اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يظن كثيرون أنهم يقررون، بينما تتحكم في سلوكهم «افتراضات» الطفولة المسبقة كأسياد صامتين؛ كتاب «الغريب في الداخل» لحبيب وند يكشف هذه القوى الخفية ممهداً الطريق نحو الازدهار ومعنى الحياة.

غالبًا ما نتصور أن ما يوجه سلوكنا وحياتنا هو قراراتنا. نعتقد أننا نقرر بحرية ليومنا وأسبوعنا وعمرنا، ونقوم بتنفيذ هذه القرارات. يعود هذا التصور إلى أننا غافلون عن وجود قوى عليا تُدعى "الافتراضات المسبقة". الافتراض المسبق هو تصور استقر في خلفية أذهاننا ويدفعنا دائمًا إلى نوع معين من السلوك. الافتراضات المسبقة هي أسياد تعيش في دواخلنا، وأوامرها دائمًا ما تكون طوقًا في آذاننا. ومع ذلك، فإن حضورها بديهي بالنسبة لنا لدرجة أننا نادرًا ما ننتبه إليه.
فعلى سبيل المثال، الافتراض المسبق لدى البعض منا هو أن "الدنيا مكان للعمل، لذا يجب العمل بلا توقف من الصباح حتى المساء مع أقل قدر من الراحة". والافتراض المسبق لدى آخرين هو: "أنا مسؤول عن حل مشكلات جميع أفراد أسرتي. أي مشكلة تحدث، أنا من يجب أن يحلها". والافتراض المسبق لدى البعض هو: "يجب أن أكون مثاليًا وبلا عيوب، وصدور أي خطأ مني هو ذنب لا يغتفر". ويفترض آخرون أن الآخرين هم من يجب أن يحكموا على سوء أو حسن سلوكهم، أو أن يحددوا قيمتهم... تُلقن الافتراضات المسبقة في أذهاننا في مرحلة الطفولة، وتتحكم بنا عبر أدوات الخوف والتأنيب. وبهذه الطريقة، لا نشك أبدًا في أساليبنا ولا نتصور أنه يمكن التصرف أو العيش بشكل آخر. تحكمنا الافتراضات المسبقة بشكل صامت ومجهول، وتبقي عالمنا حتى آخر العمر في ضيق تصورات معينة. إنها تمنع التغيير، وهي مصدر ضغط ومعاناة، وتحولنا إلى روبوتات آلية.
"الغريب في الداخل"، يسلط ضوءًا على غرفة هؤلاء الأسياد الصامتين المظلمة ويُظهر لنا وجوههم الحقيقية.
بعد «بندباز» و«از رنج تا رهایی»، فإن «الغريب في الداخل» هو العمل الثالث لساسان حبيبوند، الكاتب في مجال معرفة الذات وفلسفة الحياة، والذي صدر عن دار نشر "سايه سخن". تقوم دار نشر «سايه سخن» بإرسال أعمال المؤلف عبر البريد إلى عنوان المهتمين في أي مكان في إيران بمكالمة هاتفية واحدة:
۶۶۴۹۶۴۱۰ ۶۶۴۹۵۲۸۰ ۶۶۹۶۲۴۵۶ - ۰۲۱
تعريف ومقتطفات من الكتاب متوفرة على قناة الكاتب.
.
.
الغريب في الداخل
مقالات في الازدهار ومعنى الحياة
ساسان حبيب وند
الموضوع: تحقيق الذات، الثقة بالنفس، معنى الحياة
تصميم الغلاف: هدى يزداني
بيانات النشر: الطبعة الأولى، أمازون: ۱۳۹۷- 2018
المواصفات الظاهرية: عدد الصفحات: ۳۶۴
ردمك: ۱۳:۹۷۸-۱۷۲۷۵۰۳۹۴۴
ردمك أمازون: ۱۰:۱۷۲۷۵۰۳۹۴۵
.
.
