اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقول يوسف أباذري إن علم الاجتماع الذي كان وسيطاً بين الدولة والمجتمع فقد اليوم مكانته تحت وطأة الاقتصاد النيوليبرالي. وقد حلّ إنكار وجود المجتمع والتأكيد على الفردية محلّ علم الاجتماع، تاركين الساحة لعلم النفس والفلسفة.

ألقى الدكتور يوسف أبادي محاضرة في الندوة التي عقدت حول ثمانية عقود من العلوم الاجتماعية في جامعة طهران بعنوان «تأملّ في علم الاجتماع المعاصر الإيراني وعلاقته بالماضي».
.
. عندما دخلت هذه الجامعة، كان الدكتور توسلي والدكتور محمد ميرزائي وآخرون هنا جميعاً، وحري بنا أن نشكر جميعهم لأن الدكتور توسلي أبقى على شعلة هذا العلم مشتعلة في أوائل الثورة وواصل مسيره.
وأضاف: قبل ذلك، لم يكن علم الاجتماع بعيداً كثيراً عن الفلسفة الاجتماعية، وإذا نظرت إلى علماء الاجتماع في القرن التاسع عشر، فإنهم كانوا بنوع ما فلاسفة اجتماعيين أكثر. فمثلاً نظريات كونت تمثل نوعاً من فلسفة التاريخ أكثر منها علم اجتماع. وهنا بدأت الدول تلجأ إلى علماء الاجتماع.
وقال يوسف أبادي في السياق: في هذه الفترة وفي هذا السياق بكل أبعاده، وُلد علم الاجتماع. ولم يكن الهدف من علم الاجتماع نسج الفلسفة أو شيئاً آخر، بل كان يستفيد من الفلسفة الاجتماعية. أراد علم الاجتماع أن يساعد المجتمع والدولة بطريقة تجريبية وأن يكون بنوع ما وسيطاً بينهما، وقام بأدوار كثيرة. شهدنا ازدهار العديد من آراء وأفكار علم الاجتماع. على كل حال، كان الجميع يعملون على المستوى العالمي، والأهم أن الجانب التجريبي من علم الاجتماع الإيراني كان يعمل أيضاً، لكن يجب على علم الاجتماع أن يقوم بدور الوسيط تجريبياً بين الطبقات والمجموعات المختلفة في المجتمع والدولة.
وأشار إلى دور علم الاجتماع في المجتمع وحقيقة أن علم الاجتماع ليس له دور ثوري، فقال: علم الاجتماع هو علم إصلاحي، وإن كان هناك أفراد متطرفون في علم الاجتماع. أساس علم الاجتماع هو أساس إصلاحي، وهو يسعى إلى إصلاح الأمور. لأنه يقوم ويعمل في هذا السياق العالمي الثلاثي الأبعاد. وفي إيران أيضاً، النظام السابق لم يكن بحاجة إلى علم الاجتماع لأن الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية لا تحتاج إلى علم الاجتماع. لاحظ أنه من بينوشيه إلى ستالين، لا أحد احتاج إلى علم الاجتماع. علم الاجتماع يفيد أولئك الذين يريدون أن ينجزوا أشياء.
وتابع قائلاً: مجتمعنا متأثر أيضاً بالمجتمع العالمي، وبالتالي الدولة، وفي تلك الفترة كانت تستمد نموذجها من النموذج العالمي وتفكر في أن الدولة يجب أن تفعل شيئاً لشعبها وأن تزيل عدداً من النقائص. ونتيجة لذلك، وجد علم الاجتماع مكانته في تلك الفترة وكان له دور. لا أقصد أن علماء الاجتماع أو الدولة كانوا يعلمون أن علم الاجتماع يحتل هذه المكانة. لكن كان هناك شيء من هذا القبيل. بعد الثورة، تغيرت الأمور. الآن لهذه القصة تفاصيل كثيرة حول سبب حدوث ذلك، وفي هذا الصدد يجب أن نشكر الدكتور توسلي الذي جاهد من أجل بقاء علم الاجتماع في بدايات الثورة وحافظ على علم الاجتماع ومضى قدماً في عمله.
