اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
المعلّم الحقيقي لا يرى نفسه حاملًا لمفاتيح الحقيقة، وبدلًا من أن يزيد تلميذه حملًا، يخفّفه حتى يبلغ ذاته الأصيلة. إنه بزرع الشكّ والسؤال يمهّد للولادة الروحيّة والتحرّر من الدوغمائيّة، وليس بينه وبين تلميذه سوى فرقٍ في الدرجة.

مَن هو المُعلّم الحقيقي؟ لعلّ أولى خصائص المُعلّم الحقيقي وأهمّها أنّه لا يمتلك روحًا متعصّبة، ولا يرى نفسه حاملًا لمفاتيح خزينة الحقيقة. فالمُعلّم الحقيقي ليس منصبًّا على ذاته ومُعجبًا بها فحسب، بل يمتلك القدرة على النقد الذاتي ومساءلة رؤاه وأساليبه. ويستطيع المُعلّم الحقيقي أن يمنح الآخرين الجرأة أيضًا على نقد ذواتهم وما لُقّنوه باسم التربية ومساءلته. ليست التربية سوى تمرّد على مُدّعي التربية والتربيات الزائفة.
لا يعيش المُعلّم الحقيقي وهم أنّه ينبغي عليه تعليم الآخرين حقًّا أو حقيقة مطلقة يمتلكها، وهدايتهم وتربيتهم كما يُقال. فالمُعلّم الحقيقي لا يفعل سوى أن يساعدهم على انتشال ذواتهم المدفونة من تحت أنقاض تلك الأشياء المُدمّرة التي جعلتهم، غالبًا باسم التربية والثقافة، «لا شيء» و«مُغتربين عن ذواتهم»، كي يعودوا إلى «الوجود» ويُقيموا في سلام ومُصالحة مع أنفسهم. في الواقع، لا يريد المُعلّم الحقيقي أن يُضيف شيئًا إلى الآخرين ويُثقلهم، بل على العكس، يُنقص منهم ويجعلهم «خفيفي الأحمال». ليست التربية سوى تقليم الأغصان والأوراق الزائدة.
لا يستطيع المُعلّم أن يكون واهبًا للوجود ومُبدعًا للحياة لتلاميذه، بعيدًا عن الخصال العدميّة، إلّا حين يستطيع، بدلًا من أن يجعل وجوده وأفكاره ظلًّا ثقيلًا على تلاميذه، أن يُزيح نفسه إلى الظلّ كي يتهيّأ المجال لظهورهم. المُعلّم الحقيقي لا يدعونا إلّا إلى التخلّي عن تلك «الذات» التي صارت حجابًا لذاتها؛ أن نخرج من الذات التي لسنا إيّاها وندخل في الذات التي ينبغي أن نكونها. بعبارة أخرى، لا يسلبنا المُعلّم الحقيقي من ذواتنا ليجذبنا نحو ذاته، بل يُحرّرنا من «ذات زائفة» كي يُوصلنا إلى «الذات الحقيقية».
يُشاركنا المُعلّم الحقيقي، كالقابلة، في ولادتنا الروحيّة ويُساعدنا كي نستطيع، بتجاوز «ذاتنا الأدنى»، أن نلد «ذاتنا العُليا». ليست التربية سوى قِبالة، وليس التربّي سوى ولادة جديدة. بتعبير نيتشه القاطع: «مُربّوكم الحقيقيّون هم مُحرّروكم، نحو ذواتكم»، وبلغة مولانا الجميلة: «تو را هر کس به سوی خویش خوانَد / تو را من جز به سوی تو نخوانم»
المُعلّم الحقيقي ليس من يعرف أكثر من تلاميذه، بل من يستطيع أن يتعلّم ويُعلّم أكثر منهم. بعبارة أخرى، الفرق بين الأستاذ (المُعلّم) والتلميذ ليس «فرقًا ماهويًّا»، بل هو «فرق في الدرجة»: فالأستاذ هو أكثر التلاميذ تلمذةً.
يُعلّمنا هايدغر أنّ الأستاذ ليس سوى تلميذ أفضل وأكثر جديّة؛ تلميذ أكثر شوقًا واجتهادًا للتعلّم. وبلغة سِبهري، يُمكن اعتباره مجرّد عدّاء أفضل في إثر نشيد الحقيقة، ويُمكننا بالطبع أن نتعلّم من فتغنشتاين أيضًا أنّ العدّاء الأفضل في هذا الميدان هو من يصل إلى المقصد (الحقيقة / الجواب النهائي) متأخّرًا أو لا يصل أبدًا!
أن تكون أستاذًا يعني أن تكون «مُبتدئًا دائمًا»، و«في الطريق دائمًا»، و«تلميذًا دائمًا». ومن هنا يقول مونتين، الفيلسوف والأديب الفرنسي في القرن السادس عشر: «أُفضّل أن أكون تلميذًا في الستّين على أن أكون أستاذًا في العاشرة».
المُعلّم الحقيقي هو من لا يدّعي المعرفة، وهو مثل سقراط لا يعرف إلّا أنّه «يعرف أنّه لا يعرف». وبمعنى ما، المُعلّم الحقيقي هو من «لا يعرف» أكثر؛ أو لنقُل بدقّة أكثر، هو من يعرف جهالاته أكثر. المُعلّم الحقيقي، بتعبير نيقولاس الكوزاني، الفيلسوف والرياضي الألماني في القرن الخامس عشر، يمتلك «جهلًا عالمًا».
ليس للمُعلّمين الحقيقيّين هديّة لنا سوى إلقاء الشكّ والسؤال، وخلق السرّ واللّغز. طبعًا، أولئك المُعلّمون الذين ينتمون إلى مراتب أسمى من الثقافة البشريّة يخطون إلى مرحلة أبعد. إنّهم، بنوع ما، يسلبون منّا كلّ الأجوبة ويُحيلونها أسئلة، كما يُدمّرون حلولنا ويخلقون منها ألغازًا جديدة، وهكذا يُحرّروننا من طاعون الدوغمائيّة.
المعلّمون الحقيقيّون لا يدعون الآخرين قطّ إلى أفكارهم، بل يعبّرون دائمًا عن أفكارهم بالوضوح والجلاء اللازمين، لا الزائدين طبعًا، ويقدّمون الشواهد والأدلّة المؤيّدة لها، ويسعون في الوقت نفسه إلى دفع مخاطبيهم إلى التفكير والاستدلال، وإلى امتلاك أفكار خاصّة بهم. يسعى المعلّمون الكبار، وبطريقة فنّيّة، إلى إتاحة إمكان تأويلات مختلفة ومتنوّعة، لا تأويل واحد ونهائيّ، لأفكارهم، كي يصونوا بذلك فردانيّة الإنسان وحريّته واستقلاله على نحو أفضل.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.