اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
رأى فرويد اللاشعور بوصفه حيّزاً سفلياً، بينما عدّه يونغ مستودعاً للمنجزات التاريخية للبشرية ومرشداً للحياة؛ حوار مع محمد رضا سرغلزايي في مجلة اطلاعات حكمت ومعرفت الشهرية حول حكمة الحلم.

إشارة: ما يضيفه «كارل غوستاف يونغ» (الطبيب النفسي السويسري) حول حكمة الحياة، زيادةً على الآخرين المنتمين لحركة التحليل النفسي، هو «حكمة الرؤى». لطالما كان الحديث عن الرؤى حاضراً في مختلف الأديان وفي النظرة ما قبل الحداثية، وكانت الرؤيا، وإن لم تكن كلها، تُعتبر رسالةً من العالم العلوي؛ علاوةً على ذلك، كان من الممكن لرؤى أشخاصٍ محددين أن تكون نوعاً من الهداية لحياتهم هم أنفسهم وحتى للآخرين. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى قصصٍ في العهد القديم أو القرآن الكريم؛ مثل رؤى يوسف نفسه وتعبيراته لرؤيا الآخرين. وفي الشاهنامه أيضاً وردت إشارة إلى الرؤيا، كرؤيا أنوشيروان وتعبيرات بزرجمهر عليها.
لكن مع ظهور تيار الحداثة في الغرب، الذي كانت أهم سماته، بتعبير «ماكس فيبر»، نزع القداسة (disenchantment)، أُزيلت هذه الهالة القدسية عن كثير من الأشياء. ومن هنا، فإنه في العصر الحديث، صار الكتاب المقدس أيضاً موضوعاً للتحليل النفسي والأدبي واللساني والتاريخي، وعليه فإن الرؤى تُحلل بدورها بوصفها جزءاً من الذهن يكون في حالة اليقظة في وضع مغلوب، لكنه في حالة الرؤيا يمكن أن يصبح في وضع غالب. في حوارنا مع «الدكتور محمد رضا سرغلزايي» سنتناول هذا الموضوع، وهو كيف يمكن لـ«الرؤيا» من منظور يونغ، أن تكون بمنزلة نوعٍ من المرشد، يُذكّر الإنسان بمهمته في الحياة.
الدكتور سرغلزايي المحترم، إذا وافقت، فلنتابع نقاش «حكمة الرؤيا» بشرح موجز لنظرة «سيغموند فرويد» و«كارل يونغ» إلى الرؤيا. بمعنى أن تتفضل وتوضح لنا أين اتفق هذان المحللان النفسيان تحديداً في أجزاء هذا الموضوع، وأين افترق طريقاهما.
كما تعلمون، في تيار التحليل النفسي للعصر الحديث، ليس الاهتمام بالرؤى تياراً تقديسياً، بل هو تيار نازع للقداسة، ولذلك، وبتعبير «إريك فروم» في كتابه «اللغة المنسية»، حين ينظر فرويد إلى الرؤى، فهو في الحقيقة ينظر إلى ذواتنا الدنيا (lower self) التي تشمل كل تلك الأشياء الحيوانية أو البدائية أو الطفولية؛ أي كل ذلك الجزء الذي نعتقد أننا، وقد كبرنا وبلغنا ما بلغناه، قد تجاوزناه ونتيجة لذلك نتجاهله. لكنه في الحقيقة موجود في داخلنا على الدوام؛ مثلاً، حين نغضب نصرّ بأسناننا، أي أن في داخلنا نزوعاً يجعلنا نرغب في أن نعض مثل القردة العليا، لكننا لا نفعل ذلك؛ ولكن في النهاية، يُظهر هذا الجزء من داخلنا نفسه لنا في الرؤيا.
هل يعني هذا أن فرويد كان يرى ساحة اللاوعي بوصفها الجانب الأدنى من وجودنا، وليس مجرد ساحة خالية من القيمة الإيجابية أو السلبية في وجودنا؟
نعم، إن مجال اللاوعي من المنظور الفرويدي هو الجانب الأدنى من وجودنا. في الحقيقة، في حقل علم النفس (وليس في تاريخ الفلسفة كله) اعتبار مجال اللاوعي مجالاً أسمى هو رؤية يونغية. إذن، في تيار علم النفس الذي نشأ بعد العصر الصناعي، كان يونغ هو من اعتبر مجدداً ولأول مرة مجال الحلم الملغز مجالاً عليوياً. بالطبع أؤكد أننا لا نتحدث عن كل الأحلام. يقول يونغ إن فرويد يرى أن "لاوعينا أشبه بروضة أطفال، وأنا أعترف أيضاً أن في داخلي روضة أطفال، لكن حجمها ضئيل مقابل الحجم الهائل للتاريخ". رأي يونغ هو أن كل المنجزات التاريخية للبشر متراكمة في لاوعينا الأعلى الموجود في داخلنا جميعاً؛ لكن يونغ لا يملك تفسيراً لكيفية انتقال هذا المنجز: "هل تُخزَّن هذه المنجزات على جيناتنا بناءً على نظرة لاماركية، أم أن هناك مجالاً غير جيني وغير مادي؟" وبالطبع لا نملك نحن أيضاً تفسيراً لذلك حتى الآن. إذن، هذا الاعتقاد بأن كل المنجز التاريخي-الثقافي للنوع البشري قد انتقل إلينا، وأنه إن استطعنا التواصل معه بطريقة ما يمكنه أن يساعدنا كحكيم، أو غورو، أو مرشد، أو بوصلة، أو مربٍّ، هو نقطة جديدة يضيفها يونغ إلى العصر الحديث.
