اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا يبدو العرفان ظاهرةً اجتماعية، نظرًا لاعتماده على التجربة الذاتية ومرجعية الذات. غير أنَّ دراسة إمكانية تحوّله إلى ممارسةٍ اجتماعية، والتفاعلات المتبادلة، ودور السياق الاجتماعي، تجعل من الممكن إخضاع العرفان للدراسة السوسيولوجية.

إذا قبلنا مقولة أبراهام ماسلو وويليام جيمس بأن اللب الأساسي لكل دين وكل روحانية هو العرفان والتجربة العرفانية، فإن هذا السؤال يبرز: كيف تتحقق هذه التجربة العرفانية؟ سؤال سعى العديد من علماء النفس وعلماء الأعصاب إلى الإجابة عنه، وحاول كل منهم تقديم إجابات عليه. لكن علم الاجتماع، للأسف، لم يتأمل كثيراً في هذا المجال؛ وكانت مقاربته للعرفان تتم في إطار علم اجتماع الدين وباعتباره شكلاً من أشكال الروحانيات السائدة في العالم، أو أن البعض قد درسه فحسب باعتباره معرفةً في إطار علم اجتماع المعرفة. ومع ذلك، فإن النقطة الجديرة بالتأمل في الدراسة السوسيولوجية للعرفان هي: ما الأبعاد التي يجب أن يتحلى بها هذا الظاهرة حتى يمكن اعتبارها أمراً اجتماعياً أساساً؟ هذا سؤال مطروح اليوم أيضاً بخصوص دراسة الروحانية في علم اجتماع الدين المعاصر.
إذا قبلنا مقولة أبراهام ماسلو وويليام جيمس بأن اللب الأساسي لكل دين وكل روحانية هو العرفان والتجربة العرفانية، فإن هذا السؤال يبرز: كيف تتحقق هذه التجربة العرفانية؟ سؤال سعى العديد من علماء النفس وعلماء الأعصاب إلى الإجابة عنه، وحاول كل منهم تقديم إجابات عليه. لكن علم الاجتماع، للأسف، لم يتأمل كثيراً في هذا المجال؛ وكانت مقاربته للعرفان تتم في إطار علم اجتماع الدين وباعتباره شكلاً من أشكال الروحانيات السائدة في العالم، أو أن البعض قد درسه فحسب باعتباره معرفةً في إطار علم اجتماع المعرفة. ومع ذلك، فإن النقطة الجديرة بالتأمل في الدراسة السوسيولوجية للعرفان هي: ما الأبعاد التي يجب أن يتحلى بها هذا الظاهرة حتى يمكن اعتبارها أمراً اجتماعياً أساساً؟ هذا سؤال مطروح اليوم أيضاً بخصوص دراسة الروحانية في علم اجتماع الدين المعاصر.
في جميع التعريفات المقدمة للعرفان، ثمة نقطة مشتركة هي ارتكاز العرفان على التجربة الشخصية والحدسية والسعي لتجاوز مستوى الإدراكات التجريبية لفهم الوجود، أو التواصل مع المقدس، أو اكتشاف الحقيقة، وهو ما يستلزم أحياناً نمطاً من الحياة العملية الغامضة. والآن، وفقاً للتعريفات الموجودة للعرفان، وحتى وفقاً للتجربة والفهم الشخصيين اللذين نمتلكهما نحن كلٌ منا لهذه الظاهرة، فإن معرفتها كظاهرة اجتماعية أمر صعب ومثير للتحدي. ربما يعود ذلك إلى أن التجربة الشخصية، وبحسب علماء نفس مثل ويليام جيمس، فإن النمط الشخصي قد لعب دوماً دوراً محورياً في الميل نحو العرفان. مثل هذه النظرة إلى العرفان تستحضر إلى الذهن مسألة أن العرفان والميل إليه هو أمر شخصي تماماً ينجذب إليه الأفراد بناءً على رغبتهم وإرادتهم. مثل هذه النظرة إلى العرفان لا يقبلها علم الاجتماع؛ لأن الأفراد الذين لديهم حتى ميل شخصي نحو العرفان يُنظر إليهم كأفراد منعزلين وليس كفاعلين اجتماعيين. التحدي الآخر في دراسة العرفان بمقاربة سوسيولوجية هو اعتباره معرفةً أو أسلوب حياة. في كلتا الحالتين، إذا لم يتحول العرفان إلى بناء اجتماعي، فلن يكون قابلاً للدراسة من الناحية السوسيولوجية.
التحدي الآخر في الدراسة السوسيولوجية للعرفان هو المرجعية الذاتية للعرفان مقارنةً بالأساليب الأخرى في مواجهة المقدس. بمعنى أنه حتى في التفسيرات العرفانية لدين مؤسساتي، مقارنةً بالتفسيرات الأخرى للدين نفسه؛ فإن التفسير العرفاني، لاعتماده على التلقيات الحضورية المباشرة، يكون معيار صحته وخطئه هو الفرد أو المرشد؛ وبالتالي لا توجد إمكانية لتعميم الكثير من التلقيات والتعليمات على الآخرين. هذه الخاصية للعرفان تتداخل أيضاً مع الروحانية بمعناها الجديد. ولهذا السبب يدرس علماء الاجتماع العرفان بوصفه أحد أنواع الروحانيات الناشئة.
