اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
معرفة الذات سعيٌ لاكتشاف أفضل سُبل العيش وبناء نسقٍ فكريٍّ حر. تبدأ هذه العملية بنقد الأفكار المحيطة والموروثة، كي يتحرر الإنسان من قيود التلقين، ويصنع مصيره بوعي، وينال السعادة.

١. تمهيد
مئات الألوف من الفضائل يعلم لكن نفسه لا يعرفها ذلك الظلوم
يعرف خاصية كل جوهر أما في بيان جوهر نفسه فكالحمار
يقول: أنا أعلم ما يجوز وما لا يجوز وأنت لا تدري أجائز أنت أم عجوز
هذا جائز وذاك غير جائز تعلم ولكن انظر ملياً: أجائز أنت أم غير جائز
تعرف قيمة كل بضاعة ما هي وجهلُك قيمةَ نفسك لهو الحماقة
السعود والنحوس قد عرفتها ألا تنظر: أسعيد أنت أم شقي
روح العلوم جميعها هو ذا أن تعلم من أكون في يوم الدين
أصول الدين تلك قد عرفتها ولكن انظر في أصلك أنت أيها الرجل الطيب
فمن أصوليك هلمّ إلى أصلك لتعرف أصلك أنت أيها الرجل العظيم (مولانا)
صديقي العزيز، سلام عليكم. يسعدني أن سنحت فرصة لنتحاور حول معرفة النفس بوصفها أساس الحياة الحرة الواعية. شكراً لكم على الوقت الذي تقضونه في مرافقة هذا المكتوب.
ما هي معرفة النفس؟ ولماذا عُدّت بمنزلة معرفة الله؟ ولماذا هي في نظر حكماء كجلال الدين الرومي «روح العلوم جميعها»؟ هل تعني معرفة النفس معرفة الخصائص الفردية والجينية أو القدرات الذاتية للإنسان؟ أم العلم بجسده ودماغه وعجائبهما؟ ربما تشمل معرفة النفس كل ذلك – وهذا رأيي أيضاً – ولكن هذه الأمور تقع في نطاق علم الطب والتشريح والجينات، أما ما هو روح هذه العلوم جميعاً فلا بد أن يكون شيئاً أسمى من ذلك، شيئاً يضمن سعادة الإنسان واستنارته ويهبه البصيرة والحكمة الفردية والاجتماعية، بصيرة يرى مولانا أن الإنسان، مهما كان عالماً ومتعلماً، يظل بدونها أعمى وأبله.
من الطبيعي أن يقدم كل شخص تعريفه الخاص لمعرفة النفس، وقد يتفق القارئ المفكر أو يختلف مع ما سأقوله في هذا البحث، ولكن على أية حال، ما ستقرؤونه في هذا الحوار هو تعريفي أنا لمقولة معرفة النفس العميقة، والذي حاولت أن أتقاسمه معكم في حدود مقال واحد. وفي الوقت نفسه، أتطلع بشوق لتلقي آرائكم.
في بداية النقاش، دعوني أوضح أن ما أقصده بـ «معرفة النفس العقلانية» هو مسعى يقوم على المبادئ العلمية لعلم النفس وعلم الاجتماع، وكذلك على المنطق العقلي والفلسفي. (لقد شرحت هذا المنهج أو النظرية ومبادئها ونتائجها سابقاً في كتابين بعنوان «بندباز» و «از رنج تا رهایی» اللذين تم التعريف بهما في هذا الموقع نفسه، وأدعو القراء الأعزاء إلى الرجوع إليهما للاطلاع على شرح مفصل.) في هذا الأسلوب، نتجنب الشعارات والمثالية، ونسعى لأن نجد، كبشر عاديين، إجابات بسيطة وملموسة للتحديات التي تواجهنا.
وبناءً على هذا التوضيح، ينبغي القول إن معرفة النفس تعني سعي الإنسان لإيجاد أفضل طريقة للعيش وأفضل مسار للحياة؛ سعي ينخرط فيه الإنسان في نقد الأفكار البيئية والموروثة ليصل إلى نسق فكري واضح وحر ومنسجم. لا شك أن جميع البشر يسعون وراء السعادة والكمال، لكن معرفة النفس تتابع هذا البحث بشكل مدروس وواعٍ.
كلنا سألنا أنفسنا أسئلة من هذا القبيل: من أكون؟ لماذا جئت إلى هذا العالم؟ وفي هذه الفرصة العمرية القصيرة، ما الذي يصلح لي وما الذي يسبب لي الألم والشقاء؟
من الواضح أن مولانا كان واقعاً تحت وطأة هذا الهاجس الكبير نفسه حين أنشد متحيراً:
نهاراً فكري في هذا وليلي كله حديثي لماذا غفلت عن أحوال قلبي
من أين أتيت، وفيم كان مجيئي إلى أين أمضي آخراً، ألا تُريني موطني
تا به تحقیق، مرا منزل و ره ننمایی یک دم آرام نگیرم، نفسی دم نزنم...❊
ومعرفة الذات هي عملية البحث عن طريق واضح وواعٍ للحياة.
من الطبيعي أن الإنسان ما لم يوضح لنفسه إجابات الأسئلة الكبرى في الحياة، فلن يستطيع أن يخطو الخطوة التالية، ألا وهي بناء مصيره وحياته. سعادة الإنسان رهن بوضوح فكره ومعرفته الصحيحة بالعالم والمجتمع وبنفسه، وتأسيس حياة سليمة ومزدهرة يقوم على هذه المعرفة. لذا فإن الإنسان العاقل، قبل كل شيء، يحدد لنفسه مسار الطريق ويوضح موقفه من أسئلة الحياة المهمة. الإنسان العارف بنفسه هو إنسان واعٍ تحرر من قيود التلقينات البالية والقسرية للبيئة واختار طريقاً واعياً لحياته. نتيجة هذا الوعي هي الحرية الداخلية والسعادة الدائمة. ولا شك أنه على مستوى المجتمع أيضاً، فإن مثل هذا الإنسان، ببصيرته ومعرفته الصحيحة بسلوكياته، يقدم على خيارات حكيمة وبعيدة النظر، ويكون وجوده مدعاة للطمأنينة والخير للمجتمع.
