اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس مصطفى ملكيان في «نحن والنصوص المقدسة» وظيفة الكتب المقدسة لإنسان اليوم؛ فالبحث عن الحقيقة يقتضي التزاماً نظرياً وعملياً بحقيقة لا زمانية ولا مكانية، وتُصنَّف الحقائق وفقاً لأثرها العملي.

أتقدّم بخالص التحيّة والإجلال إلى جميع السيّدات والسادة، ويسعدني كثيراً أن أكون في السنة التي اختيرت فيها مدينة كاشان، ذات التاريخ العريق والعمق الثقافي الأصيل، عاصمةً للكتاب، بين أحبّتي من أهالي كاشان. إنّني أغتنم حقّاً هذه الفرصة للقاء الأصدقاء الكاشانيّين، وآمل ألّا أكون قد أضعت وقتكم فيما سأعرضه عليكم من حديث.
موضوع البحث
الموضوع الذي حُدّد لي هو «نحن والنصوص المقدّسة» أو «نحن والكتب المقدّسة». عندما يُقال «نحن» فالمقصود هو نحن البشر في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي؛ والمقصود بـ «نحن والكتب المقدّسة» هو: هل ينبغي للبشر في مطلع القرن 21 الميلادي أن تكون لهم صلة بالكتاب المقدّس؟ وإن كان ينبغي، فما هي هذه الصلة؟ وبعبارة أبسط، هل ما زالت للكتب المقدّسة فاعليّة ووظيفة أم لا؟ وإن كانت لها وظيفة، فما هي تلك الوظيفة؟ وكيف ينبغي لنا أن نقترب من الكتب المقدّسة ونتّخذ منها منهجاً بحيث يمنحنا ذلك الاقتراب والمنهج تلك الوظيفة. يدور البحث في الواقع حول هذا الأمر.
مقدّمات البحث
سأذكر منذ البداية سلسلة من المقدّمات الواضحة واحدة تلو الأخرى، ثمّ أتطرّق إلى صلب الموضوع.
1- إنّ حبّ الحقيقة في الإنسان يقتضي أن يلتزم، حيثما وجد حقيقة، وحيثما صادف أمراً وجده حقيقة، بتلك الحقيقة التي وجدها واكتشفها -بحسب زعمه- التزاماً نظرياً وعملياً كاملاً؛ أن يلتزم بها التزاماً نظرياً، أي أن يعتقد بها ويؤمن بها؛ وأن يلتزم بها التزاماً عملياً، أي أن يكون ذلك الاعتقاد منشأ أثر في حياته وسلوكه. إنّ مقتضى حبّ الحقيقة هو ألّا أكون غير مكترث بالحقيقة. إذا وجدت شيئاً حقيقة، فينبغي أن يكون لي به تعلّق قلبي وذهني، والتزام خارجي وسلوكي. نعبّر عن هذا التعلّق القلبي والذهني بـ «الالتزام النظري»، وعن الالتزام الخارجي والسلوكي بـ «الالتزام العملي». هذه هي المقدّمة الأولى. طبعاً بافتراض أنّنا نحن البشر إمّا أنّنا أساساً طلّاب حقيقة، وأنّ حبّ الحقيقة هو، كما قال أفلاطون، إحدى الرغبات الثلاث الكبرى لأرواحنا؛ أو حتّى لو لم نكن نعتقد بنظريّة أفلاطون، فإنّ أولئك منّا ممّن يكون لحبّ الحقيقة جاذبيّة عظيمة لديهم، ينبغي أن يكون لهم هذا الالتزام النظري والعملي إزاء الحقيقة.
2- الحقيقة لا تاريخ لها ولا جغرافيا؛ لا زمان لها ولا مكان؛ إذا كان شيء ما حقيقة، فهو حقيقة؛ بغض النظر عن أن مكتشفي هذه الحقيقة عاشوا في العصر القديم أم في العصر الحديث، وسواء أكانت هذه الحقيقة قد اكتُشفت أول مرة في شرق العالم أم في غربه. الحقيقة حقيقة وليست زمانية. أي لا تاريخ لها؛ وليست مكانية أيضا. أي لا جغرافيا لها. إذا قلتم «أنا أقبل حقيقة اكتشفها الشرقيون أو أقبل حقيقة اكتشفها الغربيون، أو أقبل حقيقة اكتُشفت في القديم أو أقبل حقيقة اكتُشفت اليوم» فهذا يدل على أنكم لستم باحثين عن الحقيقة. إذا كنتم باحثين عن الحقيقة فجل همكم فقط وفقط هو ما إذا كانت هذه حقيقة أم لا. إن لم تكن حقيقة، شرقية كانت أم غربية، قديمة كانت أم حديثة، أرفضها، وإن كانت حقيقة، شرقية كانت أم غربية، قديمة كانت أم حديثة، فأنا أقبلها. لا يهمني ما مكان هذه الحقيقة وما جغرافيتها، ولا ما زمانها وما تاريخها. إذن، أنا لا أبحث عن مكتشفي الحقيقة لأعرف هل عاش هؤلاء المكتشفون في القديم أم يعيشون اليوم، أم عاش هؤلاء المكتشفون في الشرق أم عاشوا في الغرب؛ «الحكمة ضالة المؤمن». هذا القول، قولا من كان، قول صحيح. غرضي هو أني لا أقبل هذا القول لأنه قول علي بن أبي طالب، بل كنت لأقبل هذا القول لو قاله أي كان. كان علي بن أبي طالب يقول «الحكمة ضالة المؤمن»؛ «دانايي (حقيقت) شتر گمشده مؤمن است»؛ «أينما وجدها أخذها»؛ الإنسان يجد جمله الضائع أينما وجده فيأخذ بزمامه ويذهب به إلى البيت؛ ولا يقول إن وجدت جملي في البساتين وبين الورود والمروج قبلته، أما إن وجدته في خرابة أو في صحراء تركته على حاله. الجمل الذي يُعثر عليه في الصحراء لا يعود لي به اهتمام؛ ولا يقول إن وجد لي حسن هذا الجمل قبلته وإن وجده حسين لم أقبله؛ «ضالة المؤمن» أي گمشده مؤمن. «ضالة» در زبان عربي هم به معنای هر چیز گمشده است و هم به معنای شتر گمشده؛ «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها». أينما وجدها أخذها. ينبغي أن يكون موقفنا من الحقيقة هكذا. إذن، كل من يقول يجب أن تكون الحقيقة من الشرق حتى أقبلها أو من الغرب حتى أقبلها، أو يجب أن يكون القدماء قد قالوا الحقيقة أو يكون المحدثون والمعاصرون قد قالوها، فليس باحثا عن الحقيقة. هذه هي المقدمة الثانية.
3- جميع الحقائق في العالم، رغم أنها جميعًا قيّمة من حيث كونها حقائق ولا فرق بينها من هذه الناحية، إلا أنها من حيث مدى تأثيرها في حياتي العملية، ومدى ضآلة تأثيرها، ومدى ضآلته أكثر، تتفاوت درجاتها من هذه الجهة. الحقيقة هي الحقيقة. أي أنها تعبّر لكم عن واقع من وقائع العالم. لكن فهم جميع وقائع العالم ليس على درجة واحدة من الأهمية بالنسبة لكم. لو عرفت عدد أوراق الأشجار الموجودة الآن، في هذه اللحظة الزمنية، على الكرة الأرضية، لكانت هذه حقيقة أيضًا، لكن هذه الحقيقة لا أثر لها في حياتي، بينما توجد حقائق مؤثرة، والمقصود بالتأثير هو أن هناك حقائق حين تنكشف لي تؤثر في حياتي العملية وفي حياتي المحسوسة والملموسة. أي أنني منذ اللحظة التي تتضح فيها لي، لا أعود كما كنت سابقًا، ولا أستطيع أن أعيش كما كنت أعيش من قبل. لكن هناك أيضًا حقائق لا أثر عملي لها على حياتي. إنها حقائق، لا جهل ولا خطأ ولا وهم ولا هذيان. إنها حقائق لكنها حقائق عديمة التأثير في الحياة العملية. لو عرفتم عدد شعر رؤوسكم لكانت هذه حقيقة أيضًا، لكنها لا تؤثر في حياتكم. أما لو عرفتم درجة حدة بصركم، فهذه حقيقة أكثر أهمية وتؤثر حقًا في حياتكم. والأهم من ذلك، لو عرفتم ما هو مرض معدتكم؛ فهذا أكثر أهمية، لأن تأثيره العملي أكبر. إذن، الحقائق قيّمة من حيث كونها حقائق، لكنها من حيث مدى تأثيرها في حياتي تقع في درجات متعددة جدًا من الأعلى إلى الأدنى. لقد قلت مرارًا هذه النقطة: إذا توفرت في سؤال ما ثلاثة شروط، فمن الواضح أن هذا السؤال مهم في حياتكم العملية، ومن هذه الجهة ينبغي حتمًا متابعته: 1. أن تختلف حياتكم العملية قبل أن يرد هذا السؤال على ذهنكم عنها بعد أن يرد على ذهنكم؛ 2. أن تختلف حياتكم العملية أيضًا قبل أن يجد هذا السؤال جوابًا عنها بعد أن يجد جوابًا؛ 3. وإذا كان جواب هذا السؤال هو X، تختلف حياتكم العملية عما لو كان جوابه هو Y. إذن، إذا توفر في سؤال ما هذا الشرط، وهو أن حياتي العملية لا يمكن أن تبقى كما كانت قبل أن يخطر هذا السؤال ببالي وبعد أن خطر ببالي، ولا يمكن أن تكون حياتي العملية قبل أن يجد جوابًا كما هي بعد أن يجد جوابًا، وإذا كان جواب هذا السؤال X تختلف حياتي العملية عما لو كان جواب هذا السؤال Y، فإن هذا السؤال يُسمى سؤالاً مؤثرًا في حياتي العملية؛ وإذا لم يستوفِ سؤال ما هذه الشروط، فإنكم إن تابعتموه ووصلتم إلى جواب، فلا شك أنكم اكتشفتم حقيقة، لكنها حقيقة لا تأثير لها في حياتكم العملية. هذه هي المقدمة الثالثة.
