اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
اللغة الساحرة أداةٌ يربط بها المجتمع، عبر المديح والذم، قيمةَ الإنسان بموافقة الآخرين، فيستعبده بها. وهذا الوهم يحوّل الحياة إلى حربٍ عبثية على القيمة ويسلب الإنسان طمأنينته.

مقتبس من رواية «بندباز، سفری به دنیا» بقلم الكاتب نفسه
قل لتجار عالم الوهم
قللوا رأس المال فالربح والخسارة سيان
التعارف
في معرفة الذات وفق قراءة هذا القلم وتعريفه، إحدى الكلمات المفتاحية هي «اللغة الكاذبة». «اللغة الكاذبة» (التي سنسميها في هذا المقال ''اللغة الساحرة'') لها خاصيتان مهمتان: الأولى أنها لغة، بمعنى أنها أداة لتبادل المفاهيم المختلفة مع بعضها والتفكير بها بين جماعة من الناس. الخاصية الثانية هي أنها كاذبة، أي أن الرسالة التي تُخلق أو تُتبادل أو يُفكر بها عبرها، فارغة وكذب! ومع ذلك، تحكم هذه اللغة تفكيرنا وشعورنا بشكل غامض وصامت، وتُفرض علينا من طبيعتها الخادعة معاناة كثيرة في أذهاننا وحياتنا. اللغة الكاذبة التي هي من صنع العقل البشري، تحكم نفس الإنسان وحياته استبدادًا. في هذه الكتابة، أنوي في حدود مقال، أن أزيح الستار عن الوجه المشؤوم لهذه اللغة الكاذبة. لعلنا ننتزع أذهاننا وأنفسنا من براثن هذا الوهم الشيطاني القاسية.
تمهيد
لماذا نحن حساسون إلى هذا الحد تجاه أحكام الناس؟ لماذا نكرس حياتنا لإرضاء الآخرين؟ لماذا نطير إلى السماء بكلمة من الآخرين ونسحق على الأرض بكلمة أخرى؟ لماذا سرق منا رعب عدم الاستحسان سكينتنا وقرارنا، وكعبيد، صار زمام ثقتنا بأنفسنا وسعادتنا بأيدي هذا وذاك؟ الجواب هو أن ما قيدنا هو "اللغة الساحرة".
قلنا في معرفة الذات إن إحدى الحيل الكبرى للمجتمع في سياق الحرب والمنافسة هي تقييم بعضنا البعض. تبدأ القصة حين يوحي المجتمع للطفل عبر المديح والتوبيخ بأن: «يجب أن تتصرف دائمًا بحيث يستحسنك الآخرون وإلا ستسقط في هاوية الذلة والحقارة!» من الواضح أن هذا الإيحاء ليس سوى كذب، لأنه بتقييم الآخرين، لا يصبح المرء أكثر قيمة ولا أقل قيمة مما هو عليه. ومع ذلك، فإن إيحاءات المجتمع قوية جدًا لدرجة أنها، كساحر ماهر، توقع الفرد في وهم أنه بتجاهل الآخر له يصغر، أو بمديح الناس يكبر. الهدف من هذا هو السيطرة النفسية على الإنسان، وأداته هي اللغة، لغة يجب أن تُسمى «اللغة الساحرة». الناس الذين صدقوا هذا الخداع سرعان ما يقعون في شركه، ويستخدمون هم أنفسهم هذه الحيلة لكسب القيمة أو توجيه ضربة نفسية للآخرين. بهذا الشكل تنشب بين البشر حرب على تقييم بعضهم البعض، حرب يقول فيها الجميع لبعضهم بلغة خادعة: «قيمتك بيدي! أنا من يطير بك إلى السماء بكلمة ويسحقك على الأرض بكلمة!»
بنظرة حولنا نرى كم من الحروب تنشب، وكم من الأحقاد تتأجج، وكم من الحيوات تتبدد، بسبب هذه الحيلة الفارغة. معظم الناس الواقعين في شرك هذه اللغة الساحرة، يتخبطون ليخرجوا أنفسهم قدر الإمكان من بئر انعدام القيمة ويصلوا إلى قمة القيمة والفخر. الثروة والشهرة والسلطة، التي يسحق البشر بعضهم بعضًا بسهولة في سبيل الوصول إليها، هي سلالم للصعود في هذا السباق القيمي. ومع ذلك، كلما تخبطوا أكثر، ازدادوا تورطًا في شبكة العنكبوت المتاهة هذه. هم غافلون عن أنه في حرب تدور على لا شيء، الرابح والخاسر، كلاهما خاسران! في هذه الحرب، يحاول الناس بأشكال مختلفة إما أن يتفاخروا على بعضهم أو يحقروا بعضهم بعضًا. لكن الإنسان الذكي سرعان ما يدرك أن السبيل الوحيد للانتصار في هذه المعركة العقيمة هو الخروج منها. هو بدل أن ينهك نفسه في هذه الحرب الطفولية، يسحب قدمه من هذه اللعبة الفارغة ويعيش سعيدًا هانئًا.
١. صيانة النفس
في القرن التاسع عشر، طرح عالم الأحياء الإنجليزي داروين (1809-1882) مسألة التطور الطبيعي للكائنات الحية، وقانون "تنازع البقاء" ومبدأ "البقاء للأصلح". ومع تقديم هذه النظرية إلى عالم العلم والفكر، حدثت تحولات كبرى في ميدان المعرفة وفي سبيل فهم الإنسان وخصائصه. ومن جملة ما اتضح أن الإنسان أيضاً (على الأقل من البُعد البيولوجي) هو في الحقيقة نوع من أنواع الحيوانات. مع فارق مهم هو أنه بفضل جهازه العصبي الأكثر تقدماً، وخصوصاً دماغه الكبير والمعقد، يتمتع بذكاء أعلى. لذا فإن معظم النشاطات الحيوية للإنسان من حيث المحتوى تشبه سائر الحيوانات، لكنها من حيث الشكل أكثر تعقيداً وتقدماً. فمثلاً، تقوم الحيوانات بحركات خاصة لجذب الجنس الآخر، وتتزاوج، وتنجب الصغار، وتدير حياتها بالصيد أو البحث عن الطعام. وبالشكل نفسه، يتزين الرجل بالعطر والملابس الجميلة ويتقدم لخطبة المرأة. ويتزوج الإنسان أيضاً وينجب الأطفال، ويقوم بأنشطة اقتصادية لتأمين احتياجاته الحيوية، وهي في الواقع الشكل المتقدم من الصيد والبحث عن الطعام.
أنشطة تنازع البقاء أو "الكفاح من أجل الحياة" هي كذلك: فالحيوانات تتقاتل بالمخالب والأنياب، والبشر بالبنادق والقنابل والصواريخ وغيرها. تخيف الحيوانات بعضها البعض لردعها عن الهجوم. الأسد يزأر، والكلب ينبح، والقطة تكشر عن مخالبها. الفأر يلوذ بالجحر، والأفعى تلدغ، والحرباء تغير لونها. كل هذه تكتيكات متنوعة للخداع والفرار والقتال والإخافة، والهدف منها جميعاً إما دفع الخطر أو ضمان حفظ البقاء. والإنسان أيضاً، بذكائه المتقدم، يحارب خصمه بصنع السلاح وإنفاق المال وغير ذلك، ويحاول أن يصرعه.
في البُعد الاجتماعي، أوجد الإنسان، بفضل ذكائه الفياض وقوة فكره، ظاهرة اسمها الحضارة، ونظم نشاطاته الحيوية في إطارها. فمثلاً، يمكن القول إن البيع والإعلانات هما الشكل المتقدم لنصب الحيوان للفخ من أجل الطريدة. تسعى الحيوانات لخداع بعضها البعض وافتراسه، ويسعى البشر أيضاً بأساليب أكثر تقدماً كالإعلانات والتسويق وحتى بصنع الأفلام والعروض وغيرها، لجذب أبناء جنسهم وسوقهم نحو شراء بضائعهم أو خدماتهم (لننتبه إلى أن الحديث هنا ليس عن الساحة المعنوية أو الروحانية للإنسان؛ إنما الكلام عن البُعد البيولوجي والطبيعي للآدمي). كل هذه سلوكيات طبيعية وحيوية لحفظ البقاء والحياة الخاصة. وفي هذا السياق، فإن أول سر للبقاء، والذي يشكل أساس حياة كل كائن حي، هو المبدأ المعروف بـ "صيانة الذات"، والمقصود به ذلك الميل العميق لدى الكائنات الحية لحفظ ذاتها وحياتها. الكائن الحي يحب ذاته وممتلكاته، ويدافع عنها في وجه الخطر، ويسعى للحفاظ عليها. إن مبدأ صيانة الذات هو في الواقع ضامن حياة كل كائن حي، وسر بقاء كل نوع نباتي وحيواني. وبالترتيب نفسه، يدفع الميل إلى استمرار الحياة البشرَ إلى الكفاح للسيطرة على الموارد الحيوية، وتوسيع قوته، وفرض هيمنته وتفوقه على سائر الكائنات، بما في ذلك أبناء جنسه.
