اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يمكن للسياحة، بما تتيحه من تعرّف على الثقافات المختلفة، أن تشكّل حاجزاً معرفياً ونفسياً أمام الحرب. فتقليص الدوغمائيات العقائدية وخلق الروابط العاطفية يمهّدان الطريق لقبول التعددية والسلام.

من تبعات الحداثة في القرون الأخيرة انتشار وسائل الاتصال الجماهيري وسهولة السفر إلى أماكن لم تكن ميسورة في القرون السابقة بسبب انعدام وسائل النقل المناسبة، وغياب الأمن الكافي، والتكاليف الباهظة. لقد أدت سهولة السفر وانتشار وسائل الاتصال الجماهيري إلى تعرف أكبر بين أناس ينتمون إلى أرض/ثقافة/دين معين وأناس ينتمون إلى أراضٍ/ثقافات/أديان أخرى، وكان لذلك بالطبع تأثيرات متبادلة على كلا المجموعتين من الناس. يمكن لهذه التأثيرات المتبادلة أن تؤدي إلى التسامح الديني/الثقافي، والتعددية، وبالتالي إلى السلام.
السلام كلمة مألوفة تُعرّف عادةً في مقابل الحرب. في العلاقات بين الأشخاص أو الجماعات أو الأمم، إذا لم تكن هناك حالة من النزاع والخصومة، تُوصف تلك الحالة بأنها سلام. في حالة السلام، لا تزول الفروقات والاختلافات والتناقضات، بل تُحتمل وتُقبل. وبهذا الاعتبار، يرتبط السلام ارتباطًا وثيقًا بالتسامح والتعددية. يمكن تعداد أسباب كثيرة للحرب، لكن ما أضعه في الاعتبار هنا عاملان: معرفي ونفسي. في البعد المعرفي، يرى الشخص/الجماعة/الأمة المحاربة، أولاً، أنها على حق، أي أنها تعتبر عقيدتها أو ممتلكاتها أو أرضها مطابقة للحق، وثانيًا، ترى عقيدة الآخر أو ممتلكاته أو أرضه مخالفة للحق وباطلة. وفي البعد النفسي، وبسبب غياب الروابط العاطفية، لا يكون إلحاق الأذى والمعاناة بالآخر ذا أهمية كبيرة بالنسبة لها. والسؤال الآن هو: هل يمكن للسياحة أن تشكل عائقًا أمام نشوء الحرب أو انتشارها؟ في رأيي، يمكن للسياحة أن تؤدي دورًا كعائق أمام الحرب في كلا الوجهين المعرفي والنفسي. عادةً ما يؤدي التعرف على معتقدات/آراء الناس الآخرين إلى زعزعة اليقينيات والدوغمائيات الاعتقادية. معظم الناس عندما يواجهون معتقدات الآخرين، يرون عادةً أنهم صادقون في اعتقاداتهم ولديهم من الأسباب لها مثلما لديهم هم؛ بعبارة أخرى، القيمة المعرفية لاعتقادات وآراء كلا المجموعتين متكافئة. يحدث هذا غالبًا في مجال المعتقدات الثقافية والدينية. وفي المجال النفسي، يؤدي تعرف السياح على أناس من أراضٍ أخرى إلى صداقات وعلاقات ومعاشرات يمكنها مع الوقت أن تخلق روابط عاطفية وتجعل إلحاق الأذى وزيادة ألم ومعاناة الآخرين أمرًا ذا أهمية بالنسبة لهم. إن قبول التعددية في مجال الآراء والمعتقدات ونشوء الروابط العاطفية بين الأشخاص/الجماعات/الأمم لا يمكنه بالطبع أن يمنع بشكل كامل وقوع الحروب واستمرارها، لكنه يمكن أن يكون عاملًا مفيدًا في إبطاء مسار الحروب وتوسيع رقعة السلام قدر الإمكان.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.