4- غير أن حياتنا محدودة. فكل واحد منا محدود من حيث عمره، ومن حيث قواه، ومن حيث استعداداته الباطنية، ومن حيث الفرص الخارجية المتاحة له، لكن عدد الأسئلة لا نهائي. وحين أكون محدودًا وعدد الأسئلة الموجودة لا نهائيًا، فبطبيعة الحال ينبغي أن أقدم على انتقاء الأسئلة، لأحدد أي سؤال أسعى وراء جوابه وأي سؤال لا أسعى وراء جوابه. ذلك أنني لو كنت أملك إمكانات لا نهائية لكنت بالطبع أسعى وراء كل سؤال لأجد جوابه، ولكن ما دام عمري محدودًا، وما دامت سنوات العمر والقوى والاستعدادات الباطنية والفرص الخارجية محدودة، فلن أستطيع بعد ذلك أن أسعى وراء جواب كل سؤال يخطر ببالي أو كل سؤال تطرحونه أنتم أمام ذهني. لأن الأسئلة بكل ما في الكلمة من معنى، أي بالمعنى الرياضي والمنطقي والفلسفي الدقيق، لا نهائية. إذن لا بد من الانتقاء. والآن، ما دمنا مضطرين إلى الانتقاء، فإن كل انتقاء يحتاج إلى معيار. فأي الأسئلة ننتقي ونسعى وراء جوابه، وأيها نقول إننا للأسف لا نملك فرصة للسعي وراء جوابه؟ هذا الانتقاء يحتاج إلى معيار. ومعياره هو نفس ما ذكرته في المقدمة السابقة. الأسئلة التي تتغير حياتنا العملية حين يتحدد جوابها هي التي ينبغي أن نسعى وراءها، أما الأسئلة التي لا تتغير حياتنا العملية حتى حين يتضح جوابها، وتبقى حياتنا العملية كما كانت بالأمس، فليست سؤالًا يلزم السعي وراءه. إذا اتضح جواب ذلك السؤال وبقيت علاقتي بالله – إن كانت لي علاقة بالله – كما كانت بالأمس، وبقيت علاقتي بنفسي وبالبشر الآخرين وبالطبيعة المحيطة كما كانت بالأمس، فلا ينبغي لي أن أسعى وراء مثل هذه الأسئلة. إذن، في مجال تحديد أي سؤال ينبغي السعي وراءه وأي سؤال لا ينبغي، فإن مدى تأثير ذلك السؤال عمليًا في حياتي العملية حين يتضح جوابه، ومدى عدم تأثيره عمليًا، لا بد أن يكون موضع اهتمام في ذلك الانتقاء. وماذا نفعل بشأن بقية الأسئلة؟ بشأن بقية الأسئلة ينبغي أن نفعل نفس ما كانوا يسمونه قديمًا «حكمة ما لي وماله»؛ أن تتخذوا «حكمة ما لي وماله» وتقولوا: «ما لي وماله؟». بمعنى أن هناك أسئلة لا أعرف جوابها أنا أيضًا، لكن هذه الأسئلة لا تعنيني، واكتشاف جوابها لا يؤثر في حياتي العملية. ما لي وماله! لو كانت إمكاناتنا لا نهائية وكنا نسعى وراء جواب كل سؤال لكان حسنًا، لكن الأمر ليس كذلك. والآن ما دام الأمر كذلك، فلنسعَ فقط وراء جواب الأسئلة التي هي من هذا القبيل، ونتخذ إزاء بقية الأسئلة حكمة «ما لي وماله» ونقول: «ما لي وماله؟ ما علاقته بي؟». وأؤكد مرة أخرى أن «ما علاقته بي؟» لا تعني أن الحقيقة عديمة القيمة، لكنها تعني أنه حين تنقسم الحقائق إلى درجتين وقسمين كبيرين، أي حقائق مؤثرة في الحياة وحقائق غير مؤثرة في الحياة، فإنني على الأقل أضحي بالحقائق غير المؤثرة في الحياة في سبيل الحقائق المؤثرة في الحياة. هذه مقدمة أخرى.
5- مقدمة أخرى هي أنه من بين العلوم التي اكتسبها البشر على مر التاريخ شيئًا فشيئًا، وطوروها وعمقوها، ونمّوها وأحدثوا فيها تقدمًا، هناك خمسة أصناف من العلوم يجب أن نجد إجابات الأسئلة المؤثرة في حياتنا العملية في ثنايا هذه المجالات الخمسة. انتبهوا إلى ما قلته بالضبط. لم أقل إن كل ما في هذه المجالات الخمسة يفيد حياتنا العملية، بل قلت إن كل ما يفيد حياتنا العملية يجب البحث عنه في هذه المجالات الخمسة. أما بقية العلوم فلا ينبغي أن يسعى وراءها إلا من كانت تلك العلوم مهنتهم وحرفتهم. سأضرب مثالًا. هل يجب على جميع البشر على وجه الأرض أن يعرفوا تاريخ مصر؟ هل يجب على جميع البشر على وجه الأرض أن يعرفوا الأحقاب الجيولوجية؟ هل يجب على جميع البشر على وجه الأرض أن يعرفوا كم عدد أديان أمريكا اللاتينية؟ وما هي صلاتها ونسبها ببعضها البعض؟ هل يجب على جميع البشر على وجه الأرض أن يعرفوا كم سنة ضوئية تبعد عنا المجرة التي هي في المرتبة الخمسين بعدًا عن مجرة درب التبانة؟ هل يجب على الجميع معرفة هذه الأمور؟ لا. من الذي يجب أن يعرف كلًا من هذه الأسئلة؟ الشخص الذي يقتضي عمله وحرفته أن يعرف جواب ذلك السؤال. هذه ليست أسئلة يجب على كل امرأة أو رجل أو فتاة أو فتى، وفي أي حقبة تاريخية، وفي أي مجتمع أو ثقافة أو حضارة، وفي أي سن أو طبقة اجتماعية، أن يعرفوا إجاباتها. هذه أسئلة يجب على كل من اختار مثل هذه الأعمال أو الحرف أن يعرف إجاباتها. فمثلًا، من اختار الجغرافيا فعليه أن يسعى وراء الأسئلة المتعلقة بالجغرافيا، ومن اختار التاريخ فعليه أن يسعى وراء إجابات الأسئلة المتعلقة بالتاريخ، وهكذا سائر العلوم. لكن هناك سلسلة من الأسئلة يجب علينا جميعًا أن نعرف إجاباتها. لم تعد حكرًا بحيث نقول يجب على الرجال معرفتها ولا يجب على النساء؛ كان على السابقين معرفتها ولا يجب على اللاحقين؛ يجب علينا نحن الشرقيين معرفتها ولا يجب على الغربيين؛ يجب على الأغنياء معرفتها ولا يجب على الفقراء؛ يجب على المتعلمين معرفتها ولا يجب على الأقل تعلمًا. كلا على الإطلاق. هذه أسئلة يجب على كل شخص أن يعرف إجاباتها. أي أنها أسئلة إذا لم نعرف إجاباتها، فسيختل ميزان حياتنا عاجلًا أم آجلًا في مكان ما، وترتطم رؤوسنا بصخرة الحقائق. هذا يختلف عن سؤال كم نموذجًا من الساعات صُمم وصُنع منذ بداية تاريخ اختراع الساعة وحتى الآن. هذه الأمور لا تعنيني، وإذا لم أعرف إجاباتها فلن تختل حياتي. ليس الأمر أنني أقول إنني لم أكن أعرفها بالأمس ولم يُطرح سؤالها عليّ. واليوم وقد طُرح سؤالها عليّ، ما زلت لا أعرف جوابها. حتى لو عرفت جوابها فلن تتغير حياتي. لن تتغير حياتي أمس واليوم وغدًا؛ سواء قبل أن يخطر السؤال على ذهني، أو بعد أن خطر ولم أعرف جوابه، أو بعد أن خطر وعرفت جوابه أيضًا. حياتي لا تتغير بمعرفتي كم نوعًا من الساعات