٢. اللغة والإنسان، صانعا بعضهما البعض
غير أن إحدى الميزات الكبرى للإنسان هي تزوّده بأداة تُدعى اللغة. فقد اخترع، بفضل دماغه المعقّد وذكائه الرفيع، ظاهرةً تُسمّى اللغة، وهي أهمّ وسيلة للتواصل لديه. وبالطبع، فالقول الأصحّ هو أن اللغة ليست مجرّد نتاجٍ للتطوّر، بل كانت ولا تزال عاملاً مهمّاً في نموّ الإنسان وتطوّره. والحقيقة، خلافاً لما يظنّه الكثيرون، أن اللغة لدى البشر ليست مجرّد وسيلة للتواصل، بل تحتلّ مكانةً بالغة الأهمّية والحساسية. يعتقد اللسانيّون أن دور اللغة في نموّ الإنسان وتطوّره يبلغ حدّاً يمكن معه القول إن البشريّة تدين بكلّ ثقافتها وحضارتها لظاهرة اللغة. وبهذا المعنى، ربّما أمكن القول إن اللغة صنعت الإنسان بقدر ما صنع الإنسان اللغة. وسبب ذلك، أوّلاً، أن التفكير بالصورة المتقدّمة التي نعرفها في أنفسنا غير ممكنٍ أساساً بدون اللغة. وثانياً، أن اللغة هي التي منحت الإنسان القدرة على التفكير والتخيّل، ومن ثمّ الكتابة وحفظ الأفكار والمكتسبات الفكريّة والثقافيّة والأداتيّة. بل ينبغي القول إن تداخل اللغة والفكر يبلغ حدّاً يستحيل معه تقريباً رسم حدودٍ بين اللغة والتفكير. يتبادل البشر بواسطة اللغة شتّى أنواع المفاهيم المادّية والحسّية: يخبر بعضهم بعضاً عن البرد أو الحرّ، ويعبّرون عن محبّتهم أو غضبهم، ويتحدّثون عن جوعهم أو شبعهم، ويحذّرون، ويعلّمون، إلى غير ذلك. ولكن ماذا عن سائر أشكال التواصل؟ أليست الإشارات، كلوحات الشوارع مثلاً، أو استخدام السائقين لإشارات الانعطاف لإعلام السائقين الآخرين بتغيير الاتّجاه، ضرباً من ضروب التخاطب؟ الجواب هو: بلى، هذه أيضاً أشكال مختلفة من الممارسة اللغويّة والتخاطب. ينبغي أن نعلم أن المقصود باللغة ليس الكلمات والمصطلحات فحسب. فاللغة تُطلق عموماً على جميع الأساليب المستخدمة لنقل المقصود وتبادل المفاهيم. وعليه، فإن حركات اليد والوجه (التي يُطلق عليها "لغة الجسد")، وكذلك نبرة الكلام، وشتى أنواع الإيماءات، وكلّ نوع من الإشارات التي تؤدّي معنىً أو تضفي شكلاً خاصّاً على رسالة المتكلّم، تُعدّ جميعها جزءاً من اللغة – تماماً كما أن لغة الإشارة الخاصّة بالصمّ هي، بمعنى الكلمة الكامل، لغة.
٣. اللغة وتنازع البقاء
لكن ثمّة أمر مهمّ، وهو أن الإنسان يستخدم أداة اللغة في الصراع أيضاً. أي أن البشر يستخدمون اللغة كوسيلة للهجوم والتهديد والفرار وإضعاف بعضهم بعضاً. وبخاصّة بسبب قدرة اللغة الخاصّة على التظاهر والخداع، دخلت في العلاقات الإنسانيّة ظاهرة ينبغي تسميتها "اللغة الكاذبة"، أو بعبارة أبلغ، اللغة الساحرة. لقد رأينا أنه وفقاً لمبدأ "تنازع البقاء"، يسعى كلّ كائن حيّ للحصول على حصّة أكبر من الموارد الحيويّة، ليضمن بذلك بقاءه وأمنه على نحو متزايد. ومن الطبيعيّ أن يحدث، في غضون ذلك، تنافس ونزاع بين الكائنات الحيّة. وهذا التنافس والحرب لدى سائر الكائنات الحيّة يظلّ في حدود بدائيّة وغريزيّة، لكنّه امتدّ لدى الإنسان ليشمل ظاهرة خاصّة أخرى، ألا وهي ظاهرة اللغة. ومعنى هذا القول أن البشر، إضافةً إلى الأسلحة المستخدمة في الحرب الفيزيائيّة، يستخدمون أداة اللغة أيضاً (فضلاً عن استخدامها في التعاون والصداقة) في التنافس فيما بينهم. ويمكن القول إن المدافع والقنابل والبنادق هي أدوات الحرب الصلبة، واللغة هي أداتها الناعمة. وبالمثل، يمكن تسمية الحرب بالأدوات الصلبة بالحرب الصلبة، والحرب بأداة اللغة بالحرب الناعمة، أو كما سنبيّن، الحرب النفسيّة.
غير أن اللغة البشرية المعقدة، كما قلنا، لم تمنح الإنسان إمكانية الحديث عن المفاهيم الواقعية فحسب، بل أعطته أيضاً القدرة على التفكير في أمور مجردة وذهنية، أو اختراع ظواهر خيالية، بل وحتى إيحاء تصورات خاوية من الحقيقة إلى أذهان الآخرين. وبفضل هذه القابلية اللغوية ذاتها، نستطيع نحن البشر أن نحكي للأطفال قصصاً خيالية، ونتحدث عن كائنات مثل وحيد القرن أو التنين، ونصنع أعمالاً فنية تجريدية، ونتكلم عن الأخلاقيات، ونمارس الفلسفة. بل إننا قادرون على التحاور عن ماضٍ لم يعد موجوداً، أو مستقبلٍ لم يأتِ بعد. وبالمثل، أتاحت اللغة للإنسان أن يخيف أبناء جنسه حتى من أشياء لا وجود لها، أو يهددهم، أو يتظاهر بالقوة أمام الآخرين، أو ينطق بكلام غير حقيقي فيخدعهم. فأنواع الكذب والاحتيال وخداع الناس، كلها نماذج من إساءة استعمال الخاصية التجريدية للغة. وهكذا، تكون اللغة في استخدامها النضالي سلاحاً، سلاحاً فعالاً ومميتاً للغاية. وكما يقول مولوي:
هذا الكلامُ حجرٌ والفمُ* كالحديدِ وما يثبُ من اللسانِ فمثلُ النارِ
لا تضربِ الحجرَ والحديدَ معاً عبثاً تارةً للنقلِ وتارةً للتباهي
ظالمٌ ذاك القومُ الذين أغمضوا عيونَهم وبكلماتٍ أحرقوا عالَماً
كلمةٌ واحدةٌ قد تدمرُ عالَماً وتجعلُ الثعالبَ الميتةَ أسوداً (* الفم يعني الدهان)
من الواضح أن هذا الشكل من القابلية لا يوجد لدى أي كائن آخر، وهو خاص بالإنسان. وبالطبع، فإن معظم الحيوانات تمتلك نوعاً من اللغة، وقد تستخدم أشكالاً بدائية من الخداع فيما بينها، لكن لا يوجد أي كائن يتمتع بالتفكير واللغة المتقدمة المتاحة للبشر. فالإنسان قادر، بقوة الخيال أو التأويل، على أن ينسب كذباً أنواعاً من القيم الحسنة والسيئة إلى الظواهر، أو أن يصف أشياء مختلفة، عن خطأ أو عن خداع، بقيم كالعظمة والحقارة والنحس واليمن والجمال والقبح. والأمثلة على ذلك كثيرة. فنحن نعلم أن البشر الأوائل كانوا يؤولون قصف الرعد بأنه غضب الإله، ويعتبرون الشمس مقدسة، أو كانوا يصنعون تماثيل من الحجر والخشب لإخافة الخصم، ويوهمون بأن لتلك الأجسام قوة مشؤومة، ويقذفونها باتجاه العدو. لقد قرأنا أو سمعنا جميعاً قصص أناسٍ كانوا يسمون أنفسهم عرّافين أو سحرة، ويهمهمون بعبارات لا معنى لها أو غير مترابطة، ويطلقون عليها اسم تعاويذ شافية. وكان هؤلاء الأشخاص يبتزون الناس بهذه الوسيلة، وكثيراً ما كانوا يصلون إلى النفوذ والمقام في مجتمعهم.
٤. اللغة ونوعان من الخداع
أ. الاستخدام الكاذب للغة
يمكن تقسيم الاستخدام الخادع للغة إلى شكلين عامين، أحدهما أقل شهرة. وهذا النوع الثاني هو موضوع بحث وتحليل هذا المقال. النوع الأول من الخداع الكلامي هو ما يُعرف بالكذب. الكذب، بكل أنواعه وأشكاله، هو صورة من صور الخداع اللغوي المعروفة، بدرجة أو بأخرى، لدى جميع أفراد المجتمع. فمثلاً، إذا قام صائغ محتال بتقديم قطعة من النحاس على أنها ذهب للمشتري، فإن كلامه يُفسر عموماً على أنه كذب. أو حين يقوم شخص ليس موظفاً حكومياً بجمع المال من الآخرين عبر ارتداء زي رسمي، فإن هذا الفعل يُعتبر خداعاً. كذلك، عندما يقول لك شخص ما إنك بقراءة بضعة أبيات من الشعر ستحصل صباح الغد على ثروة طائلة، فعلى الأرجح أنك ستعتبر كلامه كذباً وخداعاً. كل هذه تُعد أشكالاً مختلفة من الكذب والافتراء. لكن ما هي خصائص الكذب بالمعنى الذي نعرفه؟ بشكل عام، في الكذب بالمعنى الذي أوردناه، توجد خاصيتان مهمتان. الأولى هي أن الشخص المخدوع سيتعرض لضرر مالي أو مادي أو، على أية حال، حقيقي، وسيفقد ممتلكات أو ما يملكه مما له قيمة، قلّت أم كثرت. والأخرى هي أنه في هذه الحالات، لا يتردد أحد في أن مثل هذا السلوك والكلام ملوث بالخداع والكذب. أي أن الجميع يدركون أن الألفاظ والعبارات المستخدمة جوفاء وتفتقر إلى المحتوى. بعبارة أخرى، العبارات المستخدمة لا مرجع لها (فكلمة «ذهب» لا تشير في الواقع إلى أي ذهب، والزي الرسمي لا يدل على موظف حقيقي، والأشعار المقروءة لا تحمل أية قوة). بالطبع، قد يقع شخص ما في شرك هذا النوع من الخداع، لكن طبيعة هذا السلوك ليست خافية عليه على أية حال. في جميع هذه الحالات، الشخص المخادع واعٍ بحقيقة فعله، والمجتمع يعرف طبيعة هذا السلوك. في مثل هذه السياقات، يدرك الجميع جيداً معنى الكذب والحيلة وسوء الاستخدام، وبالتالي يكون رد فعلهم واعياً إلى حد ما ومتناسباً مع السلوك الخادع. يمكن تسمية هذا السلوك «الاستخدام الكاذب للغة»، لأن الشخص المخادع في كل هذه الحالات قد استخدم اللغة استخداماً كاذباً، أي أنه استخدم اللغة العادية كوسيلة لنقل رسالة كاذبة.