THE ALIEN WITHIN
Discussions on the Philosophy of life
Sasan Habibvand
Philosophy of Life, Self-discovery, Self-flourishing
Createspace USA 2018
ISBN-13: 978-1727503944
ISBN-10: 1727503945
البريد الإلكتروني للمؤلف: [email protected]
قناة تلغرام للمؤلف: t.me/sasanhabibvand
إنستغرام الكاتب: www.instagram.com/sasanhabibvand
.
.
«الذكاء»
لا تبنِ بيتاً في أرضِ الآخرين
اعمل عملك، لا تعمل عمل الغريب
من هو الغريب؟ جسدك الترابي
الذي من أجله أنت مهموم
(مولانا)
الذكاء ليس في التقدم على الآخرين وأن تكون الأول.
الذكاء ليس في المكاسب الأكثر فأكثر
على حساب حرمان هذا وذاك.
الذكاء ليس في القدرة على ارتكاب الحيل المبتذلة،
فكلها،
أشكال حمقاء من فقدان الوعي.
الذكاء هو في إدراك هذه الحقيقة العظيمة والبسيطة
أن حضورك في هذا العالم،
وليمة مذهلة، قصيرة وفريدة لا تتكرر،
ويجب أن تستفيد منها بأكثر شكل ممكن حكمة،
وأكثر أشكال الحياة حكمة، هو العيش فرحاً خفيف الحمل.
.
.
إهداء إلى جميع تواقي المعرفة والازدهار
عزيزي القارئ، أهلاً بك في عالم معرفة الذات!
آملاً أن تكون النقاط التالية معينة لك في الاستفادة القصوى من أعمال هذا القلم:
۱. معرفة الذات ليست اكتساباً للمعرفة، بل تحول في النظرة. معرفة الذات هي تغيير في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى كل شيء. معنى هذا الكلام أنه عند مواجهة خطابات معرفة الذات، قد تصبح التصورات أو التوقعات السابقة عائقاً في طريق فهم المطالب الجديدة. لذلك، فإن تنحية الافتراضات المسبقة (مؤقتاً على الأقل) والتفاعل مع الحوارات، هو شرط اختبار شعور ونظرة مختلفين.
۲. لقد أظهرت التجربة أن الفهم الكامل للمباحث وحتى لكثير من عبارات الكتب لا يحصل عادة بقراءة واحدة ويحتاج على الأقل إلى قراءتين.
۲. لإكمال الصورة التي تحصل عليها عن معرفة الذات، إلى جانب قراءة الكتب، راجع المقابلات والأفلام والمحاضرات المتوفرة لي على اليوتيوب وكذلك قناتي على التلغرام على العنوان التالي.
۳. انتبه إلى أن سر التحول في طريق معرفة الذات هو التأمل والتفكر. الاستعجال لإنهاء الكتب خطأ كبير يجعل قراءتها بلا أثر. عندما تصل إلى أي جملة أو عبارة تشعر أنها تحمل معنى مهماً، توقف، أغلق الكتاب وفكر فيه جيداً ليترك ذلك الكلام أثره في تفكيرك، ثم انتقل إلى الجزء التالي. سأكون ممتناً وسعيداً بتلقي آرائكم.
متمنياً لكم السعادة والازدهار: ساسان حبيب وند
.
.