إذن هل يمكن القول إن كلاً من فرويد ويونغ يُقيّمان محتويات لاوعينا، بمعنى أن أياً منهما لا يعتبر هذا المجال الخفي في وجودنا محايداً؟
نعم، لا ينظر فرويد ولا يونغ نظرة محايدة إلى هذه القضية، وكل منهما يقيّمها بطريقته، وهذا التقييم الإيجابي أو السلبي يعتمد على نظرتنا إلى العقل البشري. إذا كنا نعتبر العقل ذا قيمة، فإن أي شيء يقف في مقابل العقل يخضع لحكم قيمة سلبي، سواء أكان غريزة أم تفكيراً غير منطقي أم تلقيناً. إن إضفاء يونغ قيمة إيجابية على مجال اللاوعي ناتج عن إيمانه بنوع من العقل التاريخي الهيغلي. بمعنى أنه يعتقد أن لكل منا عقلاً فردياً، مهما كان كاملاً، لا يمكنه أبداً أن يتجاوز العقل التاريخي. إذن يتخذ يونغ وفرويد موقفهما بناءً على فضيلة العقل؛ لكن العقل الذي يعتبره فرويد فاضلاً هو "الوعي الذاتي"، بينما العقل الفاضل من وجهة نظر يونغ هو العقل التاريخي، روح التاريخ، أو بتعبير يونغ "لاوعينا الجمعي". نتيجة لذلك، في مقابل فضيلة عقلي الفردي، تصبح غريزتي الجنسية أمراً سفلياً. يؤمن يونغ أيضاً بفضيلة العقل لكنه يعتبر عقلنا الفردي عقلاً ناقصاً جداً ويرى عقلاً تاريخياً أعقل من عقلي.
إذا كان قصدكم من هذا العقل التاريخي هو اللاوعي الجمعي (Collective unconsciousness) فيبدو أن يونغ يحمل أحياناً نظرة سلبية تجاهه أيضاً؛ مثلاً، حين يذكر أن الأعباء السلبية تنتقل أيضاً عبر هذا اللاوعي الجمعي إلى الأجيال اللاحقة.
لا، في الحقيقة ما ينظر إليه يونغ نظرة سلبية هو الكبت (repression). الكبت يؤدي إلى أن يتحول جزء من لاوعيي الفردي أو الجمعي إلى ظل (shadow). هذا الظل يكتسب طاقة بقدر ما يُكبت. يمكن تفسير ذلك بأن النظرة العلمية السائدة آنذاك، القائمة على الميكانيكا النيوتونية واللابلاسية حول القوى والضغط، كانت قد أثّرت في فرويد ويونغ، وهكذا أصبح قانون الميكانيكا القائل بأن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، استعارة لديهما. وعلى هذا الأساس، عندما نسعى مثلاً، بفعل نظام تربوي أو ثقافي، إلى كبت دافع أو غريزة ما، فإن ما يُكبت لا يزول ولا يفنى، بل سيظهر بشكل آخر وفي مكان آخر بنفس طاقة الكبت. لذلك، من وجهة نظر يونغ، يكتسب اللاوعي الجمعي جانباً سلبياً عندما يكون جزء منه قد كُبت بشدة ويريد أن يطلق طاقته. فعلى سبيل المثال، من منظوره، أن الأمة الألمانية، في جزء من الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، كبتت جانبها الغريزي والحيواني أكثر من اللازم، واعتبرت نفسها أكثر ثقافة مما كانت عليه. ونتيجة لذلك، وبتعبير يونغ، تحولت كل هذه الغرائز البدائية والبديهية للأمة الألمانية إلى تنين كامن. يستخدم يونغ هنا تعبير ووتان، وهو في الأساطير الألمانية وحش كامن تحت الأرض. وهو يرى أن صعود النازية والفاشية الألمانية ناتج عن هذه العملية. وهذا الأمر ينطبق على ألمانيا وعلى بلدان أخرى كانت في حقبة من التاريخ استغلالية وقرصانة؛ مثل إسبانيا التي كانت استعمارية، وإيطاليا التي ورثت إمبراطورية روما القديمة. هذه البلدان، بعد دخولها العصر الثقافي القائم على قيمة الإنسان (الإنسانية – humanism)، كبتت ذلك الجانب الناهب لديها، وحاولت قطع صلتها بالحيوان المتوحش في داخلها، وسلكت سلوكاً مهذباً وثقافياً للغاية؛ لكن الفاشية استطاعت أن تستخرج هذا التوتر الموجود في لاوعيها الجمعي. في الواقع، جاءت فاشية موسوليني لتستخرج إمبراطورية كروما القديمة، وجاء النازيون ليستخرجوا ووتان الأمة الألمانية، وجاء فاشيو إسبانيا ليستخرجوا ذلك الاستعمار والاستغلال الإسباني. لذلك، يمكن القول إن الكبت هو السلبي لأنه يتسبب في تراكم الطاقة في الطبقات التحتية للنفس، أما أن يكون اللاوعي الجمعي سلبياً بذاته، فلا. وقد ذكرت بالطبع أن يونغ يقول إنني أعتقد مثل فرويد أن جزءاً منا هو الجزء الأسفل. فعلى سبيل المثال، قضاء الحاجة لقائد أوركسترا، مقارنة بالوقت الذي يقود فيه الأوركسترا، يُعتبر وجهه الأسفل. وقد لا يقبل شخص مثل ميشيل دي مونتين، الذي لديه نظرة طبيعانية متطرفة، هذا الإيجابي والسلبي أو الوجه الأسفل والأعلى، ولكن بناءً على هذه المسلّمة الكانطية (المنسوبة إلى إيمانويل كانط الفيلسوف الألماني) القائلة بأن الوجه الثقافي والجمالي (aesthetics) للإنسان يغلب على وجهه الجسدي، السوماتي (somatic)، والبدني والغريزي، فإن النشاط الفني أفضل من النشاط الهضمي. لذلك، إذا اعتقدنا أن لدينا عقلاً واحداً فقط ولاعقلاً واحداً (غريزة، عرف، عادة...) فبطبيعة الحال يُعتبر اللاوعي الجمعي بأكمله لاعقلياً قمنا بكبته، وهو أنانا السفلى. ولكن لأن يونغ يعتبر جزءاً من اللاوعي الجمعي فوق عقلي، هو عقل ولكنه عقل تاريخي أو شبيه بالعقل وحكمة جمعية، فهو يؤمن بـ "ذات عليا" (upper self) أو كما يقول حافظ "الروح العلوية".