ب. استخدام «اللغة الكاذبة»
الآن تصوروا أن جميع أفراد المجتمع تقريباً قد اعتادوا نوعاً من الخداع اللغوي، وأنهم يتبادلون يومياً هذا الشكل من الكلام الخالي من المحتوى. في هذه الحالة، يجب القول إن لغة من الكذب والخداع تسود في مثل هذا المجتمع، لغة يخدع بها معظم الناس بعضهم بعضاً ويتبادلون فيها «اللا شيء»! بالطبع، يمكن تصور أنه في هذا الوضع، لن ينتبه أحد تقريباً إلى كون هذا النوع من الكلام أو السلوك كذباً، وسيكون الجميع واقعين في شرك هذا الخداع - وربما سيعيشون في هذا الشرك! هذا شكل آخر من الاستخدام الخادع للغة، وهو غالباً ما يفلت من نطاق وعي البشر. في الواقع، هذا الاستخدام، بسبب شيوعه، قد تحول في المجتمع البشري، بدرجة أو بأخرى، إلى لغة عامة، أي أنه تجاوز مستوى الاستخدام الكاذب للغة بالمعنى الأول، وتحول إلى نوع من التفاهم والتخاطب الاجتماعي، تفاهم على اللا شيء!
خداع النوع الأول هو خداع موضعي وبين الأفراد، أي أنه يخص فردًا أو جماعة محدودة نسبيًا، وحتى لو كان شائعًا جدًا في مجتمع ما، فإنه لا يُصدَّق ويُعرف باسم الخداع والكذب. أما خداع النوع الثاني فهو خداع عام واجتماعي. النوع الثاني هو كذب شامل يصدقه الجميع ويتبادلون عبره رسالة واهية وكاذبة فيما بينهم! أُسمي هذه اللغة «اللغة الكاذبة» (أو «اللغة الساحرة»). بعبارة أخرى، على مستوى المجتمع، نواجه ظاهرتين مختلفتين: «الاستخدام الكاذب للغة» و«استخدام اللغة الكاذبة». كما قلنا، «الاستخدام الكاذب للغة» يعني إساءة الاستخدام الفردي (لا العام) للغة المتعارف عليها في المجتمع لإيحاء مفاهيم كاذبة. هنا توجد لغة مفيدة يستخدمها شخص أو أشخاص استخدامًا ضارًا. أما «استخدام اللغة الكاذبة» فهو استخدام العموم للغة هي بذاتها سيئة وضارة، لأنها توحي برسالة كاذبة بالكامل. بتعبير آخر، في الشكل الأول، الحديث عن لغة حقيقية ومعقولة يستخدمها فرد أو أفراد استخدامًا احتياليًا، وفي الشكل الثاني، النقاش حول لغة غير حقيقية أو «شبه لغة» هي بذاتها احتيالية بالكامل ويستخدمها عامة الناس. التعبير الأكثر إيضاحًا للغة الكاذبة هو «اللغة الساحرة» لأن المرء يُوهم بها كذبًا بأن الآخرين يمتلكون خيط قيمته الثمين، وأنهم متى شاءوا يستطيعون، كساحر ماهر، أن يقذفوه بكلمة من قمة القيمة إلى وادي انعدام القيمة، أو ينتشلوه من قاع انعدام القيمة ويبلغوه ذروة القيمة.
لكن ما هي «اللغة الكاذبة» أو اللغة «الساحرة» بهذه الخصائص تحديدًا؟ وما هو ذلك الشيء الذي تتظاهر كذبًا بسلبه أو الإضرار به؟ الجواب هو أن «اللغة الساحرة» هي لغة قيمية، لغة يُقيّم بها البشر بعضهم بعضًا، وبتعبير أدق، يُثمّنون بعضهم بعضًا، أي ينسبون لبعضهم قيمًا لفظيًا أو يسلبونها منهم. لفهم صحيح وصورة أكمل لظاهرة اللغة الساحرة، يلزم إلقاء نظرة على ظهور الإنسان في المجتمع واستعراض مسار نموه الفكري والعاطفي منذ الطفولة.
٥. الطفل وتقييم المحيط
الطفل، بالتزامن مع قدومه إلى العالم، يصبح عضوًا في مجموعة كبيرة اسمها المجتمع. من الطبيعي أن عليه تعلم قواعد العيش في هذه المجموعة والعمل وفقها. أول ما يتوقعه المجتمع من هذا العضو الجديد هو التكيف والطاعة. يتوقع الوالدان أن يطيع الطفل رغباتهما وأن يكف عن العناد والاستبداد برأيه. لا أب ولا أم يتحمل طفلًا عاصيًا أو كما يُقال «عديم التربية»، وإذا لم يمتثل هذا العضو الجديد، فهناك أدوات متنوعة تُستخدم لإرغامه على الطاعة. عمومًا، هذه الأدوات هي التشجيع على السلوك «الجيد» والعقاب إزاء السلوك «السيئ». وبالطبع، معيار جودة أو سوء أي شيء هو ما يحدده الأب والأم والمجتمع. على هذا المنوال، يتعلم الطفل شيئًا فشيئًا أنه يجب أن يطيع الأب والأم وسائر «السلطات» الاجتماعية وإلا فسيعاقب. إحدى أدوات التشجيع والعقاب المهمة هي أداة الكلام أو اللغة. عادةً ما يُظهر الأب والأم رد فعل لفظيًا إزاء كل حركة «جيدة» أو «سيئة» من الطفل. مثلًا، يصرخ الأب في وجه الطفل الذي كسر كوبًا: «يا لك من طفل عديم الكفاءة!» أو تقول الأم لابنتها بسبب درجاتها المتدنية عابسة: «أنت مدعاة للخجل!» في المقابل، إذا نجح الطفل في مجال ما، يقولون له: «أحسنت! أنت مدعاة للفخر!» هذه النوعية من ردود الفعل، المصحوبة دائمًا بنبرة سلبية أو إيجابية، تُذكّر الطفل بأن أي عمل يصدر عنه، بغض النظر عن صحة أو خطأ ذلك السلوك بذاته، سيترتب عليه أيضًا حكم على «شخصيته». ومعيار هذه الأحكام غالبًا ما يكون «القيم»، قيم مثل «انعدام الكفاءة»، «النباهة»، «العظمة» أو «الحقارة» وأمثالها. من الواضح أن مهمة رعاية الطفل وتغذيته وأمنه تقع على عاتق الكبار. إضافة إلى ذلك، فإن كلام الكبار هو المصدر الرئيسي للوعي والمعرفة للذهن الصافي والمتقبل للطفل، لذا من الطبيعي أن يكون حكمهم مهمًا وحيويًا للغاية بالنسبة له. يعرف الطفل جيدًا أنه إذا أراد أن يعيش في هدوء وأمان، فلا خيار أمامه سوى أن ينال رضا الكبار، وإلا فعليه أن ينتظر جفاءهم أو عقابهم.
يدرك الكبار هذا الأمر جيدًا، ولذلك يستخدمون في كثير من الأحيان التحقير أو التوبيخ – وكلاهما ضرب من إصدار الأحكام القيمية – للتحكم في سلوك الطفل. إنهم يحاولون، باستخدام رافعة التقييم، الحفاظ على هيمنتهم على الطفل وإبقائه ضمن إطار السلوكيات التي يرغبونها. حين يقول الوالدان، وهما مصدر أمان الطفل، له عند مواجهة خطأ: "أيها الجبان!" أو "يا له من طفل عديم الفائدة!"، يشعر الطفل بطبيعة الحال بالخطر إزاء غضبهما واستيائهما، ويحاول ألا يفعل شيئًا من شأنه أن يضر بقيمته لدى والديه أو يجعل الكبار يحملون عنه رأيًا سلبيًا. أو حين يُقال له بابتسامة بسبب علامة جيدة: "أحسنت! أنا فخور بك!"، يشعر الطفل بالرضا والأمان. إنه يتعلم أنه بالحصول على علامات جيدة يمكنه أن يكتسب قيمة وشعبية لدى والديه أو معلمه. وفي الوقت نفسه، يسجل هذا "الضيف" الجديد في وجدانه كل ظاهرة أو سلوك يُظهر "المضيف" تجاهه رد فعل إيجابيًا أو سلبيًا على أنه شيء "جيد" أو "سيئ". ونتيجة لهذه العملية، يدفع عبوس المحيطين وابتساماتهم، أو توبيخهم ومديحهم، الطفلَ إلى تجنب السلوك "غير المرغوب" وتلقي الأحكام السلبية، ويسعى بدلًا من ذلك إلى كسب رضا الكبار وتأييدهم.
وهنا، تكمن نقطة مهمة، وهي أنه في جميع التفاعلات المذكورة، لم يكتفِ الكبار، بصفتهم سلطة أو مرجعًا لإصدار الحكم، بإبداء رأيهم حول سلوك الطفل فحسب، بل ألصقوا أيضًا وصمة بشخصيته وهويته، وصمة ذات طبيعة قيمية. فمثلًا، يمنح الأب ابنه لقب "غبي" عند رؤية سجل درجاته الضعيف، أو تنعت الأم ابنتها بصفة "جبانة" عند مواجهة خوفها من الفأر. في هذه التفاعلات، تُضاف وصمة قيمية إلى شخصية الطفل، تكون مصحوبة بالطبع بشعور جيد أو سيئ ليس تجاه سلوكه فحسب، بل تجاه شخصيته وهويته أيضًا. وبهذه الطريقة، يشهد الطفل كيف تُزين شخصيته بألقاب ووصمات ملونة مع كل سلوك صحيح أو خاطئ، فيكون تارة طفلًا جيدًا، وتارة سيئًا، وتارة جبانًا، وتارة حنونًا، وتارة غبيًا، وتارة ذكيًا. بل يتضح بقليل من التدقيق أن الأهم في معظم هذه التفاعلات هو ما ينتج عن السلوك من قيمة أو عدم قيمة، لا صحة السلوك نفسه أو خطؤه.