صنع البشر منذ بداية صناعة الساعات وحتى الآن. هذه حقائق مهمة فقط للمتخصصين في تلك المجالات. إذا كنت متخصصًا في المنطق فعليك أن تنشغل بالمنطق. إذا كنت متخصصًا في فروع الرياضيات فعليك أن تنشغل بفروع الرياضيات، وهكذا فروع الفيزياء والكيمياء وأي علم أنت متخصص فيه. لكن إجابات الأسئلة التي يجب علينا جميعًا معرفتها ينبغي أن نجدها في خمسة مجالات. أكرر: «ليس كل ما في هذه المجالات الخمسة له صلة ضرورية بحياتنا العملية، لكن كل ما له صلة بحياتنا العملية يجب البحث عنه في هذه المجالات الخمسة». ما أعنيه هو أنه توجد في هذه المجالات الخمسة أيضًا أمور لا صلة لها بحياتنا العملية. هذه المجالات الخمسة هي مجالات يجب أن نوجه اهتمامنا إليها ونلتفت لها. لأننا يجب أن نجد إجابات أسئلتنا هنا. أي إذا كان من المقرر أن نجد جواب سؤالنا فيجب أن نجده في هذه المجالات، وإن لم نجده فلا شيء. كما لو قلت لكم: إذا أردتم أن تأكلوا خبزًا جيدًا فعليكم بالرجوع إلى المخبز. لكني لم أضمن لكم أن المخبز سيعطيكم خبزًا جيدًا بالتأكيد، لكن الخبز الجيد لا يمكن إيجاده إلا في المخبز. إذن، انتبهوا أيضًا إلى هذه النقطة وهي أنني لا أقول إنكم ستجدون جواب هذه الأسئلة في هذه المجالات الخمسة، لكن إذا كان من المقرر أن يُعثر عليه فيجب أن يُعثر عليه هنا. إذا لم يُعثر عليه هنا، فمن باب أولى لن يُعثر عليه في أي مكان آخر. هذه المجالات الخمسة من بين العلوم والمعارف البشرية هي: 1. بعض فروع الفلسفة، وليس كل فروعها؛ 2.
کل دانشی که امروزه جزء علوم تجربی انسانی به حساب میآید، یعنی کل علم روانشناسی؛ 3. ادبیات جهانی؛ رماننویسان بزرگ، شاعران بزرگ و داستاننویسان بزرگ در تاریخ، به بسیاری از سؤالات مربوط به زندگی عملی ما پاسخ دادهاند. کل حوزه ادبیات جهانی. مخصوصاً در میان شاخههای مختلف ادبی یکی رمانهای بزرگ و یکی اشعار بزرگی که شاعران بزرگ در طول تاریخ سرودهاند؛ 4. عرفان؛ آنچه عارفان در طول تاریخ گفتهاند و از آنها به یادگار مانده است؛ 5. حوزه دین.لهذا السبب تركت مجال الدين للأخير لأنني أريد أن أتناوله في النهاية، وأما المجالات الأربعة الأخرى فلا شأن لي بها في هذا النقاش حالياً. بعض أسئلتنا تُجاب في مجال الدين، وهنا نتعامل مع «النصوص المقدسة». لأن نقاشي في الواقع هو «نحن والنصوص المقدسة».
خطأ الإعراض عن النصوص المقدسة، استناداً إلى حجة سيمون فاي حول «الانتباه»
قبل أن أتطرق إلى النقاش الأساسي أود أن أشير إلى نقطة. برأيكم، كم هو أحمق أن يقول شخص ما: أريد أن أتجاهل تماماً كل ما قاله الفلاسفة على مر التاريخ؟ كم يبدو هذا العمل أحمق؟ سيقولون إن الفلاسفة، مهما ارتكبوا من أخطاء فكرية وذهنية على مر التاريخ، ومهما كانت آراؤهم غير متسقة مع بعضها البعض، ومهما عجزوا عن حل المسائل وإزالة المشكلات، فإنهم في النهاية أعظم قمم التاريخ الفكري للبشر، ولا يمكن لإنسان أن يعيش وكأن أياً من هؤلاء الفلاسفة لم تطأ قدمه التاريخ حتى الآن. يمكن قول هذا الكلام عن العرفاء أيضاً. فالعرفاء لم يكونوا مجرد حفنة من المجانين والمخابيل. لقد كان العرفاء نحلة وجماعة من أعظم مفكري تاريخ البشرية. هل يصح أن أعيش أنا وكأنه لم يظهر أي عارف على مر التاريخ؟ هذا العمل لن يجلب لي سوى الحرمان والخسران. تماماً كما لو أنك أردت تجاهل كل التقدم الذي حصل في الطب وعشت وكأن علماً اسمه الطب لم يوجد حتى الآن ولم يظهر الطب في التاريخ، فأنت بذلك تجعل نفسك بائساً وتعيساً؛ وتحرم نفسك من نعم كثيرة تتعلق بصحة البدن أو قوته أو جماله. فالطب في النهاية جاء ليجعل بدني أكثر صحة وقوة وجمالاً. إذا أردت عدم الاكتراث بهذه الأمور فقد حرمت نفسي. وكما لا يمكن أن ندير ظهورنا لما قاله الفيزيائيون والكيميائيون وعلماء الأحياء والمناطقة والرياضيون والمؤرخون والجغرافيون... وإذا فعلنا ذلك نكون في الواقع قد حرمنا أنفسنا، فبنفس الطريقة لا يمكن أن نكون غير مكترثين بما قاله الفلاسفة وعلماء النفس والعرفاء والأدباء والشعراء وكتّاب الروايات العظام وما قالته «النصوص المقدسة للأديان والمذاهب». تأكيدي هنا هو على «النصوص المقدسة للأديان والمذاهب». فمؤسسو الأديان والمذاهب، سواء قبلتموهم أم لم تقبلوهم، وسواء قبلتم بعض تعاليمهم أو كل تعاليمهم أو لم تقبلوا أياً من تعاليمهم، أياً كانت مواجهتكم لهم، لا يمكنكم أن تنكروا أن هؤلاء كانوا بشراً عظاماً ظهروا، وكل إنسان عظيم قد يخطئ بالطبع لكنه في النهاية إنسان عظيم. بمعنى أن عيسى ليس شخصاً يمكن للتاريخ أن يصرف النظر عنه. وبوذا ليس شخصاً يمكن للتاريخ أن يصرف النظر عنه. لهذا السبب أريد أن أشير إلى هذه النقطة وهي أنه بسبب سلسلة من الأمور التي حدثت على المستوى العالمي، عموماً، وعلى مستوى بلدنا، خصوصاً وبالأخص، نرى أن إعراضاً عن النصوص المقدسة قد وقع بين الأجيال الأحدث. أريد أن أقول إن هذا الإعراض هو إعراض ليس في صالح المُعرِض. ففي الواقع، المُعرِض حرم نفسه من مصدر غني. إذن، كما لا يمكننا أن ندير ظهورنا لآثار الفلاسفة والعرفاء والشعراء وكتّاب الروايات العظام والحكماء، ولا يمكن أن نعيش وكأن شكسبير لم يولد بعد، وأن نعيش وكأن كانط لم يولد بعد، وأن نعيش وكأن أينشتاين لم يولد بعد، لا يمكن أن نعيش وكأن عيسى أو محمداً أو أي مؤسس لدين أو مذهب آخر لم يولد بعد. هذا ليس نابعاً من أن لدى أحد تعصباً أو حكماً مسبقاً إيجابياً في غير محله أو جموداً وتحجراً تجاه الدين، بل هو واقع. الواقع هو أن مؤسسي الأديان والمذاهب، سواء قالوا كل ما هو صواب تماماً، أم كان بعض ما قالوه صواباً وبعضه خطأ، أم كان كل ما قالوه خطأ، كانوا بشراً يجب «الانتباه» إليهم، وهنا نصل إلى المطلب التالي وهو «الانتباه» (attention).