فهرس المحتويات
العنوان الصفحة
كلمة لكم ...................................................................... ۹
الجلسة الأولى: من أنا؟ ........... ................................................ ۱۱
۱. المقدمة ......................................................................۱۳
۲. معرفة الذات من منظور العظماء ...................................................... ۱۸
۳. معرفة الذات، يقظة ........ ..............................................۲۲
۴. تنمية شتلة الذات ..............................................................۲۸
۵. نحن و"كعكتنا" .............. ............................................. ۳۴
۶. تجنب "التقليم الجائر"....................................................... ۴۳
۷. صلة المعاناة بالهوية ............................................................ ۵۱
۸. "أنا"ان في داخلنا .......................................................... ۶۳
۹. سؤال وجواب ............... ............................................... ۷۰
الجلسة الثانية: نافذة الذهن ............................................................. ۷۵
۱. المقدمة...................... ............................................... ۷۷
۲. معرفة نوعين من المعاناة .......................................................... ۷۹
۳. التحرر من الآلام الوهمية........................................................ ۸۳
۴. غصة الماضي؟............................................................... ۹۰
۵. المقارنة، عامل ألم ............................................................ ۹۲
۶. رأي الآخرين فيك ....... ................................................ ۹۴
۷. التعرف على "مثلث النظرة"....................................................... ۹۷
۸. عالم اسمه الذهن........................................................... ۱۰۱
۹. علاقة النظرة بالافتراض المسبق....................................................... ۱۱۸
۱۰. ما هو "التقدير"؟ ...................................................... ۱۲۳
۱۱. حكاية طابور المخبز ........................................................ ۱۲۷
۱۲. التعرف على "الغرباء في الداخل" ................................................... ۱۴۵
۱۳. تجنب "الطامة فوق الطامة"! ..................................................... ۱۵۲
۱۴. ألقِ هراوة اللوم بعيداً!................................................. ۱۵۶
۱۵. أين الماضي؟ .......... ................................................ ۱۶۹
الجلسة الثالثة: معنى الحياة........................................................... ۱۹۱
۱. المقدمة......................................................................۱۹۳
۲. ما هو "الهدف"؟............................................................ ۱۹۴
۳. الفرق بين "الهدف النقطي" و"الهدف الخطي".......................................... ۱۹۹
۴. معرفة "المقصد" من "المقصود".................................................. ۲۰۴
۵. "الهدف النسبي" و"الهدف النهائي"................................................. ۲۰۷
۶. نوعان من المعنى ونوعان من النظر ..................................................... ۲۱۴
٧. تبعات النظرة النقطية ................ ........................................ ٢١٧
أ. الحياة التآكلية........................................................... ٢١٨
ب. خسارة اللحظات.............................................................. ٢١٩
ج. النزعة الإنتاجية ............................................................ ٢٢٠
د. انخفاض المردود .... ............................... ............................. ٢٢١
هـ. السعادة المشروطة . ............................................................. ٢٢٣
٨. النظرة الخطية ونتائجها........................................................ ٢٢٥
أ. السعادة غير المشروطة ....................................................... ٢٢٦
ب. الحضور في الوجود ........................................................... ٢٢٧
٩. مفاتيح الازدهار السبعة ......................................................... ٢٣٠
المفتاح الأول: «الهادفية» ......................................................... ٢٣٢
«الهدف من» و«الهدف في» ........................................................ ٢٣٣
المفتاح الثاني: «التخطيط» ........................................................ ٢٤٠
ما هو «موقفك المتميز»؟ ........ ............................................ ٢٤٥
المفتاح الثالث: «تقدير المنفعة» ....................................................... ٢٤٩
المفتاح الرابع: «الأنانية» ...................................................... ٢٥٥
المفتاح الخامس: «النقد والتقييم».................................................. ٢٦١
المفتاح السادس: «الحياة في هنا والآن» ............................................ ٢٦٣
المفتاح السابع: «السيطرة على الذهن» ...................................................... ٢٦٦
١٠. إزالة ثلاث مكابح داخلية........................................................ ٢٦٦
المكبح الأول: المقارنة ............................................................... ٢٦٧
المكبح الثاني: السباق ............................................................... ٢٦٩
المكبح الثالث: اللوم .............................................................. ٢٧٠
الجلسة الرابعة: السيطرة على الذهن .............................................................٢٧٩
١. مقدمة .......................................................................... ٢٨١
٢. ما هي جذور قلقنا؟ ...................................................... ٢٨٩
أ. نزع «شوكة القلب» .................. .............................................. ٢٩٠
ب. «سقف واحد وهواءان» ................................................................٢٩٦
ج. سطح زلق! ..................................................................... ٣٠٠
٣. ماذا ينبغي فعله؟ (طرق عملية)..................................................... ٣٠١
أ. قمة جبل الجليد .................................................................... ٣٠٦
ب. حالة «الطيار الآلي» للذهن .... ........................................................ ٣١٢
ج. التعرف على لغة اللاوعي ............................................................ ٣٢٠
د. تجنب «الثرثرة الذهنية» ............................................................ ٣٣١
هـ. «النظرية السلوكية ـ الاتجاهية»............................................................. ٣٣٧
و. تمرين «اليقظة الذهنية»... ............................................................. ٣٤٧
٦. هيا بنا نأكل التفاح معًا!........................................................... ٣٥٣
عن المؤلف....................................................................... ٣٦١
مؤلفات أخرى للمؤلف ....................................................................٣٦٣
.
