اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التنوير يقتضي قبول معاناة التفكّر والتفرّد، وإلا غدت الأفعال الثورية أشبه بردود فعل انفعالية. الصراع المطلق تقليد خفيّ؛ وأحيانًا يكون الامتناع الواعي عن التواطؤ مع الكارثة أشدّ أشكال الفعل ثورية.

يعتبر إيمانويل كانط، الفيلسوف الألماني الكبير في عصر التنوير الأوروبي، «التنوير» بأنه «خروج الإنسان من حالة القصور التي اقترفها بحق نفسه». وبهذا المعنى، فإن «التنوير» هو القدرة على بلوغ النضج الفكري والثقافي.
إذا كان تحقق أي أمر، على حد تعبير الحكماء القدماء، يصبح ممكناً حينئذ عندما تكون «موانعه مفقودة» و«مقتضياته موجودة»، فعلينا أن نسأل: «ما هي موانع التنوير ومقتضياته؟» لقد حدد كانط أمرين بوضوح كمانعين للتنوير: «الجبن» و«الكسل». ومن ناحية أخرى، وبالنظر إلى شعار التنوير الذي صاغه كانط في قالب الجملة الأمرية «تجرأ على استخدام فهمك الخاص!»، يمكن الإشارة إلى مقتضيين للتنوير: «التفرد» و«التفكر».
من هذا المنظور، فإن أصل جميع مصائب البشر وفواجعهم هو هروبهم الكسول وفرارهم الجبان من تحمل مسؤوليتهم الذاتية، المرتهنة بمعاناة «التفكر» - أي القدرة على الشك، وطرح الأسئلة، واستخدام الوعي الذاتي - ومعاناة «التفرد» - أي القدرة على عدم التبعية، وعدم التقليد، وطاعة الذات.
في الواقع، البشر مستعدون لتحمل أي معاناة إلا معاناة تحمل الذات؛ غافلين عن أنهم إن لم يتحملوا هذه المعاناة الضرورية، فسيتحملون معاناة أكثر. وبعبارة أخرى، يفضل البشر أن يختتموا ملف أعتى أسئلة حياتهم بقبول منغلق وجاهز لأقرب الإجابات حضوراً وجاهزية في بيئتهم؛ بالطبع إلى أن تواجههم تلك الإجابات بكم هائل من الأسئلة غير القابلة للإجابة والتحديات الباهظة التكلفة والفائقة لطاقتهم، وتسلبهم عملياً حتى الحياة الدنيا.
لكن، في ظروف الاحتضار والاستيصال، سيكفر مؤمنو الأمس ويلجؤون بشغف إلى العداء والصراع المطلق والقهري مع تلك الأصنام التي صنعوها بأنفسهم، وبهذا، وباستعراض مثير للسخرية والمأساة باسم الحرية، يستمرون بشكل آخر وربما أكثر جدية، في اغترابهم عن ذواتهم وخداعهم لأنفسهم.
على أية حال، لا يمكن التحرر من أية فكرة أو ظاهرة مدمرة برد فعل انفعالي (عاطفي وهيجاني). إن المساعي والنهضات الثورية، إن لم تقترن بفعل نقدي (خلاق ومتأمل)، لن تكون سوى تخبط يائس يذهب بعرض الثوريين ويورث الأجيال المتعاقبة عناء الآخرين. إن «العداء» أو الصراع المطلق مع أي شيء، هو نوع من «التبعية» أو الاتباع الخفي لذلك الشيء نفسه. بعبارة أخرى، «الصراع» مع فكرة أو ظاهرة ما، ينتهي في النهاية إلى نقض غرضه الذاتي، وبدلاً من التغلب عليها وتجاوزها، يؤدي إلى التلوث بها والتماهي معها! وكما يقول ليشتنبرغ: «أن تكون معارضاً تماماً لشيء ما هو تقليد له».
حيثما تكون للنشاطات «أهداف» لكنها تفتقر إلى «المعنى»، وحيثما يصبح النشاط في حد ذاته هدفاً، ولا يفكر أحد في عاقبة الأفعال والأعمال ولا يسأل عن غايتها، وحيثما يصفق الجميع للعداء الذي يركض بأسرع ما يمكن حتى لو كان متجهاً نحو الهاوية، حينئذ يجب القول إن اتخاذ الموقف الثوري والراديكالي ليس فقط غير قيم، بل على العكس تماماً، فإن اتخاذ الموقف الانفعالي وضبط النفس هو الفضيلة؛ ضبط النفس عما هو غير ضروري، لأن «ما هو غير ضروري، هو بالضرورة، ضرر».
في الواقع، حيثما تفتقر الأفعال إلى التأمل، فهي ليست فعلاً، بل رد فعل، ويجب الاعتراف بها كانفعال حقيقي، حتى لو أساء الفاعلون فهم أنفسهم وسموا أنفسهم في خيالهم الخام فاعلين وثوريين.
يخبرنا فرانثيسكو غويا، الرسام الإسباني الشهير (1746 - 1828)، بأبلغ صورة: «نوم العقل يخلق الوحوش». لذلك، في الظروف التي يسود فيها الحماقة ويغيب فيها التعقل في غيبوبة، فإن الثوريين الحقيقيين هم المفكرون والعقلاء الذين يتخذون الانفعال بوعي ولا يتواطؤون مع الفاجعة، حتى لو نعتهم الجمهور بالرجعيين والمتخلفين. في الواقع، إن الانفعالات المتأملة والنقدية، لا ينبغي الاعتراف بها كنشاط فحسب، بل يجب الاعتراف بها كأسمى أنواع النشاط وأكثر أشكال الفعل ثورية.
كل عزم وعمل ثوريّ لتغيير العالم والإنسان، قبل حدوث تغيير جوهري وجذري في صورة وتصوّر الثوريين عن العالم والإنسان، لا يؤدي إلا إلى تثبيت الوضع القائم وترسيخه، بل وإعادة إنتاجه على مستوى أكثر استقرارًا وتدميرًا. الإرادات الحديدية المتدرّعة، في غياب الأفكار المنيرة والمستنيرة، حتى لو اقترنت بألف نية حسنة، لن تجلب أي جنة، بل سترصف فقط طرق الجحيم. وهكذا، فإن الحماسات بلا وعي ستكون مثيرة للشرور ومنتجة للآثام.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ریشهٔ تمامی مصائب و فجایع آدمی، گریزِ کاهلانه و فرارِ بزدلانهٔ او در به مسؤولیتِ عهده گرفتن خویش است. به نظر می رسد جمله در انتها باید به این شکل نوشته می شد: فرار بزدلانه او در به عهده گرفتن مسئولیت خویش است.