اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تعرض كتاب «جدلية فلسفة هيغل ودراما بريشت» للنقد بسبب اعتماده على مصادر كالقواميس واحتوائه أخطاء مطبعية ومضمونية فادحة. وتتناول هذه المراجعة شكل الكتاب وادعاءاته الفلسفية، معربةً عن قلقها من تكرار صدور أعمال ركيكة مماثلة.

منذ مدة، صدر كتاب بعنوان «جدلية فلسفة هيغل ودراما بريشت» بقلم صمد رستمي، مع مقدمة للدكتور قطب الدين صادقي عن منشورات أفراز. ونظراً لمجال اهتمامي، وجدت عنوان الكتاب جذاباً منذ فترة فقمت بشرائه. قرأت الفصل الأول من الكتاب المخصص لأسس الجدلية الهيغلية. كان الكتاب سطحياً ومليئاً بالأخطاء الفادحة لدرجة أن رغبتي في «المعرفة» تحولت بعد قليل من المطالعة إلى نوع من «الغضب». فتوقفت عن متابعة قراءته ووضعته جانباً. وبعد مدة، قرأت مقابلة مع مؤلف الكتاب أقنعتني بكتابة نقد له[۱]. يخبر المؤلف في تلك المقابلة عن قرب صدور عدة مؤلفات أخرى في مجال المسرح (الذي يبدو أنه مجال تخصصه). كما يشير أيضاً إلى نشر كتاب بعنوان «فينومينولوجيا الوجودية». الدافع الأساسي لكتابة هذا النقد ليس تفريغاً مباشراً لذلك «الغضب»، بل هو نابع بالأحرى من نوع من «القلق» ومنع حدوث كارثة أخرى لا تعوّض ونشر عمل مليء بالعيوب وضعيف، والذي يُحتمل أن ينزل بالوجودية نفس البلاء الذي أنزله مرة بهيغل. من الواضح أنني، بسبب مجال عملي، لن أتطرق كثيراً للمباحث العرضية والدرامية في العمل، وسأركز اهتمامي على شكل الكتاب ودعاواه الفلسفية.
قبل ذكر الأخطاء وسوء الفهم المتكرر الموجود في الكتاب، سأتناول نقد الشكل في الفصل الأول من الكتاب المعنون «هيغل والجدلية». يبدو أن حتى هذه الانتقادات الشكلية ستكون كافية لإظهار نقاط ضعف الكتاب ومستوى كتابته.
الفصل الأول الذي كان من المفترض أن يؤسس للمباني النظرية-الفلسفية للبحث لكي ينطلق منها إلى إعادة قراءة دراما بريشت، هو بمثابة «اللبنة المائلة» التي تذهب بالجدار بعيداً عن مساره إلى الثريا. يبدأ هذا الفصل بتعريف الجدلية. سأتناول الانتقادات المضمونية في الجزء التالي من هذه المذكرة، ولكن يكفي في هذا المقام أن المؤلف قد استخرج تعريف الجدلية لا من مصدر فلسفي، ولا من آراء مختلف الشراح المحليين أو الأجانب لهيغل، بل من «المعجم الفارسي» للدكتور معين! وفي الصفحة التالية ينقل اقتباساً مباشراً مطولاً يشرح المراحل المختلفة لجدلية هيغل من أفلاطون إلى كانط وهيغل وأخيراً ماركس وإنجلز، وكل هذا في ۱۹ سطراً فقط ومن «معجم دهخدا»! أي أن المؤلف، لفهم وشرح معنى الجدلية، قد تعامل مع هذه الكلمة وكأنها لفظة مهجورة في اللغة الفارسية. المصادر الفلسفية التالية التي يشير إليها المؤلف تدل بنفسها على عمق المباحث المطروحة: على الرغم من أنني لا أستحسن الإطناب، لكن على سبيل المثال، سأشير فقط إلى عناوين المصادر الـ ۱۳ الأولى المشار إليها في أول ۱۵ صفحة من هذا الفصل، وسأذكرها كاملة وبدون أي حذف أو تعديل، حسب ترتيبها: المعجم الفارسي، محمد معين (ص ۱۷)؛ معجم دهخدا، تأليف علي دهخدا (ص ۱۹)؛ التعرف على سقراط، تأليف بول ستراثرن (ص ۲۳)؛ عالم صوفي، تأليف يوستاين غاردر (ص ۲٤)؛ قصة الحضارة، تأليف ويل ديورانت (ص ۲٦)؛ قصة الفلسفة، تأليف ويل ديورانت (ص ۲۷)؛ عالم صوفي، تأليف يوستاين غاردر (ص ۲۸)؛ قصة الفلسفة، تأليف ويل ديورانت (ص ۲۸)؛ المصدر نفسه (ص ۲۹)؛ عالم صوفي، تأليف يوستاين غاردر (ص ۳۰)؛ فلسفة هيغل: تأليف ستيس (ص۳۰)؛ من سقراط إلى سارتر، تأليف لافين (ص ۳۱)؛ عالم صوفي، تأليف يوستاين غاردر (ص ۳۲).