لنعد إلى موضوع نقاشنا الرئيسي؛ كيف يربط يونغ بين الرؤيا وامتلاك حياة طيبة، أو بالتعبير الفلسفي بلوغ اليودايمونيا (eudaimonia) ؟
جزءٌ مما نسعى إليه جميعاً في الحياة هو الرفاه، ونريد أن تُلبّى حاجاتنا الأساسية، لكن في بحثنا عن هذا الرفاه أو العيش الطيب (well-being) قد نقع في الخطأ. فقد نعتقد مثلاً أن حاجتنا هي أن نعيش في شقة فاخرة (بنتهاوس)، وهذا هو خطؤنا، أي إنها رغبة حلت محل الحاجة. أما أن أستطيع العيش في مكان تتغير درجة حرارته حسب الموقع فهذه حاجة لي، لأن بقائي يعتمد عليها. إذن، جزء من حاجة حياتنا هو البحث عن هذا العيش الطيب، وآفته هي ذلك الغموض في مفهوم الحاجة والرغبة والحد الفاصل بينهما. حتى هنا، تشكل حكمة الحياة جزءاً من الحكمة العملية التي ترشدنا إلى كيفية بلوغ هذا العيش الطيب، وقد كانت تُسمى «حكمة المعيشة» أو الاقتصاد، الذي كان يوماً ما جزءاً من الفلسفة. وعندما يُتقن هذا الفن في المعيشة، أو حكمة البدن والصحة، نصل إلى نقطة هي نقطة عيشنا الطيب. في هذه النقطة، يكون حالنا الجسدي جيداً، أي لا نشعر بالبرد ولا بالحر ولا بالجوع ولا بالألم، وتكون «حاجات ماسلو» (نسبة إلى أبراهام ماسلو – عالم النفس الأمريكي) قد أُشبعت أساساً. بعد هذه النقطة، يأتي إشباع الحاجات الاجتماعية، وهو ما نسميه «حكمة العلاقات». والفارق بين الإنسان والحيوان لا يظهر إلا بعد سد هذه الحاجات؛ هناك حيث يقول الإنسان لنفسه: «وآخرتها إيه؟!». تصورنا عن الحيوانات أنها لا تبحث عن المعنى والغاية، وهي، كما يقول «جان بول سارتر»، كائنات في ذاتها (being in itself)، أي أنها بعد سد حاجاتها لا تسأل عن غاية ومعنى هذه الحاجة وسدها. أما الإنسان فهو كائن لذاته (being for itself)، أي أنه يسأل: ما الغاية من هذا الوجود؟ منذ اللحظة التي يصبح فيها هذا السؤال جدياً، ينفتح المجال لـ«الحكمة الروحية»، ولا يشعر الإنسان بـ«السعادة» (happiness) بمعناها الفلسفي إلا إذا استطاع بلوغ اليودايمونيا (eudaimonia)، بمعنى العثور على الحقيقة الروحانية. ونتيجة لذلك، فالطعام في موضع ما يكون سبباً للسعادة بمعناها النفسي، وفي موضع آخر يكون الحب... لكن في موضع آخر، لا يمنح الطعام والجنس والاحترام والحب الإنسانَ السعادة، وعند هذه النقطة تبرز الحاجة إلى اليودايمونيا، ويُطرح السؤال: من أين لنا أن نجدها؟ جواب يونغ هو أن هذه الذات العليا تستطيع التواصل معنا عبر الأحلام والحالات الشبيهة بالحلم، وهنا يدخل موضوع «حكمة الرؤيا». مثلاً، إذا رأى شخص في منامه أنه التقى بأحد معارفه القدامى في رحلة إلى الهند، يسأله «فرويد»: من أو ما الشيء الذي تستدعيه الهند في ذهنه؟ قد يكون الجواب أن هكذا سفر يستدعي غياب النظافة، أو التحرك نحو الديمقراطية الآسيوية، أو الاقتصاد الريفي، أو «بوذا»، أو «كريشنا». يعتقد فرويد أن للهند هنا معنى شخصياً، إنها تجسيد لشيء من حياتك، وبناءً على ماهية تداعياتك، يخبرك أن الهند في رؤياك قد حلت محل شيء ما، وفي النهاية، وبعد تقصي وتحليل كل هذا، سنصل إلى أنك لم تُشبع إحدى رغبات الإنسان البدائي في داخلك، كالطفل الداخلي أو المتوحش الداخلي مثلاً، خلال النهار، فقمت برقابة هذه الرغبة ولففتها ولففتها ولففتها حتى أطلقت على نفسها في النهاية اسم السفر إلى الهند، وهذه هي النظرة الفرويدية التي تُرجع الرؤيا في نهاية المطاف إلى حاجات الذات الدنيا.