ابتكرت سيمون فاي (Simone Weil)، الفيلسوفة والعارفية والمناضلة السياسية والاجتماعية وعالمة الأديان الكبيرة في القرن العشرين بفرنسا، مفهوماً هو مفهوم «الانتباه» وأريد أن أشير إلى هذا المفهوم. كانت سيمون فاي تشير في مفهوم «الانتباه» إلى هذا القول. كانت تقول إن الله لن يقول أبداً لماذا لم تقبل كل أقوال الفيلسوف الفلاني، أو مؤسس الدين والمذهب الفلاني أو العارف الفلاني. أبداً وعلى الإطلاق. لماذا؟ لأن القبول أو عدم القبول ليس أمراً اختيارياً. ينبغي أن ينسجم مطلب ما مع مجموع قواي الإدراكية حتى يستطيع ذهني أن يقبله. وإن لم ينسجم فلا يستطيع ذهني قبوله. لا يمكن لله أن يقول لنا لماذا لم تفهم كل أقوال الفيلسوف الفلاني، أو العارف الفلاني أو مؤسس الدين والمذهب الفلاني. لأن الفهم أيضاً ليس باختياري أنا وأنت. لكن يمكن لله أن يقول لماذا لم «تنتبه» لآثار الفيلسوف الفلاني أو مؤسس الدين والمذهب الفلاني. لماذا؟ لأن سيمون فاي تعتقد أن الفلاسفة والعارفين ومؤسسي الأديان والمذاهب والحكماء وعلماء النفس هم بمثابة النعم الطبيعية. وكما أننا إذا لم ننتبه للنباتات والحيوانات والجمادات نكون قد حرمنا أنفسنا من أشياء، فكذلك إذا لم نكترث بهذه النعم نكون قد حرمنا أنفسنا. حين أوجدنا الله في الدنيا وضع تحت تصرفنا جمادات كالخشب والحجر والماء؛ ووضع تحت تصرفنا نباتات (أنواع وأصناف النباتات والأشجار)؛ ووضع تحت تصرفنا أنواعاً وأصنافاً من الحيوانات. ثم تقول إن الله تعالى وضع تحت تصرفكم أيضاً أنواعاً وأصنافاً من «البشر». كيف تحسبون الجمادات والنباتات والحيوانات نعمة من الله، ولا تحسبون الفلاسفة والعارفين والحكماء ومؤسسي الأديان والمذاهب والعلماء والأدباء نعماً موهوبة لكم من الله؟ ليست النعم فقط أشياء من غير نوع البشر. نحن نظن أن النعم الربانية هي فقط نعم من جنس الجماد أو من جنس النبات أو من جنس الحيوان. لكن جزءاً من النعم، وجزءاً مهماً جداً من النعم التي أعطانا الله إياها هم البشر من نوعنا نحن. فإن كان في هؤلاء البشر علم ليس فيك، وقدرة على التفكير ليست فيك، وعمق فهم ليس فيك، وتجربة ليست فيك، فإن قاطعتهم تكون قد حكمت على نفسك بفقدان العلم، وفقدان القدرة على التفكير، وفقدان عمق الفهم، وفقدان التجربة. أي كما أنني لو أدرت ظهري لأشجار الدراق وقاطعتها أكون قد حرمت نفسي من نعمة فاكهة كالدراق، فكذلك لو أدرت ظهري للفلاسفة أكون قد حرمت نفسي من نعمة. من وجهة نظر سيمون فاي، إن الانتباه والالتفات إلى هذه النقطة وهي أن «الله لم يمنحنا كل النعم فقط عبر الجمادات والنباتات والحيوانات، بل منحنا أيضاً نعماً عبر البشر» يلزمنا بأن «ننتبه» إليهم أيضاً. وفي هذا أيضاً سيحاسبنا الله. يقول الله: ما كان ينبغي لك بعد شكسبير أن تعيش كما كان يعيش أولئك الذين كانوا قبل شكسبير. لا يمكنك بعد ظهور بوذا أن تعيش كما كان يعيش أولئك الذين كانوا قبل ظهور بوذا. كما أنك لا يمكنك بعد ظهور باخ وبيتهوفن أن تعيش كما كان يعيش أولئك الذين عاشوا قبل باخ وبيتهوفن. لأنهم لم تكن لديهم نعمة أنت تملكها، وكان ينبغي أن تستفيد من هذه النعمة أقصى استفادة. بهذا الاستدلال كانت سيمون فاي تقول إن الله لن يقول لي أبداً: فلانة، مثلاً السيدة سيمون فاي، لماذا لم «تقبلي» أقوال الفيلسوف الفلاني. لأني سأقول: لأن هذه الأقوال لم تكن لتنسجم مع بنيتي الذهنية. ليس بيدي أن أقبل. ينبغي أن تتقبل هذه البنية هذا القول. لذا لم أقبله. ولن يقول أيضاً لماذا لم «تفهمي» أقواله. لأن الفهم أيضاً ليس بيدي. الفهم أيضاً يحتاج لقدرات ذهنية ليست بيدي ولم تكن لدي. لذا لم أفهم قول الفيلسوف الفلاني. لكن يمكن لله أن يقول لي: أنا لا أطلب منك الفهم والقبول، لكني أطلب «الانتباه». كان ينبغي أن تسلكي سلوكاً يظهر أنك تعيشين بعد نيوتن لا قبل نيوتن؛ قبل أن أمنحكم نعمة اسمها نيوتن، وعيسى، ومحمد، وعلي بن أبي طالب، وفرنسيس الأسيزي و... كان ينبغي لكم أن «تنتبهوا» لهذه النعم. لذلك، كانت سيمون فاي تقول إن «الانتباه» (attention) هو أعظم واجب على الإنسان تجاه الله. لأنني إن لم أنتبه للنعم أكون كمن رد هدية الله وقال: لا أريد هذه الهدية ولست بحاجة إليها، وأريد أن أعيش كما كنت قبل تلقي هذه الهدية.
لذلك، كان يقول إن علينا أن «ننتبه»، ومن هذا المنطلق كانت رسالة سيمون فاي هي أن «ننتبه» أيضًا إلى النصوص المقدسة للأديان والمذاهب. غير أننا بعد أن «ننتبه» نرى أن الكثير مما ورد في النصوص المقدسة لا «نفهمه». حسنًا، هنا لا ذنب لكم. لأنكم لا تفهمون. ومن بين ما تفهمونه، ترون أن بعضه لا يستطيع عقلكم قبوله. ولا ذنب لكم في هذا أيضًا. لا تقبلوه. لكن هناك جزءًا تفهمونه وترون أنكم تستطيعون قبوله. عليكم أن تلتزموا بهذا الجزء نظريًا وعمليًا. لذلك، لا أستطيع بحجة أن في الكتب المقدسة للأديان والمذاهب أقوالًا باطلة أو ربما أقوالًا تافهة أن لا أنتبه إلى النصوص المقدسة. ففي كلام مَن لا تتسرب الأباطيل والتفاهات؟ أنتم عليكم أن تنتبهوا، وتلك التي مع كل انتباهكم لا تفهمونها أو لا تقبلونها، لا شيء عليكم؛ لا حيلة لكم فيها؛ وتلك التي تفهمونها لكن لا تستطيعون قبولها، لا تقبلوها أيضًا. أما تلك التي تفهمونها وتقبلونها فلها حكم آخر. هذه نِعَم أرسلها الله لكم، وكما يسألكم عن كل نعمة أخرى ماذا فعلتم بها، سيسألكم عن هذه النعم أيضًا. لذلك، لا يمكن إدارة الظهر لهؤلاء العظماء.
لكن إذا تدبرتم هذا الكلام، وأنا أوافقه تمامًا، لا ينتج عنه أن الانتباه إلى النص المقدس يعني قبول النص المقدس كله حرفيًا بحذافيره. لا تنتج هذه النتيجة من هذا الكلام مطلقًا وأبدًا. لماذا؟ لأنه لا يمكن لأي عادل، ولا لأي إنسان منصف، ومنهم الله الذي له العدل والإنصاف على افتراض الكمال، أن يكلفنا ما لا نطيق. لا يمكن لأي إنسان منصف أن يطلب مني ما ليس في وسعي. والله أيضًا لا يمكنه أن يطلب مني شيئًا كهذا. إذا كان الله لا يمكنه أن يطلب مني ما ليس في وسعي، فإذا لم يكن في وسع ذهني أن أقبل هذه الجملة من الكتاب المقدس ولا أستطيع وعقلي لا يستطيع قبولها، حينئذ لا يمكنهم أن يقولوا: مع أن عقلك لا يستطيع قبولها، لكن عليك أن تقبلها. هذا مثل أن يقولوا: قدمك لا تستطيع الحركة، لكن عليك أن تصبح عداءً عالميًا. لا أستطيع ولا طاقة لي. طاقة الإنسان ليست فقط طاقته الجسدية. الطاقة الذهنية طاقة أيضًا. الطاقة النفسية طاقة أيضًا. أنا لا أملك طاقة قبول هذه الجملة من الكتاب المقدس. لا أستطيع قبول هذه الآية، لكني «انتبهت» إليها. أي أنني لم أبدُ غير مكترث. لم أرفض الهدية ولم أردها.