إن طريقة الإحالات وتكرارها بذاتها تُظهر بوضوح أن المصدر الرئيسي للمؤلف لشرح مفهوم الديالكتيك، ليس نصوص هيغل الأصلية، ولا الشروح الإنجليزية أو الألمانية عن هيغل، ولا حتى الشروح الفارسية المترجمة عن هيغل والتي لا يستهان بعددها، ولا حتى تواريخ الفلسفة المتداولة والميسّرة مثل كوبلستون، أو إميل برهييه، أو روتليدج، بل كتب قصصية لتعريف الناشئة المبتدئين بتاريخ الفلسفة مثل عالم صوفي وتاريخ الفلسفة لِويل ديورانت. وبعبارة أدق، فإن المؤلف، بمطالعته لتاريخ فلسفة ويل ديورانت وعالم صوفي، قد وقع في هذا «الوهم» بأنه يفهم هيغل ويحق له أن يؤلف كتابًا عنه، أو الأسوأ من ذلك، أن يعيد قراءة دراما بريشت مستندًا إلى سوء الفهم هذا. وفي خضم ذلك، قد يكون قد ألقى نظرة، في أحسن الأحوال، على «فلسفة هيغل» لستيس، و«هيغل» لبيتر سنجر، و«شرح فينومينولوجيا الروح» للدكتور مجتهدي، و«التعريف بهيغل» لستراترن، و«المعجم الفلسفي لهيغل» لمايكل إنوود، ولكن حتى نهاية القسم الخاص بهيغل وماركس، يظل المصدر الذي يتكرر مرارًا وتكرارًا أكثر من أي مصدر آخر هو «عالم صوفي» (10 إحالات خلال الفصل الأول). كما أننا بمراجعة المصادر في نهاية الكتاب نكتشف أن للكتاب 45 مصدرًا فقط، وجميعها، من قبيل الصدفة، فارسية. أي أن المؤلف لم يكتفِ في تأليف الكتاب باستخدام مصادر فارسية من الدرجة الثالثة وبالية في معظمها، بل إنه لم يكلف نفسه حتى عناء الاطلاع على مصدر واحد بغير اللغة الفارسية، ووجد نفسه في غنى عن دراسة المصادر الأخرى. وهذا الأمر بذاته يدل على المستوى المتدني لمحتوى الكتاب.
علاوة على ذلك، نعلم أن الأخطاء المطبعية والطباعية لا يمكن تجنبها أحيانًا. وقد دلت تجربتي الشخصية على أنه حتى بعد المراجعات والتدقيقات المتكررة، قد تبقى بعض الأخطاء خافية على المترجم أو المحرر لتشق طريقها في النهاية إلى النسخة المنشورة. لكن الأخطاء المطبعية والطباعية في هذا الكتاب فادحة ومتعددة كميًا لدرجة أني أشك في أنه قد تم تحريره ولو لمرة واحدة. وفقط من أجل إعلام القارئ، أشير إلى بعض الأمثلة التي تظهر فقط في الأسماء اللاتينية الواردة في «الهوامش السفلية» لـ«الفصل الأول»:
ص 17: بدلًا من Karl Marx كُتب: kral Marx
ص 18: بدلًا من Aristotle كُتب: Aristote
ص 19: بدلًا من Friedrich Hegel كُتب: friedrech hegel
ص 21: بدلًا من Parmenides كُتب: Paemenides
ص 25: بدلًا من Sophist كُتب: Sofiest
ص 36: بدلًا من Descartes كُتب: Dekart
ص 39: بدلًا من John Locke كُتب: Lak
ص 39: بدلًا من Berkeley كُتب: Breakley
ص 41: بدلًا من Schopenhauer كُتب: Sohopenhauer
ص 44: بدلًا من Bamburger كُتب: Banburger
ص 51: بدلًا من Abélard كُتب: Ablar
ص 51: بدلًا من Leibniz كُتب: Leibnitz
ص 64: بدلًا من Friedrich Nietzsche كُتب: Fridrich Nietzsche
ص 79: بدلًا من Ludwig Feuerbach كُتب: Lodviek fouer Bach
وكما أشير، فإن جميع الأخطاء المذكورة أعلاه هي عدا الأخطاء المطبعية الموجودة في الهوامش الفارسية وفي المتن نفسه. وأنت بنفسك اقرأ الحديث المفصل...
