هذا المشرب، ولذا أضعه جانبًا، وبدلًا من جميع أطر وتقنيات العلاج المعرفي-السلوكي، أبني العلاج على أساس غامض يُدعى "الأصالة"!
أحد الانتقادات الموجهة إلى هذا الخطاب هو: هل نملك حقًا، نحن البشر، مثل هذه الأصالة في وجودنا، أم أن هذه أيضًا أحد "موجوداتنا" وليست "كينونة"؟ هل توجد حقًا أصالة مستقلة عن الأعراض الجسمية-العاطفية، والثقافة، واللغة، والعلاقات الاجتماعية-المهنية يمكننا التعويل عليها في العلاج؟ وكيف يمكن إثبات وجود مثل هذه الأصالة المستقلة عن الأعراض؟
وهناك فهم آخر للفلسفة الوجودية في علم النفس يستند إلى العبارة الشهيرة لجان بول سارتر: "الوجود يسبق الماهية" (existence precedes essence) لدى الإنسان، على عكس سائر الموجودات التي تسبق ماهيتها وجودها. ربما حدث في علم النفس الوجودي فهم انتقائي لهذه المقولة الفلسفية، مفاده أن الإنسان كائن حر تمامًا ويمكنه أن يختار ماذا يكون. ونتيجة لذلك، فإن أي شخص يعاني من أي نوع من العصاب ويراجع عالم نفس وجودي بهذه الرؤية، تُفسر مشكلته الرئيسية بأنها هروب من الحرية. أي أنه كائن حر يريد ألا يتحمل عبء مسؤولية الحرية، ولذا يقول: لقد عاملني أبي أو أمي بهذه الطريقة، وكان المجتمع وجيناتي هكذا، لذا صرتُ مريضًا! فيجيبه عالم النفس الوجودي: كلا! مشكلتك الرئيسية، أي تعريف العصاب، هي الفرار من الحرية والتنصل من عبء المسؤولية التي تضعها الحرية على كتفيك كإنسان.
هنا يبدو أن علم النفس الوجودي يتخذ موقفًا مقابلًا للحتمية (Determinism) الفرويدية والسلوكية. فمثلًا، يعتبر فرويد جزءًا كبيرًا من دوافعنا (Drive) إرثًا تطوريًا (Phylogenetic Endowment). أي ما يقوله فرويد بأن القردة تدخل مرحلة الشبق بين سن 3 و5 سنوات، ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من أننا كبشر نختلف عن سائر القردة من حيث سن البلوغ الجنسي، فإن دماغنا يتأثر بهذا «الإرث التطوري» فيدخل في مرحلة الشبق بين 3 و5 سنوات، ولذلك نولي في هذه الأعمار اهتمامًا بالأعضاء التناسلية، ولا يمكن منع ذلك بأي حال من الأحوال.
وكذلك مسألة النماذج البدئية التي يطرحها يونغ، وهي مسألة أنثروبولوجية، أي تتعلق بالنوع البشري ولا صلة لها ببيئة أو ثقافة معينة. هذه حتميات بيولوجية كان يطرحها الجيل الأول من المحللين النفسيين (الذين كان غالبيتهم أطباء).
أما الجيل الثاني من المحللين النفسيين، سواء الفرويديون الجدد مثل هاري ستاك سوليفان، أو المحللون النفسيون البريطانيون، أو محللو مدرسة تافيستوك مثل ميلاني كلاين وإديث جاكوبسون وجون بولبي، فقد طرحوا الحتميات المتعلقة بالأسرة، والتي يمتد أثر السنة أو السنتين الأولى من حياة الطفل الذي لم تقم أمه بدور الأمومة على نحو جيد (Maternal Fault)، أو الموضوعات غير الآمنة وعدم الاستقرار الذي كان في حياة الطفل، إلى نهاية العمر. حسنًا، هذه حتمية تقول إن كنت تعاني من مشكلة الآن، فجزء منها ناتج عن الجينات وجزء ناتج عن نظام الأسرة. وفي الحتمية الاجتماعية التي يشدد عليها علم النفس الاجتماعي والسلوكي، فإننا لا ننمو بمعزل عن الثقافة والآليات الاجتماعية، وحتى معتقداتنا لا تخرج عن الإطار اللغوي-الثقافي. وهنا أيضًا، يطرح علماء النفس الوجوديون، استنادًا إلى أن ماهية الإنسان متأخرة عن وجوده، مسألة الاختيار والحرية الإنسانية، والتي تكون في أحيان كثيرة متطرفة ومبالغًا فيها بعض الشيء. إن القول بأن كل إنسان يشكو من أي شيء هو نفسه المسؤول عن اختياره لهذا الوضع هو أيضًا قابل للنقد؛ أي يمكن نقده بالاستناد إلى المعطيات الجينية وكذلك معطيات علم النفس الثقافي. حتى في مسألة مثل الإرادة، تكون الجينات محدِّدة، وهناك معطيات موضوعية تثبت ذلك. وأيضًا، لا يمكن لأي نوع من التفكير أن يكون مجردًا من اللغة. وعلى الأقل، هناك عامل اجتماعي ثقافي واحد يستحيل التفكير بدونه، ألا وهو اللغة. ناهيك عن الحتميات السياسية والاقتصادية والطبقية... إلخ، والتي حين تأخذها جميعًا بعين الاعتبار ترى أن هذا الخطاب القائل بأنك أنت من تختار ما تصير إليه يتحول أحيانًا إلى مجرد شعار. هذه هي موضوعات وافتراضات علم النفس الوجودي المسبقة، وهناك انتقادات توجه إليه.
د. علوي تبار: هناك مسألتان في حديث الدكتور سرغلزايي أود توضيحهما. النقطة الأولى هي أنه أشار إلى التمييز الذي وضعه إريك فروم بين الكينونة والامتلاك. نحن في الفلسفة الوجودية نسمع هذا التمييز على لسان غابرييل مارسيل، وربما يكون فروم قد أخذه عنه. يفرق مارسيل في كتابه «الكينونة والامتلاك» بين نمطين أساسيين من التواصل مع العالم: التواصل عن طريق الكينونة والتواصل عن طريق الامتلاك. عادة ما يميل الإنسان إلى أن يحسب نفسه واحدًا مع مقتنياته، لكن هذا الميل ناتج عن جهله بكينونته ووجوده. يرى مارسيل الكينونة منفصلة عن الامتلاك. ومن وجهة نظره، فإن هذين النمطين من تواصل الإنسان مع العالم، غير القابلين للاختزال أحدهما إلى الآخر، ضروريان لحياة الإنسان. ويكمن الخطر حين يولي الإنسان جانب الامتلاك أهمية أكثر مما ينبغي، وفي المقابل، لا يعير جانب الكينونة أهمية تذكر، فيضحي بالكينونة في سبيل الامتلاك.