.
.
❊ يشك بعض الباحثين في المولوي في نسبة هذه الأبيات إليه، ومنهم الدكتور سروش الذي يستدل بأن مفاهيم مثل الإحساس بالضياع و«الغفلة عن أحوال النفس» لا تنسجم مع طبع المولوي ونظرته العامة. على أية حال، هذا الشعر، كائناً من كان قائله، يردد واحداً من أعظم الهواجس البشرية
لكن سلوك أي طريق لا يخلو من صعوبة ومخاطرة. ومن الطبيعي أن توجد في مسار يُدعى معرفة الذات وبناء المصير تحديات وصعوبات خاصة.
لعل حافظاً أيضاً وجد نفسه في منعطفات هذا المسار الحافل بالمغامرات حين يصرخ:
شب تاریک و بیم موج و گردابی چنین هایل کجا دانند حال ما سبک باران ساحل ها
في معرفة الذات، نحن الذين لا نريد أن نتبع بشكل أعمى إملاءات هذا وذاك، نقدم بعيون مفتوحة وذهن متسائل على إعادة النظر في تعاليم بيئتنا وثقافتنا. في هذه المغامرة غير المسبوقة، نرى كل شيء من جديد بعين مفتوحة ونختار. في عملية معرفة الذات، نستيقظ على ما جرى علينا بغير إرادتنا وبغير وعي، وننظر إلى الحياة من جديد. في سيرورة الكشف والاستنارة هذه، نتحرر يوماً بعد يوم من معاناة العبودية الذهنية والحسية ونعيش في عالم آمن نحن من شيدنا أعمدته بأنفسنا.
تتجلى أهمية معرفة الذات بمعنى بناء نظرة مدروسة وحرة حين نأخذ بعين الاعتبار إلى أي مدى ترتبط سلوكياتنا وعواطفنا ارتباطاً عميقاً بمعتقداتنا. كلنا، من الصباح حتى المساء، نتعامل مع أشخاص وظواهر وأحداث مختلفة. في هذه اللقاءات، لدينا سلوك وشعور خاص تجاه كل شخص وكل شيء. نحن نطلق على بعض الأشخاص «أشخاص طيبين» ونحبهم. وعلى العكس، نعتبر آخرين «أشخاصاً سيئين» ولا يكنّ لنا شعور جيد تجاه شخصيتهم أو سلوكهم. والأمر نفسه ينطبق على أحداث الحياة المختلفة. نقيم بعض الأحداث أو السلوكيات بأنها سارة ونفرح بها، ونعتبر أحداثاً أخرى سيئة ومزعجة فنغضب منها أو ننزعج أو نحزن.
إذا انتبهنا قليلاً، تتضح نقطة، وهي أن وراء كل هذه المشاعر الجيدة والسيئة لدينا، يختبئ حكم أو تقييم معين. على سبيل المثال، انزعاجنا من كذب صديقنا يعود إلى أن الكذب، وفقاً لتقييمنا، هو نوع من الخيانة أو عدم الصدق - وهي أمور أخلاقياً سلوكيات مدانة. أو فرحنا بقبولنا في امتحان الجامعة يعود إلى أن القبول في الامتحان، بصرف النظر عن المزايا العملية، هو علامة على جدارتنا وقدرتنا، وهما صفتان محمودتان وموضع إعجاب. كذلك، قراري بأن أختار زميلي حميد للصداقة بدلاً من زميلي الآخر شهرام، يعود إلى أن لدي تقييماً مفاده أن حميد إنسان جيد ومحترم بينما شهرام ليس كذلك.
في جميع هذه الحالات، ينشأ شعورنا تجاه العالم والناس فيه بناءً على نظرة ومعتقد معينين، ويعود إلى نوع حكمنا على ذلك الشيء. والأهم من ذلك أننا لا نحكم على الآخرين فحسب، بل نحكم على أنفسنا أيضًا بناءً على هذه القيم، فنشعر تجاه ذواتنا بالفخر والرضا والطمأنينة، أو على العكس، نشعر بالخزي والحزن أو تأنيب الضمير.
علاوة على ذلك، من الواضح أن مشاعرنا تؤدي دورًا كبيرًا في صحتنا النفسية والعقلية. فأحيانًا قد يؤدي الوقوع في براثن المشاعر المؤذية (مثل وخز الضمير أو الحزن العميق) إلى شلّ حياة الفرد أو إصابته بأمراض جسدية وعصبية وقلبية. وبالطبع فإن العكس صحيح أيضًا: فالبهجة والحيوية مصدر للحركة والنجاح والصحة. حتى أن الأشخاص ذوي الروح المعنوية المنعشة يتمتعون عمومًا بعمر أطول وأداء أفضل للبدن والجسم. وبالمجمل يمكن الاستنتاج أن طريقة تفكير الإنسان هي أهم عامل إرادي محدد في مصيره (بطبيعة الحال، للعوامل العشوائية أو غير المرغوبة دور أيضًا في حياة كل شخص، لكن هذا الموضوع خارج عن نطاق بحثنا، لأن معرفة النفس تشمل الأمور التي تقع في دائرة اختيارنا، ومن خلال بنائها يمكننا الارتقاء بصحة حياتنا الفردية والاجتماعية.)