ثمة نقطة مهمة ينبغي تذكرها طوال هذا النقاش، وهي أن ما نعنيه في هذا المقال ليس إنكار وجود القيم الأخلاقية أو أهميتها. فالقيم الأخلاقية تشكل أساس الحياة الجمعية للإنسان، وتلعب دورًا حيويًا في نمو وسلامة سلوك الفرد والمجتمع. موضوع نقاشنا هنا هو الاستخدام الأداتي للقيم للتحكم في الفرد – أو بتعبير أدق، استخدام "التقييم" للهيمنة على الفرد. في الحقيقة، في السلوك الذي نناقشه، لا تكون القيم هدفًا، بل وسيلة للتحكم النفسي بالطفل – ولو تأملنا جيدًا، لوجدنا أن هذا الفعل بحد ذاته هو ضرب من الاستهزاء بالقيم.
٦. نتائج التقييم
تترتب على عملية التقييم، إجمالًا، ثلاث نتائج رئيسية بالنسبة للطفل:
أ: التطابق بين القيمة والمحبوبية: من خلال تقييمات المحيط، يستنتج الطفل أن كون المرء ذا قيمة يعني أن يكون محبوبًا لدى الآخرين. أو بعبارة أخرى، يتصور أن القيمة هي ذاتها رأي الآخرين الإيجابي في الشخص. باختصار، يستنتج الطفل أن كون المرء ذا قيمة يعني أن يكون مرضيًا للآخرين، وأن انعدام القيمة يعني عبوس الآخرين أو توبيخهم.
ب: مرجعية المجتمع: توحي التقييمات بهذا المعنى الضمني القائل إن المحيطين هم من يحددون قيمة الإنسان. يستنتج الطفل أن الآخرين هم من ينبغي لهم أن يختبروا صحة عمله أو خطأه، أو قيمة وجوده أو انعدامها، ويصدروا الحكم بشأنها. بعبارة أخرى، عديم القيمة هو من يعتبره الناس عديم القيمة، وذو القيمة هو من يعتبره الآخرون ذا قيمة. يسلب هذا الأمر فرصة التفكير المستقل من الفرد، ويمنعه من التأمل في الماهية الحقيقية للسلوكيات. في هذه العملية، يتحول الفرد، بدلًا من التفكير واكتشاف معنى الخير والشر، إلى تابع لأحكام الآخرين.
ج: قابلية السلب والإعطاء القيمية: يشعر الطفل بتقدير الذات حين يتلقى جملة «أحسنت أيها الولد الذكي!»، ويشعر بالدونية وانعدام القيمة حين يسمع عبارة «يا أخرق!»، وكل هذا يحدث عبر الأحكام اللفظية واللغوية. إن التقييمات القيمية المتنوعة في المحيط توحي للفرد بأن القيمة، إيجابية كانت أم سلبية، هي صفة قابلة للسلب والإعطاء، أي قابلة للمنح والاسترداد، بمعنى أن القيم الوجودية للإنسان، أيًا كانت، يمكن انتزاعها منه أو إضافتها إليه بالحكم والتقييم اللفظي.
وهكذا يدرك الطفل، وهو يكبر، أنه يمكن التأثير على الآخرين من خلال التقييم القيمي. كما يسود هذا السلوك التقييمي في المدرسة بين الأقران بدرجة أو بأخرى. وكثيرًا ما يستخدم المعلمون أسلوب التقييم القيمي بغرض السيطرة على الطفل أو التأثير فيه، أو للتنفيس عن غضبهم أو التعبير عن رضاهم. وهكذا يتعرف الطفل تدريجيًا على التقييم القيمي كأداة في الحرب اللفظية والنفسية، وعندما يخطو إلى مرحلة البلوغ يتعلم استخدامه في الصراعات والمواجهات الاجتماعية. في الحقيقة، يتعلم الطفل تدريجيًا لغة قيمية تمتلك، كأي لغة أخرى، علامات ومفاهيم وأساليب خاصة، ومن المهم أن القدرة على استخدامها هي إحدى الإمكانيات المهمة في الحرب والنضال، فمثلًا، حركات معينة في الوجه تعني التأييد ومنح القيمة للمخاطب، وحركات أخرى تشير إلى الرفض وسلب القيمة منه أو إعطائه قيمة سلبية. والأمر نفسه ينطبق على نبرة الكلام والنظرة والسلوك ونوع التعامل وغير ذلك، فكلها، عدا شكلها الظاهري، تفيد معنى قيميًا.
٧. أشكال التقييم القيمي
يتم التقييم القيمي اللغوي بأشكال وأساليب مختلفة، لكن يمكن تصنيف جميع هذه الأنواع إلى شكلين: إيجابي وسلبي: «التحقير» أو التقييم القيمي السلبي، و«التمجيد» أو التقييم القيمي الإيجابي. وكما نعلم، فإن النية الكامنة في التحقير هي خلق شعور بالصغر وانعدام القيمة لدى المخاطب، والمقصود من التمجيد هو خلق شعور بالتقدير والقيمة. سنقوم أولًا بتحليل ظاهرة التحقير.
أ. التحقير
في الحقيقة، لتحقير الإنسان أشكال مختلفة، بعضها بسيط وظاهر، وبعضها الآخر معقد وخفي. فمثلًا، نعرف جميعًا الاسترقاق كواحد من أبشع أشكال تحقير الإنسان. وكذلك سلب حق الاختيار والتفكير من الناس، أو حقن أفكار معينة في أذهانهم ونفوسهم، كلها أشكال من تحقير الإنسان وامتهانه؛ سواء تم هذا التحقير عبر استغلال الفرد، أم عبر منع نموه وازدهاره. ومع ذلك، وكما قلنا، فإن هدف هذا البحث هو التحقير اللغوي.
علينا أن نرى ما هو التحقير اللغوي؟ بداية، لنقل إننا سنستخدم من الآن فصاعدًا في كل موضع من هذه الكتابة كلمة «التحقير» اختصارًا بدلًا من «التحقير اللغوي»، وهي تشمل جميع مرادفاتها مثل «الامتهان»، و«التصغير»، وما شابه ذلك. بشكل عام، يمكن تعريف التحقير على النحو التالي: «استخدام اللغة بهدف خلق شعور بانعدام القيمة لدى المخاطب». وبما أن أحد الاستخدامات المهمة للغة هو تبادل المفاهيم، يجب القول إن التحقير اللغوي يحدث عندما ننقل مفاهيم إلى ذهن فرد ما بهدف إحداث ألم انعدام القيمة فيه فحسب. وبهذا المعنى، فإن كل كلمة أو عبارة أو إشارة أو إيماءة أو حركة، وحتى أي سلوك يكون الهدف منه إيصال رسالة مفادها «أنت كائن عديم القيمة»، يُعتبر تحقيرًا. وبناءً على هذا التعريف، فإن أنواع الإهانة أو الشتائم، والسخرية، والتجاهل، وحتى سلوكيات مثل الامتناع عن الحوار مع شخص ما أو عدم دعوته إلى حفلة، أو أي سلوك يهدف إلى إيحاء الصغر أو انعدام القيمة للشخص المعني، كلها تُعتبر تحقيرًا. ونقطة أخرى هي أن التحقير قد يتم بشكل مباشر، أي بخطاب الفرد نفسه (: «أنت عديم القيمة»)، أو بشكل غير مباشر، أي «عنه» (: «فلان عديم القيمة»)، وفي حديثنا هذا، كلما أشرنا إلى الحالة المباشرة، فإننا نعني الحالة غير المباشرة أيضًا.
ب. اللغة والتحقير
كما قلنا، فإن الهدف من التحقير، بأي أسلوب كان، هو إيصال هذه الرسالة: «ألف، إنسان قليل القيمة». إذن فالتحقير في الحقيقة هو نوع من الاستخدام القتالي للغة الذي تحدثنا عنه سابقاً، لأن هدف المتكلم فيه هو توجيه ضربة نفسية وعاطفية للفرد. أي أن المُحقِّر يقصد من خلال الإيحاء بالضآلة أو قلة القيمة، إيقاع الشخص المعني في شعور غير مرغوب فيه، ومن خلال ذلك يفرغ غضبه وكراهيته. مثلاً عندما يتشاجر أحمد مع بجمان ويقول له: «أنت أحمق»، فبغض النظر عن الجملة المستخدمة، فإن المعنى المقصود هو «أنت إنسان قليل القيمة»، لكن هدف أحمد في الأصل ليس هذا المعنى بذاته، بل هدفه خلق شعور بالحقارة وقلة القيمة في نفس بجمان، تماماً كما أن الهدف من توجيه الضربة في الحرب ليس الضربة ذاتها، بل الألم أو الأذى الذي ينبغي أن يصيب الضحية. لكن النقطة المهمة هي أن في سلوك أحمد رسالتين ضمنيتين أو افتراضين يتم إيحاؤهما لذهن المخاطب: ۱. أنا من أحدد قيمتك. ۲. قيمتك قابلة للسلب والأخذ بهذا السلوك أو الكلمات. وكما سنناقش، فإن كلا هذين الافتراضين ينطويان على كذب وخداع.