وقال أبادي في السياق: بعد الحرب، حدث شيء لم ندركه بعد ولا نعلمه. ظهر تيار اقتصادي نيولبرالي واستحوذ على المجتمع بنوع ما. لم يفهم علماء الاجتماع هذا الموضوع لأننا كنا منشغلين بالثقافة وما إلى ذلك. أنا أيضاً لم أكن أعرف ما الذي كان يحدث. في حين أننا لم نكن نعلم أن مؤسسي علم الاجتماع لديهم وجهات نظر أخرى مثل تقسيم العمل وغيرها. نسي علم الاجتماع الاقتصاد، لكن هذا المذهب جاء واستحوذ على المجتمع، لكن على كل حال، علم الاجتماع لم يرَ هذه الأشياء.
وقال: لهذه نظريتان قاعدتان، وإذا تأملنا فيهما نصل إلى نتائج في غاية الأهمية. أولاهما أن القوانين الاقتصادية لا تتغير، وهي ذاتها قوانين السوق الحرة... وهذا مهم جداً أن تعلموا أنه من وجهة نظرهم أسوأ دولة هي الدولة المتدخلة. فمجمل قوانين الاقتصاد يحددها آلية السوق الحرة، والدول لا تملك أي حق تدخل في أي مسائل، وأسوأ دولة من وجهة نظرهم هي الدولة المتدخلة. أي دولة يجب أن تتركها بكل طريقة ممكنة كي تعمل قوانين السوق بحرية. بينما في الاقتصاد الكينزي الأساس هو أن المجموعات الاقتصادية تتفاوض وتناقش فيما بينها وتتشاور، وبالتالي يوجد مجال لشيء اسمه الديمقراطية. لهم تفسير خاص للديمقراطية ويستثنون الاقتصاد منها، وما يبقى هو الاستهلاك. نموذجهم شيء مثل دبي. إنهم يؤمنون باليد الخفية للسوق. أنت حر أن تفعل ما تشاء لكن لا تخبرني أنني جائع، وهنا لا تستطيع الدولة أن تفعل شيئاً.
وتابع: من يسعى وراء هذا الاقتصاد يقول لا تحدثني عن الأجور والاقتصاد والبطالة وما إلى ذلك. لأن الاقتصاد له يد خفية لا أستطيع أن أتشاور معك بشأنها. قبلت الهيئة الحاكمة لدينا هذه المسألة ولا علاقة لها بهذا الجناح أو ذاك. السياسات تسير نحو تحقيق هذه القضية. خصخصة الجامعة هي جزء من هذه القضية.
وأضاف: القاعدة الثانية التي يتمسكون بها هي أنه لا يوجد شيء اسمه مجتمع، بل الأفراد هم الموجودون. وإذا لم يكن هناك شيء اسمه مجتمع تكون النتائج المترتبة على ذلك كما يلي. لكن المقصود هو أنك فرد وأنك إذا أردت أن تذهب وتجتمع وتفاوض مع الدولة على حقوقك فهذا ليس صحيحاً، وحيثما أردت أن تذهب. لا يوجد شيء اسمه مجتمع بل الفرد وحده. انظروا ما يترتب على هذا: أن أول علم يطرح خارج دائرة العلوم هو علم الاجتماع. وهذا ما حدث، وحدث أيضاً على المستوى العالمي. وهذا يحدث الآن.
أضاف أبادري في المتابعة: أحد الأسباب التي من أجلها يتم تدمير علم الاجتماع على مستوى المجتمع الإيراني هو هذان النقاشان بالذات، وهو الآن لا يملك موقعاً أساساً، وربما يكون من الأفضل أن نقول إنه لا يوجد على الإطلاق. والنتيجة هي أن تغييرات حدثت على مستوى التعليم، فتم القضاء على التعليم بذريعة البحث، تم إلغاء التعليم باسم البحث. هذا البحث نفسه ارتبط بالمشاريع الحكومية الكبرى بحيث لا يعرف أحد ماذا سيكون نهايته. مع إضعاف علم الاجتماع قويت علمان جانبيان له وهما علم النفس والفلسفة.
