اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
رغم الفوارق بين الإنسان الحديث والتقليدي، يقتضي العقل ألا يُهجر النص المقدس ما لم يثبت عدم جدواه؛ غير أن الدفاع عنه في العصر الحديث يقوم على كونه 'محتوى صائباً' لا على كونه 'صادراً عن الحق'.

رغم أن الإنسان الحديث يختلف عن الإنسان التقليدي في مجالات وجودية مختلفة (المعتقدات، المشاعر والعواطف، الرغبات والسلوك) إلا أن بينهما قواسم مشتركة، ومع أن جميع الكتب المقدسة للأديان والمذاهب قد ظهرت في عصر التقليد، فإنه بسبب هذه القواسم المشتركة لا يمكن القول إن هذه النصوص المقدسة لا تنفع الإنسان الحديث. ومن جهة أخرى، فإن قوام الإنسان الحديث هو العقلانية، ومقتضى العقلانية هو ألا نصرف النظر عن ظاهرة ما لم يثبت بعد أنه لا يمكننا الاستفادة منها بأي شكل. إذن، حتى يثبت أن النصوص المقدسة لا فائدة منها للإنسان، لا ينبغي صرف النظر عنها، وهذه الظاهرة لم تثبت بعد، ولذلك يجب إيلاء النصوص المقدسة اهتماماً، رغم أنه بعد الاهتمام يمكن قبولها أو رفضها. ومن جهة أخرى، هناك مدّعون يقولون إنهم استلهموا من النصوص المقدسة في مسائل معينة أو استفادوا منها في قضايا وجودية، والعقلانية تقتضي ألا نغض الطرف عن هذا القول ما لم نقم دليلاً على رفضه. لذلك، لا يمكن صرف النظر عن النص المقدس في العصر الحديث لأسباب.
لإثبات أن النص المقدس مفيد وبالتالي قابل للاستخدام (الانتقال من إمكانية الفائدة إلى الفائدة الفعلية) توجد مشكلات تنقسم، تبعاً لنظرتين إلى الكتاب المقدس، إلى فئتين:
الفئة الأولى من المشكلات تتعلق بالادعاء القائل بأن «النص من جانب الحق (= الله)». فإذا ثبت أنه من جانب الحق، فهو حتماً حق. لإثبات هذا الادعاء يجب قطع ثلاث خطوات: أولاً، إثبات حجية إبستمولوجيا (epistemology) الوحي (revelation) بمنهجية العلوم العقلية والفلسفية. ثانياً، إثبات أن النص الموجود هو الوحي نفسه، بعبارة أخرى إثبات الوثاقة التاريخية للنص وعدم تحريفه (بالزيادة أو النقصان) بمنهجية العلوم التاريخية. ثالثاً، أن نبين أن فهمنا وتفسيرنا لهذا النص هو فهم صحيح.
الفئة الثانية من المشكلات تتعلق بالادعاء القائل بأن: «ما ورد في النص المقدس هو حق». قبل الدخول في حل هذه المشكلة يجب القول إن جميع القضايا، بما فيها القضايا الموجودة في النصوص المقدسة، تنحصر عقلاً في ثلاثة أنواع: ۱. القضايا الناظرة إلى الوقائع والحقائق (x موجود أو x غير موجود، x له خاصية p أو x ليست له خاصية p، x و y تربطهما علاقة r أو x و y لا تربطهما علاقة r). ۲. القضايا الناظرة إلى القيم (= المرغوبات الذاتية). ۳. القضايا الناظرة إلى التكاليف (obligations). لإثبات «كون النصوص المقدسة حقاً» يجب أن نثبت أن ما في النص معقول، أي في مجال القضايا من النوع الأول يجب أن نثبت أنه لا توجد فيه قضية منافية للعقل، وإذا كانت فيه قضايا متعالية على العقل، فالتعالي على العقل هو الراجح (أي أن الأدلة الدالة على قبوله ترجح على الأدلة الدالة على نفيه، رغم أنها لا تثبته بشكل قطعي). وفي مجال القضايا من النوعين الثاني والثالث (القيم والتكاليف) يجب أن نثبت أن لها إفادة عملية (فاعلية) في حياتنا. أما في أي مجال من حياتنا يجب أن تكون هذه الفاعلية والإفادة العملية، فيتوقف على توقعنا من الدين.
في العصر الحديث، يجري الدفاع عن «كون النصوص المقدسة حقاً» أكثر من الدفاع عن «كونها من جانب الحق». ولهذا الأمر سببان رئيسيان: ۱. اتساع نطاق التواصل ووعينا بالأديان الأخرى والنصوص المقدسة أفهمنا أن النصوص المقدسة، باستثناء النصوص المقدسة للإسلام واليهودية وجزء من المسيحية، تدّعي أنها حق وليس أنها من جانب الحق. ۲. البراغماتية أو النزعة العملية التي تولي أهمية لفائدة الأشياء أو منفعتها العملية في الحياة. وقد شاعت هذه النظرة، وهذا هو مقتضى العقلانية الأداتية أيضاً.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.