من المثير للاهتمام أن فيلسوفًا وجوديًا آخر، هو جان بول سارتر، لديه رأي مختلف تمامًا في هذا الشأن. من وجهة نظر سارتر، «إن مجموع ما أملكه هو مجموع وجودي. أنا ما أملكه.» وكما أن الامتلاك بلا وجود لا معنى له، فإن الوجود بلا امتلاك لا معنى له أيضًا. فالأشياء التي تخص فردًا ما تشكل جزءًا من وجوده. اسمحوا لي أن أوضح رأي سارتر بمثال. لا شك أنكم سمعتم أن العشاق عادةً ما يقولون لبعضهم البعض: أنا لا أريدك من أجل ما تملكه، بل أريدك لذاتك. والآن افترضوا أن امرأةً أحبت رجلًا، أو العكس. ثم يفقد أحد الطرفين تدريجيًا ما يملكه، كالجمال، والثروة، والسلطة، والشهرة، والأخلاق، والروحانية، والإيمان، وما إلى ذلك. إذا قال الطرف الآخر هنا: على الرغم من أنك فقدت كل هذه الأشياء، إلا أنني ما زلت أحب ذاتك، فإنه يكون قد قال قولًا غير صحيح؛ لأنه بضعف الممتلكات تضعف الذات أيضًا. فالعاشق يحب المعشوق لواحدة أو أكثر من الصفات، وكلما تضاءلت هذه الصفات، التي هي ممتلكات المعشوق، تضاءل الحب أيضًا. إذن، مجموع الممتلكات يشكل الذات، وعندما تفنى جميع الممتلكات، لا تبقى ذات بعد ذلك.
* ولكن يبدو أننا عندما نستخدم في كلامنا مصطلحات مثل «جسدي» أو «أفكاري»، فإننا نشير إلى «أنا» هي شيء آخر غير الأفكار والجسد.
د. عليوي تبار: هذه إضافة الجزء إلى الكل. أنا أقول «جسدي» لأن هذا الجسد جزء مني. وأقول «أخلاقي» لأن الأخلاق جزء مني. وعندما تجمع كل هذه المضافات تحصل على الأنا. هذا خلاف بين سارتر ومارسيل. وينبغي أن أشير هنا إلى أن الاختلاف في الرأي بين الفلاسفة الوجوديين كبير جدًا. فقد توصلوا في مجالات عديدة إلى نتائج مختلفة. فعلى سبيل المثال، بينما يؤكد كيركغور على الوحدة ويعتبر سارتر الآخرين جحيمًا، يؤكد مارسيل وياسبرس على العلاقة الأصيلة بين البشر. وكذلك، بينما تحدث مارسيل وهايدغر بصراحة عن سر الوجود، يعتبر سارتر الوجود خاليًا من أي سر. وتعود هذه الاختلافات إلى حد ما إلى أن الوجوديين يعتقدون أنه لا يمكن وضع الواقع في نسق متماسك. ومن ثم، تفتقر فلسفتهم إلى القالب والإطار الذي نراه في المدارس الفلسفية الأخرى. ولهذا السبب، يعتقد البعض أن الإكزستنسيالية أو الفلسفة الوجودية لا يمكن اعتبارها مدرسة فلسفية، بل ينبغي النظر إليها كحركة أو تيار فكري أثر فيه المفكرون المنتمون إليه على بعضهم البعض. وعلى أية حال، فإن ما يضع هؤلاء المفكرين تحت مظلة مدرسة واحدة ليس النتائج المشتركة، بل المنهج المشترك والموضوعات المشتركة.
النقطة الثانية هي إشارة الدكتور سرغلزايي إلى قول سارتر: تقدم الوجود على الماهية في الإنسان. هذا القول يدل على حرية الإنسان. سارتر هو فيلسوف الحرية وقد أكد على الحرية أكثر من أي فيلسوف وجودي آخر. ولهذا السبب هو يعارض التحليل النفسي الفرويدي. فرويد في تحليله النفسي لمرضاه اكتفى بماضيهم فقط ولم يأخذ في الاعتبار خططهم وبرامجهم للمستقبل. سارتر لا يقبل تأكيد فرويد على دور ماضي الأفراد في أفعالهم المستقبلية ويرفض فرضيته عن «اللاوعي» مع «حتميته النفسية». وهو، في المقابل، يطرح مفهوم «المشروع» (project) ويقول: «الإنسان ليس شيئاً سوى مشروعه». كون الإنسان مشروعاً يعني أنه يريد أن يكون دائماً متقدماً على نفسه. إنه يريد أن يقفز نحو المستقبل. الإنسان هو ما يخطط له من مشروع ولا يوجد شيء آخر قبل هذا المشروع. ليس له مصير محدد سلفاً. مصير البشر ليس سابقاً على وجوده بل هو لاحق عليه. مصيره بين يديه ويعتمد على أي مشروع يختاره. سارتر بطرحه لموضوع «كون الإنسان مشروعاً» يريد التأكيد على دور أهداف الإنسان المستقبلية في توجيه أفعاله الحالية. المستقبل في فكر سارتر يؤدي نفس الدور الذي يؤديه الماضي في فكر فرويد، وهذا يدل على تأكيد سارتر على حرية الإنسان. من وجهة نظره، إمكانيات المستقبل مفتوحة أمام الإنسان وعليه أن يقرر وحده لمستقبله. سارتر في معارضته للتحليل النفسي الفرويدي طرح تحليله النفسي الخاص، أي «التحليل النفسي الوجودي»، الذي تم التأكيد فيه على مفهوم الاختيار. كان سارتر يصر على أن كل فرد يمكن فهمه كوحدة من مجموع اختياراته.