.
كلمة معكم
كم هو مبهج أن أرى كلماتي، بعد طول انتظار، وقد استقرت على صفحات الكتاب البيضاء بين أيديكم الكريمة!
فرحة هذا اللقاء المتجدد لا توصف بسهولة. بعد صدور «بندباز» و «من المعاناة إلى التحرر» اللذين يروي كل منهما بلغته قصة شوق الإنسان القلق المتطلع للازدهار واغترابه، بدا من المناسب هذه المرة أن تُقدَّم رسالة معرفة الذات العظيمة في قالب آخر لعشاق الوعي والازدهار. لا سيما في هذا الطريق الجديد وغير المسبوق بالنسبة لمعظمنا، فإن طرح إجابات بسيطة وعملية على هواجس المهتمين يكتسب أهمية خاصة. كان الكثير من الأصدقاء يعتقدون أن ثمة فراغًا كبيرًا في الكتب لكثير من الموضوعات التي تُطرح في الفصول والمحاضرات. وهذا في حين أن هذا النوع من الحوار، في الواقع، مليء بنقاط مفيدة وملهمة للجمهور المهتم. من ناحية أخرى، فإن لأسلوب الحوارات المباشرة وجهاً لوجه جاذبيته الخاصة. هذه الرؤية أدت إلى ميلاد الكتاب الذي بين أيديكم.
أساس مواد هذا الكتاب هو محتوى محاضرة أُلقيت في ديسمبر ٢٠١٧ (آذر ١٣٩٧) في مؤتمر «ولادة جديدة» أمام جمع من محبي الأدب والفكر في مدينة بيرث بأستراليا. ولا شك أن الأمر تطلب الكثير من التنقيحات والإيضاحات والشروح حتى يتحول نص المحاضرة إلى كتاب منظم وجذاب، وقد تم ذلك قدر الإمكان. لذا فإن ما تقرؤونه هو مجموعة من الخطابات حاوَلتُ أن تكون بليغة ومنظمة وعملية من كل وجه.
في إبداع هذا العمل، كان لمحبة ودعم الكثير من الأصدقاء دور، منهم: شيدا شاد، ندا ميراب، آرزو نادري، هدى يزداني (مصممة الغلاف)، صالح فروهري، أرشيا غرامي وآخرون كثيرون لا يتسع المجال لذكر أسمائهم جميعًا، ومع ذلك أتوجه إليهم جميعًا بخالص الشكر.
إن تلقي آرائكم وأسئلتكم، أيها الطيبون، سيكون كما كان دائمًا، مبهجًا وملهمًا في مواصلة الطريق الذي اخترته.
محبكم: ساسان حبيب وند
.