ضرر عدم الاكتراث بالنصوص المقدسة
على هذا الأساس، أردت أن أقول إن هذا الاتجاه الذي ظهر على المستوى العالمي، عمومًا، وفي إيران خصوصًا بين الأجيال الجديدة، والذي لا يكترث مطلقًا بالكتاب المقدس، وكأنه يعتبر مجموعة الأمور المقدسة ومجموعة الكتب المقدسة أمورًا تافهة، ولا معنى لها، ولغوًا وعبثًا، يبدو أنه ليس في صالح المخاطب نفسه، أي ليس في صالح من يُظهر هذا النفور أو حتى العداء. كما أنه إذا أدرتم الظهر لأعمال شكسبير فلن يكون ذلك في صالحكم. شكسبير أيضًا لديه ما يقوله؛ من أجل هذه الحياة المحسوسة والملموسة والعملية لنا. كون شكسبير قد قال الشعر في عدة أوزان لا ينفعني في حياتي العملية لأفهم كم وزنًا في السوناتات والغزليات الشكسبيرية في الشعر الإنجليزي. هذه لا تنفعني في حياتي العملية، لكن مضمون شعره قد ينفع حياتي. قد أكون غافلًا عن هذه النقطة.
إذا كان ذهنكم لا يزال غير مقتنع، فسأوضح هذه النقطة بمثال ثم أنتقل إلى الموضوع الرئيسي. افترضوا أنكم سافرتم إلى خارج البلاد. أقول «خارج البلاد» لأني أريد أن يكون طعاماً لم تتذوقوه في حياتكم قط. فمثلاً، تذهبون إلى إسبانيا ويُقدَّم لكم طعام في مطعم فتأكلونه ويبدو لكم في غاية اللذة. وهي المرة الأولى التي تواجهون فيها هذا الطعام أصلاً. يبدو لكم لذيذاً جداً، ومنذ اللحظة التي تأكلون فيها هذا الطعام يشتعل قلبكم حسرةً وتقولون: ليتني أكلت هذا الطعام لأول مرة قبل ثلاثين عاماً. لو كنت أكلت هذا الطعام لأول مرة قبل ۳۰ عاماً لكنت أكلت منه مرتين في الأسبوع طوال هذه السنوات الثلاثين. وكلما بدا لكم ذلك الطعام ألذ، تزداد حسرتكم على حياتكم الماضية وتقولون: لو كنت تعرفت على هذا الطعام قبل أربعين عاماً، لكان لدي أربعون عاماً في كل منها اثنان وخمسون أسبوعاً، وكنت آكل منه مرتين في الأسبوع، أي 2×52×٤۰ فيكون الناتج 4160. أي أنني حُرمت من هذا الطعام 4160 مرة. هذا الكلام الذي يصدق على غذاء جسدكم، يصدق أيضاً على غذاء روحكم. قد تقرؤون الليلة كتاباً ثم تقولون لأنفسكم: لو كنت قرأت هذا الكتاب قبل ٤۰ عاماً، كم كنت سأتجنب من الانحرافات، وكم كنت سأمتنع عن أعمال عبثية، وكم كنت سأتفادى طرقاً خاطئة، وكم كنت سأجنب نفسي الوقوع في مهاوٍ وعرة، وكم من آلام ومعاناة كنت سأوفر على نفسي. هل تستبعدون احتمال أن يكون هناك طعام لم تأكلوه في حياتكم ويكون ألذ من كل الأطعمة التي أكلتموها حتى الآن؟ لا. فلماذا لا تعطون هذا الاحتمال في شأن الكتب؟ لماذا لا تعطون هذا الاحتمال في شأن الفلاسفة، ومؤسسي الأديان والمذاهب، والعارفين، والحكماء، وعلماء النفس، والشعراء، والروائيين، أن تصادفوا الليلة كتاباً فيكون كل أسفكم وحسرتكم من الغد أن ليتني صادفت هذا الكتاب الذي صادفته الليلة قبل ثلاثين عاماً. صدقوني، لو سنحت لي الفرصة لذكرت لكم أمثلة كثيرة من عظماء التاريخ لأناس يعانون من آلام وتحسرات لأنهم تعرفوا على كتاب ما في سنة ما. لو كنت تعرفت على كتاب ما أو شخص ما قبل ۲۰ أو ۳۰ عاماً لكانت حياتي على نحو آخر. والآن، ألا تحتملون أن تكون إحدى هذه الحقائق في النصوص المقدسة لأحد الأديان والمذاهب؟ مثلاً، ألا تحتملون أن يكون في دامابادا البوذية، أو دائو دي جينغ الطاوية، أو الأوبانيشاد، أو البهاغافاد غيتا، أو المهابهاراتا في الهندوسية، أو القرآن، أو العهد القديم، أو العهد الجديد، أو الأبستاق وكل نصوص الأديان والمذاهب الحية أو الميتة، حقائق تنفعكم في حياتكم العملية؟ ألا تعطون حقاً هذا الاحتمال؟ صدقوني، هذه حقيقة حين تصادفونها تأسفون لأنكم لم تعرفوها من قبل. أقول لكم هذا بصفتي شخصاً ناصحاً لكم وبكل صدق. وسعوا الدائرة قليلاً ولا تحصروا أنفسكم ولا تقولوا إني قد تخليت أساساً عن العرفان، أو الدين والمذهب، أو الفلسفة. أكرر مرة أخرى: ليس الأمر أن كل ما قاله الفلاسفة وعلماء النفس والعارفون ومؤسسو الأديان والمذاهب والشعراء والكتاب صحيح. ولا حتى أن كل ما قالوه ينفع حياتنا العملية، ولكن الأشياء التي تنفع حياتنا ينبغي أن توجد في هذه المجالات. فإن لم توجد هنا فلن توجد في مكان آخر؛ كما أنكم إذا كان خباز حيّكم لا يعطيكم خبزاً جيداً، لا يمكنكم أن تقولوا: بما أن الخباز لا يعطيني خبزاً جيداً، سأشتري خبزاً جيداً من مصلح الراديو والتلفزيون. الخبز يجب أن يُشترى من الخباز. إذا كان لشيء أن يوجد، فيجب أن يوجد في تلك المجالات الخمسة.
الشروط اللازمة لرجوع مثمر إلى النصوص المقدسة
لكي يكون الرجوع إلى النصوص المقدسة مثمراً، ينبغي أن نراعي ثلاث خصائص، وإذا راعينا هذه الخصائص الثلاث نصل إلى تلك النتيجة التي كنت أريد اليوم أن أقولها لكم؛
1- إذا أراد المرء أن يتعامل مع النصوص المقدسة للأديان والمذاهب بروح البحث عن الحقيقة، فلا ينبغي أن يفترض أن كل ما هو حق قد ورد في نص مقدس واحد. كلا، ليس الأمر كذلك. ثمة حقائق كثيرة لم ترد في هذا النص المقدس، وينبغي التوجه إلى نصوص مقدسة أخرى والعثور عليها في مكان آخر. أو ينبغي التوجه إلى أعمال العرفاء والفلاسفة والشعراء والروائيين وعلماء النفس والعثور عليها هناك. لا ينبغي أن يكون افتراضنا أن كل ما هو حق موجود في هذا الكتاب المقدس؛ أيًا كان هذا الكتاب المقدس. هذا هو الافتراض الأول. لا ينبغي لنا أن نقول إن كل ما أحتاجه لحياتي موجود في هذا الكتاب. قد تكون هناك حقائق كثيرة ضرورية لحياتك وردت في كتب أخرى. يدهشني أن بعض المتدينين يعترضون على هذا القول، مع أن نبي هذا الدين نفسه قال: «اطلبوا العلم ولو بالصين». أكان الصينيون في نظركم مسلمين؟ إذن لماذا يأمر النبي الذي لديه قرآن الناسَ أن يذهبوا ويطلبوا العلم ولو في الصين؟ لماذا؟ أكان بوسع الناس أن يقولوا للنبي: حسناً، ما دمت قد جئتنا بالقرآن، فإلى أين نذهب بعدُ؟ لماذا نذهب إلى الصين؟ معنى هذا ألا تظنوا أن كل شيء موجود هنا. الأشياء الموجودة هنا ليست هي الحقيقة كلها. ثمة حقائق ينبغي أن تبحثوا عنها وتستقصوها في أماكن أخرى. تلك الأماكن الأخرى، قد تكون النصوص المقدسة لأديان ومذاهب أخرى، أو أعمال الفلاسفة وعلماء النفس والشعراء والروائيين والعرفاء والحكماء وغيرهم. هذا هو الافتراض الأول. إذن، ليس كل ما هو حق موجود في هذا الكتاب المقدس.