وعندما يصل النقاش إلى المحتوى، يصبح الوضع أكثر إثارة للأسف. وقبل الخوض في سوء الفهم حول فلسفة هيغل نفسها، تجدر الإشارة إلى أن الكتاب يعج بتفسيرات وادعاءات خاطئة تمامًا ومثيرة للدهشة. فعلى سبيل المثال، في الهامش التوضيحي لمصطلح «الماركسية اللينينية» نقرأ: «مدرسة سياسية استلهم ماركس فكرتها من فلسفة هيغل وأسسها بمساعدة إنجلز و...» (ص ۲۰). أو في هامش مصطلح «المثالية» في فلسفة هيغل، يرد تفسير مفاجئ: «Idealism: خيالية، أصالة التصور، عقيدة فلسفية تنكر بعض الحقائق ويعتقد أتباعها أن العديد من الأجسام هي من صنع التصور. اتباع المثل الأعلى في الفلسفة، السياسة، الاقتصاد» (ص ۵۲). ولا يتوقف جهل المؤلف عند هذا الحد، تأمل هذه العبارة: «يعتبر أرسطو في رسالته المسماة سوفسطائي أن زينون هو مكتشف الديالكتيك أو 'فن الجدل المنطقي'» (ص ۲۵). هذا الخطأ ليس من نوع الأخطاء الشائعة للمؤلفين. بمعنى أنه خلال كتابة العمل وتحريره من قبل المؤلف وقراءته من قبل كاتب المقدمة ومحرري الناشر نفسه، ألم يلحظ أحد ولو لمرة واحدة هذا الخطأ الفادح؟ يعلم أي طالب مبتدئ في الفلسفة أن أرسطو ليست له رسالة باسم سوفسطائي على الإطلاق، وأن هذه الرسالة هي لأفلاطون. أو هذا الادعاء بأن «المنهج السقراطي، المنهج الديالكتيكي كان يُسمى أحيانًا الإجراء» (ص ۲۷). الإجراء؟ هل يُسمى الديالكتيك إجراءً؟ بأي معنى؟ لعل المؤلف قصد أن «المنهج» كان يُسمى أحيانًا «إجراء»، وليس الديالكتيك. أو ربما نقل المؤلف جملة قرأها في مكان ما وأساء فهمها على الأرجح، دون ذكر المصدر.
بعد ۲۴ صفحة من الكلام المشتت حول تاريخ الفلسفة منذ البداية حتى هيغل، والذي يمكن اعتباره تقريرًا مأخوذًا بشكل رئيسي من كتابي 'عالم صوفي' و'تاريخ الفلسفة' لـويل ديورانت، لا يطيل المؤلف انتظار القارئ أكثر ويدخل في صلب الموضوع، أي فلسفة هيغل. لكنه في البداية ذاتها، يخصص أكثر من ۱۰ صفحات من الكتاب لـ«سيرة هيغل الذاتية» و«المناخ الاجتماعي لهيغل» وهما أمران لا علاقة لهما أساسًا بالنقاش الرئيسي. ينسى المؤلف أن قصده من تأليف الكتاب ليس عرض سيرة هيغل الذاتية أو الشرح التفصيلي لكامل فلسفة هيغل، وإنما ينبغي عليه فقط توفير أسس النقاش لتوظيفها في القسم الثاني (المتعلق بدراما بريشت). يميل الكاتب إلى كتابة السيرة الذاتية أكثر من الشرح المفهومي، فبعد ذكر تفاصيل مسهبة عن حياة هيغل في طفولته، وعلاقته بأخته، وسائر المسائل العائلية، ومراهقته، وشبابه، وإرث والده، ومعركة نابليون ومنصب «الأستاذية المساعدة»!! في يينا، ينتقل فجأة إلى موت هيغل ومرضه وذكريات الطفولة التي نشرتها أخته، وأخيرًا وبشكل مفاجئ ينهي الحديث عن حياة هيغل بهذا الاقتباس من راسل، دون ذكر المصدر طبعًا، بأن هيغل هو أصعب فيلسوف غربي.