بصرف النظر عن التحديات الموجودة في دراسة العرفان بمقاربة سوسيولوجية؛ إذا أمكنت الإجابة عن ثلاث مسائل أو ثلاثة أسئلة على الأقل في دراسة العرفان، فبعد ذلك يمكن الحديث بثقة عن حقل فرعي دراسي بعنوان «سوسيولوجيا العرفان».
1ـ هل يمكن للعرفان أن يتحول إلى ممارسة (ورزة) اجتماعية؟ 2ـ كيف يمكن تتبع العرفان في التفاعلات الاجتماعية المتبادلة؟ 3ـ ما هو دور السياق الاجتماعي في بلوغ التجارب العرفانية؟ هذه الأسئلة الثلاثة توفر في الواقع ثلاثة سياقات لدراسة العرفان في علم الاجتماع. سأحاول في هذا المقام أن أعرض بإيجاز أهمية تناول هذه المسائل الثلاث، وأن أدافع قدر الإمكان عن خلق مقاربة سوسيولوجية لدراسة العرفان.
فيما يتعلق بالمسألة الأولى، إذا لم يستطع العرفان أن يثبت إمكانية تحوله إلى ممارسة اجتماعية، فلن يتمكن علم اجتماع العرفان من تمييز حدوده عن الدراسات العرفانية السائدة التي تُجرى عادة بمقاربة لاهوتية. كان ماركس أول من طرح مفهوم الممارسة الاجتماعية وقدمه بوصفه البُعد العملي للحياة الإنسانية، وكان هذا إرثاً وصل إلى فيبر بشكل مختلف فطرحه في إطار إنتاج الفعل ذي المعنى. بمعنى أن العرفان يجب أن يكون قادراً على إنتاج بناء في النظام الاجتماعي أو أن ينخرط في صراع مع البنى الاجتماعية القائمة كالسلطة. في الواقع، يجب أن يكون العرفان قادراً على تجاوز إطار رمزي ومعرفي، وأن يخلق على الأقل نوعاً من التجربة والمشاعر والتجسيد الجمعي. يبدو أن العرفان في إيران قد تمكن من بلوغ هذا الأمر، وقد أدت هذه الممارسة الاجتماعية دورها بشكل ما مع ظهور التصوف في حقباتنا التاريخية.
إن دراسة الفعل الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي المتبادل متلازمان؛ لأننا إذا أردنا دراسة العرفان في التفاعلات الاجتماعية المتبادلة، فإننا نتحرر من دراسة الفرد بوصفه فرداً، وتتاح لنا إمكانية دراسة كيفية ارتباط الأفراد ببعضهم البعض، وانخراطهم في شبكات مختلفة، وكيفية مواجهتهم لمختلف المرجعيات ذات السلطة. وإذا لم يكن العرفان قد تحول في هذه المرحلة إلى فعل اجتماعي، فلن تكون دراسته في التفاعلات الاجتماعية المتبادلة والشبكات الاجتماعية ممكنة أيضاً. وهنا أيضاً تتجلى أهمية التصوف، أي إذا اعتبرنا التصوف ممارسة اجتماعية للعرفان، على الأقل في المجتمع الإيراني، فإن دراسة التفاعلات الاجتماعية المتبادلة التي أوجدها التصوف، وعلاقاتهم داخل الشبكات، ومواجهتهم لأنواع السلطة، ستكون ممكنة بسهولة.
أخيراً، حتى لو لم نرد اختزال العرفان إلى التصوف، واعتبرناه مجرد أمر شخصي قائم على التجربة الشخصية؛ فإن جميع التجارب العرفانية تحدث في سياق اجتماعي محدد، وكل فرد يمر بعملية تنشئة اجتماعية معينة، وفي المجتمعات الدينية يتعلم الأفراد عملية التنشئة الاجتماعية الدينية أو مواجهة المقدس. بمعنى آخر، حتى لو اعتبرنا العرفاء، كما يقول علماء النفس، أفراداً ذوي أنماط شخصية معينة؛ فإن السياق الاجتماعي المختلف الذي نشأ فيه كل عارف وخاض فيه عملية التنشئة الاجتماعية كان مؤثراً في تجاربهم العرفانية ومواجهتهم للمقدس. ويمكن ملاحظة هذا الاختلاف في سلوكهم العرفاني.
بناءً على هذه التوضيحات، إذا كان من المقرر دراسة العرفان بمقاربة سوسيولوجية، وكان ظهوره بوصفه ممارسة وفعلاً اجتماعياً متبادلاً مهماً بالنسبة لنا؛ فقد يكون من الأفضل أن نستبدل العرفان بالتصوف، لأن الأبعاد الاجتماعية والموضوعية للتصوف أكثر وضوحاً، بل ويمكن إثبات أن التصوف بناء اجتماعي لجزء من العرفان بوصفه شكلاً من أشكال المعرفة. وإلا، فيجب علينا اختزال العرفان إلى التجربة العرفانية ودراستها في سياقها الاجتماعي المحدد والمؤثر فيها. لذلك، فإن استخدام مصطلح «علم اجتماع العرفان» يوقعنا في إشكال معرفي، وذلك بسبب بُعده المعرفي وتمركزه حول الفرد، في حين أن «علم اجتماع التصوف» أو «علم اجتماع التجربة العرفانية» لن يواجها مثل هذه المشكلات. هذا بالطبع تأمل شخصي ومقتضب جداً في هذا الشأن، وهناك بالتأكيد مقاربات أكثر دقة في هذا المجال.
علم الاجتماع
الفلسفة
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.