اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ليس الاكتئاب مرضًا دائمًا؛ فهو تارةً رد فعل على الإخفاق، وتارةً أخرى مرض لا يعاني منه سوى عشرة بالمئة من البشر. ويُفسر التمييز بين الاكتئاب بوصفه عرضًا وتجربةً ومرضًا، وبين أنواعه الممتدة من رد الفعل إلى السمة الشخصية، تعقيداتِ العلاج.

كلمة الاكتئاب استُخدمت كثيراً جداً بحيث تبدو موضوعاً بسيطاً، لكن قصة المريض الذي يراجع الطبيب شاكياً من الاكتئاب أو مُظهراً أعراض الاكتئاب هي قصة معقدة جداً. إحصائية من إنجلترا تُظهر أن 30% فقط من المصابين بالاكتئاب يراجعون المراكز الطبية، و30% فقط من الذين يراجعون المراكز الطبية يحصلون على تشخيص صحيح، و30% فقط من الذين يتلقون تشخيص الاكتئاب يحصلون على العلاج الصحيح من الأطباء! لماذا الأمر معقد جداً؟ لأن «الاكتئاب» كـ«عرض» شيء مختلف عن «الاكتئاب» كـ«تشخيص». وتماماً كما عاش جميع الناس «الألم» مراراً في حياتهم، فقد عاشوا «الاكتئاب» أيضاً كـ«تجربة»؛ أي أنهم مروا بحالة تتميز بالحزن والأسف والملل والافتقار إلى الدافعية، وفي هذه الحالة يتخذ نظرهم إلى أنفسهم والآخرين والحياة طابعاً خاصاً. نظر يتسم باليأس والتقييم السلبي للأحداث والافتقار إلى إدراك الجمال والحساسية الشديدة تجاه المحفزات غير السارة. لكن لا يمكننا أن نقول إن جميع الناس عاشوا الاكتئاب كـ«مرض» أيضاً. أثبتت الأبحاث أن 10% فقط من الناس يعانون من الاكتئاب كـ«مرض» في حياتهم. هنا أذكر الحالات المختلفة التي يمكن اختبار الاكتئاب فيها، ثم أشرع في شرح كل واحدة منها: 1- الاكتئاب كتفاعل (reaction) 2- الاكتئاب كحزن (grief) 3- الاكتئاب كمزاج (temperament) 4- الاكتئاب كطبع (character) 5- الاكتئاب كمرض (disease) 1- الاكتئاب كتفاعل نحن جميعاً نشعر بالفشل أمام الأحداث غير السارة. توقعنا النجاح في اختبار ما لكن اسمنا لم يكن في قائمة الناجحين، فقدنا شيئاً كان مهماً لنا، لم نتلق الاهتمام واللطف المتوقع من شخص مهم لنا. ردة فعلنا الأولى في مثل هذا الموقف هي «الغضب». عندما نشعر بـ«الغضب»، يُعلمنا العقل أن الموضوع يستحق أن نقاتل من أجله. في الواقع، الغضب هو استعداد الجسد للدخول في ميدان القتال. لكن عندما ندرك أن القتال بلا جدوى أو أن تكلفته أعلى مما نستطيع تحمله، عندئذ نشعر بـ«الفشل». في الواقع، «الفشل» هو إعلان قبول الهزيمة وأمر بالانسحاب. تتسم هذه الحالة بوجه حزين والملل واليأس والإحباط، ويشعر الآخرون أننا لا نكون بحالة جيدة. لكن هذا الوضع لا يدوم طويلاً. نظام التنظيم الذاتي للعقل يصغّر الأمر ويُبعده عن أذهاننا ونهب للنهوض من جديد لنعود للحياة. في الاكتئاب كتفاعل، الاكتئاب لا يسيطر علينا بل يرافقنا. لا نفقد القدرة على الاستمتاع بالحياة، أنماطنا البيولوجية مثل التغذية والنوم والحركة لا تظهر فروقات ملحوظة وليس لدينا شك في مجمل الحياة. عادة ما لا تستمر هذه الحالة أكثر من عدة أيام وتزول قبل أن تبلغ أسبوعاً. بالطبع، أحياناً يواجه الشخص سلسلة من الأحداث غير السارة. أحداث تأتي الواحدة تلو الأخرى كستائر مختلفة في عرض مسرحي، وقبل انتهاء رد الفعل على المشهد السابق يبدأ رد الفعل على المشهد التالي. في مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تستمر مدة هذا التفاعل أطول. ما الذي يمكن لطبيب أو معالج نفسي أن يفعله في مثل هذا الموقف؟ ما يقدم أسرع وأكثر مساعدة فعالة للمريض هو أن نساعده على توضيح موقفه من الحدث غير السار، أو بعبارة أخرى، على تسوية حسابه مع الأمر. ندعو هذا النهج نهجاً موجهاً نحو المشكلة (problem – oriented approach). كيف نفعل ذلك؟ 1- بحرص على الاستماع، نشجع المراجع على أن يسرد الأمر بأكبر قدر من التفاصيل. لهذه المرحلة عدة مزايا: أولاً، أحياناً الإجبار على سرد الأمر يجعل الشخص ينظر إلى القضية بطريقة جديدة.عند نقل الحادثة إلى الآخرين وللتعبير عن تجربتنا، غالباً ما نواجه تفاصيل أو جوانب من الحادثة لم نكن قد انتبهنا إليها من قبل، وأحياناً يكتشف جانب صغير وضئيل عن شعورنا تجاه حادثة كبيرة، تماماً كما يغيّر إضافة حبة ملح إلى طبق طعام كبير شعورنا تجاهه. وبغض النظر عن ذلك، فإن سرد التجربة للآخرين قد يساعدنا على التخلص من الشعور بالوحدة والعزلة، كأننا قسّمنا عبءنا مع الآخرين. غالباً ما نرى المراجع ينفس بعمق بعد سرد الحادثة للآخرين، كأنه يقول بلغة جسده: «آه! شعرت بالارتياح!» قد تسأل: هذا عمل صغير، فلماذا يجب على معالج محترف أن يقوم به؟ لكل شخص أصدقاء وأقارب كثيرون يمكنه أن يفتح قلبه معهم. نقول إن هذا صحيح، لكن هؤلاء الأقارب ليسوا دائماً مستمعين جيدين. قبل أن يصغوا إلى كلام المتحدث، يبدأون بالنصح والعتاب وتقديم الحلول والحكم على الحادثة، وأحياناً حتى لإقناع المتحدث بوجهة نظرهم، يدخلون معه في نقاش وجدل وحتى في صراع لفظي، وبدلاً من تشجيع المتحدث على التنفيس العاطفي والنفسي، يوقفونه عند البداية ويفتحون طريقاً آخر. كأنهم بدلاً من التعامل مع ملف عقل المتحدث، يفتحون ملفاً مشتركاً ويشرعون في التعامل معه! لماذا يحدث هذا؟ ألم يكن أقاربه رحماء وطيبي القلب؟ لماذا يتعاملون معه بهذه الطريقة؟! الإجابة هي أنهم يفعلون هذا بالضبط لأنهم رحماء وطيبو القلب! هذا الشخص مهم لهم كثيراً بحيث أن حادثته مهمة جداً لهم أيضاً، وكأن الحادثة أصبحت حادثتهم الخاصة، فيصبحون حريصين جداً على حل المشكلة لدرجة أنهم يغضبون أو ينهزمون! يختلف المعالج المحترف عن الصديق لأنه عرّف الفرد مع مشكلته لنفسه، لذلك رؤيته رؤية موضوعية وليست رؤية منقذ! هو مهتم وفضولي لكنه ليس حريصاً وعجولاً! بالطبع، المعالج المحترف أيضاً إنسان وقد يصاب بالحرص والعجلة في بعض الأحيان! متى يحدث هذا؟ عندما تستحضر مشكلة المراجع في ذهن المعالج إحدى مشاكله الشخصية. لا يلزم أن تكون نفس المشكلة موجودة في حياة المعالج، بل يكفي أن تستحضر جنبة من المشكلة جنبة من مشكلة شخصية للمعالج. بخلاف ما يُظن، لا يعمل دماغنا بمنطقية على الإطلاق! يعمل الدماغ بالتداعيات، وأحياناً نظارة شخص فقط تستحضر نظارة جدتنا بحيث أنه بدون أي تشابه منطقي بين هذا الشخص وجدتنا، نشعر تجاهه بشعور وكأنه حقاً جدتنا! لذلك توصيتي للمعالجين هي أنه كلما شعروا بحرص وعجلة في حل مشكلة مراجعهم، يتوقفوا وينظروا: هذه المشكلة تذكّرهم بأي حادثة سابقة في حياتهم؟ هذا المراجع يذكّرهم بمن، وما شعورهم تجاهه، وإذا عادوا إلى الماضي والحادثة السابقة وذلك الشخص، كيف يصفيان حسابهما مع ذلك الشخص والحادثة؟ إذا أمكن لهذه العملية أن تغيّر شعوره تجاه المراجع، فمن المناسب المتابعة. وإلا، فالمتابعة مع هذا المراجع ليست لصالح المراجع ولا لصالح المعالج! رغم أن العملية السابقة تبدو بسيطة، فإنها تفعّل عملية معقدة في ذهن المعالج قادرة على توجيه «الدماغ غير المنطقي» برؤية مختلفة عما قبل. 2- نساعد المراجع على توضيح موقفه: هل يريد أن يكافح من أجل هذه الحادثة أم لا؟ إن رهان الناس مع الكثير من مشاكل حياتهم رهان «متذبذب»: يقتربون من المشكلة ثم يبتعدون عنها، يقتربون مرة أخرى ثم يبتعدون، لا يغوصون بكل قلبهم لحل المشكلة ولا يستسلمون لها! يساعد المعالج المراجع على صب كل إمكانياته في دائرة حل المشكلة، وحساب تكلفة كل إجراء يتخذه، والوصول إلى خلاصة أنه بناءً على «ترتيب الأولويات» في عقله، هل هو مستعد أن يدفع هذا الثمن لحل المشكلة أم يفضل أن يتركها وينساها؟ مثلاً المراجع، موظف في إدارة، والحادثة التي حدثت له هي: شخص جديد دخل بيئة العمل مما جعل أهمية هذا الشخص في الإدارة تتضاءل. الاهتمام والمكافأة والتأكيد الذي كان يحصل عليه مراجعنا سابقاً دون جهد، الآن يحتاج إلى منافسة حقيقية.بعض المراجعين يبدأ بالشعور بالغضب تجاه هذا الشخص ثم يختبر الإحساس بالفشل. نساعده على «تصريح» « أولوياته» في الحياة: إذا كان عليه أن يختار بين دور الرجل الناجح والمنتصر وحياة هادئة وخالية من الهموم، فأيهما سيختار؟ إذا كان يعطي في ترتيبه للحياة ذات النجاح الاجتماعي والشهرة والنصر تقييماً أعلى، فعليه أن يدفع ثمن الكفاح من أجل النصر، بينما إذا كانت الحياة الهادئة الخالية من الهموم تحصل على تقييم أعلى، فعليه أن يتجاوز هذا التنافس. 3- إذا اتخذ المراجع موقف «المكافحة»، فمهمة المعالج هي أن يعلمه كيف يأخذ في الاعتبار خيارات مختلفة وحلولاً واسعة. يفتح المعالج رؤية المريض ويجعلها أوسع، وينقل نظره من النظر «الخطي» إلى النظر «متعدد الأوجه»، وإذا اتخذ المراجع موقف «الوداع»، يساعده المعالج على أن «يخفف الموضوع في ذهنه». نحن لا نتعامل مع «الموضوع» بل مع «الصورة الذهنية للموضوع»، لذلك لا يضطر المعالج إلى أن «يصارع» مع واقع الموضوع في العالم الخارجي، بل عليه أن «يخوض» مع «الصورة الذهنية للموضوع» في ذهن المراجع. كما قلت، دماغنا لا يعمل بطريقة منطقية بل بالتداعيات، يكفي أن نحول موضوع المريض بطريقة ما إلى موضوع مشابه لكنه «خفيف» و«زلق»، سنرى أن «الوداع» لديه يتسارع وينسهل بطريقة مدهشة. 2- الاكتئاب باعتباره حداداً هذا النموذج من الاكتئاب يشبه النموذج السابق كثيراً، فقط أن الموضوع الذي أثار الإحساس بالفشل كان موضوعاً له «صلة هوياتية» مع مراجعنا. ما هي «الصلة الهوياتية»؟ كل واحد منا لديه «تعريف لذاته» في ذهنه، يتحدد هذا التعريف بعناصر محددة. مثلاً، أعرّف نفسي بكوني طبيب نفسي وكاتباً و......... لكنني لا أعرّف نفسي بملابسي. إذا كان لديّ بدلة جديدة تحترق فسأكون مستاء، لكن إذا فقدت القدرة على الكتابة فسأصاب بـ«حداد»! الأم تعرّف نفسها بأطفالها: فقدان الأطفال يصيبها بالحداد. بطل رياضي يعرّف نفسه برتبة البطولة! فقدان هذا اللقب يصيبه بالحداد. شخص متديّن يعيش برؤيته الدينية: تزعزع معتقداته يصيبه بالحداد. عملية «الحداد» أشد وأطول من «ردة فعل الفشل» لأن الفرد يطرح نفسه تحت السؤال، وهو حائر وضائع، يفقد ثقته بنفسه ورؤيته للعالم تتزعزع، كمن «ضاع الطريق إلى بيته»! لذلك ترى أن ليس كل فرد «ينعى» و«يترح» وليس من الضروري أن يكون قد فقد أحد أحبائه حتى يكون «محتاداً». فما واجبنا تجاه «مراجعينا المتحسرين»؟ 