* ما هي لوازم تناول الفلسفة الوجودية للمشاعر والعواطف؟
الدكتور علوي تبار: أحد لوازم ذلك كان إيلاء الأهمية لدور الجسد. يجب الانتباه إلى أن المشاركة في العالم ومع الآخرين تتحقق عبر الجسد. نحن نعيش في العالم بأجسادنا ونتواصل مع البشر الآخرين. بدون الجسد لن يكون لنا حضور في العالم وسنُحرم من المشاعر والعواطف التي تحدثنا عنها. إذن، الحديث عن التجارب والمشاعر يقودنا إلى الحديث عن الجسد. من وجهة نظر الفلاسفة الوجوديين، أحد عيوب الفلسفة التقليدية كان عدم الاهتمام بالجسد. جذر عدم الاهتمام هذا هو أن الفلاسفة كانوا يميزون بين النفس والجسد ويعتبرون الذات الحقيقية أو الإنسان الواقعي هي النفس، وينظرون إلى الجسد كشيء ملحق بها؛ ونتيجة لذلك، وقعوا في مشاكل غير قابلة للحل بخصوص العلاقة بين النفس والجسد. شيئان منفصلان تماماً ولا تجانس بينهما لا يمكن أن يشكلا وحدة. هذه المشكلة تُحل في الفلسفة الوجودية بأن نبدأ من الوجود-في-العالم، وفي هذه الحالة يكون الإنسان منذ البداية وحدة نفسية-جسدية (psychosomatic) والجسد ليس أمراً إلحاقياً بل هو جزء مقوم للإنسان. الإنسان في الحديث اليومي لا يقول «جسدي عطشان» بل يقول «أنا عطشان». بتعبير مارسيل «أنا جسدي». وبهذا يكتسب الجسد دوراً أساسياً. فقط بوجود الجسد يمكن للإنسان أن يؤثر في الأشياء والأشخاص ويتأثر بهم.
بالطبع، لم يتناول كل الفلاسفة الوجوديين موضوع الجسد بالقدر نفسه. كان كيركغور، بميوله الزهدية، مرتاباً من الجسد، وهايدغر أيضاً لم يتحدث عنه كثيراً. لكن، في المقابل، تحدث مارسيل وسارتر ودي بوفوار وميرلوبونتي عن الجسد بتفصيل. الفلسفة الوجودية، بسبب تأكيدها على العواطف والمشاعر والجسد وعموماً الأمور العيانية للحياة الإنسانية، وجدت تجانساً مع الأدب. ولهذا السبب، بعض عظماء هذا المذهب مثل سارتر ومارسيل وكامو عبروا عن آرائهم، بالإضافة إلى الأعمال الفلسفية، في أعمال أدبية أيضاً، وجعلوا بهذا الفلسفة الوجودية تصل إلى الناس، وأولئك الذين ليسوا من أهل الفلسفة يتعرفون على هذا المذهب بقراءة المسرحيات أو الروايات الوجودية.
من منظور الفلسفة الوجودية، فإن كل معرفة تضرب بجذورها، قليلاً أو كثيراً، في التجارب والمشاعر والأحوال الشخصية، ولا يمكنها أن تنفصل عنها كلياً. ولهذا السبب ثمة تشابه كبير بين ما عاشه الفلاسفة الوجوديون في حياتهم وما قالوه في فلسفتهم. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال قصة خطوبة كيركغور وأثرها على الدور المهم للاختيار في فلسفته، أو المراحل الثلاث التي مرّ بها هو نفسه في حياته ثم انعكست لاحقاً في فلسفته على شكل مراحل طريق الحياة الثلاث، والعذاب الذي عاناه مارسيل في طفولته من الوحدة مما جعل العلاقات بين البشر تلعب دوراً مهماً في فلسفته لاحقاً، وتجربة سارتر في لامعنى الحياة ومكانة الغثيان في فلسفته.
د. سرغلزايي: أولاً، أشار الدكتور علوي تبار إشارة طيبة جداً إلى أن مسألة الجسد تحظى بأهمية بالغة في الفلسفة الوجودية مقارنة بالفلسفة المجردة والميتافيزيقا. لذا أريد الآن أن أتطرق إلى هذا الموضوع: إذا كان الجسد يكتسب هذه الأهمية، فلماذا لا نفكر في أننا حتى عندما نصف دواءً للجسد فإننا نؤثر على نظرة الشخص إلى تجربته الخاصة وعلى فينومينولوجيته؟ صحيح أننا لا نملك وصفة للقلق الوجودي لنقول إن هذه الوصفة لعلاج القلق الوجودي، لكن ألا يكون للدماغ، بصفته جهازاً للتجربة والإدراك، تجربةٌ أكثر صفاءً للمسائل الوجودية وتجربةٌ أكثر أصالةً ووجوديةً عندما تخف اضطراباته النفسية؟ إذن يمكن التطرق إلى أنك عندما تصف دواءً لإنسان ما، فإنك لا تزال تمارس نوعاً من التدخل الوجودي غير المباشر.
ثانياً، أشرتم إلى أن العلم يُؤخذ عليه أنه حين يقول مثلاً إن الماء يغلي عند درجة 100 مئوية عند ضغط الهواء على سطح البحر، فإننا نادراً ما نجد مثل هذا الماء في العالم؛ لكن هذه القضية نفسها تجعلنا، حين نريد صنع سخان ماء، نفكر في أن ماءنا هذا، سواء كان مالحاً أم عذباً، سيغلي في النهاية حوالي درجة 100. فنضع ترموستاتاً يفصل الحرارة عندما تتجاوز درجة حرارة الماء 90 درجة كي لا ينفجر خزان سخان الماء لدينا. والأمر نفسه في المسائل الإنسانية. صحيح أن كل إنسان يختلف عن الآخر، لكن علم النفس الاجتماعي، وهو علم تجريبي، يُظهر أن الناس حين يرون وجه شخص ما مراراً في وسائل الإعلام، يزداد احتمال تصويتهم له؛ حتى لو لم يكن ذلك الشخص كفؤاً. إذن فعلم النفس الاجتماعي يقدم لنا المساعدة نفسها التي تقدمها الفيزياء. الفيزياء تقول: إذا كنتم تصنعون سخان ماء، فضعوا ترموستاتاً بحيث لا تتجاوز درجة حرارة الماء 90 درجة. وعلم النفس الاجتماعي يقول: إذا كنتم ستجرون انتخابات، فينبغي ألا تمارسوا التمييز قبل عام من موعدها في إظهار وجوه المرشحين في الإعلام الوطني؛ وهكذا يساعدنا العلم على أن تكون حياتنا قابلة للتنبؤ أكثر، وأكثر أمناً، بل وأكثر أخلاقية. ورغم أن قواعده مليئة بالاستثناءات الفردية، فإن القاعدة تغلب الاستثناء على المستوى الكلي. وبهذا المعنى، يبدو أن الإنجازات الكلية للعلم، بكل ما فيها من اختزالية وكمية وموضوعية وسعي وراء المعدلات بدلاً من النماذج الفردية، تحقق للحياة الإنسانية إنجازات أكبر من أن نترك العلم جانباً ونستبدل مؤسسة أو خطاباً أو منظوراً آخر بالمنظور العلمي.