بعد كل هذه المقدمات غير المتماسكة وغير ذات الصلة عن السيرة الذاتية والمناخ الاجتماعي لهيغل (۳۵ صفحة من الكتاب)، يتجه إلى منهج هيغل الديالكتيكي ويخصص له فصلاً يبلغ حجمه ۱۳ صفحة فقط، ثم ينتقل إلى علاقة ماركس بهيغل وهلم جرًا. بعبارة أخرى، من المفترض أن تُطرح الفكرة الرئيسية الكاملة والأساس النظري لنقاش الكتاب في هذه الصفحات الـ ۱۳ فقط (صص ۵۲-۶۴). وهذا الاختلال في التناسب يدل أيضًا على غياب التشخص والتحديد في مشروع المؤلف.
القسم المتعلق بـ«منهج هيغل الجدلي» هو خليط من العبارات والاقتباسات المتفرقة، التي وإن كانت جميعها تدور حول فلسفة هيغل، إلا أن كثيرًا منها لا صلة له تقريبًا ببحث المؤلف ومشروعه. من ذلك هذا الاقتباس (دون إحالة إلى المصدر بالطبع) عن ويل ديورانت: «وكما يقول ويل ديورانت، فإن من بلغ أقصى درجات الجرأة في الهذيان، وتفوه بكلام لا معنى له ومعلق لم يُعهد من قبل إلا في المصحات العقلية، هو هيغل. لقد تفوه بلا حياء بكلام فارغ ومخادع لم يقله أحد من قبل» (ص ٥٥-٥٦). ومن الطريف أننا سنتعلم جدل هيغل من فم ويل ديورانت هذا. ثم يكتب المؤلف بضعة أسطر عن المسار التقدمي للجدل، ويأتي فورًا باقتباس مطول جدًا من عالم صوفي حول مفهوم الحركة! وهنا فقط يتطرق بإيجاز إلى ماهية جدل هيغل الثلاثية. وينتهي هذا القسم بمقتطفات متفرقة من عالم صوفي وبول ستراثرن وبيتر سنجر ومقدمة الدكتور عنايت لكتاب ستيس، وهي أقرب إلى كونها بطاقات خام عجز المؤلف عن الربط بين أجزائها. وفي النهاية يختم البحث بذلك الاقتباس المشهور المشكوك فيه عن هاينه، الذي قاله هيغل نفسه على فراش الموت!: «لم يفهم فلسفتي إلا شخص واحد، وهو أيضًا لم يفهمها!»
في الأقسام التالية الوضع على هذا المنوال أيضًا. وكما أشرت، لا أنوي التطرق إلى القسم الأخير من الكتاب ودراما بريشت، لكن القارئ بمجرد المطالعة سيكتشف أنه لا توجد صلة بين هذا القسم الأول (الأسس الفلسفية الجدلية) والقسم الثاني. في القسم الثاني ينشغل المؤلف بسرد قصص بريشت. وفي خضم القصص والحوارات، يقذف أحيانًا ببضع جمل ويورد اسم «الجدل» ليقنع نفسه وقارئه بأنه منهمك في تحليل جدلي لنص بريشت. في حين أن هذا ليس تحليلًا جدليًا، ولا تلك الاقتباسات المطولة وسرد القصص هي تحليل، ولا هذا «الجدل» الذي يردده المؤلف كثيرًا له صلة تذكر بجدل هيغل. فبعد بيان تلك الأسس النظرية والفلسفة الهيغلية، حين يستخدم المؤلف «الجدل» فعلًا، فإنه لا يستخدمه إلا بمعنى التغير، التحول، التناقض، «التغيير» (ص ١٢٢)، وفي أحسن الأحوال «التعديل» (ص ٥٤).