1- لا تحاول أبداً أن تصغّر مشكلته وتعتبرها غير مهمة. هذا لا يساعده بل هو «إهانة» له. كان لديّ مراجع فقد والده للتو ويمر بعملية حداد شديدة. قال: إحدى أصعب اللحظات بالنسبة لي هي عندما أشاطر شعوري مع شخص ما فيسأل: «كم كان عمر والدك رحمه الله؟» وعندما أجيب: سبعون سنة، يقول مباشرة: «حسناً، لقد عاش عمره، فلماذا تحزن كثيراً؟» إذا لم يكن ما فقده مراجعنا مهماً بالنسبة لنا فهذا لا يعني أنه لا يجب أن يكون مهماً بالنسبة له. 2- نضرب أمثلة مشابهة للمراجع لكي يعرف أن هذه الحالة حدثت مراراً لأناس كثيرين و«استمرت الحياة». هذا يُقصد به رفع «الشعور بالوحدة» عنده. عندما نعتقد أننا الوحيدون الذين مررنا بمثل هذا الوضع، نقع تحت ضغط ثقيل. أحياناً نصل إلى الاعتقاد بأن «الحياة ظالمة وغير عادلة»، و«لم يكن من حقي»، و«لماذا أنا؟!»، وأحياناً نعتقد أننا «نُعاقَب»، و«نشعر بالذنب»، ونلوم أنفسنا ونعتبر أنفسنا مستحقة لهذا العقاب، وأحياناً نتخيل أن «لا أحد يفهمني» ومعتقدات أخرى، كل منها يضيف ألماً على ألم حدادنا. ذكر أمثلة من أوضاع مشابهة عند الآخرين يرفع هذا «الألم المضاعف». لكن هنا نقطة مهمة وهي أن لكل واحدة من الأعمال المذكورة «دقائق» خاصة بها.مثلاً إذا جلسنا وتحدثنا مباشرة إلى المراجع قائلين: «دعني أخبرك عن مشاكل الآخرين لكي تعرف أنك لست وحيداً» فإننا نكون قد فعلنا ذلك بطريقة «غليظة» جداً بحيث لا يمكن أن تستقر في ذهن المراجع؛ بدلاً من ذلك نقول على سبيل المثال: «حينما كنت تحكي لي القصة تذكرت حالة لمراجع آخر حدثت قبل سنتين أو ثلاث سنين، لأنه أيضاً ……» وبعدما تُروى «القصة المشابهة» بدلاً من أن نقول «الحياة تستمر»، نقول «قبل بضعة أسابيع حين التقيت به صدفة ابتسم وقال لي إن تلك الحادثة غيّرت حياتي كلياً، والآن أنظر إلى المسألة بطريقة مختلفة، لو لم تحدث تلك الحادثة ربما لم أكن تعلمت أبداً أن ………» 3- بالطريقة ذاتها أعلاه نحضر المراجع كي يتوقع بفضول ـ وليس بعجلة وجشع ـ أن يستقبل «تعريفاً جديداً» بدلاً من محاولة «العودة إلى الماضي». يسعى الناس بطرق مختلفة للعودة إلى الماضي: أحياناً يحاولون «تحنيط» الماضي، ينشغلون بالأشياء والذكريات الماضية، لا يغيرون شيئاً، ينتظرون «استعادة المفقود» ولا يُبدون اهتماماً بالمحفزات والأحداث الجديدة. وأحياناً يسعون إلى إيجاد «بديل» بسرعة. «البديل» هو كل ما يضعه الفرد في «مجموعته الهويّاتية» بدلاً من «الشيء المفقود». شخص جديد، حب جديد، مهمة جديدة، أيديولوجيا جديدة، أو أي شيء آخر. المشكلة أن معظم الناس، عند محاولتهم مساعدة من هو ضائع و«فقد نفسه»، يحاولون اقتراح جزء من «مجموعتهم الهويّاتية» عليه، وخاصة أولئك الذين يملكون «حرصاً على المساعدة» يصبحون مستعدين لتجسيد دور الشيء المفقود بأنفسهم! هذه اللعبة لا تصب في صالح أي من الطرفين. على المعالج أن يعلّم المراجع أن يسير مع «الباقي من المجموعة»، أن يقبله ويحبه وأن يدرك أن هذا الحدث في حياته مثل «قناة الولادة» التي ستقوده إلى «عالم جديد». لا أحد، بمن فيهم المعالج، يعرف ما هي مواصفات هذا العالم الجديد، ما يعرفه المعالج أن هذا العالم أوسع وأكثر اتساعاً وتزامن مع وعي أعمق من العالم السابق، تماماً كما في كل «ولادة» أخرى في الوجود. لا يستطيع إلا المعالج الذي تجاوز «الإغراء بتقديم عالمه الخاص» كـ«بديل» والذي تجاوز «الحرص على المساعدة» أن يساعد المسترشد في حل هذه المرحلة. الوصول إلى هذه الحالة يتوقف على تحقيق التوازن