د. علوي تبار: إن تأكيد الفلاسفة الوجوديين على أنه لا انفصال بين الذات والموضوع، وأن الإنسان هو وجود-في-العالم على نحو قبْلي، قد دفعهم إلى نقد العلم (science). وهم بالطبع لا يقبلون بوجود انفصال تام بين الذات والموضوع في حقل العلم، لأننا إذا افترضنا أن للإنسان صلة أساسية بالعالم، وبالتالي لديه اهتمامات عملية، فيجب أن نستنتج أنه لا يستطيع أن ينفصل كلياً عن هذه الاهتمامات ويتحول إلى مجرد متفرج. ومن هنا، فلا علم خالياً من القيم. لكن مع ذلك، يقر الفلاسفة الوجوديون بأن اهتمامات العالم تختلف عن الاهتمامات العملية للبشر في الحياة اليومية، وبالتالي يوجد في حقل العلم، إلى حد ما، انفصال بين الذات والموضوع، ولهذا السبب يكون هذا الحقل أكثر موضوعية وأقل شخصية.
ثمة انتقاد آخر يوجهه بعض الفلاسفة الوجوديين، مثل ياسبرس، إلى العلم، وهو أن العلم لا يمكن أن يقدم لنا نظرة شاملة إلى العالم، لأن كل علم له مبادئه الموضوعية الخاصة به ويقوم عليها بالكامل، وبما أن العلوم المختلفة لها مبادئ موضوعية متباينة، فإن كل علم يختلف عن الآخر اختلافًا نوعيًا. وعليه، فإن كل علم لا يمنحنا سوى نظرة جزئية إلى العالم، ولا يوجد علم مطلق. ومن ناحية أخرى، حتى لو جمعنا كل العلوم جنبًا إلى جنب، فلن نصل إلى نظرة شاملة إلى العالم، لأن بعض المجالات تظل خارج نطاق النظرة العلمية.
لقد تناول الفلاسفة الوجوديون نقد العلم من زاوية أخرى أيضًا. ففي الفلسفة الوجودية، ثمة تأكيد على فردانية (individuality) الإنسان. فالإنسان ليس جزءًا من كل، وبالتالي تابعًا له، ولا يمكن اعتباره فردًا من نوع أو جنس. فإذا اعتبرنا جميع البشر مصاديق للماهية النوعية للإنسان، فسيتمتعون جميعًا بماهية واحدة ويفقدون فردانيتهم. الإنسان كائن فريد وأوحد، إلى حد يمكن القول معه إن كل فرد بشري هو نوع بذاته. يمكننا في العلوم أن نضع حجرًا جانبًا ونجرب حجرًا آخر، أو أن نستبدل حيوانًا بآخر، لكن هذا الأمر غير ممكن في حالة الإنسان لأنه غير قابل للاستبدال. وبالطبع، في بعض العلوم مثل علم النفس أو علم الاجتماع، يُدرس الإنسان إحصائيًا، أي بوصفه فردًا من نوع، لكن هذا ينتهي إلى فقدان فردانيته. تنظر المقاربة العلمية إلى الإنسان بوصفه شيئًا لا شخصًا. لذا، فمن السذاجة أن نعتبر التقدم العلمي تقدمًا حقيقيًا للإنسان. يقول بيرديائيف في هذا الصدد: «إن التاريخ الحديث برمته، بعقلانيته ووضعويته وإيمانه بالعلم، كان عصر ليل لا عصر نهار.»
ينبغي الانتباه إلى أن ما ينتقده الفلاسفة الوجوديون ليس العلم في حد ذاته، بل العلموية المحضة التي لا تعترف بموجبها إلا بالمعرفة العلمية وحدها بوصفها موضوعية، ولا قيمة لأي معرفة أخرى. إنهم يقبلون النظرة العلمية في موضعها، لكنهم لا يعتبرونها النظرة الوحيدة أو حتى النظرة الأساسية. للعلم حدود ينبغي تقبلها. فالمنهج العلمي لا يكون فعالًا حيثما يكون موضوع البحث هو الوجود أو الإنسان. هذه المقاربة لا يمكنها أن تظهر حقيقة الوجود أو الإنسان.
* ما هي المفاهيم التي يتناولها علم النفس الوجودي والفلسفة الوجودية في الغالب، وما الفرق في مفاهيمهما مثل الحالة المزاجية والقلق؟
د. سرغلزايي: تقليديًا، يتناول علم النفس الوجودي الآن أربعة مواضيع أساسية في الغالب، وهي في الواقع موضوعات وجودية لا ترتبط بما يملكه الأفراد، بل ترتبط بكون البشر بشرًا. أحدها هو موضوع الموت، الذي لا مفر لأي إنسان منه. والآخر هو موضوع الوحدة، حيث نعرّف في مجال الوحدة ثلاثة أنواع من الوحدة: الوحدة داخل الفرد أو Intrapersonal؛ والوحدة بين الأفراد أو Interpersonal؛ وأخيرًا الوحدة الوجودية أو Existential.
الوحدة بين الشخص ونفسه ليست مسألة وجودية. فالشخص المصاب بالفصام لديه عالم ذهني تخيلي فردي خاص به (عالم توحدي) هو من خلقه بنفسه. هذه الوحدة بين الشخص ونفسه لدى مريض الفصام ليست شيئاً يشكل مسألة لدى علماء النفس الوجوديين. أما الوحدة بين الأشخاص فتعني أن يبقى المرء وحيداً لأنه لا يمتلك المهارات اللازمة للتواصل مع الآخرين. وهذه أيضاً ليست مسألة من مسائل علم النفس الوجودي. إنها مسألة يتناولها علماء النفس المعرفيون السلوكيون، ويُفترض أن تُحل عبر تعلم المهارات أو تغيير المعتقدات؛ لكن الوحدة الوجودية تعني أن يكون المرء بين الآخرين، وتكون علاقته بهم ذات جودة عالية، ومع ذلك يشعر بالوحدة. في الواقع، وحدته هذه ليست وحدة بين الشخص ونفسه ولا وحدة بين الأشخاص، وهو ما يسميه فيكتور فرانكل بالوحدة الروحية. تعود هذه الوحدة في حقيقة الأمر إلى أن الإنسان لا يجد في العالم، قبالة نفسه، مخاطَباً يتحاور معه، فيجد العالم صامتاً وعبثياً (Absurd)، ومهما تحدث إليه لا يسمع سوى صدى كلماته هو. ونتيجة لذلك، فإن هذا الإنسان، إذا ما تموضع بعمق في حالته الإنسانية أو في "أگزيستانس" ذاته، فمهما كانت علاقاته ذات جودة عالية مع الآخرين، لا يمكنه أبداً الخروج من هذه الوحدة. إنه يرى من الذرة إلى المجرة ويشعر بالفضول تجاهها، لكنها لا تقدم له إجابة عن أسئلته.