السؤال المناسب الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا هو: كيف تسللت إلى ذهني هذه المعتقدات التي تشكّل جميع قراراتي وسلوكياتي؟ ما الذي جعلني أفكر وأتصرف بهذه الطريقة ولا أتصرف بطريقة أخرى؟ من المسلّم به أنك لم تولد وطريقة التفكير هذه وهذه المعايير معك، بل إن هذه الرؤى وما يتبعها من مشاعر قد دخلت إلى ذهنك من قبل المحيط، أي الأسرة والمجتمع والثقافة التي نشأت فيها. ومعنى هذا الكلام واضح أيضًا. فالسلوكيات والقرارات التي تتخذها وفقًا لهذه النظرة هي، إلى حد كبير، نتيجة للتلقين والتعليم اللذين تلقيتهما من محيطك. وهنا ينتاب الإنسان الشك: ألا يحتمل أن تكون كل أفكاري ومشاعري حصيلة إيحاءات محيطي؟ ربما كان تصوري بأنني أتصرف بنفسي ليس أكثر من سراب؟ حقًا، لو كنت قد ولدت في مكان آخر، فهل كنت لأصرّ على نفس الأشياء التي أصرّ عليها اليوم، أم كانت لديّ معتقدات أخرى؟ ألم يكن بالإمكان رؤية العالم بطريقة أخرى، أو امتلاك خير وشر آخرين في الحياة؟ هل أنا من رسمت مسار حياتي بنفسي، أم جُررت إلى هذا الطريق بفعل تلقين المحيط؟ إذا ما أمعنت النظر، هل أفكاري وسلوكياتي مصدر لسعادتي وراحتي، أم أنها عامل عذابي وتآكلي؟
بالطبع، قد يقول قائل إنني لم آخذ كل معاييري وطريقة تفكيري من المحيط الذي نشأت فيه، بل إن لتعقلي ومنطقي أنا أيضًا دورًا في هذه العملية. وهذا بالطبع ليس كلامًا غير معقول، ولسنا في صدد المبالغة، لكن الحقيقة أن الموضوع ليس بهذه البساطة. فبقليل من التأمل سنرى أنه حتى ما نعتبره أحكامًا مستقلة واستدلالات واضحة من أنفسنا، يقع أحيانًا تحت تأثير تلقينات المحيط. وعلى أية حال، من الحكمة أن نقوم، قبل إصدار حكم قاطع حول حرية فكرنا وعملنا، بتمحيص هذا الأمر المهم بدقة ونرى بشكل صحيح إلى أي مدى نحن متأثرون بالمجتمع.
كلنا، سواء كنا إيرانيين أو أفارقة أو يابانيين، غربيين أو شرقيين، نولد وننشأ في أسرة ومحيط معينين، محيط تسود فيه مجموعة من الثقافة والأعراف والتقاليد والمعتقدات والقيم الخاصة. هذه المعتقدات تحكم تفكير وسلوك الناس من حولنا وتشكله. وبهذه الطريقة، ينغمس كل واحد منا منذ الولادة في ثقافة وقيم محيطه، ونمتص هذه المجموعة بوعي وبلا وعي في شعورنا وتفكيرنا. فالأب والأم والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها، جميعها وكل يوم وكل دقيقة، وبشكل مباشر أو غير مباشر، تلقن تفكيرنا ثقافة واعتقادات و
النقطة المهمة هي أننا في خضم هذا التيار نادراً ما تتاح لنا الفرصة لنقرر بأنفسنا وبشكل واضح ما ينبغي وما لا ينبغي، وما هو خير وما هو شر في الحياة. ففي أحيان كثيرة، وبينما نتصور أننا اتخذنا قراراً مستقلاً تماماً، إذا ما نظرنا بدقة نكتشف أن قرارنا كان متأثراً لا شعورياً بإيحاءات وتعاليم المحيط، كالأب والأم أو المعلم على سبيل المثال، وأن فكرة أننا اتخذنا قراراً حراً ليست أكثر من مجرد تصور.
بطبيعة الحال، فإن مسألة الثقافة والتربية وإيحاءات المحيط لا تقتصر على نقطة جغرافية أو جنسية أو بلد بعينه، فالإنسان أينما نشأ وترعرع سيتأثر شاء أم أبى بمجموعة التعاليم الخاصة بذلك المحيط. ولهذا السبب تحديداً فإن معرفة النفس هي عملية يجب أن يكرس لها جهده كل إنسان يرغب في بلوغ الحرية والسعادة الحقيقيتين.
ولا بأس من الإشارة إلى نقطة هنا، وهي أن العلوم الاجتماعية تقسم الثقافات الإنسانية عموماً إلى مجموعتين رئيستين: "الجمعية" (Collectivist) و"الفردية" (Individualist). ما يميز الثقافات الجمعية (كمجتمعات إيران والصين والهند واليابان) هو أن امتثال الفرد للمعايير الجمعية فيها أهم من تشخيصه الفردي. ففي هذه المجتمعات، المعيار الأساسي للحكم على حسن أو قبح سلوك شخص ما هو مدى انسجامه مع التقاليد والثقافة السائدة. فالتفرد وخرق التقاليد أقل احتمالاً للتسامح، ورغبة الفرد لا تكون مقبولة إلا بقدر ما تنسجم مع المنظومة الفكرية والسلوكية للمجتمع ككل. على العكس من ذلك، في المجتمعات الفردية (الدول الغربية بشكل رئيسي)، كل شخص مسؤول عن اختيار مسار حياته، والحريات الشخصية لها الأولوية على الامتثال للجمع. الابتداع والتفرد مسموح بهما ما لم يزعجا حريات الآخرين، وتقريباً كل أنواع طرق التفكير لديها إمكانية الظهور والنشاط في المجتمع.