2- ليس كل ما في هذا الكتاب المقدس حقًا. لا ينبغي أن نظن أن كل ما في النص المقدس هو حق. علينا أن نرى إن كان عقلنا وضميرنا الأخلاقي يستطيعان قبول ما في النص المقدس أم لا. قد توجد في أي كتاب مقدس أمور ليست حقًا. قد توجد. لم أقل إنها توجد حتمًا. لكنها قد توجد؛ وبالتالي، فإن افتراضنا الثاني هو أنه ليس كل ما في هذا الكتاب هو حق. في هذا الكتاب، كما في أي كتاب آخر، يوجد حق ويوجد باطل. توجد حقائق أعمق. وتوجد حقائق أكثر سطحية. حين كان شاعرنا يقول «كي بود تبت یدا مانند یا ارض ابلعي» لم يكن شاعرًا متنورًا من القرن الحادي والعشرين واقعًا في شرك التغرب. شاعرنا وعارفنا حين كان يقول قبل ألف عام «كي بود تبت یدا مانند یا ارض ابلعي» كان يعني أنه يقبل أن في القرآن آية «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» (المسد: 1) ويقبل أيضًا أن في القرآن آية «يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي...» (هود: 44). لم يكن يقول حتى إن إحداهما غير صحيحة، لكنه كان يقول أين هذه من تلك. شتم أبي لهب شيء، و«يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي» شيء آخر! لا أريد أن أخطّئ رسالة ذلك العارف وأصورها لكم على أنها خطأ وأقول إن هذا الشاعر كان يقول إن إحدى الآيتين حق والأخرى باطل. كان الشاعر يقول هذه الآية موجودة وتلك الآية موجودة أيضًا، ولكن أين هذه من تلك! حتى إن كبار الثقافة الإسلامية قديمًا كانوا يؤلفون كتبًا بعنوان جواهر القرآن. كثير من كبار مثقفينا ألفوا جواهر القرآن. للغزالي جواهر القرآن مشهور جدًا طُبع في إيران وتُرجم إلى الفارسية أيضًا. كان الغزالي قبل ألف عام حجة الإسلام وأكبر علماء العالم السني. وهو يقول قبل ألف عام في مقدمة كتابه إن القرآن كله حق، لكن آياته تنقسم إلى قسمين: الجواهر، والأصداف أو الخزف. طائفة من آيات القرآن جواهر. والباقي إما أصداف حفظت هذه الجواهر في جوفها، أو هي خزف أصلًا؛ ثم يقول، في رأيي، إن هذه الآيات التي جمعتها هنا هي جواهر القرآن. أي أن الجواهر هي هذه الآيات. الغزالي لا يقول إن بقية الآيات باطلة. هذا يختلف عن كلامي. كلامي يذهب إلى أبعد من هذا. الغزالي لا يقول إن هذه الآيات باطلة. هو فقط يقول إن هناك فرقًا بين هذه الطائفة من الآيات وطائفة أخرى من الآيات. بعض الآيات جواهر وبقية الآيات هي في نهاية المطاف أصداف؛ صدفة جاءت لتحفظ ذلك الجوهر وقشرة جاءت لتصون ذلك اللب. أو هي خزف وفخار أصلًا. شيء لا قيمة له. حين كان الشاعر يقول «ما ز قرآن مغز را برداشتیم/ پوست را بهر خران بگذاشتیم» ألم يكن يقول ذلك؟ أي أن للقرآن قشورًا أيضًا، ونحن لم نأخذ تلك القشور وتركناها للحمير. بالطبع تعبير هذا الشاعر فظ بعض الشيء لكنه يريد أن يقول إن هناك أناسًا مستوى تفكيرهم متدنٍ لدرجة أن تلك الآيات أنفع لهم، وهناك أناس مستوى تفكيرهم أرفع وأعلى وهذه الآيات قيّمة بالنسبة لهم. حتى إن كثيرًا من المفسرين في هذا القرآن نفسه، حين كانوا يفسرون آية «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»؛ «يا محمد! بشّر الذين يستمعون قولي أنا الله فيتبعون أحسنه» (الزمر: 17-18)، كانوا يقولون إن «أحسنه» تعني في النهاية أن آيات القرآن تتفاوت فيما بينها. لدينا «حسن» ولدينا «أحسن». لدينا «حسن» ولدينا «جيد». بالطبع أنا ذهبت إلى أبعد من هذا وقلت لكم. قلت يجب أن يكون افتراضنا الأول في النصوص المقدسة أنه ليس كل ما هو حق موجود في هذا الكتاب. هناك حقوق موجودة في كتب أخرى وفي أماكن أخرى. والأمر الثاني أنه ليس كل ما في هذا الكتاب هو حق. هذا هو الافتراض الثاني. وعندئذٍ، تكون النتيجة الثالثة هي:
3- نحن بامتلاكنا كتابًا مقدسًا واحدًا لسنا في غنى عن سائر الكتب المقدسة.
إذا ما رجعنا إلى النصوص المقدسة بهذه المقاربة فإننا سنجد مطالب تحسّن حياتنا.
نتاج المواجهة الحقيقة طلبًا مع النصوص المقدسة
الآن، إذا روعيت هذه المطالب مع هذه الشروط الثلاثة، فإنها تقدم لنا حينئذٍ تلقياً عن النصوص المقدسة، يرى كثيرون، ومنهم مفكر بريطاني اسمه ريموند غويس (Raymond Geuss)، أننا إذا امتلكنا هذا التلقي، فإن مواجهتنا للكتب المقدسة تصنع منا واحداً من هذه الأنماط الثلاثة من البشر؛ والأديان إنما جاءت لتصنع منا واحداً من هذه الأنماط الثلاثة من البشر. فإذا صنع منا الكتاب المقدس إنساناً من نمط رابع أو خامس، فذلك يعني أننا لم ندرك ما هي وظيفة هذه النصوص المقدسة في الحياة. كان كلامي إلى هنا من عندي، أما من هنا فصاعداً فسأنقل لكم عن لسان غويس. كان يقول إن أولئك الذين يواجهون النصوص المقدسة مواجهةً باحثةً عن الحقيقة، حين يتعاملون مع النصوص المقدسة ويولونها كامل انتباههم، وحين يتركون جانباً ما لا يفهمونه، ويتركون جانباً ما يفهمونه ولكن لا يقبلونه، ويتمسكون نظرياً وعملياً بما يفهمونه ويقبلونه، فإن حصيلة ذلك ستكون واحداً من هؤلاء البشر الثلاثة، وكلهم خير؛
1- النمط الأول من البشر الذي ينبثق من هذه المواجهة هم أناس يخلصون إلى نتيجة مفادها أنني، لكي أبلغ الله، أو روح العالم، أو الوجود، أو الحقيقة النهائية للوجود، أو أي تعبير آخر تختارونه، وأتصل به، لا سبيل لي إلا أن أحقق نوعاً من التطهير الأخلاقي الباطني. لا أريد هنا أن أعرض لكم بحث غويس بالتفصيل، ولكنني سأوجزه. سأضرب مثلاً. في هذا التلقي، يكون الله، على سبيل المثال، أشبه بملك. أنتم إذا كانت لديكم عريضة وأردتم أن تقدموها إلى ملك، وأردتم أن يتسلمها الملك ويقرأها ويرتب الأثر بمقتضى عريضتكم ويغيثكم، فماذا تفعلون؟ فكروا بطبيعة الحال. أول ما تفعلونه هو أن تنظفوا أبدانكم وملابسكم إلى الحد الذي لا يشعر معه بالاشمئزاز من رائحة جسدكم ومن قذارة ملابسكم فيقول لكم: ارجع إلى الوراء؛ لكي تتمكنوا من الذهاب إلى جانب الملك وتقديم العريضة إلى يده. لكي يقترب الإنسان من الملك، ينبغي أن يكون في أنظف بدن ولباس حتى يستطيع الذهاب إلى جانب الملك؛ وإلا، إذا قال الملك من بعيد: لا تتقدم إطلاقاً، فإن احتمال أن أتمكن من إيصال عريضتي إلى يده يكون ضئيلاً. في مثالي هذا، القذارة هي قذارة الجسم والبدن. في هذا التلقي الأول، يقولون إننا نتعامل مع ملك ليس هو نفسه من سنخ الجسم. هؤلاء الملوك لأنهم هم أنفسهم من سنخ الجسم، فإن قذارة أو نظافة البدن واللباس تهمهم، وأن لا تكون رائحة فمي كريهة... إلخ. أما ذلك الملك فهو نفسه من سنخ الروح. لذلك، إذا أردت أن تصل عريضتي إلى يده، فينبغي ألا تكون لدي قذارة روحية، وإلا فلن أستطيع الاقتراب منه. التقرّب إلى ذلك الملك يكون من هذا الطريق، وهو أن تكون لدي نظافة روحية، وعليه، لكي أتصل بروح العالم، أو الله، أو روح الوجود، أو أي تعبير تختارونه، وأحقق القرب إلى الله، وأبلغ النيرفانا، وأحقق الفناء في الله والبقاء بالله، وبتعبير العارفين المسيحيين أحقق الزواج الروحي مع الله (كل هذه تعابير مختلفة عن مفهوم واحد)، ينبغي أن تكون لدي نظافة روحية، وبالتالي فإن الكتاب المقدس يقول لي: من الآن فصاعداً طهّر روحك على هذا النحو. لأن الله، أي ذلك الملك، لا يسمح للملوثين بالدخول إلى حضرته. هذه وجهة نظر واحدة. هذه الوجهة من النظر تكاد تكون مثل تلك العبارة التي تنسب إلى نبي الإسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أو «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»[1] (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وهي قريبة جداً من أفق وجهة النظر الأولى هذه. تريد أن تقول إن الدين أصلاً جاء لكي تصبح طاهراً من الناحية الذهنية والنفسية والخُلقية. فإذا تطهرت، تتصل بروح الوجود ولا تنفصل عنه. هذا تلقي واحد. يفترض التلقي الأول وجود إله مشخصن على هيئة الإنسان في الوجود، وهو ما لا أريد الخوض في بحثه الآن. أشير إليه فقط من أجل الأصدقاء الذين لهم دراية بهذا البحث.