بين «الاهتمام» و«الصبر». إذا كان المعالج غير مهتم بالمساعدة فستكون هذه المجموعة غير متوازنة وغير مستقرة، لكن إذا فقد صبره فإن «الحرص على المساعدة» سيخل التوازن كذلك. الوصول إلى هذا «التوازن»، بعيداً عن «شخصية المعالج»، يتطلب «خبرة علاجية». كثير من المعالجين الشباب يقعون ضحايا حرص علاجي مفرط وبالتالي يعجزون عن حل المشكلة. هذا الوضع يذكرني بتلك الحكمة: «احذر من الحلّاقين العجائز والأطباء الشباب»! فضلاً عن ذلك، تعليم المراجع هذا «القانون الوجودي» القائل بأن «الليل الدامس يسبقه الفجر» وأن «كل ما نفقده هو مقدمة لنيل شيء أفضل» ليس بالأمر السهل، لأن «الكلمة التي تنبع من القلب تستقر حتماً في القلب»، لذا فالمعالج الذي مرّ بعملية حزن ناجحة بنفسه واستقبل هذا المعتقد ليس كـ«شعار» بل كـ«وعي» يستطيع أن يُنشئ هذا المعتقد في مراجعه. «فيكتور فرانكل» في كتابه «الإنسان بحثاً عن المعنى» يعبر عن هذا المفهوم بأنه إذا لم نستطع أن نجد معنى لمعاناة الحياة، فإن سعادات الحياة ستكون أيضاً عبثية وفارغة من المعنى، أو أن هذه اللعبة كلها لها معنى، وفي تلك الحالة فإن تقلباتها لها معنى، أو أن هذه اللعبة تفتقد المعنى، وفي تلك الحالة فإن سعادات الحياة ستكون مسخرة. «الدكتور ترور جريفيث» في كتابه «المفقود ثم الموجود» (The lost and then found) يشير بالتفصيل إلى مراحل الحزن، وتماماً كـ«إليزابيث كوبلر روس» يصل إلى وجهة النظر بأن حل الحزن يتم بنجاح عندما يصاب الفرد أولاً باليأس التام من إعادة العالم إلى ما كان عليه (Despair) ويقبل العالم بمواصفاته الجديدة (acceptance). الخطر الذي يوجد في هذه المرحلة من حل الحزن هو أن يستبدل الفرد «الروحانية» (spirituality) بالشيء المفقود في «مجموعته الهويّاتية»، وهي عملية نسميها «تضخيم الروحانية»! الروحانية ليست بديلاً عن أي من أجزاء الحياة، الروحانية هي «معنى المجموعة».3- الاكتئاب بوصفه مزاجاً مجموعة من الأفراد تعاني بشكل مستمر من تذبذبات المزاج بطريقة تحدث تغييرات محسوسة في سلوكهم. فترة من الوقت يكون هؤلاء الأفراد بحالة جيدة وممتلئين بالطاقة والحيوية، وبدون أي سبب واضح فترات أخرى يكونون كسالى وعديمي الاهتمام. «شدة» و«مدة» هذه التغييرات ليست بالقدر الذي ينطبق عليه تعريف «المرض»، وفي الوقت نفسه هذه الحالة لا تفرض نفسها على الفرد كمرض بل إن «الطبيعة» و«المزاج» للفرد من هذا القبيل وقد كانت هذه التغييرات موجودة بشكل طبيعي منذ بداية الحياة. لهذه المجموعة من الأفراد «مصائر» مختلفة بناءً على رد فعلهم تجاه تغييرات المزاج الخاصة بهم. مجموعة منهم لديهم حياة غير مستقرة بسبب هذه عدم الاستقرار و«التقلب» و«الهوى»، في حين أن عدم الاستقرار لدى مجموعة أخرى من الأفراد يشكل «فرصة» بحد ذاتها! الأفراد من المجموعة الأولى يُدعون moody، وهم غير قابلين للتنبؤ ولا يصلون إلى أي مقصد، لكن أفراد المجموعة الثانية يتمتعون بخاصية معينة تُدعى Self-directiveness أي أنهم واعون لتغييرات «المناخ» العاطفي الخاص بهم و«يديرونها» كطيار يعدل أنظمة الملاحة الخاصة به بناءً على تغيرات الأحوال الجوية. هذه المجموعة من الأفراد تُدعى Enlighted. لديهم وجهة نظر أوسع تجاه الحياة لأنهم في تقلبات مزاجهم ينظرون إلى الحياة من زوايا مختلفة وحتى متناقضة. أظهرت بحوث بعض الباحثين أن الكثير من الأفراد البارزين والمبدعين في