الجلسة الأولى: من أنا؟
١_ مقدمة
سلامًا ومرحبًا بكم أيها الأصدقاء الأعزاء. أشكركم على إتاحة هذه الفرصة لنا لنشارككم ما نحن متشوقون لقوله. كما ذكر الأصدقاء في بداية الجلسة، كان قصدنا من عقد هذه الندوة أن نتقاسم معكم رسالة مهمة. رسالة ظننا أنها يمكن أن تكون ملهمة للآخرين، وأن تريهم أشياء ربما كانوا متشوقين لرؤيتها وسماعها. لقد كنا مفعمين بالحماس والشوق لمشاركتكم هذه الأحاديث. لذلك بادر الأصدقاء إلى العمل ونظموا هذا المؤتمر. وبالطبع، فإن جزءًا كبيرًا من هذا الحدث الجميل يعود فضله إلى حضوركم أنتم الذين قبلتم دعوتنا وتشرفتم بالمجيء.
ما سأُعرض عليكم في هذه الجلسات الأربع ليس معرفة الذات بمعناها العام أو بمفهومها الشائع، بل معرفة الذات بمعنى تحقيق الذات وإيجاد معنى للحياة، أو بعبارة أخرى، معرفة الذات وفق التعريف الذي قدمتُه أنا. خلاصة الأمر أنني، وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً من البحث والتقصي والتفكر، توصلتُ يوماً بعد يوم إلى نتيجة مفادها أن موضوع معرفة الذات ينطوي على إمكانات أوسع بكثير مما يُتصوَّر عادةً. فمعرفة الذات، بالمعنى الحقيقي للكلمة، هي أساس الحياة الهادئة والحكيمة، وهي موضوع ذو عمق وأبعاد تتجاوز بكثير ما نتصوره غالباً. من الطبيعي أنه منذ أن تبلورت هذه الرؤية في ذهني، كان سعيي ولا يزال منصبّاً على تصوير هذه النظرة المختلفة والتحوّلية... بالطبع، سنتحدث في أربع جلسات عن ماهية معرفة الذات، لكن قبل أن أبدأ مطالب اليوم، أود أن أُلقي نظرة عامة على محتوى هذه الجلسات الأربع، ليكون لدى الأصدقاء تصور إجمالي عن موضوع المناقشات ومحتواها.
كما أُعلن سابقاً، هذا المؤتمر عبارة عن سيمنار ليومين يتضمن أربع جلسات، تُعقد اثنتان منها اليوم والاثنتان الأخريان غداً. موضوع الجلسات ومحتواها مختلف، وقد خصصنا لكم في كل جلسة مبحثاً جديداً وشيّقاً.
عنوان الجلسة الأولى، وهي جلستنا الحالية، هو: «معرفة الذات، ولادة جديدة». سنُعرّف اليوم علم معرفة الذات ونتعرف على كليات هذه الرؤية الجديدة، ونستعرض معاً ضرورة معرفة الذات بمعناها التطبيقي والمفيد. سنرى مدى أهمية معرفة الذات، وما سبب كل هذا التأكيد على معرفة الذات، وما هي الحقائق الكبرى التي تضرب بجذورها فيها هذه الشجرة الباسقة. ثم سنستعرض معاً الأسئلة المهمة والأساسية التي توضح معرفة الذات إجاباتها. في بداية النقاش، سنعود إلى ماضينا لنجد جذور مشكلاتنا النفسية والسلوكية والشخصية، وخصوصاً مسائل مثل القلق، والتناقضات الداخلية، وضعف الثقة بالنفس، أو المشكلات التواصلية التي نواجهها مع الآخرين. وهنا سنتناول هذا السؤال المهم: «من أنا؟»، وسندرس العلاقة بين هويتنا ومشاعرنا وأحوالنا، وبنمونا الفكري والعاطفي. وسنرى أن بينهما رابطاً عميقاً جداً. في معرفة هويتنا، سنتناول هذا السؤال: كم نوعاً من «الأنا» يوجد فينا؟ ومن كم زاوية يمكن النظر إلى الظاهرة التي نسميها «الأنا»؟ وأي زاوية هي الزاوية الصحيحة للنظر إلى الذات، وأيها الزاوية المُضنية والمفروضة.