2- لكن هناك تلقٍّ ثانٍ. قد تصبح، عندما تواجه النصوص المقدسة، إنساناً آخر؛ أي أن تصبح إنساناً ينظر إلى الوجود كله بعين واحدة. فلا يكون هناك في الوجود قبيح وجميل بالنسبة لك؛ ولا خير وشر؛ ولا مدنَّس ومطَهَّر؛ ولا صافٍ ومشوب بالشائبة. لماذا؟ أي كيف يمكننا أن ننظر إلى الوجود كله بعين واحدة؟ لأن مسافة أي عدد من اللانهاية تساوي مسافة أي عدد آخر من اللانهاية. فمثلاً، بين 1 و1000 مسافة 999، لكن كم تبلغ مسافة الواحد والألف من اللانهاية؟ إنهما على مسافة واحدة. إذن، ليس أي جزء من أجزاء الكون أقرب إلى الله من سائر أجزاء الكون. نحن، لأننا نعتقد أن بعض الأجزاء أقرب إلى الله وبعضها أبعد منه، نقول إن بعضها قبيح وبعضها جميل؛ وبعضها خير وبعضها شر؛ وبعضها مدنس وبعضها مطهر؛ وبعضها صافٍ وبعضها مشوب بالشوائب. لأننا نعتقد أن مسافة هذه الأشياء من الله تختلف. الأعداد بينها مسافات، لا شك في ذلك. الواحد بعيد جداً عن الألف، والألف بعيد جداً عن 10 مليارات، و10 مليارات بعيدة جداً عن 500 تريليار. لكن كم تبلغ مسافة كل واحد من هذه الأعداد من اللانهاية؟ بنفس المقدار الذي يبعد به الآخر عن اللانهاية. إذن، نحن من نعتقد أن مقدار قرب وبعد الموجودات من الله يختلف، وعلى هذا الأساس نصنفها درجات. كان غويز يقول إن بعض الناس عندما واجهوا الكتب المقدسة وجدوا أن الكتب المقدسة تريد أن تقول لهم إن الجميع يتمتعون بالجمال والخير والصفاء بنفس المقدار، والجميع منزهون ومطهرون بنفس المقدار. نحن من نبعد ونقرب من خلال وجهات نظرنا. نحن من نقول، عندما يظهر خصلة من شعر امرأة، إنها قد ابتعدت كثيراً عن الله. نحن من نقول للرجل، عندما يحلق قليلاً من لحيته، إنك قد ابتعدت عن الله. نحن نقيس بمعاييرنا الخاصة، ولكن يبدو أن الإنسان يمكنه أن يبلغ حالة يقول فيها إن هذه الأشياء تختلف فيما بينها؛ تماماً كما يختلف الواحد عن الألف، لكن مسافة الواحد من اللانهاية تساوي مسافة الألف من اللانهاية. لذلك، في قياسها بالله، يحبها الله جميعاً ويحبها جميعاً بنفس المقدار. وكما يقول مولانا، فإن الشمس عندما تريد أن تشرق في الصباح من وراء الجبل وتخرج من المشرق، لا تبحث عن المروج لتقول: سأشرق على المروج ولا أشرق على المستنقعات والبرك. تقول: إنني أشرق على الجميع بالتساوي ولا فرق عندي. شمس الله أيضاً تشرق على الجميع بالتساوي؛ وبالتالي، أترك التصنيف جانباً. كلنا قريبون من الله بنفس المقدار. لسنا قريبين من بعضنا البعض بنفس المقدار، لكننا جميعاً قريبون من الله بنفس المقدار. هذه النظرة تشبه نظرة السيدة زينب. انتبهوا إلى أنني أضرب الأمثال فقط ولا أنسب أياً من هذا إلى عظماء الدين. لأنهم نُسبت إليهم، ما شاء الله، أمور لا أساس لها من الصحة. الجملة المنسوبة إلى السيدة زينب هي: «وما رأيت إلا جميلاً». عندما تقول هذه الجملة، فهي لا تريد أن تقول إن الحسين بن علي بمقدار يزيد بن معاوية. لا تريد أن تقول إن فلاناً الذي يناضل في سبيل الحق مثل شخص يسعى في سبيل الباطل، لكنها تريد أن تقول إن الجميع مشمولون بلطف الله على حد سواء. هذه نظرة أيضاً. هذه النظرة، بتعبير غويز، تخلق للإنسان نوعاً من المساواة المثالية والنهائية. كلنا نختلف، لكننا جميعاً نحيا في قلب الله. كلنا أجزاء من إله واحد. تماماً كما تختلف خلايا الجسد الواحد، ما شاء الله، فيما بينها، لكنها جميعاً تنظم جسداً واحداً وتبني بنية جسد واحد وتوفر وظيفة جسد واحد. هذه هي النظرة الثانية.
3- هناك نظرة ثالثة، وهذه النظرة ليست في مرتبة النظرة الثانية، لكنها نظرة شريفة جداً، وهي أنني لا أزال أرى في العالم خيراً وشراً، وقبيحاً وجميلاً، وعالياً ومنخفضاً. لا أزال أؤمن بالصعود والهبوط. لا أزال أؤمن بالمطهر والمدنس، والطاهر وغير الطاهر. لا أزال أرى في العالم قبحاً. إذن، لم أستطع أن أبلغ تلك المرتبة حيث أرى الجميع بعين واحدة. الأمر يختلف بالنسبة لي. لكنني أعامل الجميع بالرفق. لا أستطيع أن أقول إنني أرى هذا وذاك بعين واحدة. الأمر لا يزال يختلف بالنسبة لي. لكنني أعامل الجميع بالرفق. لأنني أعتقد أن الرفق يجعل الأخيار أخير، ويجعل الأشرار أخياراً.
نظرًا لضيق الوقت، فقد لخّصتُ تقرير وجهة نظر غويس تلخيصًا شديدًا. وبهذا التصور للنص المقدس، إذا صرنا بشرًا على هذه الشاكلة، نكون قد صرنا ما أراده بوذا أو المسيح منا. أما إذا كانت حصيلة قراءة النصوص المقدسة أنني وقلة من الناس في العالم على حق وسائر الخلق على باطل، وأنهم قذرون ونجسون وملعونون وخبثاء، وفي لقمتهم ونطفتهم إشكال... إلخ، فهذا التصور ليس هو التصور الذي ينبغي أن نحظى به عن النصوص المقدسة. هل تعتقدون أن إلهًا متصفًا بالصفات الثلاث: العلم المطلق، والقدرة المطلقة، والخيرية على الإطلاق، قد أرسل كتبًا مقدسة فقط لكي يزداد التباعد بين البشر حين يدرسونها؟ هل تعتقدون بمثل هذا الشيء؟ هذه الصفات الثلاث للإله، على الأقل، لا يمكن إنكارها لدى المتدينين. من لا يعتقد بوجود الله فذلك شأنه، ولكن أولئك المتدينين، هل يعتقدون أن إلهًا له العلم المطلق والقدرة المطلقة والخيرية على الإطلاق تجاه الوجود كله، وهو خيّر على كل الوجود، يرسل كتابًا مقدسًا أو كتبًا مقدسة تكون حصيلتها أن البشر حين يقرؤونها يفهمون أنهم هم وجماعة مثلهم كل شيء فيهم صحيح، وأن بقية البشر على امتداد التاريخ وعرض الجغرافيا كلهم على باطل، وكلهم أنجاس، وأرجاس، وغير مغسولين، ومدنسون وقذرون، وكلهم نواياهم فاسدة، وكلهم أعمالهم غير سليمة؟ هذا أمر لا يُصدَّق. إذا كان ذلك الإله متصفًا بهذه الصفات الثلاث، فينبغي لنا بعد قراءة رسالته أن نزداد قربًا من بعضنا البعض أكثر فأكثر فأكثر.