أما نظرة يونغ فهي أن الرؤيا لا تنتهي دائماً إلى الذات الدنيا، وهناك أوقات تقودك فيها الرؤيا إلى الذات العليا. أي أن نظام التداعيات هذا، من منظور يونغ، قد يحمل، لمن يريد أن تصبح حياته ذات معنى، رسالة مفادها أن جعل حياته ذات معنى ينبغي أن يمر عبر مسار معين. فقد تقول له مثلاً: إنك لن تستطيع أن تجد في المسيحية أسطورة تشبهك إلى حد يجعل حياتك ذات معنى؛ لكنك، في الهندوسية مثلاً، ستكون قادراً على إيجاد أسطورة تضع بين يديك شيفرة بلوغ اليودايمونيا. وهذه هي النظرة اليونغية التي أطلقت عليها اسم «حكمة الرؤيا».
ولكن ما هي آلية إعطاء الشيفرة هذه عبر الرؤيا؟ بعبارة أخرى، ما هي العملية الذهنية والنفسية التي تتم والتي يمكن بناءً عليها الادعاء بأن أحلامنا تحمل رسالة لنا؟
دعونا لشرح هذه الآلية نبدأ من الروح. أمر «ما وراء شخصي» (transpersonal) يحيط بنا يسميه يونغ «الروح» (spirit). يعتقد يونغ أنه بما أن هذا الأمر يحيط بنا، فنحن إذن داخل الروح وليست الروح داخلنا؛ نحن جزء من الروح وليست الروح جزءاً منا. وعليه فإن عشرات المليارات من البشر الذين عاشوا ويعيشون على مر التاريخ قد تنفسوا ويتنفسون جميعاً هذا الهواء، وفي الوقت نفسه هذا الهواء موجود داخلهم جميعاً. يسمي يونغ نَفَساً من هذا الهواء الذي في رئتي بـ«الذات» (self) وقد ترجمها السيد «باقر برهام» إلى «خودي» ويمكن ترجمتها إلى «الخويشتن». هذا الجزء هو ما نسميه «الأنا الأعلى» وبتعبير حافظ «الروح العلوي»، والأحلام الوحيانية هي أيضاً نتاج عمل هذا الجزء.
هذه الذات (self) هي ما يعادل «فروهر الزرادشتية» أو «النفخة الإلهية» في النصوص الإسلامية، وهي نسيم في دواخلنا،[1] من أمر محيط بنا اسمه الروح. يعتقد يونغ أنه لا ينبغي لنا أن نفترض أننا متحدون مع هذا الأمر ما وراء الشخصي. فإذا تصور «الأنا» (ego)[2] أنني أنا الروح، تحدث «الانتفاخة النفسية» (psychic inflation)، مثل قول الحلاج أنا الحق. وهكذا فإن «الروحانية» (spirituality) اليونغية تُفهم هنا على هذا النحو: بما أن كل إنسان هو جزء من هذه الروح (spirit)، فإن لكل من هذه الذوات دوراً في هذا التيار العظيم لاستحالة الروح أو ما يسميه هيغل «الغايست» (Geist). وعلى هذا الأساس، يمكنهم أن يجدوا معناهم وتصبح الحياة ذات معنى بالنسبة لهم عندما يستطيعون التواصل مع «الذات» أو الوحي الباطني أو الحلم الوحياني في داخلهم، وبهذا يتحقق لهم اليودايمونيا.
إذن، هل من الممكن من خلال الاهتمام بأحلامنا أن ندرك دورنا في العالم، ولماذا نحن هنا، أو في الحقيقة أن نكتشف مهمتنا في الوجود؟
نعم، تماماً. في الواقع، يقول «فيكتور فرانكل» إنه لإيجاد معنى الحياة يجب أن نتجاوز ذواتنا. إنه يستخدم مصطلح (self-transcendence) أو «تجاوز الذات». طبعاً، الذات (self) التي يستخدمها فرانكل تختلف عن ذات (self) يونغ؛ فرانكل يستخدم المعنى اليومي للذات. لذلك، إذا أردنا أن نفسر تجاوز الذات (self-transcendence) عند فيكتور فرانكل بمصطلحات يونغ، يجب أن نقول تجاوز الأنا (ego-transcendence)؛ أي عندما نتجاوز الأنا (ego) أو الذات. ولكن ما معنى الأنا؟ إنه يعني ذلك الشيء الذي يعتبره كل شخص «أناه»؛ مثلاً، أنا أعتبر نفسي طبيباً نفسياً إيرانياً مهتماً بالفلسفة والأسطورة؛ كل هذا هو الأنا. كل ما نسميه إرادة يقع تحت تأثير هذا الجزء الواعي؛ هذه القرارات هي قرارات مبنية على الأنا (ego-base). المهمة (mission) أو المعنى الذي يقصده يونغ يختلف في أنه يقول: ربما لا تكون مهمتك الحقيقية في هذا العالم هي ما تظنه في الظاهر؛ مثلاً، ربما تكون مهمتك هي أن تترجم أشعار طاغور.