ج. اللغة والتمجيد
ما قلناه عن التحقير ينطبق أيضاً على نقيضه، أي المديح أو التمجيد. التمجيد هو حكم قيمة إيجابي على شخصية الفرد، يتخذ أشكالاً لغوية مختلفة، ورسالتها جميعاً هي: «أنت إنسان قيّم». من الواضح أن في التمجيد والمديح تكمن نفس الافتراضات المتعلقة بالتحقير والتوبيخ؛ وهي أن «قيمتك قابلة للإعطاء والأخذ أو الزيادة والنقصان» وأن «محدد قيمتك هو أنا». وكما يلجأ الوالدان في الطفولة إلى الثناء والمديح لتشجيع الطفل على السلوك المرغوب (مثل جملة: «انظروا كم أحمد ولد نظيف!»)، فإن غرض الناس في كثير من الأحيان من مديح بعضهم البعض هو دفع المخاطب للقيام بالسلوك الذي يرغبون فيه، بغض النظر عما إذا كان هذا السلوك في صالح المخاطب أم لا. كأن يمدحوا شخصاً أو يثنوا على كرمه ونبله بغرض الابتزاز أو الاستغلال. لكن أياً كان الغرض من التمجيد، فإن جُرم التقييم كامن فيه. بالطبع قد يُقال إنه لا توجد نية سيئة أحياناً في تمجيد شخص ومدحه، وقد يعبر المتكلم ببساطة عن شعوره وانطباعه. الجواب هو أنه إذا كان الأمر كذلك، فهذه الحالة تخرج عن نطاق بحثنا، وما يعنينا هو الاستخدام الأداتي للتمجيد والمديح. ومع ذلك، ينبغي أن نتذكر أنه حتى التمجيد والمديح الخاليان من الغرض يحملان في طياتهما إمكانية إفساد الناس، ولا ينبغي الغفلة عن آثارهما الكامنة، كما يقول مولانا:
هر که را مردم ثنایی می کنند زهر اندر جان او می افکنند
النقطة هي أنه إذا اعتاد الشخص على لذة تلقي التمجيد والمديح من هذا وذاك، فقد يصبح كسب رضا المجتمع عنده أهم وأكثر حساسية من الاهتمام بصلاحه ونموه، فيصرف طاقته لإرضاء هذا وذاك. وهذا بالطبع نوع خفي وأقل شهرة من العيش العبودي والمُهان.
۸. خدع «اللغة الساحرة»
لننظر مرة أخرى، لماذا ينبغي تسمية السلوك التقييمي بـ«اللغة الساحرة»؟ سبب التسمية بـ«اللغة الساحرة» أولاً هو أن هذا السلوك يقصد إيصال رسالة ليست سوى كذبة. ثانياً، هذه اللغة تُظهر عبارات خالية من الواقع بطريقة ماكرة وكأنها حقيقية، لكي تُستخدم كسلاح في الحرب النفسية ضد الآخر. وفي هذا، عادة ما تُضفي نبرة وإيماءة خاصة نكهة على العبارة التحقيرية لضمان تأثيرها. وبالطبع، بسبب الإيحاء طويل الأمد، غالباً ما تؤثر «اللغة الساحرة» حقاً على الفرد «المسحور» وتصيبه بالغضب والقلق، لأنه صدّق بسذاجة أن جزءاً من كيانه قد انفصل عنه بمجرد قول الكلمات، وأن ضرراً قد لحق بقيمته! في الواقع، التقييم اللفظي للناس هو نوع من الخداع الشائع الذي يُتصور أنه حقيقي من فرط شيوعه. لكن هذه الماهية الكاذبة ستتضح جيداً بالتدقيق في محتوى «اللغة الساحرة». هناك سببان على الأقل لهذا الادعاء.
النقطة الأولى هي أن قيم الإنسان، أيًا كانت، سواء العلم أو المعرفة أو النقاء أو الموهبة أو المهارة أو القدرة وما إلى ذلك، لا يمكن زيادتها ولا إنقاصها بالألفاظ والكلمات. وكما لا يستطيع أحد أن يحول شخصًا طويل القامة إلى شخص قصير بقوله: «أنت قصير القامة!»، أو أن يحول شابًا إلى شيخ أو عجوز ضعيفة بقوله: «أنت عجوز وبالٍ»، فكذلك لا يمكن بقول: «أنت عديم الأهمية» أو «أنت قليل القيمة» أن يُنقص أو يزيد ذرة من قيم الإنسان الوجودية – أيًا كانت. ومن الواضح أن إيحاء شخص لآخر بأنه سيصبح حقيرًا بكلامي المهين، وعليه أن يقلق من هذه الحقارة، ليس سوى حيلة ماكرة.
أما الرسالة الضمنية الثانية، أي «أنا من يحدد قيمتك»، فتنطوي هي الأخرى على كذبة واضحة. لا أحد في موقع يسمح له بإصدار حكم مطلق على قيمة آخر. فمهما كان مقدار قدرتك وعلمك ونقائك وقوتك وقابلياتك، فأنا لست قادرًا على معرفتها معرفة كاملة، ولا أملك صلاحية تقييمها. أيًا كنت، ومهما تكن قابلياتك وقيمتك ومكانتك، فأنا غير قادر على إصدار حكم في شأنك وقيمك. أقصى ما يستطيع أي شخص فعله هو أن يعبّر عن رأيه فيك، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا، مؤيدًا أم معارضًا. وفي هذه الحال، يكون كلامه مجرد إعلان عن رأيه، لا تغييرًا لماهيتك أو إنقاصًا لقيمك وزيادة فيها. يكمن خداع السلوك المهين في أنه، وكأن الفاعل يقول لمخاطَبه: «أنت قليل القيمة لأني أنا أقول ذلك!».
قد يُثار هنا اعتراض، وهو أنه ربما لا يقصد أحد من سلوك أو كلام مهين تلقين المخاطَب قلة القيمة، بل يطرح وجهة نظره بحياد، ولو بمزيج من الغضب أو حتى الكراهية. أي أنه لا يوجد إهانة في الأصل، بل ما يرمي إليه المتكلم هو فقط التعبير عن شعوره ووجهة نظره. وجواب هذا السؤال هو أنه مع تلك النبرة والنية والقصد الذي نعنيه، فإن هذا الأمر بعيد جدًا، أي أنه من الصعب تصور أن يقول أحدهم جملة بغضب وكراهية وغرض، ويكون قصده فقط وفقط التعبير عن وجهة نظره، وهذا يتعارض أساسًا مع تعريفنا للإهانة.
قلنا في بداية النقاش إن أحد الفروق بين «الاستخدام الكاذب للغة» و«استخدام اللغة الكاذبة» هو أنه في الأول تُسلَب من الشخص المخدوع قيمة يمتلكها أو تتضرر، بينما في الثاني لا يوجد أي ضرر. والآن صار هذا المعنى أسهل فهمًا. في استخدام «اللغة الساحرة»، ما يُتظاهر بتضرره أو سلبه هو قيمة الشخص، في حين أن قيمة الإنسان لا يمكن أخذها ولا إنقاصها ولا زيادتها بأداء بضع كلمات أو سلوك معين. ومن البديهي أن المقصود ليس أن قيم الإنسان ثابتة مطلقًا ولا تقبل التغيير بأي شكل، بل المراد أن اللفظ والإيماءة ومختلف الأساليب اللغوية غير قادرة على تغيير قيم الإنسان أو إنقاصها أو زيادتها.
نقطة أخرى هي تأثير التلقين والتكرار على نفسية الشخص وتفكيره. قد يُسأل: ما دور الإيحاء والتلقين في هذا السياق؟ فكثيرًا ما يوحي شخص لمخاطَبه، بتكرار الجمل المهينة، بالشعور بالدونية وقلة القيمة تدريجيًا. فماذا حينها؟ نعلم أنه إذا حدث هذا السلوك في سن الطفولة خاصة، كان تأثيره أشد قوة وأكثر رسوخًا. والجواب هو أننا جميعًا نعلم جيدًا أن مثل هذا السلوك، بحكم التعريف، هو «إيحاء» بالدونية أو الضعف للشخص، لا «تغيير لماهيته» أو سلب لقيمه. إن إيقاع شخص في وهم أنه صغير بالخداع والتلقين يختلف عن إخراج قدراته وقيمه من وجوده حقيقةً، وتسمية هذا السلوك أساسًا بـ«اللغة الكاذبة» إنما تشير إلى هذا المفهوم بالذات.
٩. وباء «اللغة الساحرة»
وهنا يبرز سؤالان آخران: الأول، إذا كانت "اللغة الساحرة" لا تحوي أكثر من كذب، فلماذا لا يدرك البشر زيف رسالتها إلا نادرًا؟ ينبغي القول إن السبب الرئيسي لهذا الجهل أمران، أحدهما شيوع هذه اللغة وانتشارها، والآخر شدة تغلغلها في تفكير الناس ومشاعرهم. وكما قلنا، فإن لغة القيمة تنتقل إلى فكر الإنسان ونفسه منذ الطفولة المبكرة، حين يكون الذهن البشري نقيًا ومتقبلًا بعمق. إن التلقينات القيمية تقصف تفكيره منذ أن كان الشخص غير قادر بعد على نقد وإدراك تعاليم المحيط. والنتيجة هي أن الفرد نادرًا ما يجد فرصة لمراجعة ونقد هذا النوع من التعامل. علاوة على ذلك، فمن حيث إن الإنسان كائن محب للمحبة واجتماعي بطبعه، والمحبوبية والقيمة أمران مهمان وذوا شأن بالنسبة له، فإن هذا الشكل من اللغة قد تغلغل في نفوس البشر وشكّل تفكيرهم، بحيث إن الشك في واقعها قلما يخطر ببال أفراد المجتمع. وينبغي أن نعلم أن اللغة، بحكم التعريف، هي وعاء لتبادل المعاني والمفاهيم من قبل مجموعة من الناس. فالمفردات والمصطلحات والعبارات في كل لغة مرتبطة بعواطف وذكريات وحالات وجدانية لدى الناطقين بها. ومن المفهوم أن لغة تكون أداة لتبادل الإحساس بالقيمة والمحبوبية لدى الإنسان تكتسب أهمية وحساسية خاصتين، وحتى تصور خلو علاماتها وإشاراتها من المحتوى يقلما يخطر ببال البشر، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن التقييمات المتواصلة للمحيط تدفع الإنسان مسرعًا إلى نيل الاستحسان والفرار من الرفض والتأنيب، وبالتالي تسلب منه المجال للتفكير في المفهوم الصحيح والعميق لهذه الظاهرة.