لذلك، وبشكل عام، يمكن القول إنه بما أن الثقافات التقليدية تمارس ضغطاً أكبر على الفرد للاتباع والانصياع، فإن هذه الفئة من المجتمعات تضيّق نطاق حرية الإنسان وتفرض عليه الامتثال والطاعة في سلوكه. ومن الواضح بالطبع أن مثل هذا الضغط يمكن أن يتسبب في مشكلات عاطفية ونفسية مختلفة، أبرزها الخوف والغضب والقلق. واليوم، خصوصاً في عصر الاتصالات حيث يتردد الحديث عن الحريات الفردية والديمقراطية وما إلى ذلك في كل مكان، غالباً ما تشتد حدة الصراعات الفكرية والعاطفية لدى الأفراد في المجتمعات التقليدية بفعل هذه الضغوط، ويتفاقم الشعور بالظلم والجور في المجتمع. ذلك أن الفرد يفترض لنفسه في ذهنه حقوقاً يرى نفسه محروماً منها في الواقع (ومثال ذلك: "يدنا قصيرة والتمر على النخيل"). وبالطبع، بقليل من التأمل يتضح أن المجتمع الإيراني، كما قلنا، تسوده بشكل رئيسي ثقافة جمعية، وفي اعتقادي أن جزءاً على الأقل من الغضب والعدوانية الظاهرة التي نشهدها في المجتمع الإيراني هو نتاج هذا الصراع ذاته.
في هذا السياق، ثمة نقطة جديرة بالتأمل، وهي أن كثيراً من التعاليم التي تنتقل إلى أذهاننا من المحيط تعاني في جوهرها من عيوب ونواقص مختلفة، لذا فمن الطبيعي أن تفرض الحياة بمثل هذه المعتقدات ضغوطاً متنوعة على نفسيتنا. إن شرح أبعاد هذه النواقص وتبعاتها يتطلب حديثاً منفصلاً، ولكننا هنا، وبشكل موجز وعبر بعض الأمثلة المألوفة، سنتعرف على بعض هذه التناقضات.
الإشكال الأول في تعاليم المحيط يتمثل في غموض القيم والتوقعات. فعلى سبيل المثال، يشجع الجميع الطفل على أن يكون "شاطراً" و"ذكياً" ويحذرونه من "البلادة"، لكن لا المعنى الدقيق للشطارة معلوم، ولا حدودها الفاصلة عن التعدي على حقوق الآخرين. ولهذا السبب، ينشأ كثير من الناس على تصور أن إنجاز المرء لعمله بأي طريقة كانت هو علامة على الشطارة والكفاءة، وأن التنازل في أي ظرف كان هو بالطبع علامة ضعف وعجز يشكل عاراً اجتماعياً. في حين أننا نعلم أن كلا طرفي هذا الافتراض موضع شك، وتحفه الكثير من التحفظات والاعتراضات.
مشكلة أخرى في كثير من تعاليم المجتمع هي كونها غير واقعية. فمثلاً، لا سيما في الثقافات التقليدية، وحيث لا تكون حدود التوقعات من الناس واضحة في الغالب، يوجد توقع ضمني بأن يكون الفرد كائناً كاملاً ومثالياً لا عيب فيه. والنتيجة هي أن الناس يصابون بالقلق والوسواس النفسي ويلومون أنفسهم على كل خطأ. ومن جهة أخرى، يحمل الناس تجاه بعضهم البعض توقعات غير واقعية وبلا حدود. فهم ضعفاء في تفهم ظروف بعضهم ولا يحتملون أدنى خطأ من الآخر. مثل هذه النظرة تؤدي إلى انخفاض عتبة التسامح والصبر في المجتمع، مما ينجم عنه بدوره ظهور الغضب والتوتر والعصبية في المجتمع.
وثمة قصور آخر هو التناقض في توقعات المجتمع من الفرد. فكما قلنا، يشجع المجتمع الفرد، بشكل مباشر وغير مباشر، على الذكاء والنجاح. فالأشخاص الأذكياء محط إعجاب، والفوز في منافسات الحياة مدعاة للفخر. ومن جهة أخرى، فإن التراجع، حتى لو كان لمراعاة حقوق الآخرين، غالباً ما يكون مدعاة للعار وعلامة ضعف. ومع ذلك، ففي خضم المنافسة، فإن الفرد الناجح (إن لم يدس الأخلاقيات بسبب الحاجة الماسة للفوز،) يكون على الأقل موضع حسد وكراهية من كثيرين من أولئك الذين كانوا يُعجبون بالنجاح والذكاء ويدفعونه في هذا المسار!
ومن جهة أخرى، فإن التفسيرات الشائعة لكثير من المفاهيم والقيم هي موضع نقاش وشك. فكون النجاح يعني الفوز في المنافسة مع الآخرين أو فتح قمم العمل والمكانة الاجتماعية أو إنهاك الروح والجسد في ماراثون لا نهائي، ليس واضحاً على الإطلاق. فربما كان أعظم نجاح هو القدرة على عيش حياة بسيطة، وفي الوقت نفسه، سعيدة وحكيمة، يكون سلوك الفرد فيها مدعاة لازدهاره هو وللبركة والطمأنينة للآخرين...