لكن قد يسأل أحدهم هنا: عندما تقول لي أناي شيئاً آخر، من أين لي أن أعرف أن هذه هي مهمتي؟
يعتقد يونغ أنه ينبغي عليك أن تفك رموز الرؤى إلى أن تدرك في النهاية رسالة هذه الرؤى وما هي مهمتك. في هذه الحالة تتعالى على الأنا، وتتجاوزها أو تحقق transcendence. الآن، هذا التعالي على الذات يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الذات (self-actualization). من وجهة نظر فيكتور فرانكل، فإن أبراهام مازلو، رغم اعتقاده بأن بعض الأفراد يصلون إلى مرحلة النمو المسماة تحقيق الذات، إلا أنه لا يشرح آلية الوصول إلى هذا التحقق. يقدم فرانكل نفسه هذه الآلية بوصفها self-transcendence بمعنى تجاوز الذات، والتي كان من الأفضل في رأيي أن يسميها ego-transcendence. أي أنه ما دمت أستخدم أدوات الأنا مثل التفكير التنفيذي وتحليل البيانات، فلن أستطيع أن أجد مهمتي وأحقق ذاتي. في هذه الحالة، لست مأموراً من قبل الأمر الروحي، بل أنا في الواقع مصمم هويتي الاجتماعية ومنفذها. لكن عندما أتجاوز هذه الأنا، حينها فقط يمكنني أن أخطو باتجاه تحقيق الذات، والإنسان الـ self-actualized عند مازلو هو نفسه الإنسان الذي بلغ اليودايمونيا الأرسطية. أي أنه في الواقع قد وجد رؤياه الوحيانية، أو تجربته العرفانية، أو فروهره، وهذا هو الذي يأمره؛ كأن يقول له «اقرأ»، فيقول: أنا أُمّي؛ فيسمع أن الأمية أو العلم لا يهم عندما تكون قد أوكلت إليك مهمة أن تقرأ. من وجهة نظر يونغ، هذه اليودايمونيا تحدث في الرؤيا. طبعاً، قصدنا هنا هو الرؤيا والحالات الشبيهة بالرؤيا [4]. أي كل حالة تؤدي إلى أن تتسع حدود الأنا (ego boundary).
هل المقصود هنا هو ما يسميه «وليم جيمس» تجربة «الأمر القدسي» أو «الأمر المتعالي»؟
نعم، ومن وجهة نظر «أبراهام مازلو» يمكن أن يحدث هذا في تجربة الذروة (peak experience). كأن يشعر الإنسان في لحظة، في ثانية، في طرفة عين أنه لاقى الأمر المتعالي أو أن الأمر المتعالي قد لمسه. اللمس (touch) الذي يحدث في هذا السياق هو ما نطلق عليه اسم self. تماماً مثل لوحة «ميكيلانجيلو» حيث «الآب» في أعلى السحاب و«الإنسان» على الأرض يمدان أيديهما نحو بعضهما البعض ويلامس أحدهما أصابع الآخر في نقطة ما؛ هذا اللمس هو الـ self. في الحقيقة، التجربة التي يلمس فيها الروح (spirit) الأنا، هي تجربة الـ self أو «الذات العليا» من خلال الأنا أو «الذات»، وفي الحقيقة «الذات العليا»، على عكس «الذات»، ليست شيئاً يخصني، بل هي بمعنى التجربة التي تُظهر لي الأمر المتعالي.
إن النقاط المتعلقة بتجاوز «الذات» وتحقيق «الذات العليا» التي نوقشت هنا، هي جميعها مباحث أكد عليها الأقدمون كثيراً، مثل «أرسطو» في الفصل الأخير من كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس». وعليه، يبرز هذا السؤال: ما الذي يميز نظرية يونغ تحديداً عن غيرها؛ بعبارة أخرى، كيف يمكننا الادعاء بأن لدى يونغ كلاماً جديداً ليقوله؟
في الحقيقة، عندما نقول كلامًا جديدًا، فإننا نعني أن كلام يونغ في علم النفس بعد عصر الثورة الصناعية هو كلام جديد؛ وإلا فيمكن القول إن كلام يونغ هو بتعبير ما أفلاطوني، وبتعبير آخر هو قراءة غنوصية (Gnosticism) للمسيحية، أو حتى بتعبير آخر زرادشتي أو ميثرائي، أي أن فكر يونغ هو أساسًا الفكر ما قبل الحديث ذاته. لكن من ناحية أخرى، لا يستخدم أحد في غرفة العلاج غير يونغ وأتباعه هذه الحكمة، وأنا بالطبع أضع فيكتور فرانكل ضمن هذه المجموعة أيضًا. لذلك يمكن القول إن يونغ يُدخل نوعًا من التفكير ما قبل الحديث إلى علم النفس، ومن الطبيعي أن علم النفس الحديث لا يقبل يونغ، ولا ينبغي له أن يقبله؛ لأن على علم النفس أن يحسم أمره في نهاية المطاف، هل يريد أن يكون علمًا (Science) بالمعنى البوبري (نسبة إلى كارل بوبر) أم لا؟ فإن قال إنني أريد أن أكون علمًا بالمعنى البوبري، فعليه أن يرفض يونغ رفضًا قاطعًا. ونتيجة لذلك، في اعتقادي، في الوقت الذي يجب أن نقول فيه إن كلام يونغ غير علمي، وليس من المفترض أن يقبله علم النفس العلمي، يمكن أن نطلق على كلامه نوعًا من الحكمة (Wisdom)، التي وإن لم تُسمَّ علمًا، فهي قيّمة لأنها تعالج مسألة المعنى والوجه الروحاني للإنسان، الذي تركه علم النفس العلمي فارغًا. فإذا استطاع علم النفس العلمي يومًا ما أن يملأ ذلك الفضاء، بمعنى أن يقدم علم النفس القائم على علوم الأعصاب والبيانات القابلة للقياس إجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى، فسأقول أنا شخصيًا قطعًا إنه يجب إيداع يونغ متحف تاريخ الحكمة والمعرفة؛ ولكن، بما أن علم النفس العلمي لم يملأ ذلك الفضاء بعد، وأستبعد أن يستطيع ملأه في القريب العاجل، أي أن تيار علم النفس العلمي لا يُظهر أيضًا أنه قادر على تلبية هذه الحاجة في المستقبل القريب، أعتقد أن يونغ لا يزال لديه ما يقوله لنا نحن البشر. نعم، كما تفضلتم، هذا الكلام في ساحة غرفة العلاج هو كلام متميز ومتفرد، ولكن إذا أخذنا هذا الكلام إلى ساحة تاريخ الفلسفة أو ساحة الدين، فلن يُعد كلامًا متميزًا، بل هو قديم جدًا وعتيق؛ حتى الشامانات كانوا يعتقدون بشيء من هذا القبيل.
بخصوص الثقة بالرؤيا وإيجاد المعنى ورسالة الحياة فيها، يبرز هذا السؤال: هل يمكننا في أي وقت من الحياة أن نجد حكمة في رؤانا؟ أعني المراحل المختلفة من الحياة؛ الطفولة، الشباب والمراهقة، البلوغ، ومنتصف العمر؟
بالصدفة، يوضح يونغ في هذا الشأن أمر البشر بناءً على نظام محدد، ويتناول في بحثه عن التنشئة الاجتماعية والتفرد موضوع أين يجب على البشر في حياتهم أن يدخلوا ساحة استكشاف اللاوعي. من وجهة نظر يونغ، في المرحلة النمائية للتنشئة الاجتماعية (Socialization)، يجب أن نجد حكمة المعيشة وحكمة العلاقات الاجتماعية. ونتيجة لذلك، فإن يونغ ليس بصدد وصف أو توصية بعملية تحليل الرؤيا لمراهق. فمن وجهة نظر يونغ، المهم للمراهق هو أن ينمي عقله اليقظ. لذلك يرى أن التفكير التقييمي، والتفكير النقدي، والتفكير التحليلي ضرورية للمراهق؛ أي الحكمة العملية ذاتها؛ مثلًا، ما معنى الاقتصاد؟ كيف يُكتسب المال وكيف يُنفق؟ ما الفرق بين الحاجة والرغبة؟ كيف يمكن الفصل بين المتعة والمنفعة... إلخ. من وجهة نظر يونغ، ما لم يحقق الإنسان مكتسبات عقل المعيشة، فإن ساحة لاوعيه هي ساحة روضة الأطفال الداخلية ذاتها. ونتيجة لذلك، فإن البحث في رؤى مراهق لن يخبرنا إلا أن هذا المراهق يريد الانتقال من الطفولة إلى المراهقة؛ أي أنه يقف على جسر، من جهة لديه حنين الطفولة الخالية من الهم والمسؤولية، ومن جهة أخرى لديه رغبة القبول في جمع البالغين وامتلاك صلاحياتهم وحق اختيارهم. ونتيجة لذلك، أثناء النوم، يأخذ هذا الجزء الذي يجب أن يتجاوزه في اليقظة نصيبه، لذا قد يرى المراهق في منامه استمرارًا لألعابه الطفولية، تمامًا كما قد نلاحظ في منام الطفل احتياجات ما قبل الطفولة، أي احتياجات الحيوان البري الداخلي، فمثلًا الحيوانات في رؤى الأطفال أكثر بكثير منها في رؤى البالغين، وكأن الأنا الغابية للطفل لا تزال نشطة في داخله ولم تُروَّض وتُدجَّن بعد بالقدر الكافي. ونتيجة لذلك، يتفق يونغ تمامًا مع فرويد بخصوص مراحل من الحياة، على وجود ذات دنيا في الرؤيا، ولذلك فهو لا يتحدث عن حكمة الرؤيا في هذه المراحل النمائية.