العالم عانوا من عدم استقرار عاطفي بحيث أثبت هؤلاء الباحثون «ارتباطاً» دالاً بين «الإبداع» و«عدم الاستقرار العاطفي». يعتقدون أن هؤلاء الأفراد البارزين في فترات «الانخفاض العاطفي» يطورون رؤية سلبية وانتقادية لأعمالهم السابقة وأسلوب عملهم، وبالتالي في فترات «الانتعاش العاطفي» حين يصبحون منتجين وفعالين، يمنحون أسلوباً وسياقاً جديداً لأنشطتهم بدلاً من تكرار الأعمال السابقة. من بين هؤلاء الأفراد يمكن الإشارة إلى «ليوناردو دافنشي» و«ونستون تشرشل». أجرى اليابانيون مؤخراً بحوثاً واسعة في مجال تقلبات المزاج. توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه تماماً كما أن حالات القمر المختلفة ودوران الأرض حول الشمس وتغير الفصول لها «إيقاع» و«نمط» محدد، فإن تقلبات المزاج لدى كل شخص لها أيضاً «نمط» خاص. إذا أدرك الفرد هذا الإيقاع ونظم برامجه اليومية بناءً على التنبؤ به، يحدث «التناغم الداخلي والخارجي»، لكن إذا كان الفرد غير واعٍ بهذا الإيقاع واصطدم به بشكل غير متوقع تصبح حالة الحياة غير منتظمة وغير متناغمة: فعندما يحتاج إلى التحرك والنشاط يكون كسولاً وفي أوقات أخرى بدون أي ضرورة يكون مثاراً وعاصفاً! يمكن الكشف عن وضعية «الاكتئاب المزاجي» من خلال تسجيل تقلبات المزاج في «جدول تقويمي». يمكن للفرد أن يرسم التاريخ على الحور الأفقي بناءً على أيام الشهر وحالته العاطفية على المحور العمودي بناءً على تدرج «البهجة» أو «الحزن»: J
K
L بهمن84
يُظهر الرسم البياني أعلاه أن هذا الشخص يمر بدورات حزن تستغرق 4-5 أيام، ودورات محايدة تستغرق 1-2 يوم، ودورات بهجة تستغرق 7-3 أيام دون محفز محدد. إذا رسم هذا الشخص هذا الرسم البياني على مدى عدة أشهر متتالية، يستطيع أن يتنبأ بأن الأيام الأولى إلى الرابعة، والثالثة عشرة إلى السادسة عشرة، والثالثة والعشرين إلى السادسة والعشرين من كل شهر تكون فيها البهجة والنشاط في ذروتهما، وبالتالي يمكنه إنجاز أهم وأعقد أنشطته في تلك الأيام. لكن إذا كان الشخص أسيراً لهذه التقلبات العاطفية ولم يتمكن من مواءمة برنامج حياته مع إيقاعه الداخلي، فربما كان من الأفضل ألا يختبر هذه التقلبات. بما أن هذه التقلبات ترتبط بمزاج الشخص (Temperamental)، فإن العلاجات النفسية غير فعالة في السيطرة عليها، وفقط العلاجات الدوائية يمكن أن تؤثر فيها. مثبتات المزاج، ومضادات الاكتئاب الحديثة، وحاصرات الدوبامين-السيروتونين، وحاصرات قنوات الكالسيوم من بين الأدوية التي تم اقتراحها للسيطرة على عدم استقرار العاطفة. النقاش حول كيفية وصف هذه الأدوية خارج نطاق هذا المقال، وتُناقَش بشكل شامل في المناهج الدراسية للطب النفسي. 4- الاكتئاب كمزاج شخصي يشبه هذا النوع من الاكتئاب من جانب واحد «الاكتئاب كمزاج»، وهو النمط «المزمن» له. أي أنه لا يمكن اعتباره، مثل «الاكتئاب كرد فعل» و«الاكتئاب كحداد»، استجابة لـ «حدث» في الحياة، ولا يمكن تحديد «وقت البداية» له. لكن من ناحية أخرى، هذا النوع من الاكتئاب، بخلاف الاكتئاب المزاجي، لا يحتوي على أساس بيولوجي (Biologic) ولا يستجيب بأي حال من الأحوال للعلاج الدوائي! لماذا؟ لأن هذا النوع من الاكتئاب ليس تغيراً في الناقلات العصبية في الدماغ، بل هو «دور مختار»، ولا يمكننا بالدواء أن نغير «اختيارات» الناس. كيف يختار شخص ما الاكتئاب كـ «دور»؟! كل واحد منا، بناءً على «التأييد» الذي نتلقاه من الآخرين، نتعلم تدريجياً ما «التعريف» الذي نقدمه عن «أنفسنا» للآخرين. في بيئة واحدة، يُصادَق على الشخص «الطموح»، «المنافس»، و«الطالب للنجاح» ويُكافَأ، فطبعاً يتعلم عدد كبير من الناس أن يعرّفوا أنفسهم بهذه الخصائص في هذه البيئة. لكن في بيئة أخرى، الأشخاص «الضعفاء» و«العاجزون» يحظون باهتمام وعطف أكثر. في مثل هذه البيئة، ليس من المستبعد أن يُظهِر الأشخاص أنفسهم «بائسين»، «محاصرين»، و«مكتئبين»، ومع مرور الوقت يألفون هذا الدور لدرجة أنهم يعرّفون أنفسهم بهذه الطريقة حتى لأنفسهم! عندئذ يبدآ يصدقان أنهما مكتئبان وحتى في بيئات لا يحصل هذا الدور فيها على تأييد واهتمام، يستمران فيه لأنهما اعتقدا بهذا التعريف عن أنفسهما! «إريك بيرن» يشرح بالتفصيل هذه «الأدوار» في كتابيه «الألعاب» و«بعد السلام، ماذا؟». جزء من النظرية الشاملة «لجيمس ريدفيلد» يصرح أيضاً بالتفصيل نفس هذه القصة. كتبه «السلسلية» التي توضح نظريته الشاملة هي على التوالي: «النبوة السماوية»، و«الكشف العاشر»، و«دليل التجربة لـ النبوة السماوية»، و«الرؤية الباطنة». بغض النظر عن شرح القصة التي تؤدي إلى «اختيار دور الاكتئاب»، ما هو واجب المعالج تجاه مثل هؤلاء المراجعين؟ بعد أن يتأكد المعالج من أنه يتعامل مع مثل هذه الحالة، يكون للعلاج مرحلتان. المرحلة الأولى هي إطلاع المراجع على أنه ليس مريضاً، بل اختار مثل هذا الدور بنفسه ويستمر فيه. هذا العمل ليس سهلاً جداً لأن التعبير عن هذه الفكرة للمراجع لا يُحدث تأثيراً إيجابياً، فيحتاج المعالج إلى مساعدة المراجع كي «يصل» إلى هذه الفكرة. سماع رأي المعالج وحده لا تُحسِم الخلاف، المهم أن يستطيع المراجع أن «يرى» الحياة برؤية المعالج. أحياناً يحتاج المعالج أن يقضي أشهراً بصبر وتأنٍ وبأسئلة موجهة ماهرة – ما يُسمى بالأسئلة السقراطية – ليقود المراجع إلى وجهة نظره، وأحياناً يكون العكس صحيحاً، قد يحتاج المراجع إلى «صدمة» فورية وأحياناً شديدة كي «يستيقظ». فقط «تجربة العلاج» يمكن أن تقود المعالج إلى نقطة يستطيع فيها أن يتشخص أين يجب أن يتقدم بصبر وتسامح وأين يجب أن «يضربها». «هرمان هسه» في قصة «حارس السر» في كتاب «ثلاث قصص» يصفها بجمال هذه الحقيقة القائلة بأن مجموعة من الناس تحتاج إلى «القطع» من أجل التغيير، والبعض الآخر يحتاج إلى «اللطف».المرحلة الثانية من العلاج تحدث عندما يصبح المراجع مدركاً «للسيناريو» الذي كان يلعبه حتى الآن، ويكتشف أنه هو المسؤول عن تغيير هذا العرض؛ وهنا يتغير دور المعالج قليلاً، وبدلاً من الدور الاستكشافي (explorative) الأولي والنهج السقراطي (Socratic approach)، يصبح ضرورياً أن يقف المعالج في موضع المصمم والمخرج للسيناريو الجديد (Designer) وينظم العلاقات الجديدة للمراجع مع العالم المحيط به. أحياناً يكون من الضروري لتعويد المراجع على الدور الجديد أن يتم تمرين هذا الدور في فضاء العلاج، وهي عملية نسميها playing Role. غالباً ما يكون ضرورياً أن نأمر المراجع بمهام يقوم بها في الفترات بين الجلسات العلاجية و«نلح» على تنفيذها ونطلب منه أن يخبرنا عنها، وكلما تهرب المراجع من خلال الاحتماء بـ «حصن العجز» شمرنا عن ساعدنا مجدداً لمساعدته كي «يرى» أن هذا العمل أيضاً شكل من أشكال لعبة «أمي لا تفهمينني» و«لا أستطيع التعامل مع هذه الأشياء، يجب أن نفكر بطريقة جذرية»!