لم يعد هنا متسع من الوقت لأعرض هذه النقطة وهي: كيف أننا إذا قرأنا الكتاب المقدس بهذه التصورات الثلاثة (وهي أن كل ما هو حق ليس موجودًا في كتاب مقدس واحد، وليس كل ما هو موجود في كتاب مقدس هو حق، ونتيجة لذلك نحن بحاجة إلى جميع النصوص المقدسة لكل الأديان والمذاهب، وبالطبع إلى النصوص الفلسفية والعرفانية والنفسية والأدبية وإلى سائر المنتجات الخمسة التي ذكرتها) تكون حصيلة ذلك آنذاك أحد هذه الأنماط الثلاثة من البشر.
والسلام
[1]. رُويت كلتا الصيغتين.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٧ تعليق
بسیار بسیار لذت بردم از سخنرانی دکتر ملکیان در باره ما و متون مقدس و به ویژه از زحمات همه اهل دانش در این سایت در باره به اشتراک گذاری سخنان و تازه های ایشان .
شگرد ملکیان، دقیقا طراحی شده تا در محیط های شدیدا آلوده به دین شناسنامه ای و «عقیده پرستی» کمترین مقاومت ضد علمی و ضد شناختی را برانگیزد. این یعنی ، با زبان خود مخاطب حرف زدن و فکر کردن. این، هنر ملکیان است. علت این که مرحوم صادق هدایت، یا .. یا ... نقدشان از نهاد های مانع رشد، پا نمی گرفت و پا نمی گیرد، در برخورندگی و تحقیر به سوی مخاطب اصلی بوده، اما ملکیان، تا این جا، روش هوشمندانه تر و مستدل تری را بکار گرفته تا شوکِ «پارگیِ مخ» در مخاطب، وحشت زا نشود. و نرم نرمک او را به سمت گشودگی به کیهانِ گشوده و فراخ میل دهد.
«تنها»ی گرامی سلام. به عنوان یک علاقه مندِ ساده، از توجه تان به این بحث خوشحالم. (قبلا ار صدانت بایدسپاس گذار بود بابت نشر این بحث ها، و همین طور نشر بی کم و کاست بازخوردها، و تحمل بعضی نظرات بی تامل یا عجولانه یا گلایه آمیزِ نامنصفانه ی ما «آماده خواران و نیز دادن فرصت گفتگو به ما خوانندگان.» تنهای گرامی، این دعوتِ به جستجوی ظاهراً «همه عمری» را برای کشف حقیقت، از سوی ملکیان زیاد جدی نگیرید. در واقع ایشان دایما این شگرد لطیف و ظریف و هشیارانه را بکار می گیرند تا لزومِ حیاتی بودن حس تعلیق، عدم قطعیت، خودداری از قضاوت فرقه ای و نهادی، و فروتنیٌ علمی را به من و شما اثبات کنند، به شکلی که دست از «گفتند فسانه ای و در خواب شدند» برداریم و برویم به سراغ کاهش درد و رنج خود و دیگران (تقلیل مرارت)، اما در مواقعی که فرصت داشته باشیم، شاگرد جوینده ی حقیقتی باشیم که «دیر یابی» و حتی نایابی خود را با استدلالات و پیش شرط هایی به ما نشان داده که امثالِ ملکیان و جان لاک و اسپینوزا و راسل به ما هشدارشان را داده اند. پس با فرض قبول دیر یابی و نایابی و اصل تقریب به حقیقت ( و نه وصال آن)، فروتن می مانیم، مخصوصا فروتنی علمی، و سر در کار پاسخ به ندای نان و وجدان و رهایی، با هر شیوه ای که تا به حال یافته ایم. لطفا غمین نباشید. ملکیان به مرگ گرفته تا «(من و) تو به تب راضی باشی و از بیماری تعصب و قطعیت ضد علمی و نفرت و منیت و فرقه رهایی یابی و بدانی که حقیقت دست نیافتنی است، پس سلسله ی امر محال نجنبان و به حکمت «به من چه» وفادار بمان.» این شیوه ی معلمی اوست، و او معلمی خوب است! با احترام.
مشکل اصلی مصطفی ملکیان در اینه که اساسا مشخص نیست که مقعیت بحث هاش در کجاست.همین بی موقعیتی باعث پریشان اندیشی و در بعضی مواقع حرف های بی معنی و احیانا عجیب و غریب میشود.(دلیل اصلی این سردرگمی در اینه که خود اقای ملکیان هم نمیدونه که موقیعت بحث هاش در کجاست).
نمونه ای از « پریشان اندیشی » و « حرف های بی معنای » ملکیان در این متن را نشان مان دهید ؟ ( معنای « موقعیت بحث » و دلیل جهل ملکیان از آن ، پیش کش . )
یعنی کار و زندگی و تحصیلات و تخصص و هزار بدبختی و گرفتاری و کمبود را بیخیال شویم و برویم دنبال اینکه ببینیم عیسی و موسی و بودا و کانت و دکارت و اسپینوزا و کافکا و هزار نفر دیگر چه گفتهاند و چه کردهاند!؟ که آنوقت بشویم یک موجود هزار تکه... جناب ملکیان باید این را در نظر بگیرد که به قول خودتان به دلیل وقت بسیار کمی که در اختیار ما قرار گرفته است، نمیتوانیم دست به چنین انتخابی بزنیم؛ پس بهتر است با توجه به کاستیها، بحرانها و شرایط و نیازهای مردم، نظام آموزشی یک برنامهی مدون و مطابق با کاستیها و نیازها تدوین کند و نیروهای متخصصی پرورش دهد تا منجر به تولید چیزی و برداشتن مانعی شود. به نظر من کسی که بودا را بخواند دیگر نمیتواند زندگی کند. باور کن آشنایی با بیشتر آرا و اندیشمندان امثال او میتواند روح شادی و پویایی را در وجود یک ملت بکشد. در ضمن نظرات و باورهای این اندیشمندان در بیشتر موارد آنچنان در تضاد با یکدیگر است که ناخودآگاه شخص را در انتخاب راه، دچار سردرگمی و پریشانی میکند، به گونهای که کمکم قدرت استفاده از قوای ذهنی خود را بنابر موقعیتش از دست میهد. جناب ملکیان، امثال من و شما، آخرین نسل از انسانهایی هستیم که دغدغهی معنا و حقیقت داریم ؛ البته پروندهی این قرنها جستجو هم پیش رویمان باز است (همین کتابهایی که گفتید)؛ اما سئوالی از شما دارم؟ نتیجه؟؟؟ میدانید چقدر استعداد به هدر رفت در راه جستجوی معنا و حقیقت؟ میدانید با تزریق همین باور که: ”آفتابی لب درگاه شماست“، چقدر انسان، زندگی نکرده در دل ظلمت خاک شدند بیهیچ نشانی از روشنایی و نور؟ جناب ملکیان مدتهاست که دیگر رشتهی صحبت را به چفت آب گره نمیزنید و هیچ تازگی و طراوتی در سخنانتان نیست.
فرمودید نتیجه قرنها در جستجوی حقیقت گشتن چه بوده است... البته جواب که زیاد پیدا شده (همین کتابایی که گفتن و شما هم اشاره کردی) ولی اگه اشکالتون اینه که چرا اختلاف نظر برطرف نمیشه و همه به یه نظر واحد نمیرسن، فقط جواب پیشنهادی یکی از همین رمانها رو براتون میذارم؛ تو رمان «لبه تیغ» وقتی از لاری همین سوالو میکنن که اگه قرار بود این سوالات جوابی داشته باشن حتما بعد از این همه فحص و بحث جواباشون پیدا می شد، لاری جواب میده که شاید اصلا قرار نیست که یک نفر جوابو پیدا کنه و به بقیه بگه و بقیه هم زندگیشونو با جواب همون یه نفر سر و سامون بدن. شاید قراره هر کسی خود خودش دنبال این سوالات بره، قراره همه به دنبال حقیقت راهی باشن. این جستجوها به آخر نمیرسن و پرونده شون مختومه نمیشن چون لازمه هر کسی در هر زمین و زمانی با این سوالات روبرو بشه... این سوالات و پرسشها تا آخر تاریخ پرسیده میشن و همین زندگی انسان رو از عذاب و رنج نجات میده... اصلا اگه قراره جواب حقیقت جویی شما رو کس دیگه ای بده آیا این واقعا حقیقت جوییه؟!