المسألة الوجودية الثالثة هي الحرية والاختيار. والمسألة الرابعة هي المعنى، أي ما المعنى الذي نفترضه للعالم. إذا كان شخص ما يعاني من مشكلة في هذه المجالات، فإن عالم النفس الوجودي هو من يتولى معالجتها. وهنا أيضاً يوجد تحدٍّ؛ فكما قد يهرب المرء من المسائل الوجودية إلى المسائل اليومية، أي بدلاً من مواجهة الخوف من الموت وانعدام معنى الحياة، يهرب إلى التساؤل عن سبب عدم تفهم زوجتي لي أو لماذا لا أجد عملاً مناسباً، فإن العكس موجود أيضاً، أي أن شخصاً ما قد يهرب من قصوره الاجتماعي والتواصلي إلى المسائل الوجودية. هناك الكثير من الناس الذين يقصرون في العمل، ولا يكلفون أنفسهم عناءً، والتزامهم الاجتماعي ضعيف، لكنهم حين يذهبون إلى جلسة المشورة يبدؤون بطرح أسئلة وجودية، أي يحولون جلسة المشورة إلى جلسة نقاش فلسفي حول المسائل الوجودية. في حين أننا عندما ننظر جيداً، نجد أن مشكلة هذا الشخص ليست وجودية، لكنه تعلم أنه حين يتحدث عن هذه الأمور يُؤخذ على محمل الجد أكثر مما لو قال إنني لا أستطيع حل مشكلتي مع أمي.
*: ما نوع المسائل التي يطرحونها مثلاً؟
الدكتور سرگلزايي: مثلاً، يقول لمعالجه: هل وجدت معنى الحياة أم لا؟ لماذا يجب أن أذهب إلى العمل وأنا لا أعرف أصلاً لماذا أنا موجود؟! أي أنه يلجأ إلى المسائل الوجودية هروباً من أن يتناول موضوع أنه في سن السابعة والثلاثين يأخذ المال من أمه، ولا يزال غير راضٍ ومتطلباً ويريد المزيد. عندما نكون في فضاء التنظير، يكون موقفنا واضحاً، لكن عندما نكون في الفضاء السريري، حينها قد يلجأ المرء هروباً من مسائله الوجودية إلى المسائل التواصلية وبين الأشخاص، أو العكس، يلجأ من المسائل بين الأشخاص إلى المسائل الوجودية، وهذا تحدٍّ يجب أن ينتبه إليه المعالج النفسي. إذا عرّف معالج نفسي نفسه بأنه عالم نفس وجودي، فإنه يقع بسهولة شديدة في فخ مراجع يحوّل النقاش من موضع مشكلة نموه الشخصي إلى المجال الإنساني، لكي تنتقل الكرة بهذه الطريقة إلى ملعب آخر.
الدكتور علوي تبار: الفارق الأساسي بين الأحوال الفلسفية (الوجودية) والنفسية هو أن الأحوال النفسية لها عوامل محددة مسببة لها. لأشرح المسألة، سأستعين بالفارق الذي قال به هايدغر في هذا المجال. هو يميز، لتوضيح الفارق المذكور، بين مصطلحين: أحدهما Befindlichkeit (حالة الذهن) والآخر Stimmung (المزاج). المصطلح الأول مأخوذ من المصدر befinden بمعنى "يجد"، ولهذا السبب تُرجم أحياناً في الإنجليزية إلى findedness وفي الفارسية إلى "يافتگي". النقطة الأولى التي يجب أن تُقال بخصوص الحال أو "اليافتگي" هي أن المقصود بها ليس حالة روحانية ونفسية، وبالتالي، لا يمكن لعلم النفس أن يتناولها، بل لها جانب أگزيستانسيالي ويجب أن تُناقش في الأنطولوجيا. أما Stimmung فهي الحالة الروحانية والنفسية التي يتناولها علم النفس.
الحالة النفسية والعاطفية في علم النفس تنشأ من أمر خارجي، أي من مواجهة الإنسان لأمر معين في العالم. على سبيل المثال، الخوف من رؤية شيء ما أو الغضب من سماع خبر ما. هذه حالات نفسية، ولأنها تعود إلى موجود لا إلى الوجود، يعتبرها هايدغر أنطية (خاصة بالموجودات)، لكنه يستعمل الحال الفلسفية بمعنى أنطولوجي (خاص بالوجود). الأحوال الفلسفية ليس لها عامل خارجي ولا عامل داخلي، بل تنشأ من العلاقة بين الدازاين (الإنسان) والوجود-في-العالم، وتُظهر نحواً من هذا النوع من الوجود. ولهذا السبب، فإن الحيوانات، وإن كانت لديها حالات نفسية، ليست لديها أحوال وجودية. القلق، والانطراح، والاكتئاب، والضجر هي من هذا النوع من الأحوال. يعلم الإنسان أنه قلق أو ضجر، لكنه لا يستطيع أن يشير إلى شيء محدد كعامل لهما. الحالات النفسية، بما أن عاملاً محدداً يتسبب في إيجادها، فهي متأخرة عن ذلك العامل، أما الأحوال الوجودية فلها جانب أساسي وتقويمي. إنها الأرضية التي ينكشف العالم لنا من خلالها. بعبارة أخرى، هذه الأحوال تُضفي لوناً على أمور العالم. نحن حين نكون في حالٍ ما، نرى العالم بشكل خاص، وحين نكون في حالٍ آخر، نلاحظه بشكل آخر. الأحوال الوجودية تعتري الإنسان ونجدها في أنفسنا. لا نستطيع أن نخلق حالاً في أنفسنا. من جهة أخرى، نحن دائماً في هذا الحال أو في حال آخر، ولا نستطيع أن نكون بلا حال. يمكن أن نضيف إلى بحث هايدغر أن الأحوال الفلسفية والنفسية، بصرف النظر عن منشأ ظهورها، تختلف في أن الأحوال النفسية يمكن تغييرها بوصف الدواء، لكن مثل هذه الإمكانية غير موجودة في الأحوال الفلسفية.