والأمر نفسه ينطبق على الدخول في حالة الغشية؛ فعلى سبيل المثال، ينتشر الآن بين المراهقين والشباب تيار تعاطي المواد المهلوسة، ويعتقدون أنهم يستطيعون من خلالها بلوغ حالة من الذهن توسع حدود الأنا. وإذا أردنا أن ننظر إلى المسألة بنظرة يونغية، فإن يونغ سيقول لمراهق: إنك لو تعاطيت الماريجوانا فستظل راغباً في مشاهدة الرسوم المتحركة، وربما تختبر ألعابك الطفولية ووجدك الطفولي بعمق أكبر، لكنك لن تجد شيئاً آخر. فعندما يخوض البشر الحكمة العملية للحياة ويبلغون العيش الطيب، ويصبح البحث عن المعنى الشاغل الرئيسي في حياتهم، حينها يمكن أن يكون استكشاف الأحلام أو البحث عن السبل التي تؤدي إلى توسيع حدود الذهن ذا قيمة. وهذا الانضباط هو أحد الأمور التي أنجزها يونغ، وعلى هذا الأساس يقول جوزيف كامبل في كتابه «قوة الأسطورة»: «العَارِف يسبح في بحر يغرق فيه المجنون». فمن وجهة نظر يونغ، لن يؤدي الاستكشاف المبكر للأحلام أو التجارب الشبيهة بالحلم إلا إلى نوع من نمط الحياة الذهانية بدلاً من نمط الحياة الروحاني والمعنوي.
لذا يبدو من الحيوي بمكان، خصوصاً في عصر الاتصال والإعلام هذا حيث كل شيء في متناول الجميع بسهولة، أن يتحدد تكليف الإنسان ويفهم أي الأشياء من بين ما لا نهاية له من الموجودات يناسب حاله.
نعم، وكما أنه من المهم في المرحلة الأولى من العمر ألا نخلط بين الحاجة والرغبة، كأن لا نخلط مثلاً بين الحاجة إلى مسكن مريح والحاجة إلى العيش في برج فاخر، فكذلك قد نخلط بين الحاجة والرغبة بأن نبدأ بحثاً غير مثمر عن المعنى، لأن تعلم اقتصاد المعيشة أمر شاق، مع أنني في هذه المرحلة النمائية أحتاج إلى تعلم اقتصاد المعيشة. هذه أزمة موجودة خصوصاً في زماننا، وقد طرحتها في حوار مع مجلة أخرى اسمها «سپيده دانايي» حول الوجودية، بأن هناك هروباً إلى المباحث الوجودية في مجتمعنا. وقصدي بمجتمعنا هو المجتمع الإيراني عموماً، ومجتمع الشباب الذين يدخلون حقل علم النفس خصوصاً. فإذا أردت أن تبلغ علم النفس الوجودي مثل «إرفين يالوم»، فهو يدرس الطب أولاً ويتعرف على الجسد، ثم يدرس الطب النفسي ويتعرف جيداً على وظائف الدماغ، ويصبح باحثاً أقدم في مجال السيكوفارماكولوجيا (علم الأدوية النفسية) لفترة، وبعد ذلك يبدأ التحليل النفسي، ويجتاز النموذج التعليمي المعياري للتحليل النفسي الأرثوذكسي، ويصل في النهاية إلى نقطة يعالج فيها المسائل الوجودية، أي شواغل الإنسان وأزماته الوجودية التي تختلف عن مسائل مثل الجنس المكبوت أو الغضب المكبوت. لكن تحول إرفين يالوم إلى روائي وتبسيطه لنظرياته وتعميمها، يؤدي إلى أن يكون لدينا جيل من علماء النفس الشباب المبتدئين الذين يقولون بسرعة كبيرة إنهم وجوديون. وفي ظني أن هذا الهروب إلى الحقل الوجودي هو أسلوب جماعة لا صبر لهم على التقدم خطوة بخطوة وتعلم العلاج السلوكي، والعلاج المعرفي، والتحليل النفسي، وعلوم الأعصاب. وبشكل خاص في مجتمع علم النفس، أو بشكل عام في المجتمع الإيراني، يُلاحظ هذا الهروب الوجودي والروحي نفسه؛ مجتمع مسألته الأساسية الآن هي مسألة المسؤولية المدنية والحقوق المدنية، ولم يتحدد فيه موقع الأمة والدولة، ومسألته المهمة هي مجالات السلطة والاقتصاد، وهو كمراهق خام يلوذ بالمباحث الوجودية والروحية. ويوضح يونغ تكليفنا في هذا المجال، سواء للفرد أو للمجتمع؛ هل بلغت تلك العقلانية التي تمكنك من أن تكون ناقداً ومحللاً، وهل بلغت تلك الحكمة العملية للحياة التي تمكنك من خلق عيش طيب لنفسك؟ أم أنك عاجز حتى عن توفير الحدود الدنيا من حياتك؟ فالمباحث الروحية لمثل هذا المجتمع هي خلط بين الحاجة والرغبة، أو خلط بين المنفعة والاستحسان.
لذا يمكن القول إن طريق تجاوز الذات لدى يونغ، كما لدى أسلافه، يمر عبر المجتمع والتنشئة الاجتماعية، وأن عيش حياة جيدة من الناحيتين النظرية والعملية هو الطريق الذي يوصل الإنسان إلى ذلك التفرد الذي يمكن أن يكون مقدمة للتعالي والاستعلاء.