عنوان الجلسة الثانية هو: «الآلام الوهمية». في هذه الجلسة سنتناول سؤال كيف يمكن لمعرفة الذات أن تخلص نفسيتنا من قفص الآلام الداخلية وتقود وجودنا نحو التحرر من التناقض. للإجابة عن هذا السؤال، سنقوم أولاً بدراسة أنواع الألم وسنرى أي نوع من هذه الآلام تتعامل معه معرفة الذات بشكل رئيسي. ثم سنحلل طبيعة مشكلاتنا وهواجسنا لنحصل على معرفة مفيدة وفاعلة بمشكلاتنا ونرى ما هي طبيعة مشكلاتنا حقاً، وسنرى بالطبع أن التصور الذي يحمله معظمنا عن آلامه النفسية هو تصور خاطئ ومضلل. لدينا نقاش في معرفة الذات يُسمى «الآلام الوهمية» ونؤكد أن قسماً كبيراً من آلامنا هي آلام وهمية. سنتحدث عن هذا الأمر. الموضوع الآخر هو مبحث «الموقف». نريد أن نرى إلى أي مدى شكلت نظرتنا إلى العالم مشاعرنا وأفكارنا. كم يمكن للتصور الذي نحمله عن أنفسنا وعن المحيطين بنا وعن الأشياء الأخرى أن يؤثر على شعورنا تجاه حياتنا أو على علاقاتنا مع زوجنا أو ولدنا أو صديقنا أو جارنا. سنرى أن توقعاتنا وأحكامنا يمكن أن تكون حاسمة جداً في سعادتنا ورضانا عن الحياة. في هذا النقاش، السؤال الذي نسعى للإجابة عنه هو: أي جزء من حقائق العالم هو حقاً كما نراه، وأي جزء من العالم ليس بالشكل الذي نتصوره. هنا سنتعرف على ظاهرة أطلقت عليها اسم «مثلث الموقف». ثم سنتطرق إلى حادثة اشتهرت بين أصدقاء معرفة الذات بـ «حادثة طابور المخبز». هنا سنروي لكم قصة من أحداث الحياة ثم نحللها. في هذه القصة، سنرى مثالاً على حقيقة أن الموقف الذي نتخذه من أحداث الحياة يمكن أن يكون حاسماً جداً في خلق التوتر والآلام الداخلية، وعلى العكس، كم يساعدنا الوعي بطريقة تفكيرنا على التحرر من الغضب والألم والتناقض.
غداً سيكون لدينا جلستان أيضاً. في الجلسة الأولى غداً (أي الجلسة الثالثة من المؤتمر) سنتناول نقاش «معنى الحياة» وسنتحدث عن معنى الحياة والهدف منها. هنا سنحلل «مفهوم الهدف» وسنرى ما هو الشيء الذي نسميه هدفاً، بمعناه الحقيقي والدقيق، وما يمكن أن يكون الهدف في حياة واعية، وإلى أي مدى يمكن لوضوح هدف الحياة للإنسان أن يحرره من ألم القلق والاضطراب ويمنحه السكينة والطمأنينة. سيكون هذا هو الجزء الأكبر من الجلسة الأولى غداً. في نهاية النقاش، سنقدم لكم «مفاتيح الازدهار والسكينة السبعة».
جلستنا الأخيرة والرابعة مخصصة لموضوع «السيطرة على الذهن» أي التكتيكات والأساليب المستخدمة خصوصاً في علم النفس والعرفان لتحرير الذهن من حالة التشتت ولأجل التغلب على القلق والتوتر والأفكار السلبية. غداً سنستعرض بعضاً من التقنيات الموجودة لهذا الغرض. هنا، سنلقي نظرة على الطبقات الخفية للذهن وسيكون لدينا نقاش حول أسلوب يُدعى «اليقظة الذهنية» أو «المايندفولنس» (Mindfulness) الذي أعتقد أنه سيكون مثيراً للاهتمام لأغلبكم. في هذا القسم، كخاتمة حسنة لهذا اللقاء، سنتدرب معاً على تقنية عملية تُدعى «أكل التفاحة» بأسلوب «اليقظة الذهنية».