١٠. عواقب اللغة الساحرة
السؤال الآخر هو: ما العواقب التي يجرها الوقوع في شرك خداع هكذا لغة على البشر؟ الجواب واضح: تصديق كذبة يعني العيش بالوهم والخداع. ومن البديهي أن تسلل مثل هذا الخداع إلى ذهن الإنسان وشعوره سيلوث حياته كلها بالظن والوهم، وسيضيع جهوده سدى في سبيل نيل القيمة من هذا وذاك. لننظر حولنا لنرى في كل مكان آثار العيش مع هذا الوهم الموجع. الإنسان المخدوع يسرح في هذا الخيال بأنه بامتلاك الثروة والمنصب وغيرهما، سيستطيع أن ينال الاستحسان من أرباب القيمة لديه، ويبلغ في النهاية الإحساس بالقيمة والطمأنينة. وهو غافل عن أن الآخرين، خلافًا لما أوحته إليه اللغة الساحرة، عاجزون عن أخذ القيمة منه أو منحه إياها. فالقيمة حقيقة باطنية، والإنسان وحده هو القادر على تنمية القيم الحقيقية في وجوده. وبالطبع، فالإنسان العاقل يهتم دائمًا بالنقد ووجهات النظر المختلفة ويستفيد منها لنموه وارتقائه الأخلاقي والقيمي، لكن في التحليل الأخير، فإن ضمير الفرد وتشخيصه هما ما ينبغي أن يكونا سندًا لإحساسه بالقيمة واعتزازه بنفسه. والغفلة عن هذا المبدأ ستكون مدعاة لكفاح عقيم في نيل القيمة من أناس هم أنفسهم عرضة للخطأ والزلل في كل لحظة، وهم في أفضل الأحوال يبحثون هم أيضًا عن الكمال ونيل القيمة. وكون الإنسان لا يعلم ما هو معيار القيم الحقيقية وأين ينبغي البحث عنها، فنتيجته الضياع والتآكل غير المثمر والإحباط. علاوة على ما سبق، وكما قلنا، فمن حيث إن البشر كثيرًا ما يستخدمون لغة القيمة كسلاح لإيذاء بعضهم البعض واستغلاله، فإن الحساسية تجاه تقييمات الآخرين ستكون مدعاة لعذاب البشر وعداوتهم، وستشعل بينهم حربًا عبثية على نيل القيم اللغوية أو سلبها؛ كما نراها مشتعلة. ومن هذا البصر ينشد مولانا:
حرب الخلق مثل حرب الأطفال... كلها بلا معنى وبلا لب ولا عظمة...
وإذا نظرنا نحن أيضًا بعين البصيرة، فسنرى أن البشر يعانون آلامًا جسيمة كثيرة من وهم التقييمات الفارغة، كفاحًا أعمى وألمًا غير مثمر، حوّل فرصة حضور الإنسان القصيرة في هذا العالم إلى سيل من العجلة والقلق. وشرح هذا الفراغ وآلامه أوسع من أن يُحتوى في مئة مقال. ومع ذلك، سنلقي نظرة عابرة على بعض من أعظم الآلام والمآزق الناشئة عن "اللغة الساحرة".
أ. الحاجة الزائفة
يأتي الإنسان إلى الدنيا ومعه مجموعة من الاحتياجات الغريزية والطبيعية، ويسعى بطبيعة الحال إلى تلبيتها عبر الجهد الفردي والاجتماعي. هذه الاحتياجات، من الأكل واللباس وحفظ الأمن إلى العلاقات الاجتماعية والأنشطة الفنية واكتساب العلم وتنمية قابلياته، لكل منها نصيب في مسيرة نمو الإنسان وتكامله. الاحتياجات الأصيلة للإنسان هي التي تُضيف، بتلبيتها، قطعةً إلى أحجية حياته ونموه. وفي هذا السياق، تفرض التقييمات اللغوية حاجةً كاذبة على هذه المجموعة، ليست ضرورية ولا مفيدة، وتصبح هذه الحاجة الكاذبة ذاتها منبعاً لمعاناة الإنسان وانحطاطه. هذه الحاجة هي الاحتياج المفرط إلى التقييم الإيجابي من المجتمع، أي الاحتياج إلى التمجيد والثناء. بالطبع، الحاجة إلى القيمة في الإنسان حاجة أصيلة ومباركة. الإنسان بطبيعته توّاق إلى الكمال والقيمة والجمال، وهذا دافع كبير لنموه وازدهاره. كما أن غريزة أن يكون المرء محبوباً ومقبولاً هي من الحالات الطبيعية للإنسان، ولها دور مفيد في حياته الاجتماعية. ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن كون المرء ذا قيمة يختلف عن كونه محبوباً، وقد يتعارض هذان الأمران ويتقابلان أحياناً. فكثيراً ما يضطر الإنسان الحر في مجتمع منحط إلى الاختيار بين المحبوبية والقبول العام، وبين الحفاظ على قيمه الإنسانية الحقة.
ولكن حتى فيما يتعلق بأصل المحبوبية، هناك في "اللغة الساحرة" عاملان على الأقل يجعلان هذا البُعد من حاجة الإنسان ينحرف من حيث الشكل والشدة، ويحطّان منه بالتالي إلى احتياج سطحي ومؤلم. المعضلة الأولى هي أن التقييمات اللغوية، كما قلنا، تحوّل غريزة المحبوبية منذ الطفولة إلى رافعة لكبح جماح الإنسان. فالمحيط، لهذا الغرض، يأخذ حس المحبوبية لدى الفرد رهينةً لديه، حتى يصبح ذهنه ونفسه أسيرين لانشغال دائم بجلب استحسان الآخرين. والنتيجة هي أن الفرد يظل غارقاً في دوامة القلق من النبذ، ويُضطر، لضمان تلبية حاجته، إلى السعي لإرضاء هذا وذاك. وبهذه الطريقة، يتحول طلب المحبوبية لدى الإنسان من حاجة طبيعية إلى عطش لا يُروى، يطغى على سائر احتياجاته وأنشطته بل ويعطلها.
العامل الثاني هو الاختلال في النمو والتحول الطبيعي لهذه الحاجة. المحبوبية، شأنها شأن سائر الاحتياجات الغريزية للإنسان، تكون في طور الطفولة المبكرة بدائية وخامة، ولكنها مع النمو العاطفي والفكري للإنسان، تصبح تدريجياً أكثر تكاملاً وتقدماً من حيث الشكل والمحتوى. الطفل الصغير، بسبب اعتماده الكلي، يعتمد على اهتمام الأب والأم ويتعلق بنظرتهما الحنونة وابتسامتهما. إن قول العبارات المليئة بالحب للطفل، ومعانقته وتقبيله، هو جزء من تلبية احتياجاته الطبيعية الروحية والعاطفية. كل هذا يؤمن للطفل الشعور بالأمن والطمأنينة ويريه أنه موضع قبول واهتمام. ولكن عندما يخطو الفرد إلى مرحلة القدرة والبلوغ، فمن الطبيعي ألا تكون حاجته إلى الآخرين بذات شدة وإلحاح مرحلة الطفولة. فالشخص البالغ ليس قادراً على تلبية احتياجاته الأولية وحفظ أمنه فحسب، بل إنه في الظروف السليمة والطبيعية قادر أيضاً على مساعدة المجتمع في تلبية احتياجاته، وهذا هو ما يتحقق في إطار أداء الأدوار الاجتماعية المختلفة. ما يوجد في الطفولة هو الاتكال والاحتياج الأحادي الجانب إلى الكبار، وما يظهر في البلوغ هو التفاعل والتعاون الثنائي الجانب مع الآخرين. لهذا السبب، فرغم أن المحبوبية حالة مستحبة للإنسان دائماً، إلا أن التعلق بثناء المحيطين والاتكال على استحسانهم لا يتناسب مع القدرات الذهنية والجسمانية للفرد البالغ. يمكن القول إن الحاجة الغريزية في البلوغ إلى الاهتمام البصري أو اللفظي من قِبل "الكبار" ينبغي أن تفسح المجال للاحتياج إلى التفاعل الاجتماعي وأداء دور مفيد وفاعل في المجتمع. فرغم أن الحاجة إلى المحبوبية قد ترافق الإنسان دوماً، إلا أن الاعتماد الإدماني على استحسان الآخرين وثنائهم، والإصابة باضطراب نفسي وسلوكي في غيابه، ليس أمراً طبيعياً. باختصار، الاغتباط بالاهتمام والثناء شيء، والاتكال والإدمان عليهما شيء آخر. وهذه الاحتياجية المفرطة هي المعضلة التي تجعل التقييمات الاجتماعية الإنسان يصارعها.