نعم، الأمر كذلك، لأن التفرد (individuation) عند يونغ يختلف جوهرياً عن الانطواء على الذات (autism). ما أعنيه بـ (autism) أو (egocentrism) هو سلوك الشخص الذي يعتزل الناس والمجتمع لكي يذهب ليجد ذاته. أما يونغ فعندما يتحدث عن التفرد، فإنه يتحدث عن أن عليّ أن أجد رسالتي الخاصة في العالم. رسالة تتجاوز الأنا، وتختلف عن رسالة مرحلة التنشئة الاجتماعية، وتختلف عن المهمات الأسرية والمهنية والقومية والوطنية التي تصبح جزءاً من هوية الأنا. التفرد ليس عملية متمركزة حول الذات، إنه مجدداً أداء رسالة من أجل العالم، من أجل الحياة؛ ولكنها رسالتي الفريدة التي تخصني وحدي؛ «الأنا» لا بوصفي مواطناً متأثراً بالعرف الاجتماعي، بل «الأنا» بوصفي إنساناً، وجوداً (existence) في تفاعل مع الروح. في الحقيقة، في هذه المرحلة، يتم تعريف «أنا» جديدة، ليس في تفاعلها مع المجتمع، بل «أنا» في تفاعلها مع التاريخ، «أنا» في تفاعلها مع «الأمر المتعالي» تؤدي رسالة تتجاوز العرف الاجتماعي والسردية الكبرى لمجتمعها. ونتيجة لذلك، فالإنسان المتفرد ليس إنساناً يعيش ناسكاً في كهف أو صومعة؛ الإنسان المتفرد هو إنسان يرى رسالته من أجل هذا العالم، من أجل هذا المحيط الحيوي (biosphere)، من أجل هذه المرحلة التاريخية، لكن ليس وفقاً لمعطيات الأنا، بل يصل إلى هذه الرسالة عبر إدراك حكمة الرؤيا، وكثيراً ما يدفع الثمن مقابل ذلك؛ أي أن التفرد ليس هروباً من المسؤولية الاجتماعية؛ بل يمكن القول إنه تحرر من المسؤولية التي يلقيها العرف الاجتماعي على عاتق الإنسان، والاضطلاع بدلاً منها بمسؤولية تمنحنا إياها الروح (spirit) من خلال ذلك اللمس (touch) الذي أسميناه الذات (self). أي أن رسالة المجتمع تحل محلها رسالة الذات. لذلك، لو غيرنا اسم هذا (individuation) إلى (spiritualization) أي «التروحن»، لربما اتضح المقصود منه بشكل أفضل. بمعنى أنه بالنسبة لي، حلّ «الأمر المتعالي» محل المجتمع، وحلّت الأنا العليا الروحانية محل الأنا العليا (Super ego) الاجتماعية، وهي أسمى من أنايَ البشرية.
مصادر للمزيد من المطالعة :
- اللغة المنسية: إريك فروم
- ذكريات، أحلام، تأملات: كارل غوستاف يونغ
- قوة الأسطورة: جوزيف كامبل
- الطبيب والروح: فيكتور فرانكل
.
.
[1] النفخة بمعنى النفخ والزفير والنفَس، واستناداً إلى الآية «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي» هي نسيم من الروح الإلهي في وجود الإنسان.
[2] الأنا (ego) هي مركز ثقل الجزء الواعي والمريد من الإنسان.
[3] إشارة إلى مطلع سورة العلق، وإلى تجارب الوحي لدى النبي محمد.
[4] (Dream-like states=altered states of consciousness (asc)
*في اللغة الدارجة، تعني الرؤيا «الحلم الجميل» وهي في مقابل الكابوس (الحلم السيئ)، أما في لغة التحليل النفسي، فكلمة رؤيا المقابلة للكلمة الإنجليزية Dream تشير إلى كل تلك الصور والأحداث التي نراها في النوم؛ بغض النظر عن كون محتواها حلواً أم مراً.
.
.
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
باتشکر از جناب دکترسرگلزایی مبحث خیلی جالبی را بیان فرمودند. ولی به نظرمن اگر ضمیرناخودآگاه ما واقعیت داشته باشد , نباید موجب خوشحالی ما بشود . زیرا انسان حس می کند که نادانی اش بسیار بیش از دانایی اش است. اما انسانِ آگاه( می داند) ,,آنچه نمی داند بیشتر از دانسته هایش است. آنچه که فروید متوجه نشده بود همین نکته بود. انسانِ آگاه , از آگاهی خودش نشانه گیری می کند و نه از ناآگاهی اش؟ کل سخن فروید و یونگ همین است که انسان از ( ناآگاهی اش) نشانه می رود به سمت (آگاهی اش). در صورتیکه در بین عارفان و فیلسوفان از( آگاهی) به( خودآگاهی) می رسند و نه از" ناآگاهی" به "خودآگاهی". ضمیر یعنی باطن و باطن (آگاهی) است ونه (ناآگاهی). به نظرم اشتباهی که در روانشناسی و رفتارشناسی انجام می شود دقیقا همین نکته است. رفتن از "ناآگاهی" به سوی" آگاهی". در صورتیکه انسانِ آگاه این توانمندی را دارد که از" آگاهی" به" خودآگاهی" برسد. در مورد حکمت رویا که فرمودید . به نظرم معنای رویا در روانشناسی و فلسفه به همین دلیل متفاوت است. روانشناسان از (بخش ناآگاه ) در رویا می خواهند به (بخش آگاه ) بروند و برسند. در صورتیکه رویا بخش آگاهانه ایی است که در قوه خیال و عالم خیال رخ می دهد.. مثلا در رویای صادقه. در رویای صادقه پیامبران و عارفان عموماً در( بخشِ خودآگاه) صورت می گیرد زیرا در غیر این صورت نمی تواند "صادق" باشد..
با سلام و سپاس، جز قدردانی از تلاشهای شما دلشدگان فرهنگ و اندیشه که در این وانفسای روزگار همت زنده نگاه داشتن چنین مقولاتی را دارید سخن دیگری ندارم. با احترام فراوان.