أحد الأحوال الأساسية التي تحدث عنها هايدغر بالتفصيل هو القلق (Angst/anxiety). وهو في هذا البحث متأثر بكيركغور. فرّق كيركغور بين الخوف والقلق وقال إن الخوف، سواء كان حقيقياً أم وهمياً، له متعلق خاص ومحدد، كالخوف من ثعبان أو من شبح. أما القلق فليس له متعلق محدد. الإنسان القلق لا يعرف سبب قلقه بدقة. يضع هايدغر هذا الفرق نفسه بين الخوف والقلق، ويضيف أنه ليس شيء خاص في العالم هو ما يسبب قلقي، بل العالم نفسه هو ما يجعلني قلقاً. القلق، كسائر الأحوال الوجودية، يكشف عن انقذافي. وضعي في هذا العالم كموجود منقذف هو ما يسبب قلقي. ولهذا السبب يعتبر هايدغر الخوف أمراً أنطياً لأنه ينشأ من علاقتي بالموجودات في العالم، أما القلق فهو أنطولوجي لأنه يتعلق بوجودي في العالم. لم أكن موجوداً في زمن ما، وانقذفت من العدم إلى هذا العالم والوجود، لكني الآن وقد صرت موجوداً، انقذفت مرة أخرى من هذا الوجود نحو العدم والموت. إذن، أنا واقع بين عدمين، ومنقذف من أحدهما نحو الآخر. الوقوع بين عدمين يُظهر تناهيَّ ويجعلني أعاني القلق. القلق يكشف عن "وجودي-تجاه-الموت" ويُظهر الفناء الكامل الذي ينتظرني. بهذا الشكل، العدم يقع على جانبي الوجود، ولهذا السبب يمكن القول إن العدم هو أساس كل وجود، والوجود يطفو في العدم. القلق يكشف عن لا شيء وعن عدم الدازاين الأساسي. الدازاين من العدم، وفي العدم، وإلى العدم، والقلق يُظهر هذه الوضعية.
يجب الانتباه إلى أن القلق ليس علامة ضعف أو مشكلة نفسية وعاطفية، بل هو، كما قيل، حال وجودي، ولهذا السبب هو ذاتي للطبيعة البشرية. أن تكون إنساناً يعني أن تكون قلقاً. وبما أن تحمل القلق صعب على البشر، فإنهم يسعون جاهدين لتغطيته بطرق مختلفة. لكي لا يشعر الإنسان بالقلق، يغرق نفسه في الحياة اليومية، ويغطي القلق بالانشغال بمشاغل العالم اليومي. يعيش كما يملي عليه عرف المجتمع، ونتيجة لذلك، يتخلى عن تفعيل إمكانياته. تصوره هو أنه إذا عاش كإنسان عادي فقد عاش بشكل صحيح؛ وهنا يبتعد عن إنسانيته ويصاب بالسقوط والافتقار إلى الأصالة.
قليلون هم البشر القادرون على تحمّل القلق. إنهم يتقبلون القلق بشجاعة ولا يغطّونه. إنهم واعون بإمكانيات وجودهم ويسعون إلى تفعيلها. الوعي بهذه الإمكانيات وقبول مسؤولية تفعيلها يثير القلق، لكنه قلق مفيد. الإنسان الذي يدرك إمكانيات وجوده الخاصة لا يعود تابعًا لعرف المجتمع ولا يغرق في الوجود اليومي. إنه لا يتصرف بناءً على ما يريده الآخرون منه، بل يختار طريقه بنفسه. ولهذا السبب يؤدي القلق إلى تفرد الإنسان.
* الآن، وبالنظر إلى كل ما تفضلتم به، ما هي أوجه الاختلاف بين علم النفس الوجودي والفلسفة الوجودية؟ اشرحوا هذه الاختلافات من منظور الطب النفسي وعلم النفس.
د. سرغلزايي: من حيث الأطر النظرية، لا يمتلك علم النفس الوجودي شيئًا أكثر من الفلسفة الوجودية. أعتقد أن الاختلاف الوحيد هو أن الفلاسفة الوجوديين عبّروا عن منظومتهم المعرفية بشفافية أكبر بكثير. ولهذا السبب يستطيع الدكتور علوي طبر أن يقول بوضوح شديد ما هو الفرق بين سارتر وهايدغر وكيركغارد؛ ولكن لأن علماء النفس الوجوديين بدأوا العمل في المجال السريري، يمكن القول إنهم استخدموا من المشارب المختلفة للفلسفة الوجودية كلما أرادوا ذلك، أي أنهم اقتبسوا من المشارب المختلفة بشكل اعتباطي للغاية. لذلك ترى في نظريات علماء النفس الوجوديين ازدواجية وتضاربًا وتناقضًا كثيرًا. على سبيل المثال، يكتب إريك فروم في كتاب «الهروب من الحرية» أن أهم اختيار ومأزق للإنسان هو الاختيار بين الحرية والأمن. الإنسان العصابي يختار الأمن بدلًا من الحرية، وبالتالي يتنازل عن حريته، بينما الإنسان المسؤول يخاطر بنفسه ويتجاوز أمنه ليحافظ على حريته؛ ولكن في نفس كتاب «الهروب من الحرية» يقول إريك فروم: أعطني الجينوم أو الخريطة الجينية لأي حيوان أستطع أن أقول لك ماذا سيصبح، أما بالنسبة للإنسان، فبمعزل عن جينومه، عليك أن تعطيني علامة أخرى لأتمكن من التنبؤ، وهي عصره. غرائز إنسان العصور الوسطى تختلف عن غرائز إنسان عصر النهضة. غرائز إنسان المجتمع الرأسمالي تختلف عن غرائز إنسان المجتمع الشيوعي. الآن إريك فروم، بينما يتحدث عن أن أهم اختيار للإنسان المسؤول هو أن يختار الحرية، يقول في نفس الوقت إنك إذا أعطيته جينومه وDNA الخاص به وقلت له في أي عصر ومجتمع يعيش، يصبح هذا الإنسان قابلًا للتنبؤ؛ أي أنك ترى من جهة أن الإنسان قابل للتنبؤ إلى هذا الحد، ومن جهة أخرى هو حر إلى هذا الحد، وهذه القابلية الكبيرة للتنبؤ في عين الحرية لا تتوافقان معًا.
على سبيل المثال، إرفين يالوم، الذي تعرف معظم الإيرانيين على علم النفس الوجودي من خلال أعماله، يتحدث في كتبه المتعددة من جهة عن الحرية وحق الاختيار، لكنه في كتاب «أمي ومعنى الحياة» يتحدث عن رؤية الأحلام قائلًا إن قزم صانع الأحلام ذاك موجود في دماغي كل ليلة ويقوم بتحريك هذه الكابلات العصبية فأرى الأحلام. حتى هذه الاستعارة تظهر كم لدينا من محدودية من حيث الحرية والإرادة، وهذا يختلف عن الحرية والإرادة اللتين تُمنحان للمراجع في غرفة العلاج. لذلك، في رأيي، أهم فرق بين الفلاسفة الوجوديين وعلماء النفس الوجوديين هو هذا الوضوح والشفافية في المنظومة المعرفية للفيلسوف الوجودي، وهذا الاعتباط والانتقائية في نظريات علماء النفس الوجوديين.