وتناقض آخر هو عدم الانسجام الموجود بين القيم التي يروج لها المجتمع وحقوق الفرد. فمثلاً، في الثقافات التقليدية، تُعتبر طاعة السلطات كالأستاذ وكبار السن وأصحاب المناصب قيمة، وغالباً ما ينبغي التزام الحياء والاحترام بدلاً من الاعتراض أو السؤال. ومع ذلك، يتذكر كثيرون منا مواقف ضاعت فيها حقوقنا وتعرضنا للظلم بسبب مراعاة قيمة «الاحترام» أو «الحياء». ومثال مألوف آخر هو قيمة «صون ماء الوجه» التي تُعد من التعاليم المهمة في الثقافات التقليدية بشكل خاص. فجميعنا نرى حالات كثيرة يفرض فيها الناس على أنفسهم أو على أسرهم ظلماً وضغطاً كبيراً للحفاظ على قيمة «صون ماء الوجه»، وفي هذه العملية يُضحى بنمو الناس وسعادتهم من أجل قيمة اجتماعية غير محددة ووهمية. ومن الواضح طبعاً أن المقصود ليس أن على الإنسان أن يكون «بلا ماء وجه»، بل المقصود هو أن اتباع أي قيمة يجب أن يكون تابعاً لإدراك واعٍ بصحة أو خطأ تلك القيمة ومعناها الدقيق، وإلا فبدلاً من أن تكون القيم في خدمة حفظ الإنسان، يصبح الإنسان ضحية لحفظ القيم. هذه أمثلة صغيرة على التوترات الداخلية في تعاليم المحيط، ويمكن تصور ما يفرضه الاتباع العبودي لهذا الكم من التوقعات المبهمة والأحكام المتناقضة من صراعات داخلية وخارجية على نفس الفرد وحياته.
وبالطبع، مع كل ما قيل، لا ينبغي أن نتصور أن ذنب حيرة الفرد وصراعاته النفسية والعلائقية يقع كله على عاتق المجتمع. فوجود نقص في تعاليم المجتمع لا يلغي مسؤولية الفرد في إيجاد مسار واعٍ للحياة. فالإيمان والعقيدة ليسا شيئاً يستعيره الإنسان من آخر. فالإنسان حتى في أكثر المجتمعات حرية وأخلاقية لا يستطيع أن ينظر إلى العالم بعقائد مستعارة من الآخرين وأن يعيش بقيم ليست واضحة له هو. فالإنسان كائن مفكر ومسؤول، وعليه أن يحدد موقفه من الأسئلة الوجودية والأخلاقية المهمة في الحياة لكي تكون له قدر الإمكان نفس صافية بلا عقد، ويسير في الحياة واعياً مطمئناً. ومن جهة أخرى، فإن القبول السلبي لأوامر المجتمع يزرع في ضمير الفرد شعوراً بالاستلاب أمام الجمع وخوفاً من هذا وذاك، ويهيئه لعيشة اتكالية قلقة عبودية. والاستلاب هو أحد أكثر المفردات مفتاحية في معرفة النفس، وسنتناوله بإيجاز.
نتيجة القصف الفكري الذي يمارسه المجتمع على ذهن الفرد ونفسه، هي مشكلات كبيرة يمكن جمعها تحت مظلة مصطلح «فقدان الذات». فالإنسان، نتيجة استسلامه لموجة الإيحاءات، يفقد ثقته بفكره وحكمه على الأمور، ويتصور نفسه أسيراً تابعاً لرغبات المحيط. إن هجوم السلطات كالثقافة والتقاليد والعرف والإجماع يتسبب في إفراغ الفرد من أفكاره وامتلائه بتلقينات المجتمع. وفي هذه العملية، يفقد الإنسان حريته الفكرية وتضمحل فيه قوة النقد والحكم.
لفقدان الذات أبعاد واسعة ومصاديق لا تُحصى، لكن تعريفه باختصار هو فقدان الإيمان بالذات وبالقدرة الذاتية والقيمة الذاتية. يحمل مصطلح فقدان الذات معنيين: الأول، أن الشخص لم يختر معتقداته (بما فيها الإيمان بقدرته وقيمته) بنفسه، بل استعارها من المحيط ومن الآخرين. والثاني، أن الفرد قد خسر نفسه أمام السلطات ولا يثق بتشخيصه وتفكيره. والنتيجة هي أن الشخص يحتاج إلى عوامل خارجية ليشعر بالرضا والقيمة، ولذا فإن عوامل مثل استحسان الجمع، وسلوكيات الآخرين، والظروف المحيطية، هي في نظره أكثر حسماً بكثير من فكره وسلوكه هو. ونتيجة لذلك، يعاني الفرد فاقد الذات من جهة من ألم التبعية والحساسية والتعليق الدائم تحت الضغط، ومن جهة أخرى يرى هويته وقيمته رهينة باستحسان الجمع. وليس بعيداً عن التصور مقدار ما يضطر الفرد التابع لبذله من وقت وطاقة، وما يتحمله من ضغط، لنيل استحسان المجتمع. ومع ذلك فمن الواضح أنه لا يوجد أي ضمان للنجاح في هذا الطريق، أولاً لأن الثروة والمنصب وأمثالهما كلها مكتسبات صعبة المنال وغير مضمونة ومحفوفة بالقلق. وثانياً، كثيراً ما يتحول الآخرون الذين ينبغي أن يقرّوا الفرد لنيله هذه القيم، إلى أعداء وحساد ومنافسين له، وبالتالي يفشل المشروع الذي ينبغي تسميته «تأمين الثقة بالنفس الخارجية».
إن الشك في قيمة المرء ومكانته يوقعه في التعليق والاقتلاع من الجذور. ففاقد الذات مضطر باستمرار إلى مطابقة وضعه مع تقييمات المحيط ليتأكد من أن العوامل الخارجية تقرّه. وهذه العملية بالذات تخلق فيه حساسيات خاصة. ففاقد الذات يميل إلى تأويل كل كلام وسلوك على أنه عدم اكتراث أو جفاء، ويعاني من ألم الشعور بعدم القيمة والدونية. وهو غافل عن أن ألمه ناشئ عن حساسياته وذهنياته المؤلمة هو، أكثر مما هو ناشئ عن سلوكيات الآخرين. وعندما نأخذ بعين الاعتبار التعارضات الكامنة في قيم المجتمع وأحكامه، سيتضح لنا أي تناقض وصعوبة يعانيها الفرد في نيل مكانة مطمئنة.