أود أن أذكر نقطة أخيرة، وهي أن الاستخدام المفيد والمؤثر لمباحث معرفة الذات أو للكتب أو المحاضرات، له مفتاح، وهذا المفتاح هو ألا نتوقف عند الأمثلة ونكتفي بها، بل ينبغي انطلاقاً من مثال واحد، أن نجد عشرات ومئات المصاديق. في مباحث معرفة الذات وفلسفة الحياة، يُطرح من كل موضوع مثال أو مثالان أو ثلاثة، لكن طرح هذه الأمثلة ليس هدفنا الرئيسي، فهي أمثلة لتوضيح المطلب. المهم أن تتمكنوا من إيجاد مصاديقها، وإلا فسيظل ذهنكم حبيس ذاك المثال أو المثالين ولن تتمكنوا من الاستفادة كثيراً مما يُقال. وسبب ذلك أن مباحث معرفة الذات هي في الغالب مباحث فلسفية. مثلاً مبحث «معنى الحياة» أو موضوع الثقافة والعلاقة بين الفرد والمجتمع أو موضوع «أنواع الأهداف» التي سنتحدث عنها، كل هذه مباحث فلسفية، وإن كانت فلسفة بلغة بسيطة وتطبيقية. وخاصية الفلسفة أنها تستخدم مصاديق وأمثلة معدودة للتعبير عن مفاهيم لا محدودة.
٢_ معرفة الذات من منظور العظماء
كما قلت، عنوان هذه الجلسة هو: «من أنا؟». حسناً، حينما تسأل نفسك: «من أنا؟»، فأنت في الحقيقة قد طرحت سؤالاً معرفياً ذاتياً. لكن ما المعنى أو المعاني التي يمكن أن يحملها هذا السؤال، فهذا أمر قابل للنقاش. هل يمكن أن يكون لسؤال «من أنا؟» جواب بسيط وسطحي؟ هل معرفة الذات تعني أن أعرف أن برجي وفقاً للأبراج الصينية هو الأسد أم الدلو أم الحوت؟ أو أي زوجة مناسبة لي؟ أو حتى ما هي مواهبي أو ما هي خصائصي الجينية؟ هل معرفة الذات تعني هذه الأمور؟ أم أن معرفة الذات يمكن أن تحمل معنى أوسع وأعمق بكثير؟ إذا كانت معرفة الذات تقتصر فقط على ما ذكرته، فينبغي حينئذ أن نسأل: لماذا أكد معظم الحكماء والعقلاء عبر تاريخ الفكر البشري، على شعار «اعرف نفسك» بشكل أو بآخر؟ لماذا نصح جميع الحكماء الإنسان قائلين: «اعرف نفسك»؟ لماذا حذروا جميعاً من أن عدم معرفة الذات يعني أنك قد اتخذت حياة عمياء صماء؟ لنستعرض أولاً كلام بعض هؤلاء الحكماء.
سقراط: أبو الفلسفة اليونانية الذي كرّس عمره لتعليم الناس ممارسة العقل وتنوير أذهانهم (واستُشهد في نهاية المطاف في هذا السبيل ـ تعلمون أن سقراط يُعتبر أول شهيد للفلسفة) وغالباً ما يُعتبر واحداً من سبع شخصيات تاريخية مؤثرة، استُخلصت من مجمل تعاليمه جملتان (أو استُخلصتا) وتُعتبران خلاصة رسالة سقراط العظيمة للبشرية. إحدى هاتين الوصيتين هي: «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش»، وهي مقولة شهيرة جداً لهذا الحكيم صانع العصر. الوصية الثانية لسقراط هي: «اعرف نفسك». أي أن سقراط لو أراد أن يلخص رسالته كلها، مجموع حكمته وعقله في جملتين، لكانت هاتان الجملتان هما، وبالمناسبة، أريد أن أقول إن الوصية الأولى «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش» تشير تحديداً إلى ضرورة معرفة الذات، على الأقل بالمعنى الذي هو مدار بحثنا. أي يمكن القول إن الحكيم سقراط لا يحمل للبشرية سوى رسالة واحدة وهي: «اعرف نفسك».