* دكتور علوي طبر، الآن وقد أدركنا الاختلافات بين الفلسفة الوجودية وعلم النفس الوجودي، تفضلوا وأخبرونا ما هو تأثير الفلسفة الوجودية على علم النفس والطب النفسي الوجودي؟
د. علوي تبار: لقد أدت الفلسفة الوجودية إلى تأسيس «علم النفس الوجودي» و«الطب النفسي الوجودي». وقبل الخوض في هذا الموضوع، ينبغي أن أقول إن بعض الوجوديين مثل ياسبرس وسارتر كانوا مهتمين بعلم النفس وتناولوا هذا المبحث في أعمالهم. لقد عارضوا في مناقشاتهم في هذا المجال استخدام مناهج العلوم الطبيعية في علم النفس. عمل ياسبرس في البداية طبيبًا نفسيًا، وألف كتابه الرئيسي الأول «علم الأمراض النفسية العام» حول هذا الموضوع. وقد نقد في هذا الكتاب علم النفس العلمي السائد والعلاج النفسي القائم عليه. من وجهة نظره، فإن المقاربة الوضعية للعلاج النفسي السائد حتمية بشكل مضلل، لأن حصيلة حياة المريض الراهنة، بناءً على هذه المقاربة، هي حصيلة لا مفر منها. كان ياسبرس يعتقد أن للإنسان ذاتًا أصيلة تقبع خلف ذاته التجريبية، ولا يمكن الكشف عنها بالفحص العلمي والتجريبي.
بينسوانغر ولاينغ هما من الممثلين الرئيسيين للطب النفسي الوجودي. من وجهة نظرهما، فإن الطريق الذي تقدمه الوجودية لفهم شخصية الإنسان هو أفضل من طريق التحليل النفسي الفرويدي. صرح بينسوانغر في نقده للتحليل النفسي الفرويدي بأن عَرَض العصاب ينبغي تفسيره ليس بناءً على المحتوى اللاواعي للمريض، بل بناءً على حالة وعيه، والمفهوم الأساسي في هذا التفسير ليس السببية بل المعنى. لقد استقى فهمه للحالات الممكنة المختلفة للوعي مباشرة من هايدغر، واعتبر أن مساهمة الفلسفة الوجودية في الطب النفسي تتمثل في التحليل القبلي لجميع الحالات الممكنة لـ«الوجود-في-العالم». لقد رفض الحتمية البيولوجية للسلوك البشري إلى حد كبير جدًا. كان بينسوانغر يميل إلى التأكيد، حتى على المستوى البيولوجي، على تفسير السلوك بناءً على المعنى الذي يحمله هذا السلوك للفاعل.
استخدم لاينغ في كتابه «الذات المنقسمة» فلسفة سارتر لدراسة مرض الفصام. في فلسفة سارتر، يسعى البشر، بوصفهم ذواتًا، إلى اختزال بعضهم البعض إلى وضع الموضوع. استفاد لاينغ من هذا التفسير بشأن المرضى الذين أدت أفعال شخص حاسمة إلى فقدان هويتهم.
* في ختام النقاش، سؤالي هو: ما هي إمكانيات علم النفس والفلسفة الوجودية في إيران، وما هي القضايا التي يعاني منها المجتمع الإيراني بناءً على هذين التخصصين المنفصلين؟
د. سرغلزايي: أعود إلى النقطة التي كنت عندها في نهاية حديثي السابق. في أحيان كثيرة، عندما تكون معالجة قضية ملموسة صعبة وتزعجنا، نفضل الذهاب إلى قصة أكثر تجريدًا والتحدث عنها. المجتمع الإيراني يهرب الآن أساسًا نحو النقاشات الفلسفية والوجودية. المشكلات النفسية-الاجتماعية الأساسية للمجتمع الإيراني ليست من ضمن قضايا الوجود الإنساني. نحن الإيرانيين ما زلنا في حيرة بشأن قضايا المواطنة؛ قضيتي في مواجهة جاري، قضيتي في مواجهة الحكومة، الحقوق الاجتماعية والمدنية. كل هذه المجالات إشكالية ولا نعرف ماذا نفعل بها. نتيجة لذلك، نفضل الهروب نحو قضية يكون الحديث عنها بلا خطر. لأنه إذا أردت التحدث عن قضيتي في مواجهة مؤسسات السلطة، فهذا ينطوي على خطر. وإذا تحدثت عن نفسي في مواجهة جاري، فهذا يحمل مسؤولية ويجب أن أمتلك مهارة لطرح المشكلة مع جاري والتفاوض معه، وكل هذا له تكاليف، لكن عندما أتحدث عن قضية المعنى، لا أحد يهددني، ولا أهدد أحدًا، ولا تقع علي أي مسؤولية. في رأيي، المجتمع الإيراني، بوصفه مجتمعًا هروبيًا غير براغماتي، يهرب من القضايا التي يجب أن يدفع ثمنها نحو الموضوعات الوجودية. كلما كانت النظريات أكثر عمومية وغموضًا وخلقت لنا مسؤوليات اجتماعية أقل، هربنا نحوها أكثر. أعتقد أن هذا هو أحد أسباب رواج علم النفس الوجودي اليوم.
المسألة الثانية هي أنه عندما يقول معالج نفسي في جلسة العلاج إنه وجودي، فهو في الواقع يعتمد على كلمات غامضة مثل الأصالة والمعنى، ويمكنه أن يتهرب من المساءلة. ذلك أنه حين يقول عالم نفس إن منهجي سلوكي، فعليه أن يعلم تقنيات لمراجعيه، ويراقب مراجعيه، ويجري اختبارات، ويثبت أن تقنيته فعالة أم لا. وحين يقول عالم نفس إنه يعمل معرفيًا، فعليه أن يعطي واجبات، ويطلب من مراجعه واجبات، ويرى واجبه ويصححه. أما عالم النفس الوجودي، ولا سيما شخص لا يعرف الفلسفة الوجودية ولا تاريخ علم النفس الوجودي، وكل ما فعله هو قراءة كتب إروين يالوم، وعلى هذا الأساس يقول «أنا هنا والآن أحضر في العلاقة العلاجية بأكثر وجوهي أصالة»، فإنه يستخدم هذه العبارات الغامضة وغير القابلة للقياس ويخفف من عبء مسؤوليته. وأي شخص يسأله لماذا عانقت مريضك، يقول إن أصالتي الوجودية في تلك اللحظة قالت لي إن هذه هي العلاقة الأكثر أصالة مع المخاطب.
* بمعنى أن علم النفس الوجودي ليس لديه منهجية وطريقة معرفية؟
د. سرغلزايي: بالضبط، ليس لديه.