من مضاعفات فقدان الذات، التشبث بالعوامل الخارجية بحثاً عن الرضا والسكينة الداخلية. ففاقد الذات يتشبث بجمع المال والشهرة والمنصب وأمثالها لملء فراغاته. وهو في كل علاقة، سواء أكانت صداقة أم زواجاً أم غير ذلك، يسعى قبل كل شيء إلى نيل الاستحسان واللجوء العاطفي إلى الآخرين. ومع ذلك، نادراً ما يؤدي كسب المزيد من الممتلكات إلى شعوره بالاطمئنان والرضا. وكأنه كلما ركض أكثر، ظل سراب السكينة على بُعد فرسخ منه. والسبب في ذلك هو أن مشكلته، خلافاً لتصوره الناشئ عن جهله بنفسه، ليست في أنه لا يمتلك، بل في أنه لا يرى ما يمتلكه. بعبارة أخرى، مشكلته ليست مسألة كمية تُحل بالمزيد من الكسب والادخار، بل هي معضلة نوعية لا يمكن حلها إلا بتصحيح نظرته الخاطئة.
طريق اللذة من الداخل لا من الخارج حماقةً ظنّ طلب القصر والحصون
ذاك في زاوية السجن سكران فرح وذاك في البستان عابس محروم (مولانا)
في معرفة النفس ندرك أن كثيراً من آلامنا جذورها في دواخلنا. فامتلاك توقعات وهمية أو غير واقعية من الآخرين، والألم والغضب من الدنيا دون الأخذ بعين الاعتبار حساسياتنا المؤلمة، والشك في قيمة ذواتنا، هي من بين العقد الداخلية التي تؤذينا، ولو لم نقتلع جذور هذه الآلام من أذهاننا، فإن إصلاح الدنيا كلها لن يستطيع أن يمحو الفشل والحزن من وجودنا.
كل هذا، وأكثر منه بكثير، يُظهر ضرورة معرفة الذات بوصفها معرفةً لحاجاتنا الأصيلة، ونقداً لتعاليم المحيط، وبحثاً عن معنى واعٍ للحياة. فإذا لم يقدم الإنسان، بوعي، على نقد قيمه ومراجعتها، فإنه سيحيا حتماً في عالم من التعليق العاطفي والجهل الفكري والسلوكي. وعندما تقوم فلسفة حياة المرء على معتقدات متناقضة ومفروضة، وحين لا يدري على وجه الدقة ما هو منبع سعادته وشقائه، فإن الوقوع في عوارض كالحيرة والتردد والغضب والقلق وتآكل الذات، يصبح أمراً لا مفر منه. وهذه معضلة نرى الكثير من الناس والمجتمعات تصارعها.
لكن، كما قلنا، معرفة الذات تعني إعادة نظر في التعاليم التي نشأنا عليها. تعني أننا، نحن الذين لطالما فكرنا بمعتقدات معينة، نريد لأول مرة أن نقيم هذه المعتقدات نفسها. في معرفة الذات، ولو لمرة واحدة، بدلاً من أن نفكر "بـ" آرائنا ومعتقداتنا، نفكر "في" آرائنا ومعتقداتنا. بدلاً من أن نفكر "بـ" ثقافتنا، نفكر "في" ثقافتنا، وبدلاً من أن ننقد كل شيء بقيمنا، ننقد قيمنا نحن. هدفنا من هذه المراجعة هو أن نرى إلى أي حد تكون هذه الذهنيات التي نشأنا عليها وهذه المعتقدات التي شكلت عالمنا صحيحة ومفيدة. نريد أن نتأكد أن العيب الذي نراه في أشياء كثيرة ليس نابعاً من نظرتنا نحن، وأن الألم الذي نعانيه لا ينبع من داخلنا، وأن الحزن أو الامتعاض الذي نتحمله ليس بسبب خلل في أحكامنا نحن. إذ من الواضح أنه إذا كان "رؤية الدنيا زرقاء ناتجة عن زرقة زجاجة أمام أعيننا"، كما يقول مولانا، فإن الأمر يختلف كثيراً. حينها، بدلاً من أن نغضب على هذا وذاك أو نحاول إصلاح العالم، ينبغي لنا أن نعيد بناء عالمنا الداخلي. يجب أن نزيح "الزجاجة الزرقاء" من أمام أعيننا بدلاً من أن نصبغ العالم كله.
أَمَامَ عَيْنَيْكَ كَانَ زُجَاجٌ أَزْرَقُ فَبَدَا لَكَ الْكَوْنُ كُلُّهُ أَزْرَقَا
بطبيعة الحال، ليس المقصود من هذا الكلام عدم الاكتراث بالعالم المحيط، بل على العكس، هو سعي لرؤية العالم رؤية صحيحة. فما لم نرَ عالمنا على حقيقته، لا يمكننا أن نبنيه بناءً صحيحاً.
قد يُسأل: أي علم أو معرفة نستخدمها في معرفة الذات؟ الجواب واضح: كل ما صنع عالمنا. كثير من مسائلنا، كالهدف من الحياة، والسلوك الأخلاقي، ومعنى السعادة، هي أسئلة فلسفية، ومن الطبيعي أن نستعين للإجابة عنها بالفلسفة، وألا نكتفي بالتعرف على آراء الفلاسفة، بل أن نتعلم التفلسف ونتمرن على التفكير الفلسفي.