مولانا: إذا أردنا تلخيص مثنوي مولانا المعنوي في رسالتين أو ثلاث رسائل رئيسية ومحورية، فإن واحدة على الأقل من هاتين أو تلك الرسائل هي «اعرف نفسك». ففي آثار مولانا وخصوصاً في المثنوي، (كما في غالب الآثار الحكمية والعرفانية) تشكل الوصية بمعرفة الذات رسالة سارية وجارية، وصية نراها في كل مكان، ومنها هذه الأبيات التي اخترتها لكم:
مئة ألف فصل يعلم من علوم
روحَ نفسه لا يعلم ذاك الظلوم
يعرف خاصية كل جوهر
في بيان جوهر نفسه، كالحمار
قيمة كل متاع تدري ما هي
قيمة نفسك لا تدري، حماقة هي
سعدها و نحسها دانستهای
ننگری تو سعد یا ناشستهای
جان جمله علمها این است این
که بدانی من کیام در یوم دین
يرى مولانا أن معرفة الإنسان لنفسه هي «روح العلوم كلها»، ويعتبر من اكتسب ألف نوع من المعرفة لكنه يجهل وجوده ولا يعرف قيمته، إنساناً أبله وجاهلاً.
لقد تحدث الفلاسفة وعلماء النفس المحدثون أيضاً، بطبيعة الحال، كثيراً عن ضرورة معرفة الذات، ولا يتسع المجال لذكرهم جميعاً، وهنا أكتفي بذكر أبراهام ماسلو، عالم النفس الأمريكي الكبير، الذي يقول: «معرفة الذات هي الخطوة الأولى للإنسان في بلوغ الازدهار والسعادة» (ماسلو هو أحد مؤسسي مدرسة «علم النفس الإنساني»، وتُعد آراؤه من ضمن الرؤى الأساسية للفلسفة وعلم النفس الحديثين بشأن الإنسان. ومن أشهر نظريات ماسلو، نظريته لهرم «الاحتياجات الإنسانية» التي تُعرف بـ «هرم ماسلو»).
قبل تحليل مفهوم معرفة الذات وسؤال «من أنا؟»، النقطة التي أود طرحها هي أن معرفة الذات علم واسع وعميق جداً، وهو «بحر لا ساحل له». ولهذا السبب لا يمكننا، حتى في سعة جلسة أو جلستين أو أربعين جلسة، أن نطرح جميع أبعاد معرفة الذات. وأيضاً، على حد قول مولانا:
گر بریزی بحر را در کوزهای
چند گنجد؟ قسمت یک روزهای
إذن، ما نقتسمه معكم في هذه الجلسات القليلة هو نصيب يوم واحد سكبناه في كوز طاقتنا. أما الآن، فما ستقومون به من غوص
في هذا البحر، وما ستستخرجونه من جواهر من أعماقه، فمرهون باهتمامكم وهمتكم. ما قمنا به هو أننا نظمنا محتوى المباحث على هذا النحو: نقدم في الجلسة الأولى رؤية عامة حول معرفة الذات، وفي الجلسات الثانية والثالثة والرابعة، نقدم لكم نماذج من المسائل التي تدخل فيها معرفة الذات وتُخرج لنا أجوبة نقيّة وجديدة.
٣_ معرفة الذات، يقظة.
إذا أردنا تعريف معرفة الذات أو وصفها، فينبغي أن نقول إن «معرفة الذات هي سفر نحو حياة واعية، حرة، ومزدهرة». يجب الانتباه إلى أن ...
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.