أضاف أستاذ علم الاجتماع بجامعة طهران: علم النفس والفلسفة أحلا اليوم بلاءً على إيران لا يعرف أحد إلى أين سيصل. يقول علماء النفس أن المجتمع يعاني من مشاكل، لكن هذه المشاكل ليست في المجتمع بل في الفرد. فمثلاً إيران تملك أعلى معدل استهلاك للمهدئات، كيف حدث هذا؟ إذا قلت إنني فقير وقلت ليس لدي ماء، يقول هذا لا علاقة له بالدولة. السوق يجب أن يحل هذه المشاكل. وبالتالي النتيجة هي ذرية الأفراد كما نشاهد، بينما التضامن الاجتماعي يقتضي الوساطة، وديركايم ليس في الأساس بصدد الحرب والخصام.
تابع أبادري: لذلك أولاً يجب أن يدرك الأصدقاء ما الذي يحدث، ثم نأتي للحديث عن نقائص العلوم الاجتماعية. لا يوجد نقائص بل لا يوجد في الأساس مكان لعلم الاجتماع. إنها نوع من الفلسفة. الفلسفة ضيقت المجال على علم الاجتماع التجريبي. علم الاجتماع يشتغل على فرد مفرد لكن الفلسفة تقول أنا سأعطيك الأسس. تقول يجب أن أأتي بمقولات جديدة وهذا علم الاجتماع غير كافٍ. اليوم أولئك الذين يتحدثون عن الإسلامة أيضاً يقولون هذا غير كافٍ بل يجب أن أعطيك المقولات. حسناً، من أين يجب أن تأتي المقولات؟ بطبيعة الحال يجب أن تأتي من فلسفة ما.
أكد أستاذ جامعة طهران: بشكل عام، توجد ثلاث تيارات فلسفية في إيران؛ أحدها الفلسفة الإيرانية القديمة التي شهدنا جميعاً آثارها وهذا أيضاً نوع من امتدادها. والثاني هم الليبراليون الجدد الذين يسيئون إلى علم الاجتماع بأقسى الألفاظ. حجتهم أن شيئاً باسم المجتمع لا وجود له. عندما يكون البناء بحيث لا يجب على الدولة أن تتدخل في أي شيء، من الواضح ما الذي سيحدث. والمجموعة الثالثة هي علماء الاجتماع المحافظون الذين بدؤوا الآن وهم معتقدون بموت علم الاجتماع، يقولون إن مقولات علم الاجتماع قديمة وديمة وفي متناول أيدينا نسخة جديدة منها، بينما يجب على علم الاجتماع أن يتعامل مع واقع الظواهر الخارجية وليس مع المقولات والظواهر العامة. كل هؤلاء يقولون يجب أن نبني مقولات جديدة.
قال: هذه التيارات الثلاثة تشترك جميعاً في شيء واحد وهو أنهم يقولون لا شيء باسم المجتمع موجود ويمكننا بالفلسفة أن نحدد حدود المجتمع وتخومه. في هذا الوقت، فقد علم الاجتماع مكانته وأساساً لا مكانة له. علماء النفس والفلاسفة جميعاً أعمالهم رائجة لأنهم يقولون أشياء لا يفهمها الناس، لأنها ليست تجريبية. بينما علم الاجتماع الذي هو علم تجريبي ويريد إلى حد ما أن يتدخل في حياة الناس، لا مكان له.
