اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الشكية ليست شكاً دائماً، بل هي إفساح المجال للشك إزاء كل المعتقدات؛ مقاربة تتوافق مع الإيمان لا مع الدوغمائية. والخرافة ليست اعتقاداً باطلاً، بل هي اعتقاد يُغلق الباب أمام كل مساءلة ويصبح عصياً على الشك.

ليس من لوازم الشكوكية، بالضرورة، أن تكون شاكًّا دائمًا وفي كل مكان، بل أن تُجيز الشك دائمًا وفي كل مكان. بعبارة أخرى، الشكوكي ليس فردًا يتخذ موقف الشك من كل موضوع، بل هو شخص يعتبر بطلان جميع مواقفه، اليقينية منها وغير اليقينية، أمرًا محتملًا، وبهذا المعنى يعتبر كل معتقداته موضع شك.
الشكوكي يمتزج أحيانًا بالشك والريب، ويتمسك أحيانًا بالجزم واليقين، لكنه، في جميع الأحوال، يفر من الجمود والتحجر. الشكوكي، على سبيل المثال، يمكن ألا يكون لديه ذرة شك في قضية أن «لا حدث بلا علة»، لكن هذا لا يعني أن هذه القضية عنده غير قابلة لأي شك أو ريب، وأنها فكرة «غير قابلة للشك» تمامًا. الشكوكي يُجيز لنفسه ولغيره الشك إزاء أشد معتقداته يقينًا. بلغة الفلسفة، الشكوكي هو من لا يعبر من «يقينياته السيكولوجية» إلى «جزمياته الإبستمولوجية».
الشكوكي، دائمًا، يجد يقينياته الراهنة والفردية مؤقتة ويدرك ذلك. لذلك، إذا ما أثمرت بذور الشك في قلبه نتيجة معطيات جديدة، وضعف موقفه الراهن حتى يفقد إحساسه باليقين، فإن مثل هذا الحدث لا يكون بالنسبة له غير متوقع ولا مدعاة للأسف، وهو قادر على توديع الباطل. لذلك، الشكوكي منفتح على المستقبل وعلى الآخر؛ هذه هي ضرورة انفتاح الإنسان على الحقيقة. الشكوكية قابلة للجمع مع اليقين والإيمانية، لكنها غير قابلة للجمع مع الجزمية والخرافة - بالمعنى الذي سيأتي.
الشكوكية، ليست فقط لا تنفي ولا تنقض الجزم واليقين، وليست عائقًا أمام الحياة المؤمنة، بل هي على نحو ما من لوازمها. الإيمانية، بدون الشكوكية، تؤدي إلى الكفر. المؤمن يرتجف على إيمانه كشجرة الصفصاف، وهذا يعني أن المؤمن، رغم معتقداته اليقينية واطمئناناته القلبية، لا يثق بأنه قد ودع إقليم الشك إلى الأبد. مثل هذه الثقة عند المؤمن هي عين الكفر.
النموذج الأمثل للشكوكي هو من يرى، أساسًا على قاعدة البصيرة بأن لا فكر بشري يخلو من المحدودية والمشروطية، مسؤوليته في «نقد ذاتي لا نهائي»، ومن ثم، يمد يد التطاول طواعية إلى أفكاره ويستقبل زوالها. الشكوكي المثالي لا يعقد عقدًا دائمًا مع أي عقيدة، وكل عقائده مؤقتة وعجلى. الشكوكي المثالي كالعارف الذي يعتبر كل تصور له عن الإله الذي لا صورة له، وبعبارة أدق، الإله المتعالي على الصورة واللاصورة، «صنمًا»، ولذلك يضحي بها باستمرار على قدم الإله الحقيقي. «القربان» عند العارف ليس مجرد طقس رمزي، بل هو نمط وجود. بالتعبير الجميل لمولانا:
أنا المصور النقاش، أصنع في كل لحظة صنمًا ثم أمحو جميع الأصنام كلها أمامك
على كل حال، العيد الوحيد اللائق عند العارفين هو «عيد القربان»، كما أن القربان الوحيد اللائق هو «الذات». لكن، بما أن الذات الحقيقية لكل شخص ليست شيئًا سوى أفكاره ومعتقداته، فإن المراد بقربان الذات ليس شيئًا سوى التضحية بالأفكار والمعتقدات. والمراد بالتضحية بالأفكار والمعتقدات ليس شيئًا سوى تسليمها لشفرة الشك والنقد، لكي تُنزع منها، عبر هذا المسلك، سموم التعميمات غير المناسبة والتحميلات غير المشروعة.
أساسًا، لا قول، بشكل مطلق وبذاته، هو خرافة. في الواقع، كون القول خرافة يتعلق بكيفية اعتقاد قائله به. الخرافة لا تعني أن نعتقد بأفكار «عتيقة» أو «باطلة»، بل أن نعتقد بأفكار، حتى لو كانت «جديدة» جدًا أو «بديهية» تمامًا، اعتقادًا نغلق معه باب كل شك، ولا نُجيز بعدها لا لأنفسنا ولا لأي ابن بشر أن يقوم بأي تساؤل بشأنها. على كل حال، الخرافة ليست الاعتقاد الباطل، بل هي الاعتقاد الذي لا يكون قابلاً للإبطال من وجهة نظرنا، لأنه أساسًا غير قابل للشك عندنا. كل اعتقاد نتعصب له ونتصلب تجاهه، ويصبح عندنا «غير قابل للنقد» و«غير مرن» هو خرافة.
إذا كنتُ أعتقد بصحة «قراءة الفنجان» أو وجود «الصحن الطائر» استنادًا إلى أدلة مقنعة بالنسبة لي، وكنتُ على استعداد بالطبع للتخلي عن اعتقادي متى فقدت تلك الأدلة مصداقيتها، وإنكاره كلما قامت أدلة ضده، فلستُ عندئذٍ مؤمنًا بالخرافة. أما إذا كنتُ أؤمن بصحة أن «اثنين زائد اثنين يساوي أربعة» بيقين جازم يجعلني أستبعد تمامًا إمكانية المساءلة حولها ولا أُجيز فيها أي شك، فأنا عندئذٍ مؤمن بالخرافة.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
سخن آقای صدیق قطبی صحیح به نظر می رسد
سلام عالی بود... خیلی نغز و پرمغز... منتها یک ملاحظه، در باب اینکه از دست رفتن تردیدگرایی عین کفر است استشهاد به مصرعی از مولانا کردهاید: چو بید بر سر ایمان خویش میلرزم... اما به نظر نمیرسد این نگرانیهای ایمانی، متضمن تردیدگرایی معرفتی باشد. برای اغلب متدینان، دچار هوا و هوس و غفلت و اغوای دنیا و شیطان شدن، ایمان را تهدید میکند. یعنی اغلب دینداران نگران از دست رفتن ایمانشان هستند، اما نه از سر تردیدگرایی. چرا که ایمان را بیشتر نوعی تعهد عاطفی و اخلاقی میدانند. به نظر میرسد، نگرانی ایمانی(اهل ایمان همه در خوف دم عاقبتاند) لزوماً متضمن تردیدگرایی نباشد.
تعریفی در خور تأمل از خرافه، سپاس