ب. التبعية
ينبغي الانتباه إلى أن قيمة الإنسان ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشعوره بالكرامة وعزة النفس. ومن الطبيعي أنه عندما يُترك تقدير قدر الإنسان وقيمته لهذا وذاك، فإنه يصبح معتمدًا على استحسانهم ورضاهم. إن أول نتيجة تترتب على الحاجة إلى أحكام القيمة الصادرة عن هذا وذاك هي التبعية الذهنية والعاطفية. وبشكل عام، للحاجات الإنسانية الأصيلة سمتان مهمتان. الأولى هي أن الإنسان السليم، في الحالة الطبيعية، يعتمد في تأمين رغباته الطبيعية على سعيه وهمته هو، ولا يكون معتمدًا على هذا وذاك. والثانية هي أن إشباع كل واحدة من هذه الاحتياجات يكون سببًا في إخصاب بُعدٍ من أبعاد وجوده الفكري والعملي. أما التقييم البيئي فليس كذلك. أولاً، التقييم مقامٌ ومنصبٌ يخص الآخر، والحصول على استحسان الآخر يتطلب تأمين رضاه. إذن فالفرد الساعي إلى الاستحسان يصبح، على نحو حتمي، معتمدًا على عامل خارج عن إرادته، وهذا يجعله كالعبد، محتاجًا إلى تصويب سيده، ويبقي فكره قلقًا ومضطربًا على الدوام. وأمر آخر، هو أنه على عكس الحاجات الأصيلة، فإن السعي لاكتساب القيم اللفظية لا يفيد في نمو الإنسان وازدهاره، بل يضره. فالإنسان، كلما انشغل بكسب استحسان هذا وذاك، تقاعس عن الاهتمام بنمائه الفكري والأخلاقي والروحي، وكلما تقدم في هذا الطريق، صارت حياته الخارجية أكثر تبرجًا وزخرفة، وداخليتها أكثر فراغًا وجوفًا. إن السعي القلق لاكتساب القيم اللفظية يمكن أن يحط بالإنسان إلى ألعوبة فارغة وواهية في أيدي أحكام البيئة القيمية. والتبعية القيمية تنطوي بالطبع في داخلها على التبعية الفكرية والعقلية أيضًا. فالإنسان «المسحور» يضطر، بدلًا من التأمل في الخير والشر والحكم عليهما باستقلال، إلى الإذعان لاستحسان هذا وذاك، وإلقاء نفسه في أحضان ما يستحسنه الناس وما يستقبحونه. وهذا الأمر يسلب منه مجال التفكير في معنى الحياة والصواب والخطأ، ويقذف به في هوة التبعية لفكر البيئة وتشخيصها. ومثل هذا الإنسان لا يملك معيارًا واضحًا لسلوكه سوى تصويب الآخرين وتكذيبهم. فمن وجهة نظره، «الخير» هو ما يستحسنه الآخرون، و«الشر» هو ما يستقبحونه. والنتيجة الخطيرة والمؤلمة لمثل هذه العملية هي الاقتلاع الفكري والأخلاقي والعاطفي، والنتيجة الحتمية للاقتلاع هي التعليق والقلق.
ج. القلق
إن التبعية القيمية للعوامل الخارجية تجعل نظر الفرد متجهًا على الدوام من داخله إلى خارجه، أي إلى حيث يفترض أن تأتي القيمة والأمان المصاحب لها من هناك. والنتيجة الطبيعية لمثل هذه الذهنية هي القلق. فالقلق هو نتيجة الإحساس بالخطر من ضرر ليس علته أو ماهيته واضحة على وجه الدقة، وهذا هو عين المعاناة التي تستولي على وجود الإنسان نتيجة «السحر». إن الخوف من أن يُكذَّب المرء ويسقط في بئر المهانة وانعدام القيمة هو من العواقب المفهومة للتبعية لأحكام القيمة البيئية. ونحن نرى بوضوح ما هي الأنشطة والعلاقات المسمومة والمخدرة التي يتشبث بها الناس للتخلص من معاناة هذا القلق، ومن جملتها المنافسة المنهكة لنيل استحسان البيئة، والعداوة والحقد تجاه أولئك الذين سبقوا الشخص في تحصيل القيم، وإنفاق رؤوس أموال وجودهم في سبيل كسب الإطراء والفرار من التكذيب. هذه وألوف الأساليب التعويضية الأخرى، لا تعالج القلق الناشئ عن التبعية فحسب، بل إنها تزيد من أوار هذا القلق، وهكذا تغرق الإنسان يومًا بعد يوم أكثر في دوامة الخوف والإحساس بالضياع. وبشكل عام، وبنظرة أعمق، نرى أن كثيرًا من المعاناة العاطفية والاضطرابات الروحية ناتجة عن الإخفاق في اكتساب القيم التي كان ينبغي أن يمنحها الآخرون للشخص، وقد بخلوا بها لأي سبب كان.
هـ. الحياة السطحية
إن الحاجة المفرطة لاكتساب القيم اللفظية، تجعل الإنسان بدلاً من الالتفات إلى واقع الظواهر، يلتفت إلى قيمتها اللغوية و"العلاماتية". وهذا التيار يحوّل "الإنسان الماهوي" إلى "إنسان قيمي". فالإنسان الذي صار تقييم هذا وذاك أولوية عنده، يبحث في كل شيء عن قيمة عارية يُفترض أن تُمنح له. وهذا يعني بدلاً من رؤية واقع الظواهر، رؤية شبه قيمة فيها والعيش بتصور ذلك الشبه. لكن بما أن مانح القيمة، خلافاً لما يُظهره، غير قادر على منحها، فإن البحث عن القيمة منه، أشبه تماماً بشراء عملة مزيفة من صائغ جواهر مزيف والرضا عن هذه الصفقة! في هكذا مسار، يختل اتصال الإنسان بعالم الواقع، ويسبح أكثر أو أقل في عالم من تصوراته الذهنية. وكلما أقبل الإنسان على التظاهر ولفت الانتباه، ازداد وجوده فقراً من الداخل، وصارت حياته أقل عمقاً وأكثر استعراضاً. الإنسان "المسحور" يعاني من حياة متسرعة وسطحية، يسعى فيها في كل شيء إلى اكتساب تقييمات المحيط. فكم من إنسان يكتفي، بدلاً من حياة ذات معنى ومثمرة، بحياة متظاهرة ومزيفة، ليتمكن من خلالها من تغطية ألم حقارته وإخماد عطشه المفرط للتأييد والتمجيد.
و. الحرب النفسية
لقد تحولت حيل "اللغة الساحرة" إلى أداة لحرب لفظية وعلاماتية بين البشر. والمقصود بالحرب العلاماتية، حرب يهاجم فيها الناس بعضهم بعضاً بعلامات وإشارات خاصة، حرب سلاحها الألفاظ والعلامات. وهذه الحرب، ليست حرباً حقيقية ذات آثار واقعية، بل هي نزاع ذهني بآثار افتراضية. وبالطبع، يعاني الناس ويتأذون من هذه الحرب، لكن معاناتهم ليست ناجمة عن ضربة حقيقية، بل عن ضرر خيالي وافتراضي. إنها حرب نفسية يحاول فيها الناس ضرب بعضهم بأدوات الإهانة والتحقير والتقريع. في هذه المواجهات، يحاول الناس الذين تعلموا "اللغة الساحرة" جيداً وعرفوا آلياتها وأسرارها، أن يلحقوا الأذى العاطفي والنفسي بالطرف الآخر عبر تقييم سلبي له. في هذا النوع من النزاع، يتفق كل من المهاجم والضحية، رغم اقتتالهما، على أمر واحد: وهو أن اللغة القيمية تمتلك فعلاً قوة سلب القيمة ومنحها. في كلا طرفي هذا السلوك يوجد خطأ ذهني فادح: وهو أن "قيمتي هي ما يقوله الآخر" أو "إهانة الآخر واحتقاره له القابلية على أن يصغّر الفرد". في سياق التقييم اللغوي، يتصور المتكلم أنه استطاع إلحاق الضرر بقدرات المخاطب الوجودية. وهذا هو سبب هجومه اللفظي. أما المخاطب فقد اعتقد بدوره أن شيئاً من قيمه قد تضرر بفعل كلام المتكلم أو حركته الخاصة، ولذا يصاب بالغضب والقلق، وربما يفكر في التعويض أو الرد بالمثل. في حين أنه بنظرة دقيقة ومتحررة من العادة، سيتضح أن هجوم المهاجم ومعاناة المخاطب كلاهما على لا شيء! أعتقد أن حافظاً كان يضع المعنى نفسه في اعتباره حين أنشد:
سوداگران عالم پندار را بگو سرمایه کم کنید که سود و زیان یکی است
كل المعاناة الناجمة عن الشعور بالدونية وانعدام القيمة، وكل أنواع الغضب والعصبية والاكتئاب المنبثقة عنه، هي بسبب إيحاءات هذه اللغة وخدعها. ومن الواضح أنه لو وعى الناس الطبيعة الكاذبة لهذه اللغة، لتخلصوا من معاناة تصديق هذا الخداع العام، ولانزاح عن كاهل أذهانهم ونفوسهم عبء ثقيل.
با خیالی فخرشان و ننگشان وز خیالی صلح شان و جنگ شان
نیست وش باشد خیال اندر جهان تو جهانی بر خیالی بین روان (مولانا)
١١. "اللغة الساحرة" والمعاناة الحقيقية
إذا تأملنا ماهية «اللغة الساحرة» فسندرك أن الحساسية تجاهها لا مبرر لها ولا أساس، لأن هذه اللغة ليست سوى حفنة من الخداع اللفظي. لكن هل يعني ما قيل أن سلوكيات مثل الإهانة والتحقير والتوبيخ تخلو من الإشكال؟ لا شك أن جواب هذا السؤال سلبي، وهذا الأمر يتضح في المقام الأول بالرجوع إلى مقدمات البحث. لقد قلنا إن «اللغة الساحرة» وسيلة للخداع والأذى والاستغلال، ومن البديهي أن كل هذه سلوكيات غير عقلانية وغير إنسانية. ليس المقصود من فراغ «اللغة الساحرة» أن سلوكيات من قبيل الإهانة والتحقير تخلو من الإشكال، بل المقصود هو إظهار الطبيعة العبثية لهذه اللغة. أولاً، لا شك أن التحقير والشتائم ناتجان عن العجز في الفكر والضعف في التعبير، ووهن منطق المتكلم. فمن تعلم فن الحوار وكان المنطق والعقل سنداً لكلامه، لا يرى حاجة إلى التحقير والإهانة. علاوة على ذلك، حين يرى الإنسان آخراً مصاباً بحساسية ما، ولو بالخطأ والخداع، فإن إلحاق الألم والأذى به من ذلك المنحى سلوك خاطئ وغير إنساني. بعبارة أخرى، رغم أن اللغة الكاذبة لا تقدر على منح أو أخذ أي شيء، لكن بما أنها لدى الكثيرين ذات حساسية وأهمية، فإن إساءة استخدام هكذا حيلة ليس عقلانياً ولا إنسانياً. زيادة على ذلك، في سياق التحقير والتقييم، ليس المستمع أو المتلقي وحده من يعاني من هذا الاعتقاد المدمر، بل إن المتكلم أو الفاعل نفسه واقع أيضاً في شرك قيم «اللغة الساحرة»، وهو أيضاً ضحية لهذه الشبكة الوهمية المدمرة. الواقع أن من أدرك عبثية هكذا أسلوب، لا يأخذه على محمل الجد ولا يعتقد به أساساً حتى يطرح موضوع استخدامه. مثل هذا الإنسان قد وعى عبثية وغموض لغة الكذب والخداع هذه، وسحب قدمه من حرب البشر العقيمة والخاوية من المحتوى.