وأضاف، في إشارة إلى مناقشة التعليم في الجامعات: اليوم التعليم مهجور. بموجب هذا النظام، يجب ألا يدرّس الأستاذ والطالب ولا يطلبا العلم. هذا ليس تقصير أحد بل هذا ما يريده النظام. انظروا، اليوم لا أحد لديه صبر ليقرأ 13 ساعة من الكتب ليحضر الفصل، وهذا ما يريده النظام. لذلك مشكلتنا ليست أننا لا نملك مفكرين. ضعف التعليم نظامي وليس تقصير أحد. بل الجميع نزعت منهم الأسلحة أمام مثل هذا النظام.
وتابع: مشكلتنا هذه. الدولة لا تحتاج إلى عالم اجتماع لكي تعرف الناس. مثال: عندما ترفع سعر حوامل الطاقة وتسميها تعديلاً، ماذا تقصد؟ تقصد أنك تريد أن تقربها من السعر الحر. هذا كان مشروعاً قالت كل المجموعات السياسية ليتنا قمنا به. منطق السياسة الانكماشية لا علاقة له بالتدبير إطلاقاً. دول مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا انهارت بسبب السياسة الانكماشية، بينما أمريكا اللاتينية، بسبب أخذها علماء الاجتماع على محمل الجد، تحاول أن تفر من هذه الكارثة.
وأكمل قائلاً: السياسة الانكماشية ليست نتاج تدبير ولا نتاج أمل. بل هي النتيجة المنطقية لانتهاج سياسة تغليظ أو تعديل حوامل الطاقة. ما قصة اليونان؟ الألمان يقولون اتخذ سياسة انكماشية. يعني ليس لك الحق أن تنفق على الصحة. خصصّ التعليم وما إلى ذلك... وفي إيران الأمر كذلك. بينما في النظام الكينزي يقول يجب على الدولة أن تحقق تنمية بأموال لا تملكها وليس بأموال تملكها. عندما تختار نظاماً فكرياً معيناً، فالنتيجة هي هذه الأشياء التي نملكها. ألمانيا تقول لا تضف أموالاً إضافية للأجور والديون التي لديك لي بدلاً من ذلك بع لي الموانئ. سأقوم باستثمار أجنبي. نحن الذين ننوح كل هذا من أجل السياسة الخارجية، هذه نتيجة منطقية لسياسة. الألمان اشتروا أرض اليونان برخص ثمن. هذا هو ما يقولونه، أن ما لم تستطع تحقيقه هتلر بدباباتها، ميركل تحققه بمصارفها.
أكد أبادي: لكن المسألة أن المكانة فُقدت. الدولة لا تحتاج إلى علم الاجتماع. في هذا النموذج والنظام لا مكان لعلم الاجتماع. لأن علم الاجتماع علم حقيقي واقعي ويعبر عن واقعيات المجتمع ويتوسط بين المجموعات وينادي بتدخل الدولة، بينما نرى أن الدول ترى نفسها في غنى عن علم الاجتماع.
وقال في الختام: خطابي إلى الجيل القادم هو أن تأخذوا المسألة على محمل الجد وأن تكونوا جادين في التعليم وأن تسعوا إلى دراسة النصوص القديمة والعودة إلى مصادركم الأصلية. عودوا إلى آل أحمد وشريعتي وغيرهم واقرأوهم، لأن علم الاجتماع إما أن يعود إلى مصادره الأصلية وأن يقرأ جذوره وإما أن تموتوا. تفطنوا للمسائل العميقة في مجتمعكم واعلموا أن الناس يتجهون نحو علم الاجتماع، أي أن هذه السياسة قد جلبت خسائر كثيرة بحيث إن الناس يحتاجون إلى علم الاجتماع. آلاف العاطلين وآلاف من الأنوميا... وكل ما له واقعية يتجه نحو علم الاجتماع لكن يد عالم الاجتماع وجناحه مقيدان. لا يحل أحد هذا القيد لكم بواسطة الندوة والكلية وغيرها. عليكم أن تقرأوا وتقرأوا حتى تصلوا بالصدفة إلى الواقع.
.
.
.
.
.
.
علم الاجتماع
علم النفس
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.