بعض مسائلنا، كالحزن والقلق والاكتئاب والعادات غير المرغوبة، هي أمور نفسية، ولمعرفتها على نحو صحيح نحتاج إلى الإلمام بآليات نفسيتنا، وهذا ما يمنح علم النفس مكانة خاصة في معرفة الذات وبنائها. إن موضوع "الإبستمولوجيا" (في الفلسفة وعلم النفس) الشائق، الذي يعرّفنا بحدود المعرفة وأخطائها، يلعب دوراً كبيراً في التسامح الفكري والتحرر من الدوغمائية والمعرفة المثلى بالذات والعالم. أما "التفكير النقدي" فهو من المهارات الأخرى التي تعيننا بشكل لافت على تقييم ما نسمعه وعلى صفاء فكرنا وأحكامنا، وتجنبنا الوقوع في هاوية الخطأ والخداع. كما أن الإلمام بالعرفان، الملهم للتعمق في التفكير والنظرة الكلية للإنسان والعالم، يضطلع بدور بالغ الأهمية في معرفة الذات. فالنظرة العرفانية ترتقي بنظر الإنسان من الحدود الضيقة للعلاقات الاتفاقية، وتحطم السقف الواطئ لتصوراته عن نفسه وعن الإنسان، وتجول بأفكاره في آفاق لا حد لها...
علاوة على ذلك، فإن الدراسة في مجالات مثل التاريخ وعلم الاجتماع والتعرف على ثقافات الأمم الأخرى تساعد الفرد على فهم أفضل للإحداثيات الزمانية والمكانية التي يقف فيها. وكل هذه المسيرات «الأنفسية» إذا ما امتزجت بالمسير «الآفاقي» ستثمر ثمرة أعظم بكثير. فالسفر خارج حدود مدينتك وجنسيتك وثقافتك يعالج النظرة المحدودة والأنانية للإنسان ويمنحه رؤية «متعالية» تجاه ثقافته ومعتقداته. هذه من أهم المجالات التي تضيء طريق الإنسان الباحث في رحلة معرفة النفس المذهلة. ومع ذلك، فإن معرفة النفس ليست محدودة بأي من هذه الساحات. فالإنسان ليس كائناً منفصلاً عن العالم، بل هو جزء من الكون، وبالتالي فإن معرفة العالم ليست منفصلة عن معرفة الذات، وفي هذا الطريق، كل ما يعين الإنسان على فتح الدرب وإنارة البصيرة فهو مرغوب ومفيد.
في ختام البحث، يبدو من الضروري تعداد بضع خصائص مهمة لمعرفة النفس. أولاً، كما أعتقد أنه قد اتضح حتى الآن، فإن معرفة النفس ليست مقولة محدودة بمجتمع أو جنسية أو دين معين. إن نفوذ المجتمع الشامل في نظرة الفرد وشعوره من جهة، وضرورة توضيح طريق واضح لحياته من جهة أخرى، هما من التحديات المهمة التي يجد كل إنسان ذكي، أينما كان في العالم، نفسه أمامها سريعاً، ويدرك أنه لبناء حياة واعية، لا مفر من تحديد موقفه من مثل هذه الأمور العظيمة.
ثانياً، إن معرفة النفس ليست علماً، بمعنى مجموعة من المعلومات والاكتشافات العلمية أو الفلسفية. معرفة النفس هي نشاط أو عملية، عملية منهجية (سيستماتيك) تتم بطريقة واضحة وبهدف محدد. هدف معرفة النفس، كما قلنا، هو تنقية نظرتنا وتأسيس رؤية كونية مستقلة وشفافة، والإنسان العارف بنفسه، في سبيل بلوغ هذا الهدف، يستفيد من كل ما يعينه.
أَضْلَلْتَ بَعِيرًا أَيُّهَا الْمُعْتَمِدُ كُلٌّ يُشِيرُ لَكَ إِلَى الْبَعِيرِ (مولانا)
ثالثاً، إن معرفة النفس ليست عقيدة أو رؤية كونية، ولا تروج لأي اعتقاد خاص، بل على العكس، لديها مقاربة راصدة وناقدة تجاه ظواهر تُدعى العقيدة والنظرة، وتقوم بتقييمها لتعيننا في بلوغ حقائق مدروسة وبعيدة عن التعصب أو الخداع. بهذا المعنى يجب القول إن معرفة النفس ليست اعتقاداً أو نظرة خاصة (كوجنشن) ❊، بل هي تفكير ما وراء الاعتقاد أو ما وراء النظرة (ميتاكوجنيتيف) ❊❊.
نقطة أخرى هي أن معرفة النفس هي بحث في الجذور. في معرفة النفس نتعلم أنه غالباً، خلف سلوك الناس، تكمن نية أو رغبة هي بمنزلة اللب، وسلوك الأشخاص هو مجرد قشرة تخفي ذلك اللب في داخلها. النقطة الدقيقة هي أن تلك النية أو الرغبة، أحياناً، تكون مختلفة بل ومتناقضة مع ما يُعبَّر عنه أو يُتصرف به ظاهرياً. بهذا الفهم، في معرفة النفس، بدلاً من أن نضل بالمظاهر وننشغل بسطح كلام الناس وسلوكهم، نذهب إلى الجذر والأصل ونغوص فيه.