5- الاكتئاب بوصفه مرضاً وأخيراً، الاكتئاب لدى بعض المرضى ليس بانفعال، ولا بحداد، ولا بمزاج، ولا بطبع، بل هو فعلاً مرض حقيقي تماماً كما أن «قصور الغدة الدرقية»، و«الزرق»، و«مرض كرون»، و«الذئبة الحمراء»! الشخص الذي كان «خالياً من أعراض الاكتئاب» في السابق يصاب بأعراض من قبيل الشعور بالكآبة واليأس، والملل، وعدم القدرة على الاستمتاع بالأشياء التي كانت مصدر متعة له فيما سبق، والإرهاق والضعف، واضطرابات في التركيز والذاكرة، واضطرابات في الوظائف الفسيولوجية الأساسية مثل النوم والشهية والرغبة الجنسية والحركة والطاقة، وتراجع الثقة بالنفس، وفقدان الاهتمام بالحياة، والأفكار الانتحارية وحتى الانشغال العقلي بالانتحار. وعلى الرغم من أن عاملاً بيئياً مزعجاً (stressor) قد يلعب دوراً في بداية المرض، فإن هذا العامل يعمل فقط بوصفه محفزاً فحسب؛ بل هو كما لو أن شخصاً كان على حافة البئر تماماً قد دُفع للسقوط. فإذا كان العامل الضاغط يقتصر دوره على التسريع فقط، فما هو العامل الأساسي إذاً؟ يبدو أن الأكثر ارتباطاً هو وجود استعداد وراثي. ولا بد من معرفة أن الاكتئاب بوصفه مرضاً له أنماط مختلفة أيضاً. أكتفي بسردها بصيغة قائمة: قد يكون لهذا الاكتئاب نمط ثنائي القطب (أي أننا نتوقع حدوث «الهوس» Mania الذي له شكل متضاد للاكتئاب عند المريض)، وقد يكون له نمط أحادي القطب. يشمل النمط ثنائي القطب اضطراب المزاج ثنائي القطب من النوع الأول والثاني والثالث، بينما يشمل النمط أحادي القطب اضطراب الاكتئاب الشديد، واضطراب الاكتئاب البسيط، واضطراب الاكتئاب المتكرر العابر، واضطراب الاكتآبة السابقة للحيض، واكتئاب ما بعد الولادة، واضطراب العاطفة الموسمي وأشكال تصنيفية أخرى. وأحياناً يحدث «مرض الاكتئاب» ثانويّاً لأمراض أخرى (مثل فرط نشاط الغدة الدرقية، والشلل الرعاش، والتصلب المتعدد، والأورام الخبيثة وما إلى ذلك)، أو ثانويّاً لاستخدام الأدوية (مثل الكورتيكوستيرويدات والإنترفيرون وغيرها)، أو المواد (مركبات الأفيون والكحول وغيرها). على أي حال، سواء أكان «مرض الاكتئاب» أحادي القطب أم ثنائي القطب، وسواء أكان ابتدائياً أم ثانويّاً لاضطراب طبي أو دواء أو مادة، فإن هذا «المرض» مسألة طبية وتتطلب تدخلات دوائية. وبطبيعة الحال، فإن موضوع العلاج الدوائي لهذا المرض خارج نطاق هذا المقال. والعلاج النفسي في هذا المرض ليس بحال بديلاً عن العلاج الدوائي، بل يجب أن يصرف علم النفس العلاجي المتخصص جهده على تثبيت الرابطة بين الطبيب والمريض (Rapport)، وزيادة تعاون المريض مع العلاج الدوائي (compliance)، وتزويد المريض بتثقيف صحيح وعملي حول مسار مرضه، وطمأنته بواسطة المعالج
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
واقعا ممنونم خیلی آموزنده بود.
بحث در این زمینه بسیار برایم جالب و مفید بود و مطلب وسیعی بزبان ساده و نسبتا جامع که برای افراد غیرمتخصص قابل استفاده باشدارائه گردیده . افسردگی امروزه در ایران هم بسیار شایع است و از اینکه به مسئله ی مهم و مبتلابه اکثریت پرداخته شد تشکر فراوان میکنم. خسته نباشید.