* حتى في منظور يالوم؟
د. سرغلزايي: نعم. الموضوع المثير للاهتمام في منظور يالوم، وكما ورد في أعماله، هو أنه كلما تحدث بدقة وحساب يستخدم نظريات التحليل النفسي. ترى في كتبه مرارًا أنه يأخذ الأحلام من مراجعيه، ويحللها، ويكسر دفاعاتهم النفسية؛ أي أنه يستخدم تلك الفترة التي قضاها في دراسة التحليل النفسي. هو طبيب نفسي تعلم في البداية، مثل كل الأطباء النفسيين، علم الأعصاب والعلاج الدوائي، ووصف الأدوية لسنوات. بعد ذلك تعلم التحليل النفسي واجتاز دورات التحليل النفسي. عندما تقرأ كتبه تراه مرارًا وتكرارًا يستخدم أطر التحليل النفسي للعلاج، لكنه بقوله إنني معالج نفسي وجودي يفتح لنفسه ساحة خلفية، بحيث إذا أراد أن يقول كلامًا لا سند له إلا شعوره وإدراكه وتجربته، يمكنه أن يقول أنا وجودي وأتصرف بناءً على أصالتي الإنسانية. لذا فإن أسهل عمل لأخصائي نفسي مبتدئ وقليل الخبرة هو أن يدعي أنه أخصائي نفسي وجودي ويعمل بأسلوب يالوم، ولا يكون مسؤولاً أمام أي شخص سوى أصالته الوجودية! لذلك أرى أن موضة علم النفس الوجودي في المجتمع الإيراني هي هروب من المسؤوليات المدنية الموضوعية تمامًا، وأرى موضة علم النفس الوجودي بين التهرب من تحت عبء الإطار والمهارة والمعرفة. لذلك لا أرى هذا الحدث فرصة ونموًا وارتقاءً للمجتمع الإيراني، بل أعتبره النمط المتكرر لـ«الكلام الشاعري والعيش المتذرع بالحيلة».
دكتور علوي تبار: لكي نرى ما هو الدور والتأثير الذي يمكن أن تؤديه الفلسفة الوجودية في مجتمعنا، ينبغي أن نعود إلى ما سبق أن ذكرناه عن سبب نشأة هذه المدرسة ودورها في المجتمع الغربي. لقد أعلنت الإكزستنسيالية أو الفلسفة الوجودية، في مواجهتها للفلسفة التقليدية، عبر إزالة المسافة بين الذات والموضوع وإيلاء المشاعر والعواطف أهمية، أنه ينبغي النظر إلى الإنسان لا بوصفه مراقباً ومتفرجاً فحسب، بل بوصفه فاعلاً وممثلاً يعيش في العالم ويقوم فيه بالفعل. يواجه الإنسان في الحياة مسائل ومشكلات أساسية، ويُقدم على خيارات جوهرية، ويلتزم نفسه عبر هذه الخيارات. هذه المسائل والمشكلات ليست مجرد موضوعات ينظر إليها من الخارج لتُشبع فضوله، بل هي ذات أهمية حيوية بالنسبة له، وهو منخرط فيها بكامل وجوده. ومن هنا، فإن الموضوعات المطروحة في الإكزستنسيالية هي موضوعات يتعامل معها الإنسان في الواقع العملي، وتشكل هواجس حياته الرئيسية. بالنسبة للفيلسوف الوجودي، ليست الفلسفة تسلية ذهنية. إنه يريد من خلال التفلسف أن يجد جواباً لأسئلة حياته ومشكلاتها الأساسية، التي هي نموذج من حياة الإنسان بما هو إنسان. ليس هدف الفيلسوف الوجودي التفكير في العالم وتفسيره نظرياً، بل العيش فيه على نحو صحيح وأصيل. في الفلسفة التقليدية، تنقطع الصلة بين الفلسفة والحياة. هذه الفلسفة لا تصلح إلا للقاعة الدرس، ولا يمكن العيش بها. الفلسفة الوجودية هي فلسفة تطبيقية (applied philosophy)، وتريد أن تعالج أوجاع الإنسان المعاصر وتجد له دواءً.
بهذا الشرح، يتضح تطبيق الفلسفة الوجودية في بلدنا. الطالب الذي يحضر درس «الإكزستنسيالية»، أو الشخص الذي يقرأ كتاباً عن هذه المدرسة، يدرك أن الموضوعات المطروحة عينية وملموسة، وهو يتعامل معها كل يوم. هذا يعني نزول الفلسفة من برجها العاجي ودخولها في صميم المجتمع. إذن، لقد تمت الخطوة الأولى، وهي تجاوز الموضوعات المجردة والاشتغال على الموضوعات العينية، ويمكن القول إن صورة المسألة قد تحددت. ما ينبغي لنا فعله هو أن نُعرّف الموضوعات المطروحة في هذه المدرسة، مثل الحرية، والاختيار، والمسؤولية، والانطراح، والقلق، والتناهي، والاغتراب، واليأس، والملل، والوحدة، والعبث، والأمل، والحب، والوفاء، في سياق مجتمعنا نحن. شباب بلدنا، سواء اعتبرناهم جيلاً محترقاً أم لم نعتبرهم كذلك، يعيشون في بلد مضطرب، ويعانون من مشكلات يمكن تسميتها «بالمشكلات الوجودية». ما تقوم به الفلسفة الوجودية، قياساً إلى بعض الفلسفات الأخرى، هو أنها على الأقل تخوض في هذه المشكلات، سواء استطاعت في النهاية أن تجد لها حلاً أم لم تستطع.
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
خیلی عالی بود. بهتره به جای ایراد گرفتن الکی بخوانیم و گوش کنیم، این دو بزرگوار در این زمینه استخوان خرد کرده اند، ما هنوز در مقام سمعیم و نه نقل ، می توانیم بگوییم من این قسمت را نفهمیدم فقط تا این حد
امور اگزیستانسیال چیزی جز توهم نیستند که توسط مغز ساخته میشوند و کارکرد تکاملی برای بشر دارند. بهتر است که به روانشناسی تکاملی توجه کنیم.
سلام وسپاس، بنظر میرسد جناب سرگلزایی بیش از انکه کاربرد مثبت روانشناسی وجودی را (که جدای از فلسفه ی وجودی انسان هم نمیباشد) در نظر داشته باشند،جنبه های منفی ان را در نظر دارند وبالاخص، فرار از جزء به سوی کل را برای انسانی که هنوز جزئیاتش را شناسایی نکرده، بیجا بلکه مذموم میدانند در حالیکه حتی فرض بر این حالت ، منطقا نتیجه ی صحیحی و بجا یی ازروان کاوی شان نگرفته اند.