أخيرًا، فإن هذا العمل لا يشرح جدل هيغل على نحو صحيح، ولا يشرح بالتالي صلته بدراما بريشت. العمل هو مجموعة من الاقتباسات المتفرقة من مصادر من الدرجة الثانية وغالبًا ما تكون ضعيفة وبدائية. لم يهدر المؤلف وقته مع مصادر متعددة بغير اللغة الفارسية، وحتى في المصادر الفارسية نفسها، وباستثناء مصدرين، اتجه إلى أضعف المؤلفات حول هيغل. وهو في النهاية، إلا في حالات نادرة، لا يُظهر بصيرة أو إبداعًا يُذكر، ونتيجة لذلك، فإن هذا الكتاب عمومًا لا يستحق النشر على هيئة كتاب البتة. نعلم أن معايير نشر الكتاب والمجلة والمقالة والمذكرة وعمود الصحيفة تختلف عن بعضها، والسبب الرئيسي لحدة هذا النقد هو هذه الطبيعة الكتابية للعمل؛ وإن كانت كل هذه الانتقادات قابلة للطرح على المستويات الأخرى أيضًا، ولا يمكن بالضرورة أن يكون شكل النشر ذريعة لتبرير الأخطاء. وأخيرًا، وإن كان بالإمكان الاتفاق مع الدكتور صادقي حين يكتب في مقدمة العمل: «لا شك أن مثل هذه الأبحاث ستكون أكثر قيمة عندما يتجاوز طرح المسألة شكلها السطحي والصحفي وتُفحص جملة مسائلها من جذورها» (ص ٩)؛ إلا أن هذا العمل بالمعنى الدقيق للكلمة لم يتجاوز ذلك «الشكل السطحي والصحفي» نفسه. وإذا كان المؤلف يكتب في مقدمته أن «الدافع الأساسي في مسار هذه المعرفة كان استبدال المجهول بالمعلوم» (ص ١٣)، فينبغي الادعاء بأن هذا الدافع لم يتحقق فحسب، بل لم يقترب من التحقق ولو قليلًا، وربما ينبغي أن ينهض شخص ما ويبحث في نسبة جدل هيغل إلى دراما بريشت «حقًا». وهذا الشخص ربما لا يزال يمكن أن يكون مؤلف هذا الكتاب نفسه؛ شريطة أن يتقبل الانتقادات ويدرك مستوى كتابته وفهمه للتأليف والنقد والفلسفة والجدل وفلسفة هيغل ودراما بريشت.
السؤال الذي تكتسي الإجابة عنه أهمية بالغة في المرحلة الراهنة هو: ما العمل إزاء عملٍ كهذا؟ أبسط السبل هو شتم المؤلف وتسويته بالتراب واتهامه بشتى أنواع التهم واللصاقات: كيف سمح المؤلف لنفسه، بهذا المستوى من المعرفة وبهذه الطريقة في البحث وبهذه المصادر التي هي في معظمها من الدرجة الثانية والضعيفة والتي تُنصَح، في أحسن الأحوال، لتعريف الناشئة بالفلسفة، أن ينشر عملاً كهذا ويدّعي شرح جدلية هيغل وتطبيقها في ميدان الأدب؟ لماذا لم يقرأ المؤلف على الأقل أربع مقالات محلية مقبولة حول كيفية إقامة هذه الصلة، وبشكل عام، حول كيفية كتابة عمل تحليلي؟ لماذا...؟
أنا أعتبر الانتقادات أعلاه وجيهة. لكن لنفترض أن الكاتب نفسه غير واعٍ بجهله بفلسفة هيغل، وبكيفية التحرير النهائي قبل النشر، وبطريقة الإحالة الصحيحة، وبضرورة استخدام مصادر أخرى، وباستخدام المصادر الأصلية والدرجة الأولى كالترجمات والتفاسير المقبولة والمرغوبة، وبثقته الزائفة العالية بنفسه التي تدفعه لنشر عمل لا يرقى حتى لمستوى بحث صفي بسيط في قالب كتاب، وبشكل عام غير واعٍ بـ«كيفية تأليف كتاب». ربما لا يدري الكاتب بعدُ ما الذي اقترفه. لذا لا ينبغي اغتيال الكاتب. لا شك أن الكاتب قد بذل جهودًا ملحوظة في كتابة هذا العمل نفسه، وهي جهود وإن لم تكن كافية، إلا أنه لا يمكن تجاهلها. من حق الكاتب أن يكتب ما يشاء. من حق الكاتب أن يراوده حلم نشر كتاباته، ومن حقه أيضًا أن يسلم كتابته لناشر كي تطبع. ونتيجة لذلك، فعلى الرغم من الانتقادات أعلاه لنصه، لا يمكن اعتباره المذنب الأول. في المقام الأول، تقع على عاتق الناشر الفلسفي مهمة إزالة الوهم عن الكاتب. إنها مهمة رئيس التحرير أن ينبه إلى قصور النص. وبشكل خاص، إنها مهمة المحرر أو المحررين أن يشيروا إلى العيوب المحتواية والشكلية المتعددة وأن يصححوا على الأقل الأخطاء المطبعية المتكررة. الناشر (بصفته مجموع العوامل المذكورة) مذنب أكثر من الكاتب. الناشر الذي يغمض عينيه وينشر الكتاب دون تحرير لائق، والذي ربما ينصب كل فكره واهتمامه على تصميم الغلاف (الذي لا أدري حتى الآن لماذا جُعلت عينا بريشت بلون أزرق في صورته بالأبيض والأسود؟ ربما لمزيد من الجاذبية!) وبالطبع على سعر الغلاف الخلفي، يكون قد نسي رسالته الأساسية.