الأمثلة على هذا كثيرة. لقد رأينا جميعاً شخصين أو مجموعتين يتقاتلان ويتشاجران حول العقائد أو حول التشجيع لشخص أو مذهب معين، ويصلان أحياناً في هذا إلى حد العداء وتدمير بعضهما البعض. عادةً ما نفسر مثل هذه التوترات بأنها «حروب قومية» أو «نزاع عقائدي» أو «شجار على الفرق الرياضية». لكن في معرفة النفس، بإدراك الدور الأساسي للحاجات النفسية والعاطفية للناس، نكتشف أنه في مثل هذه النزاعات، القومية أو الدين أو الطائفة أو فريق كرة القدم ليست أكثر من قشرة، وما يدفع الناس على طرفي الشجار إلى الثوران العاطفي والسلوكي هو الدفاع عن هويتهم وكرامتهم. في معرفة النفس، في بحث «التطابق الهوياتي»، يدور الحديث حول أن الناس، لكي يسكنوا شعورهم بالضعف والحقارة، يربطون هويتهم بأشياء كبيرة مثل القومية واللغة والدين والفريق القومي ليكتسبوا اعتباراً في ظل هذه الظواهر. في الحقيقة، في مثل هذه الاختلافات، يكون الطرفان قد علقا كرامتهما بعظمة وجلال تلك الظاهرة، وما يتقاتلون عليه الآن وتزبد له أفواههم هو هويتهم وشخصيتهم، لا ذلك الدين أو العرق أو الفريق الرياضي.
بشكل عام، لا ينبغي إغفال الحاجات الروحية والآليات العاطفية في فهم سلوك البشر، وإلا فإننا سنضل الطريق ونعزو مثل هذه النزاعات إلى القومية والدين وما شابه ذلك. ونتيجة هذه النظرة السطحية هي أن أي محاولة لحل عقد الحروب والعداوات بين البشر ستبوء بالفشل، كما باءت في أغلب الأحيان.
Cognition ❊
Metacognitive ❊
النقطة الأخيرة هي أن معرفة الذات، على رحابتها وجاذبيتها، ليست نهاية الطريق. فمعرفة الذات تمهد الطريق للاستفادة المثمرة من فرصة العمر وتنمية قدرات المرء. وبعبارة أخرى، تشكل معرفة الذات أرضية ضرورية لتحقيق الذات. فبدون معرفة الذات، تغدو مساعي الإنسان أشبه بتخبط أعمى في الظلام لا يجني منه سوى الحيرة واستنزاف الذات. أما بمعرفة الذات وحاجاتها وقدراتها، فيمكن للمرء أن يسير في درب واضح ويحيا حياة نابضة ومثمرة. فالإنسان الواعي هو مهندس مصيره، وهذه الهندسة، كأي بناء آخر، تحتاج إلى معرفة وتخطيط. وفي هذا المخطط الكبير، تمثل معرفة الذات مرحلة المعرفة والتخطيط، ويمثل تحقيق الذات مرحلة التنفيذ والاستثمار.
.
.
❊❊❊ يطرح الدكتور سروش في إحدى محاضراته نقطة بالغة الأهمية وجديرة بالتأمل. فهو يقول إن الحرب والقتل الوحشي الذي تشنه جماعات مثل داعش في العالم، خلافاً لظاهرها، ليست حرب دين وعقيدة، بل هي حرب كرامة وهوية. إنهم يريدون من خلال هذه التحركات جذب انتباه العالم إليهم والتغطية على عقدة الحقارة والضعف لديهم. إنهم بهذه الأفعال يصرخون بلسان الحال في وجه العالم قائلين: انتبهوا إلينا! نحن موجودون أيضاً ولنا دور وأهمية. إذا تجاهلتمونا فسنجبركم على رؤيتنا (نقل بالمعنى).
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
هنگامی که انسان با خودش صداقت نداشته باشد وبه خودش دروغ بگوید، به خودشناسی نخواهد رسید. تا آئینه وجودی انسان غباررویی نشود،،خودشناسی واقعی و حقیقی غیرممکن است...
درود بر شما سخنان خوب و شایسته تاملی فرمودید. شوربختانه همیشه در گوش ما خوانده اند که خود رابشناس اما در کردار، همان افراد از شناسایی خود،ناتوان بوده اند و حرفی برای گفتن نداشته اند. سپاس از شما چرا که بهره بردیم از جستار ارزنده تان
با سلام خوب بود متشكرم ميشه لطفا چند كتاب براي نيل به هدف خودشناسي بهم معرفي كنيد سپاس
سلام از نظر من به اناگرام (شخصیتشناسی 9 گانه) در تلگرام @enneagraminstitute_ir یا t.me/enneagraminstitute_ir سری بزنید.
کتابي با عنوان از خود شناسي تا خودآگاهي روشي کاربردي براي بهتر زيستن. نويسنده سيد علي بهشتي شامل فصلهاي مشخص و تکاليف خانگي
با درود خود شناسی در قلمرو عام و همگانی، اگر نگوییم امری ناممکن! بی نهایت دشوار است. تاکیدات نویسنده محترم به درستی آموزنده و تاثیر گذار است که به طور خاص و در جهان فردیت برای معدود انسانهایی که بهر دلیلی مراحلی از رشد را پشت سر گذاشته اند وبه مرحله ی پیش گاهی از خویش رسیده اند کار آمد و راهگشاست. به نظر می رسد دست یابی به خود آگاهی در فرایندی نفس گیر، با پیش نیاز نفی خودِ کلیشه شده ی شرایط، آغاز و با کنار آمدن با تعارضاتِ روندِ آرام گیریِ جوشش عصیانگرانه ی به خود آمدن، زمینه گام برداشتن در مسیرخود آگاهی ادامه می یابد. راهنمایی های ارزنده ی دانشمندِ محترم: ساسان حبیب وند، همچنان که از فحوای سخنان رسولانه ی ایشان به روشنی پیداست؛ راه نجات انسان از اسارت، دست یابی به خود آگاهی است. این کوشش های نوع دوستانه ستودنی و شاسیته ارج نهادن است. امید می رود در راستای این سخت کوشی ها به راههایی برای دست یابی به آگاهی جمعی نیز توجه شود که راه کوتاه تری برای رهایی انسان است. با آرزوی توفیق. بسیار آموختم.