١٢. جغرافية «اللغة الساحرة»
هل شيوع «اللغة الساحرة» وهيمنتها على فكر ونفس البشر متساوٍ في جميع المجتمعات والثقافات؟ ينبغي أن نعلم أن «اللغة الساحرة» ليست محصورة في بلد أو قوم معينين، بل هي موجودة وشائعة في كل مكان في العالم بدرجة أو بأخرى. وكما قلنا، «اللغة الساحرة» هي لغة الحكم والتقييم على بعضنا البعض. وبهذا المعنى، فإن شدة شيوع هذه اللغة وفرضها تعتمد على كيفية علاقة المجتمع بالفرد وعلاقات الأفراد ببعضهم البعض. فكلما كان السعي للسيطرة على الفرد وكبحه واستغلاله أكبر في ثقافة ما، أصبح استخدام روافع التقييم أكثر ضرورة. وفي المقابل، كلما تم الاعتراف بحقوق الفرد وحرياته، كان الميل للهيمنة أخف، وبطبيعة الحال تقل الأدوات النفسية للهيمنة والاستغلال. وبشكل عام وبناء على ما نراه، فإن الحرب النفسية والقيمية في المجتمعات والثقافات المغلقة تتخذ شكلاً أوسع وأشد وأكثر عنفاً، وفي الثقافات الأكثر انفتاحاً تكون أخف وأكثر محدودية. في الحقيقة، كلما بلغت ثقافة ما قدراً كافياً من الرؤية والبصيرة، فستدرك أن السلوك الهيمني مع الفرد، بنظرة بعيدة المدى، هو لضرر المجتمع نفسه. فالمجتمع مكون من أفراده كل على حدة، وصفاء فكر الأفراد وعقولهم يعني قوة المجتمع كله وديناميته وازدهاره، وهذا أمر أدركته المجتمعات الأكثر وعياً بدرجة أو بأخرى. ومع ذلك، فإن الثقافات غير الناضجة والمنغلقة، بسبب شيوع التقليد والتقوقع الجمعي وقصر أفق الرؤية، تفضل المنافع الزائلة – التي يندرج الحفاظ على الوضع الراهن ضمنها – على نمو مجموعها وازدهاره. وبالطبع، كما نرى، على النطاق الكبير، يعاني مجموع هكذا مجتمع قصير النظر من الألم والتوتر والعصابية الفردية والضعف والركود والفساد الاجتماعي.
١٣. خاتمة
وكما قلنا، فإن "اللغة الساحرة" ليست لغة ذات مصطلحات خاصة أو قواعد نحوية منفصلة. فاللغة الكاذبة هي جزء من هذه اللغة نفسها التي نتحدث بها من الصباح حتى المساء. وكذب هذه اللغة يكمن في كذب رسالتها. هذه اللغة هي لغة لحمل القيم التي لا أساس لها، لغة للتفاخر والتحقير والتظاهر وسائر العروض التي يكمن في جميعها الخداع والهيمنة والخوف. وبما أن مثل هذه العروض شائعة بين جميع الناس إلى حد ما، فإن هذه اللغة أيضاً تنتشر قليلاً أو كثيراً في كل أنحاء العالم. "اللغة الساحرة" هي لغة تدخل بواسطتها مفاهيم مزيفة وخيالية إلى فكر الناس ومشاعرهم وعلاقاتهم، وتلقي بستار على حقيقة الأشياء، وتُعجز الإنسان عن معرفة الحقائق. في اللغة الأصيلة، الشيء الذي نُسمّيه، سواء أشرنا إليه أم لم نُشر، موجود، أما في اللغة الساحرة، فيُشار إلى أشياء ليست سوى حفنة من الكلمات، بلا أي مضمون. هذه اللغة، بسبب كذبها، تخلق مشاكل كبيرة للإنسان وتجر وراءها كوارث واسعة في المجتمع.* التقييم اللفظي ليس في الحقيقة سوى شبكة من الخداع والاحتيال ابتدعها البشر للحرب النفسية، ورغم انتشارها الواسع والحساسيات الكثيرة التي ترافقها، فهي ظاهرة خاوية من المعنى. بهذا المعنى، إذا نظرنا بدقة إلى كثير من حوارات الناس وعلاقاتهم، نرى بمنتهى الدهشة أن البشر، في أحيان كثيرة، يتبادلون "لا شيء" حقاً، ويتشاجرون على "لا شيء" ويعادون بعضهم بعضاً، ويعطون "لا شيء" ويستردونه، وفي خضم هذا الأخذ والعطاء الذي هو محض لا شيء، كم من طاقة هائلة يحرقون، وكم من معاناة عقيمة يكابدون. ومن هنا يحذر مولانا (جلال الدين الرومي) قائلاً:
اختلاف الخلق من نام اوفتاد چون به معنا رفت آرام اوفتاد
ما دمنا نحدق في ألفاظ اللغة وكلماتها، فسنتألم ونضطرب من تصور أن ضرراً قد لحق بنا، ولكن إذا تجاوزنا سطح الكلمات ودققنا في المعنى، فسندرك أنه لا مضمون وراء كثير من الألفاظ و"الأسماء" التي تبدو ظاهرياً ذات هيبة وطنطنة. حينها سنتحرر من معاناة التصورات التي لا أساس لها والتي اختلقناها لأنفسنا وللآخرين، وسنضع حداً للحرب العبثية على لا شيء.
.
.
❊❊ نظراً للدور المهم الذي تؤديه اللغة في تفكيرنا ومشاعرنا وعلاقاتنا، فقد خصصنا فصلاً بعنوان "ما اللغة؟" لفهم اللغة في كتاب "من الألم إلى التحرر". كذلك، إذا رغبتم، يمكنكم مراجعة كتب اللسانيات، ومنها كتاب "دراسة اللغة" لجورج يول (The Study of Language, by George Yule) بترجمة علي بهرامي، وكتاب "اللغة والتفكير" للدكتور محمد رضا باطني.
.
.
.
.
كما قلنا، فإن «اللغة الساحرة» ليست لغةً ذات مصطلحات خاصة أو قواعد نحوية منفصلة. فاللغة الكاذبة هي جزء من هذه اللغة ذاتها التي نتحدث بها من الصباح حتى المساء. وكذب هذه اللغة يكمن في كذب رسالتها. هذه اللغة هي لغةٌ لحمل قيم لا أساس لها، لغةٌ للتفاخر والتحقير والتظاهر وسائر العروض التي يكمن في جميعها الخداع والهيمنة والخوف. وبما أن مثل هذه العروض شائعة بين جميع الناس بدرجة أو بأخرى، فإن هذه اللغة أيضاً تنتشر قليلاً أو كثيراً في كل أنحاء العالم. «اللغة الساحرة» هي لغةٌ تدخل بواسطتها مفاهيم مزيفة وخيالية إلى فكر الناس ومشاعرهم وعلاقاتهم، وتُلقي بستار على حقيقة الأشياء، وتُعجز الإنسان عن معرفة الواقعيات. في اللغة الأصيلة، الشيء الذي نُسمّيه، سواء أشرنا إليه أم لم نُشر، موجود، أما في اللغة الساحرة، فيُشار إلى أشياء ليست سوى حفنة من الكلمات، دون أي مضمون. هذه اللغة، بسبب كذبها، تخلق مشاكل كبيرة للإنسان وتُخلّف وراءها كوارث واسعة في المجتمع.* التقييم اللفظي ليس في الحقيقة سوى شبكة من الخداع والاحتيال ابتدعها البشر للحرب النفسية، ورغم انتشارها الواسع والحساسيات الكثيرة التي تصاحبها، فهي ظاهرة خاوية من المعنى. بهذا المعنى، لو نظرنا بدقة إلى كثير من حوارات الناس وعلاقاتهم، لرأينا بمنتهى الدهشة أن البشر، في أحيان كثيرة، يتبادلون «لا شيء» حقاً، ويتشاجرون على «لا شيء»، ويعادون بعضهم بعضاً، ويعطون «لا شيء» ويستردونه، وفي خضم هذا الأخذ والعطاء الذي هو محض لا شيء، كم من طاقة هائلة يحرقون، وكم من معاناة عقيمة يكابدون. ومن هنا يُحذّر مولانا (جلال الدين الرومي) قائلاً:
اختلاف خلق از نام اوفتاد چون به معنا رفت آرام اوفتاد
ما دمنا نحدّق في ألفاظ اللغة وكلماتها، فسنتألم ونضطرب من تصور أن ضرراً قد لحق بنا، ولكن إن تجاوزنا سطح الألفاظ ودققنا في المعنى، فسندرك أنه لا مضمون وراء كثير من الألفاظ و«الأسماء» التي تبدو ظاهرياً ذات هيبة وطنين. حينها سنتحرر من معاناة التصورات التي لا أساس لها والتي اختلقناها لأنفسنا وللآخرين، وسنضع حداً للحرب العبثية على لا شيء.
.
❊❊ نظراً للدور المهم الذي تؤديه اللغة في تفكيرنا ومشاعرنا وعلاقاتنا، فقد خصصنا فصلاً بعنوان «ما اللغة؟» لمعرفة اللغة في كتاب «من الألم إلى التحرر». كما يمكنكم، إن رغبتم، مراجعة كتب اللسانيات، ومنها كتاب «دراسة اللغة» لجورج يول (The Study of Language, by George Yule) بترجمة علي بهرامي، وكتاب «اللغة والتفكير» للدكتور محمد رضا باطني.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
مقاله ای بسیار غنی و مفید.