لكن في المقام الثاني، المذنب هو نحن. أنا شخصيًا، وبالبحث في الفضاء الافتراضي على الأقل، لم أعثر حتى على جملة نقد واحدة لهذا الكتاب الذي مر الآن عامان على نشره. إذا لم ينقد النقاد، وإذا لم يقرأ القراء بشكل نقدي (وهذه الآفة بالطبع أكثر شيوعًا بكثير في فضاء التخصصات المتعلقة بالفن، حيث يُصوَّر الضعف النظري في حالات كثيرة كنوع من الفضيلة الإبداعية)، فمن إذن عليه أن ينبه الكاتب إلى خطأ الطريق الذي سلكه؟
كلنا نخطئ. يمكن أن نجد عيوبًا في أعمالنا جميعًا. ونتيجة لذلك، لا ينبغي، بسبب ارتكاب الخطأ، أن نهاجم الكاتب وكأن حق الكتابة قد سُلب منه. أجل، ينبغي نقد الكاتب (كما سعى المقال أعلاه أن يفعل)، لكن في هذا النقد ينبغي بالطبع تجنب آفتين شائعتين: من جهة، لا ينبغي تحويل أخطاء الكاتب إلى ذريعة لتفريغ العقد المكبوتة وتصفية الحسابات والغيرة والحقارات، ومن جهة أخرى، لا ينبغي الخلط بين النقد والمجاملة والمواربة وإخضاعه لاعتبارات شبه أخلاقية من هذا القبيل. لذلك، ينبغي أن ننقد بأكثر الأشكال جوهرية ممكنة، ولكن أن نتصور الكاتب لا كعدو، بل بصفته صديقًا غير واعٍ، بل وحتى ربما رفيقًا مهتمًا ومستعدًا للتعويض.
من ناحية أخرى، ينبغي على المؤلف أيضًا أن يتأمل في النقد، وأن ينقب عن جذوره ويكتشفها، وأن يتجنب محاولة التبرير الزائفة، وأن يصرف النظر عن طباعة كتابه بهذه الصيغة مرة ثانية، وإن كان لديه كتاب بهذا المستوى قيد النشر، فليتوقف، وليدرس بضعة أعمال بحثية معتبرة (بأي معيار كان)، وليعد النظر في أسلوب كتابته، وفي عرض استدلالاته، وفي نطاق مطالعاته، وبكلمة واحدة، في ذاته بوصفه كاتبًا، عله يستطيع يومًا أن يقدم إلى الساحة العامة أثرًا لائقًا يتناسب مع مستوى وعمق تأليف جاد، وأن يُعرف به من قبل القراء على النحو الذي يستحقه. لا يزال أثره نيئًا، لأنه وُلد قبل أوانه. هذا الأثر المبكر (الذي، كما يتضح من عمر المؤلف، لا علاقة لتبكيره بالشباب أو الشيخوخة)، ينبغي أن يزداد نضجًا وأن يُصقل، حتى إذا ما أخضع المؤلف نفسه للنقد، ربما نال يومًا الجدارة ليشق طريقه إلى الساحة العامة في قالبها الحقيقي.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام فایل صوتی ندارد؟